الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«ثلاثٌ مَن فَعَلَهُنَّ فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمانِ: مَن عبدَ اللَّهَ وحْدَهُ، وأنَّه لا إله إلَّا اللَّهُ، وأَعْطَى زكاةَ مالِهِ طَيِّبَةً بها نفسُهُ، رَافِدَةً عليه كلَّ عامٍ، ولا يُعْطِي الهَرِمَةَ، ولا الدَّرِنَةَ، ولا المريضَةَ، ولا الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ، ولكنْ مِن وسَطِ أموالكُمْ؛ فإنَّ اللَّهَ لم يسألكُمْ خيرَهُ، ولم يأمركُمْ بشَرِّهِ».


رواه أبو داود برقم: (1582) واللفظ له، والطبراني في الصغير برقم: (555) وفي مسند الشاميين برقم: (1870) والبيهقي في الكبرى برقم: (7275) وشُعب الإيمان برقم: (3026) والبخاري في التاريخ الكبير برقم: (54)، من حديث عبد الله بن معاوية الغاضريِّ -رضي الله عنه-.
وزاد البخاري والبيهقي والطبراني: «وزَكَّى عبدٌ نفسَهُ»، فقال رجلٌ: ما تَزْكِيَةُ المرءِ نفسَهُ يا رسول اللهِ؟ قال: «يعلمُ أنَّ اللهَ معهُ حيثُ ما كان».
واقتصر في الجامع الصغير برقم: (5352) على زيادة قوله: «وزَكَّى نَفْسَهُ» فقط.
صحيح الجامع برقم: (3041)، صحيح سنن أبي داود برقم: (1410)،
وصححه بتمامه في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1046).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«رَافِدَةً»:
الرَّافدة فاعلة من الرِّفْدِ، وهو الإعانة، يقال: رَفَدْتُهُ أَرْفِدُهُ؛ إذا أَعَنْتُهُ، أي: تُعينه نفْسُه على أدائها. النهاية، لابن الأثير (2/ 241).

«الهَرِمَةَ»:
التي قد أضرَّ بها الكِبَرُ، وبلغت منه حدًّا لا يكون فيها درٌّ ولا نَسْلٌ. الاقتضاب، لليفرني (1/ 292).

«الدَّرِنَةَ»:
بفتح الدال المهملة، وكسر الراء، وبعدها نون مفتوحة، وتاء تأنيث...، وهي الجَرْبَاء، وأصل الدَّرَنِ: الوَسَخ. شرح أبي داود، للعيني (6/ 273).
قال الزمخشري -رحمه الله-:
الدَّرِنَة: أرادَ الدُّون الرديئة، فجعل الرداءة دَرَنًا. الفائق (2/ 361).

«الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ»:
أي: رذَال المال، وقيل: صِغاره وشِراره. لسان العرب لابن منظور (7/ 331)


شرح الحديث


قال ابن حجر -رحمه الله-:
رواه الطبراني وجوَّد إسناده، وسياقه أتم سندًا ومتنًا. التلخيص (2/ 348).

قوله: «ثلاثٌ مَن فَعَلَهُنَّ»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«ثلاثٌ» أي: ثلاثُ خصالٍ. بذل المجهود (6/ 384).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «ثلاثٌ مَن فعلهن» هذا إجمال مِن أجل الاهتمام والعناية والتشويق لما سيُذكر بعد ذلك...، وهذا فيه حثٌّ على الاهتمام بما سيأتي، وأيضًا ذِكْرُ العدد يجعل الإنسان يضبط العدد، ولو نسي شيئًا، فإنَّه سيعلم أنَّه حصل نقص؛ لأنَّه لا بد أنَّ يُطابق العددُ المعدودَ، فإذا ذكر العدد أولًا، فإنه يجعل الإنسان يطالب نفسه بالمعدود حتى يطابق العدد، فهذا من فوائد تقديم العدد. شرح سنن أبي داود (ص: 2).

قوله: «فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمانِ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «طَعِمَ طَعْم الإيمان» طَعِمَ فِعْلٌ معجمي، بكسر العين، بمعنى: ذاق، ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} البقرة: 249، والطَّعَم: بالفتح ما يؤديه الذوق. شرح أبي داود (6/ 273).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان» أي: قد ذاقه واستلذ به، وفيه: استعارة. التحبير (1/ 167).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقد طَعِمَ» بكسر العين، أي: ذاق «طعم الإيمان»، والذوق إنَّما يكون في المطعومات، كما قال الله تعالى في الماء: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} البقرة: 249، لكن يفترق فيه بأنْ شبَّه الإيمان بالعسل ونحوه مما هو مطعوم حلو؛ للجهة الجامعة بينهما، وهو الالتذاذ، ومَيل القلب إليه، فذكر المشبَّه، وأُضيف إليه ما هو من خواص المشبَّه به ولوازمه، وهو الذوق على سبيل المجاز، ومثل هذا يُسمَّى بالاستعارة بالكناية. شرح سنن أبي داود (7/ 516).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فقد طَعِمَ» أي: ذاق «طعم الإيمان» وحصل له لذته وبشاشته وانشراحه. بذل المجهود (6/ 384).

قوله: «مَن عبدَ اللَّهَ وحْدَهُ، وأنَّه لا إله إلَّا اللَّهُ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «مَن عبدَ الله وحده» أي: أُولى الخصال الثلاثة: مَن عبد الله وحده.
قوله: «وأنَّه لا إله إلا الله» عطفٌ على قوله: «وحده» فيكون في محل النصب؛ لأنَّ «وحده» حال، بمعنى: ينفرد وحده. شرح أبي داود (6/ 273).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«مَن عَبَد الله وحده» العبادة: غاية الخضوع والتذلل والانقياد، وهي عامة لكل ما يُتذلل به لله تعالى، فيما أمر به، فيشمل كل عبادة أمر الله بها.
وقوله: «وعَلِمَ أنَّه لا إله إلا الله» هذه متقدمة على الأُولى وجُودًا وطلبًا، ولكن الواو لا تقتضي الترتيب، على أنه قد يُقال: عِلْمُ أنْ لا إله إلا الله، قد استلزمه إفراده بالعبادة، الدال عليه قوله: «وحده»؛ إذ لا يفرده بها إلا بعد علمه بانفراده بالإلهية.
وقدَّمنا لك أنه لا بد من العلم والقول بهذه الكلمة، وإذا كان كذلك فهو من باب عطف الخاص على العام. التحبير (1/ 167).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«مَن عبَد الله وحده» أي: مستلذًّا بعبادته، مكثرًا منها، كما يستلذ من ذاق طعم العسل به، ويكثر مِن أَكْلِهِ «و» عَلِمَ «أنه لا إله إلا هو» والظاهر أنَّ هذا من العطف التفسيري، الذي هو بيان للمعطوف؛ وذلك أنَّه لما عَلِمَ أنه لا إله إلا هو عَبَدَه، واستلذ بعبادته، ومِن العطف التفسيري: {ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} البقرة: 232؛ لأن التطهير تفسير للزكاة. شرح سنن أبي داود (7/ 516).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«مَن عَبَدَ الله وحده» ولم يُشرك به شيئًا في ذاته، وصفاته، وأفعاله «و» اعتقد «أنه لا إله إلَّا الله». بذل المجهود (6/ 384).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «وأنه لا إله إلا هو» جملة معترضة؛ لتقرير التوحيد، وأنَّه حق، موافق للواقع. فتح الودود (2/ 205).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «مَن عَبَدَ الله وحده، وأنه لا إله إلا الله» هذه الخصلة الأولى من الثلاث، وهي إخلاص العبادة لله -عز وجل-، وهذا هو الأساس؛ لأنَّ إفراد الله بالعبادة أساس كل عمل، وكل عمل من الأعمال لا يُقبل إلا إذا كان خالصًا لوجه الله -عز وجل- وحده، لا شريك له.
«ولا إله إلا الله» هي كلمة الإخلاص والتوحيد، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، فهي مشتملة على نفي وإثبات، نفي عام في أولها، وإثبات خاص في آخرها، النفي العام الذي في أولها هو نفي العبادة عن كل ما سوى الله، والإثبات الخاص الذي في آخرها هو إثبات العبادة لله وحده، لا شريك له. شرح سنن أبي داود (ص: 2).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله- أيضًا:
يُحتمل أنْ يكون قوله: «مَن عَبَدَ الله وحده، وأنه لا إله إلا هو» اثنتين، ثم الثالثة ما يتعلَّق بالزكاة، ويُحتمل أنْ يكون خصلة واحدة، وإعطاء الزكاة طيِّبة بها نفسه هي الخصلة الثانية، وكونه لا يعمد إلى شيء فيه عيب، وفيه نقص فيخرجه الخصلة الثالثة (كذا قال، وقد بيَّنا سابقًا أنَّ أبا داود اختصره فلم يذكر الخصلة الثالثة). شرح سنن أبي داود (ص: 2).

قوله: «وأَعْطَى زكاةَ مالِهِ طَيِّبَةً بها نفسُهُ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وأعطى زكاة ماله» هي الخصلة الثانية.
قوله: «طيِّبةً بها نفسه» أي: حال كونه طيِّبةً بالزكاة نفسه، وإنَّما أنَّثَ «طيِّبةً» لاستنادها إلى النفس، يُقال: طابت نفسه بالشيء، إذا سمحت به من غير كراهة، ولا غضب. شرح أبي داود (6/ 273).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «وأعطى زكاة ماله، طيِّبةً بها نفسه» وذلك إذا أعطى المال من العبادة؛ لما فيه من الامتثال للأمر، وإخراج ما هو شقيق الروح إيمانًا بوجوبها، فيكون هذا تفصيل لذلك المجمَل، وعدها ثلاثًا؛ لأنها كذلك، وإنْ شملها أمر واحد، وفي إضافة الزكاة إلى المال إعلام بأنه لا زكاة على من لا مال له، ثم هي مجمَلة هنا قدرًا ونصابًا وزمانًا ومصرفًا، وكم في كل نوع من المال؟ ومن أي المال تجب؟ ففيها إجمال واسع، وقد بينَتْهُ السُّنة النبوية بيانًا شافيًا، ثم شرط في الإعطاء أن يكون عن طِيبة نفس، والْمُخرِج لها عالمًا أنَّ هذه طاعة لا يتم الامتثال إلا بطِيبة النفس وبذلها، ولا يكون في قِسْم مَن قال الله فيهم: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا} التوبة: 98، بل يكون من القسم الذين قال الله فيهم: {وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ} التوبة: 99، وكيف لا تطيب نفسه بجزء حقير عُشْرًا أو نصفه أو رُبعه، يخرجه صلةً لإخوانه الفقراء، ومواساة لهم، وشكرًا لله، وسيذكر الله له ما أعطاه، ومتاجرة له؟! فإنه يقول تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} الروم: 39، والحوامل على طِيبة النفس بها كثيرة، لكن من العِباد من يتزلزل قدمه عند إخراج المال...، {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الحشر: 9؛ ولذا أفرد الزكاة هنا مع شمول الأُولى لها بشموله لقريبتها، وهي الصلاة؛ لشدة التكليف بها، وعدم سماحة النفوس ببذلها. التحبير (1/168- 169).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وأعطى زكاة ماله طيِّبةً» منصوب على الحال، أي: دفع الزكاة في حال كون نفسه «بها» طيِّبة؛ وذلك أن الإنسان إذا عرف الله ذاق حلاوة عبادته، وطابت نفسه بتحمل المشاق، والإعراض عن الدنيا بإخراج الزكوات منشرحًا بها صدره، وكثرة الصدقات، وأفعال الخير؛ طلبًا لما هو عند الله باقٍ. شرح سنن أبي داود (7/ 516-517).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
أي: أنه يُخرج الزكاة عن طِيب نفس، فلا يخرجها عن كراهية، وعدم رضا، وعدم ارتياح؛ لأن هذا حكم الله، وهذا حق أوجبه الله -عز وجل- في أموال الأغنياء للفقراء؛ شكرًا لله -عز وجل- على هذه النعمة، والزكاة من أسباب نماء المال، وأسباب كثرته، كما جاء في الحديث: «ما نقص مال من صدقة، بل تَزِدْهُ، بل تَزِدْهُ». شرح سنن أبي داود (ص: 2).

قوله: «رَافِدَةً عليه كلَّ عامٍ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «رافدة عليه» أي: مُعِينة، وأصل الرِّفد: الإعانة، والرِّفد: المعونة. معالم السنن (2/ 37).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«رافدة عليه» أي: مُعِينة له نفسُه على أداء الزكاة، لا تحدثه نفسه بمنعها، فهي ترفده وتعينه؛ لِمَا رسخ في نفسه من محبة الله حين عرفه، والرِّفد هو الإعانة، فـ«رافدة» بمعنى: فاعلة.
«في كل عام» إذا حال على ماله الحول.
وفيه: أنَّ الزكاة تجب في كل عام. شرح سنن أبي داود (7/ 517).
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«كل عام» لأن الزكاة لا تجب إلَّا بعد تمام الحول؛ فلو أدى قبل تمامه يكون أداؤها بطِيب النفس، ورغبتها على أدائها. بذل المجهود (6/ 384).

قوله: «ولا يُعْطِي الهَرِمَةَ»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«ولا يُعطي الهَرِمَة» أي: كبيرة السن. بذل المجهود (6/ 384).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ولم يعطِ» فيما وجب عليه «الهَرِمَة» وهي المسِنَّة الكبيرة السِّن من كل حيوان. شرح سنن أبي داود (7/ 517).

قوله: «ولا الدَّرِنَةَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ولا الدَّرِنَة» بفتح الدال المهملة، وكسر الراء وبعدها نون مفتوحة وتاء تأنيث، وهي المعيبة الرديئة، كالجَرباء ونحوها، فيجعل الزكاة التي لازمة له كالدَّرَن الذي يُلقيه الإنسان عن نفسه، والدَّرَن الوسخ الذي يجتمع على البدن، ونحوه. شرح سنن أبي داود (7/ 517).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«ولا الدَّرِنةَ» أي: الجرباءَ، وأصله من الوسخ. بذل المجهود (6/ 384).

قوله: «ولا الْمَرِيضَة»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ولا المريضة» البَيِّن مَرَضُها، لكن المريضة تُؤخَذ من المِرَاض باتفاق الأصحاب عندنا (الشافعية)، وأَخَذ بعموم الحديث مالك؛ حيث منع من أخذ المريضة من المِرَاض، لكن أصحابنا يقولون: إن الحديث خَرَجَ مخرج الغالب؛ فإنَّ مَرَضَ الشياه كلها نادر. شرح سنن أبي داود (7/ 517).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «ولا المريضة» المرض: نقص فيها، وقد يُؤدِي إلى هلاكها، أو يكون النقص الذي يحصل لها بسبب المرض شديدًا. شرح سنن أبي داود (ص: 2).

قوله: «ولا الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ»:
قال ابن رسلان رحمه الله-:
«ولا الشَّرَط» بفتح الشين المعجمة والراء والطاء المهملة، أي: الرَّذيلة كالعجفاء (الهزيلة) والصغيرة. و«اللئيمة» وهي أردأ المال وأرذله. شرح سنن أبي داود (7/ 518).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«ولا الشَّرَطَ اللئيمةَ»...، رذائل المال، وقيل: صغاره وشِراره، وهو أعم مما قبله؛ لأنه يشمله وغيره، كالشارد والناطح. المنهل العذب المورود (9/ 182).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «اللئيمةَ» نُصب على أنها صفة لـ«الشَّرَط» ومعناها: الدنيئة. شرح أبي داود (6/ 274).

قوله: «ولكنْ مِن وسَطِ أموَالِكُمْ»:
قال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
يعني: أن الذي يُخرج من الوسط، لا من الخيار، ولا من الشِّرار، وإنما من وسط المال، وفي كلام الزهري: أنَّ المال يُقسم أثلاثًا: ثلثًا خيارًا، وثلثًا شرارًا، وثلثًا وسطًا، والزكاة تؤخذ من الوسط، فهذا الحديث يدل على أنَّ كلام الزهري صحيح، وأنَّه دل عليه الدليل. شرح سنن أبي داود (ص: 2).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ولكن من وسَط» بفتح السين «أموالكم» فيه تأويلات:
أحدها: أنَّ هذا محمول على ما إذا أَذِنَ رب المال للساعي أنْ يأخذ ما شاء فيأخذ خيرها.
الثاني: أنَّ هذا مختص بمن كان في ماله فريضتان كالمائتين من الإبل، فإن الساعي يأخذ الخير من الحِقَاق وبنات اللبون.
والثالث: أنْ يأخذ خير الْمَعيب، أي: أوسطه عَيبًا، كما لو كان ببعضها عيبٌ، وببعضها عيبان، وببعضها ثلاث، فيأخذ الوسط، أو أوسطها في القيمة، كما لو كان قيمة بعضها مَعيبًا خمسين، وقيمة بعضها معيبًا مائة، وقيمة بعضها معيبًا مائة وخمسين، فيأخذ ما قيمته مائة.
والرابع: أنه يأخذ الوسط، يعني: لا من الأعلى، ولا من الأدون، ويدل عليه ما بعده. شرح سنن أبي داود (7/ 518-519).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «ولكن مِن وسَط أموالكم...» إلخ، فيه: دليل على أنَّه ينبغي أنْ يُخرج الزكاة من أوساط المال، لا من شِراره، ولا من خياره. نيل الأوطار (4/ 160).

قوله: «فإنَّ اللَّهَ لم يسألكُمْ خيرَهُ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فإنَّ الله لم يسألكم خيره» أي: أعلاه. شرح سنن أبي داود (7/ 519).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فإنَّ الله لم يسألكم» أي: لم يطلب منكم «خيره» أي: خير المال. بذل المجهود (6/ 384).

قوله: «ولم يأمركُمْ بشَرِّهِ»:
قال العيني -رحمه الله-:
«ولم يأمركم بشَرِّه» أي: برذالته. شرح أبي داود (6/ 274).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ولم يأمركم بشَرِّه» أي: بأدنى أموالكم وأرذَلِهِ، ولكن بالوسط، فإنَّ الأعلى يضر بالمالك، والأدنى يضر بالمستحقين. شرح سنن أبي داود (7/ 519).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «ولم يأمركم بشَرِّه» أي: لم يرخِّص لكم في شَرِّه. فتح الودود (2/ 206).

قوله في لفظ: «وزَكَّى عبدٌ نفسَهُ، فقال رجلٌ: ما تزكيةُ المرءِ نفسَهُ يا رسول اللهِ؟ قال: يعلمُ أنَّ اللهَ معهُ حيثُ ما كان»
قال ابن القيم -رحمه الله-:
قال الحسن (البصري): قد أفلح مَن زكَّى نفسه، وحملها على طاعة الله، وقد خاب من أهلكها، وحملها على معصية الله، وقاله قتادة، وقال ابن قتيبة: يريد أفلح مَن زكَّى نفسه، أي: نمَّاها وأعلاها بالطاعة والبر والصدقة، واصطناع المعروف. التبيان في أقسام القرآن (ص: 21).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وأمَّا قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ} المجادلة: 7، فلفظُ: "مَعَ" لا تقتضي في لغةِ العربِ أن يكونَ أحدُ الشيئينِ مُختلطًا بالآخَر، ولفظُ "مَعَ" جاءت في القرآنِ عامَّةً وخاصَّةً؛ فالعامَّةُ… في آيةِ المجادلة: {أَلَمْ تَرَ ‌أَنَّ ‌اللَّهَ ‌يَعْلَمُ ‌مَا ‌فِي ‌السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} المجادلة: 7، فافتتح الكلامَ بالعلمِ، وختمه بالعلمِ؛ ولهذا قال ابنُ عبَّاسٍ، والضَّحَّاكُ، وسفيانُ الثوريُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ: هو معهم بعلمِه.
وأمَّا المعيَّةُ الخاصَّةُ: ففي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} النحل: 128، وقوله تعالى لموسى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}، وقال تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} التوبة: 40، يعني النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكرٍ -رضي الله عنه-؛ فهو مع موسى وهارون دون فرعون، ومع محمدٍ وصاحبِه دون أبي جهلٍ وغيرِه من أعدائِه، ومع الذين اتَّقوا والذين هم مُحسِنون دون الظالمين المعتدين. فلو كان معنى المعيَّة أنَّه بذاتِه في كلِّ مكانٍ، تناقض الخبرُ الخاصُّ والخبرُ العامُّ، بل المعنى أنَّه مع هؤلاء بنصرِه وتأييدِه دون أولئك. الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص: 121).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ الله معه حيث كان» قال الإمام محمد بن يحيى الذهلي: "يريد أنَّ الله عِلْمُهُ محيط بكل مكان، والله على العرش"
ذكره الحافظ الذهبي في العلو رقم الترجمة (73) بتحقيقي واختصاري.
وأما قول العامة وكثير من الخاصة: الله موجود في كل مكان، أو في كل الوجود، ويعنون بذاته، فهو ضلال، بل هو مأخوذ من القول بوحدة الوجود الذي يقول به غلاة الصوفية الذين لا يفرِّقون بين الخالق والمخلوق، ويقول كبيرهم: كل ما تراه بعينك فهو الله، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا. السلسلة الصحيحة (3/ 38).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
فقه الحديث:
دلَّ الحديث على الترغيب في الإخلاص في العبادة.
وعلى الترغيب في إعطاء الزكاة عن طيب نفس.
وعلى أنَّه يُؤخَذ في الصدقة الوسط من الأموال، فلا يؤخذ الخيار، ولا الدنيء. المنهل العذب المورود (9/ 182).


إبلاغ عن خطأ