الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«لا أحد أَصْبَر على أذًى يسمعه من الله -عزَّ وجلَّ-؛ إنه يُشْرَكُ به، ويُجْعَلُ له الولد، ثم هو يُعَافيهم ويَرْزُقهم».


رواه البخاري برقم: (6099)، ومسلم برقم: (2804)، واللفظ له، من حديث أبي موسى -رضي الله عنه-.
وفي لفظ لمسلم: «إنهم يجعلون له نِدًّا».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«أَذًى»:
الأذى: كل ما تَأَذَّيْتَ به، آذاه يُؤْذِيْه أَذًى وأَذَاةً وأَذِيَّةً، وتَأَذَّيْتُ به. لسان العرب لابن منظور (14/ 27).

«يُعَافيهم»:
العافية: دفاع اللَّه عن العبد، عافاه اللَّه عن المكروه عِفاءً ومُعَافَاة وعَافِيَة: وَهَبَ له العافية مِن العِلَل والبلاء، كأعفاه، والمعافاة: أن يعافيك اللَّه من الناس، ويعافيهم منك. القاموس المحيط، للفيروز أبادي (ص: 1313).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
العافية: أن تَسْلَمَ من الأسقام والبلايا، وهي الصحة وضد المرض. النهاية (3/ 265).


شرح الحديث


قوله: «لا أحد أَصْبَر»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«أصبر» أفعل تفضيل من الصبر. فتح الباري (13/ 361).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ما أحد أصبر» أي: ليس أحدًا أشد صبرًا. شرح المصابيح (1/ 55).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
أما الصبر فقد أَطلق عليه تعالى أعرف الخَلق به، وأعظمهم تنزيهًا له، هذه الصفة: «وما أحد أصبرُ على أذًى سمعه من الله»، كما أن ما ورد في الأسماء الحسنى: الصبور من أمثلة المبالغة، فهو أبلغ من الصابر والصبَّار، ومعنى الصبر معلوم في اللغة، والشرع، والعرف، فلسنا بحاجة إلى تأويلات المتكلمين التي تُبْعِد عن المعنى المقصود من الخطاب.
وصَبْرُ الله تعالى لا يماثل صبر المخلوق، بل يختلف عنه من وجوه:
منها: أنه عن قدرة تامة.
ومنها: أنه لا يَخاف الفَوت، والعبد إنما يستعجل لخوف الفوت.
ومنها: أنه تعالى لا يلحقه بصبره ألم، ولا حزن، ولا نقص بوجه من الوجوه. وظهور أثر هذا الاسم الكريم مشهود في العالم بالعيان، كظهور اسمه تعالى الحليم...، وأما صبره تعالى فمتعلِّق بكفر عباده، وشركهم، ومسبتهم له -تعالى وتقدس- وسائر معاصيهم، وفجورهم، فلا يَدْعُوه ذلك إلى تعجيل عذابهم، بل يصبر عليهم ويُمهلهم، ويرفق بهم، ويستصلحهم بحلمه وصبره ونِعَمِه، حتى إذا لم يبقَ فيهم موضع للصنيعة ولا يصلحون على الإمهال، ولم يُنِيْبُوا إليه، لا من باب الإحسان والنعم، ولا من باب البلاء والنقم، أخذهم أخذ عزيز مقتدر، بعد غاية الإعذار إليهم، وبذل النصيحة لهم، ودعائهم من كل باب. عدة الصابرين (ص: 275 -276).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
والصبر في حق العباد حبس النفس على الشدائد والمشقات، وفي حقه تعالى صفة ثابتة لله تعالى نثبتها ونعتقدها لا نكيفها ولا نمثلها ولا نؤولها، أثرها تأخير المُؤاخذة عمَّن استحقها مع القُدرة على تعجيل عقوبته ليس كمثله شيء. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (25/ 421).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الحق أن الصبر صفة من صفات الله -عزَّ وجلَّ- وردت في نصوص الكتاب السُّنة، فلا تفسر بلازمها، وإنما نثبتها على معناها الحقيقي، دون المَجازي على ما يليق بجلاله -سبحانه وتعالى-، ولا يلزم من إثباتها على الوجه اللائق به -سبحانه وتعالى- محذور؛ إذ تفسيرها بحبس النَّفس على المكروه هو معناها بالنسبة للمخلوق، وأما بالنسبة للخالق، فلها معنى يليق بجلاله، فتنبه، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وعمدة العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. البحر المحيط الثجاج (43/ 439).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
قد علمت فيما سبق أنه لا يلزم في وصفه تعالى بما ثبت في النص محذور أبدًا، فإنا نثبت ما أثبته -سبحانه وتعالى- لنفسه، على مراده -عز وجل-، لا على ما نصف به المخلوق، فلله -سبحانه وتعالى- صفاته العلية اللائقة بجلاله، وللمخلوق صفاته الدنية اللائقة به، فلا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تأويل {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11. البحر المحيط الثجاج (43/ 440).

قوله: «على أَذَى يسمعه»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«على أذًى» مصدر أَذى يؤذي، يعني: المؤذي، أي: كلام مُؤْذٍ. فيض القدير (5/ 363).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«على أذى» بمعنى: مُؤذٍ، صفة محذوف، أي: على كلام مؤذٍ قبيح صادر عن الكفار. شرح المصابيح (1/ 55-56).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
والأذى معناه: المكروه المؤلم ظاهرًا كان أو باطنًا، وهو في حق الله -عزَّ وجلَّ- ما يخالف رضاه وأمره. الفتح الرباني (19/ 130).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
لفظ الأذى في اللغة هو لما خفَّ أمره، وضعف أثره من الشر والمكروه، وذكره الخطابي، قال شيخ الإسلام: وهو كما قال، بخلاف الضرر، فقد أخبر سبحانه أن العباد لا يضرُّونه، كما قال تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} آل عمران 176، فبين أن الخلق لا يضرونه، لكن يؤذونه. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 94).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «على أذًى يسمعه» وهو بمعنى المؤذي بصيغة اسم الفاعل، وهو المكروه المؤلم ظاهرًا أو باطنًا، وهو في حقه تعالى ما يخالف رضاه وأمره، فإذاية الله حينئذٍ صفة ثابتة لله تعالى نُثبتها ونعتقدها لا نكيِّفها ولا نُمثِّلها أثرها عدم رضاه. الكوكب الوهاج (25/ 421).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فهو يفرح بما يحبه، ويؤذيه ما يبغضه، ويصبر على ما يؤذيه، وحبه ورضاه وفرحه وسخطه وصبره على ما يؤذيه كل ذلك من كماله، وكل ذلك من صفاته وأفعاله، وهو الذي خلق الخلائق وأفعالهم، وهم لن يبلغوا ضُره فيضروه، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه.
وإذا فرح ورضي بما فعله بعضهم فهو سبحانه الذي خلق فعله، كما أنه إذا فرح ورضي بما يخلقه فهو الخالق، وكل الذين يؤذون الله ورسوله هو الذي مكَّنهم وصبَر على أذاهم بحكمته، فلم يفتقر إلى غيره ولم يخرج شيء عن مشيئته ولم يفعل أحد ما لا يريد. مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (5/ 34).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان -حفظه الله-:
ابن آدم يؤذي الله تعالى ويسبَّه، بإضافة ما يتعالى ويتقدس عنه، مثل نسبة الولد إليه تعالى والنِّد، والشريك في العبادة، التي يجب أن تكون خالصة له وحده، ومثل إسناده نِعَمه وأفعاله إلى غيره من الدهر والطبيعة، والكون والمخلوقات، وغير ذلك، ثم يسبُّون ما أسندوا تلك الحوادث إليه، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادتهم حوادثه، وأهلكتهم كوارث الطبيعة، ويا خيبة الدهر، وهذا زمان سوء، وما أشبه ذلك.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «يقول الله تعالى: يُؤْذِيني ابن آدم؛ يسب الدهر، وأنا الدهر، أُقَلِّبُ ليلَهُ ونهارَه».
وأذية الله تعالى بنسبة الحوادث، والكوارث إلى الدهر أو الطبيعة، وتوجيه اللوم والقدح والسب إلى ذلك كثيرة في كلام أهل الأدب وغيرهم، مع أن ذلك صُنع الله وفعله، ولذلك يرجع السبب إليه، تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 94).
وقال الشيخ السعدي -رحمه الله-:
صبره تعالى على معاصي العاصين، ومحاربة المحاربين، صبرٌ عن قوة واقتدار، وهو الصبر الكامل، فإن العباد يتبغضون إليه بالمعاصي، وهم مضطرون إليه، وهو يتحبَّب إليهم بالنعم مع كمال غناه، وهو تعالى يحلم عن زلاَّتهم ويسترهم مع كثرة هفواتهم، ويتمادون في الطغيان، والله تعالى لا يزيده ذلك إلا حِلمًا وكرمًا. فتح الرحيم الملك العلام (ص: 44).

قوله: «من الله -عزَّ وجلَّ-»:
قال الكشميري -رحمه الله-:
حرف «مِن» تفضيلي، أي: أصبر من الله. فيض الباري على صحيح البخاري (6/ 151).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
يقول: ما أحد أشد صبرًا من الله تعالى بإرسال العذاب إلى مستحقه -وهم كفار- على القول القبيح، وهو قولهم: «إن لله ولدًا»، يسمعه منهم، ثم يدفع عنهم البلاء والضرر، ويرزقهم السلامة وأصناف الأموال، ولا يعجِّل تعذيبهم. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 472).

قوله: «إنه يُشْرَك به»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إنه» -عزَّ وجلَّ- «يُشْرَكُ به» بالبناء للمجهول، أي: يُجْعَلُ له الشريك. الكوكب الوهاج (25/ 421).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
بيَّن الأذى المسموع بقوله: «إنه يُشرَك به» بالبناء للمفعول، أي: يُشرك المشركون بالله -سبحانه وتعالى- غيره من مخلوقاته، كالأصنام وغيرها، فيعبدونها معه -سبحانه وتعالى-. البحر المحيط الثجاج (43/ 440).

قوله: «ويُجْعَل له الولد»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
هذا بيان للأذى، يعني: يَنسب بعض الكفار له ولدًا. شرح المصابيح (1/ 56).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
كقول النصارى: المسيح ابن الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقال المشركون: الملائكة بنات الله. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 236).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
أي: ينسبون إليه ما هو منزَّه عنه، وهو تفسير للأذى. منحة الباري (9/ 229).

قوله: «ثم هو يُعَافيهم»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
العافية السلامة ودفع البلاء والمكروه، ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «معافى في جسده». الكاشف عن حقائق السنن (2/ 472).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يعافيهم» أي: يعطي لهم العافية من البلايا. الكوكب الوهاج مسلم (25/ 421).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«يعافيهم» هنا: أنه تعالى يدفع عنهم البلاء والضرر في الدنيا. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 112).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«ثم يعافيهم، ويرزقهم» أي: ثم هو -بعد ذلك- يدفع عنهم المكروهات والبليَّات، ويرزقهم الأقوات وغيرها مقابلة للسيئات بالحسنات. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (17/ 321).

قوله: «ويَرْزُقهم»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«ويرزقهم» صفة فعلية من صفاته تعالى. منحة الباري (9/ 229).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
الرزق: الحظ والنصيب، سواء كان مَطْعُومًا أو مَالًا، أو عِلمًا، أو ولدًا. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 472).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ويرزقهم» من خزائن رزقه، فلا يمسك عنهم الرزق والعافية في الدنيا بسبب معاصيهم وتكذيبهم رسله. الكوكب الوهاج (25/ 421).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وفي الحديث: إشارة إلى أن الصبر على احتمال الأذى محمود، وترك الاشتغال بالمكافآت والانتقام ممدوح، ولهذا كان جزاء كل عمل محصورًا، وجزاء الصبر غير محصور، إذًا الصبر والحلم في الأمور هو التخلق بأخلاق مالك أزمَّة الأمور، وبالصبر يُفتح كل باب مغلق، ويسهل به كل صعب مزيج. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 472).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وفيه: أنه يُطلق الصبر عليه تعالى، وثبت في صفاته الصبور. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 237).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: إثبات صفة الصبر لله -سبحانه وتعالى- على ما يليق بجلاله، وأن صبره أتم أنواع الصبر.
ومنها: أن فيه إبانة عن كرم الله -عز وجل-، وصِفْحِه، وفضله، في تأخير معاجلة العذاب، وإدْرَار الرزق على مؤذيه، فهذا كرمه في معاملة أعدائه، فما ظنك بمعاملة أصفيائه؟!
ومنها: أن فيه الحث على تحمل الأذى فيما يؤلم العبد؛ ليجازى غدًا جزاء الصابرين: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} الزمر: 10، والله تعالى أعلم.البحر المحيط الثجاج، باختصار (43/ 441-442).



إبلاغ عن خطأ