«أنَّه رأى رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- تَوَضَّأَ فَمَضْمَضَ ثم اسْتَنْثَرَ، ثم غَسَلَ وجْهَهُ ثلاثًا، ويَدَهُ اليُمنى ثلاثًا، والأخرى ثلاثًا، ومَسحَ برأْسهِ بماءٍ غيرِ فَضْلِ يدِهِ، وغَسلَ رِجلَيهِ حتَّى أَنْقاهُمَا».
رواه مسلم برقم: (236)، من حديث عبد الله بن زيد المازني -رضي الله عنه-،
وفي رواية عند أبي داود برقم: (130)، من حديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عَفْراء -رضي الله عنها-: «أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- مسحَ برأسِهِ مِن فَضْلِ مَاءٍ كان في يدِهِ».
صحيح أبي داود برقم: (121).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«فَمَضْمَضَ»:
المَضْمَضَةُ: تحريكُ الماء في الفَمِ. القاموس المحيط، للفيروز آبادي (ص: 654).
«اسْتَنْثَرَ»:
اسْتَنْثَر الإنسانُ: استنشق الماء ثم استخرج ذلك بنفس الأنف. والانتثار والاستنثار بمعنى، وهو نَثْرُ ما في الأنف بالنفس. لسان العرب، لابن منظور (5/ 191)
وقال اليفرني -رحمه الله-:
"الاستنثار: دفع الماء بريح الخَيَاشيم، والاستنشاق: جَذْبُه به، وقيل: الاستنثار: أَخْذُ الماء بالأنف، وهو مشتق من النَّثْرَةِ، وهي الأنف، كأنَّ معناه: أخذ الماء بالنَّثْرَةِ، فهو على هذا بمنزلة الاستنشاق سواء.
والقول الأول أشبه بالاستنثار المذكور في الحديث في الوضوء...؛ ولأن الاستنثار: استفعالٌ؛ مِن قولهم: نثرتُ الشيء نثرًا، إذا رميته متفرقًا، ويقال: نَثَرَ واسْتَنْثَرَ بمعنى واحدٍ. الاقتضاب (1/ 43).
«غيرِ فَضْلِ»:
الفُضالةُ: ما فَضَل من كل شيءٍ، والفَضْلةُ: البقيّة من كل شيءٍ. العين، للخيل بن أحمد (7/ 43).
«أَنْقَاهُمَا»:
التَّنْقِية: التنظيفِ، والإنقاء لغةً، والاستنقاء: المبالغة في تنقية البدن. المغرب، للمطرزي (2/ 424).
شرح الحديث
قوله: «أنَّه رأى رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- تَوَضَّأَ، فَمَضْمَضَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فمَضْمَضَ» أي: أدار الماء في جوانب فَمِه. مرشد ذوي الحجا والحاجة (3/ 515).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما حقيقة المضمضة فقال أصحابنا (الشافعية): كمالها أنْ يجعل الماء في فمه، ثم يديره فيه، ثم يَمُجُّه، وأما أقلها: فأنْ يجعل الماء في فيه، ولا يشترط إدارته على المشهور الذي قاله الجمهور، وقال جماعة من أصحابنا: يُشترط. شرح مسلم (3/ 105).
وقال الشوكاني -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
الْمُعَوَّل عليه في مثل هذا: الرجوع إلى مفهوم المضمضة لغةً، على ذلك تنبني معرفة الحق، والذي في القاموس وغيره أنَّ المضمضة: تحريك الماء في الفم.نيل الأوطار (1/ 177).
قوله: «ثم اسْتَنْثَرَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: أدخل الماء إلى أعلى أنفه «ثم استنثر» ما في أنفه من الأذى؛ أي: أخرجه، والاستنثار مستلزم للاستنشاق؛ لأنَّه لا يكون إلَّا بعد الاستنشاق. مرشد ذوي الحجا والحاجة (3/ 515).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد ذكروا أنَّ حكمة ذلك (المضمضة والاستنشاق): اعتبار أوصاف الماء؛ لأن اللون يُدرك بالبصر، والطَّعم يدرك بالفم، والريح يدرك بالأنف، فقُدِّمت المضمضة والاستنشاق، وهما مسنونان قبل الوجه وهو مفروض احتياطًا للعبادة. فتح الباري (1/ 260).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
إذا تقرَّر لك معنى المضمضة والاستنثار والاستنشاق لغةً فاعلم أنه قد اختُلف في الوجوب وعدمه، فذهب أحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر، ومِن أهل البيت الهادي والقاسم والمؤيد بالله إلى وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار، وبه قال ابن أبي ليلى وحماد بن أبي سليمان، وفي شرح مسلم للنووي أن مذهب أبي ثور وأبي عبيد وداود الظاهري وأبي بكر ابن المنذر، ورواية عن أحمد أن الاستنشاق واجب في الغسل والوضوء، والمضمضة سُنة فيهما، وما نُقل من الإجماع على عدم وجوب الاستنثار متَعَقَّب بهذا، واستدلوا على الوجوب بأدلة، منها: أنه من تمام غسل الوجه، فالأمر بغسله أمر بها، وبحديث أبي هريرة المتفق عليه: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر» وبحديث سلمة بن قيس عند الترمذي والنسائي بلفظ: «إذا توضأت فانتثر»...، وذهب مالك والشافعي والأوزاعي والليث والحسن البصري والزهري وربيعة ويحيى بن سعيد وقتادة والحكم بن عتيبة ومحمد بن جرير الطبري والناصر من أهل البيت إلى عدم الوجوب.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وزيد بن علي من أهل البيت إلى أنهما فرض في الجنابة، وسنة في الوضوء، فإن تركهما في غسله من الجنابة أعاد الصلاة، واستدلوا على عدم الوجوب في الوضوء بحديث: «عشر من سنن المرسلين» وقد رده الحافظ في التلخيص وقال: إنه لم يرد بلفظ «عشر من السنن» بل بلفظ «من الفطرة»، ولو ورد لم ينتهض دليلًا على عدم الوجوب؛ لأن المراد به السُّنة، أي: الطريقة، لا السنة بالمعنى الاصطلاحي الأصولي، واستدلوا أيضًا بحديث ابن عباس مرفوعًا بلفظ: «المضمضة والاستنشاق سُنة» رواه الدارقطني، قال الحافظ: وهو حديث ضعيف، وبحديث: «توضَّأ كما أمرك الله» وليس في القرآن ذكر المضمضة والاستنشاق والاستنثار؛ ورد بأن الأمر بغسل الوجه أمر بها كما سبق، وبأن وجوبها ثبت بأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والأمر منه أمر بدليل: ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُولُ فَخُذُوُه﴾ الحشر: 7...، ويمكن مناقشة هذا بأنه إنما يتم لو أحاله فقط كما وقع لابن دقيق العيد وغيره، وأما بالنظر إلى تمام الحديث وهو «فاغسل وجْهَك ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك» فيصير نصًّا على أن المراد «كما أمرك الله» في خصوص آية الوضوء، لا في عموم القرآن، فلا يكون أمره -صلى الله عليه وسلم- بالمضمضة داخلًا تحت قوله للأعرابي: «كما أمرك الله» فيقتصر في الجواب على أنه قد صح أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بها، والواجب الأخذ بما صح عنه، ولا يكون الاقتصار على البعض في مبادئ التعليم ونحوها موجبًا لصرف ما ورد بعده وإخراجه عن الوجوب، وإلا لزم قصر واجبات الشريعة بأسرها على الخمس المذكورة في حديث ضمام بن ثعلبة مثلًا لاقتصاره على ذلك المقدار في تعليمه، وهذا خرق للإجماع، وإطراح لأكثر الأحكام الشرعية، وعلى ما سلف من أن الأمر بغسل الوجه أمر بها، وهذا وإن كان مستبعدًا في بادئ الرأي باعتبار أن الوجه في لغة العرب معلوم المقدار، لكنه يَشدُّ من عَضُدِ دعوى الدخول في الوجه، أنه لا موجب لتخصصه بظاهره دون باطنه، فإن الجميع في لغة العرب يسمى وجهًا...، إذا تقرر هذا علمتَ أنَّ المذهب الحق وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار. نيل الأوطار (1/177- 180).
وقال النووي -رحمه الله-:
ويُستحب المبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا أنْ يكون صائمًا، فيُكره ذلك لحديث لقيط...، قال أصحابنا (الشافعية): وعلى أي صفة وصل الماء إلى الفم والأنف حصلت المضمضة والاستنشاق، وفي الأفضل خمسة أوجه:
الأول: يتمضمض ويستنشق بثلاث غَرَفات، يتمضمض من كل واحدة، ثم يستنشق منها.
والوجه الثاني: يجمع بينهما بغَرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثًا، ثم يستنشق منها ثلاثًا.
والوجه الثالث: يجمع أيضًا بِغَرْفَة، ولكن يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق.
والرابع: يفصِل بينهما بغَرفتين، فيتمضمض من إحداهما ثلاثًا، ثم يستنشق من الأخرى ثلاثًا.
والخامس: يفْصِلُ بستِّ غَرفات، يتمضمض بثلاث غَرفات، ثم يستنشق بثلاث غرفات.
والصحيح: الوجه الأول، وبه جاءت الأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم وغيرهما، وأما حديث الفصل فضعيف، فيتعين المصير إلى الجمع بثلاث غرفات كما ذكرنا؛ لحديث عبد الله بن زيد المذكور في الكتاب، واتفقوا على أن المضمضة على كل قولٍ مقدمة على الاستنشاق، وعلى كل صفة، وهل هو تقديم استحباب أو اشتراط؟ فيه وجهان، أظهرهما: اشتراط؛ لاختلاف العضوين، والثاني: استحباب، كتقديم يده اليمنى على اليسرى، والله أعلم. شرح مسلم (3/ 105-106).
وقال أبو المعالي بن مازة الحنفي -رحمه الله-:
قال شمس الأئمة الحلواني -رحمه الله-: المبالغة في المضمضة: أنْ يُخرج الماء من جانب إلى جانب...، وقال الصدر الشهيد (عمر عبد العزيز بن مازة): المبالغة في المضمضة تكثير الماء حتى يملأ الفم، فإنْ لم يملأ الفَم يغرغر حينئذٍ، والمبالغة في الاستنشاق: أنْ يضع الماء على منخريه ويجذبه حتى يصعد من أنفه، وبعضهم قالوا: المبالغة في الاستنشاق وفي الاستنثار، وتكون المضمضة باليد اليمنى، والاستنشاق باليد اليسرى، وفي بعض المواضع: إذا تمضمض واستنشق فليس عليه أنْ يدخل أصبعه في فمه وأنفه. المحيط البرهاني (1/ 45-46).
قوله: «ثم غسلَ وجههُ ثلاثًا»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ثم غسل وجهه ثلاثًا» أي: ثلاث مرات، ولم تختلف الروايات في ذلك. عمدة القاري (3/ 69).
وقال العيني -رحمه الله-:
غسل الوجه وهو فرض بالنص بلا خلاف، و... تثليث غسله، والإجماع قائم على سنيته (أي: التثليث). عمدة القاري (3/ 9).
وقال الباجي -رحمه الله-:
أما المغسول -وهو الوجه- فحده طولًا: من منابت شَعر الرأس على الوجه المعتاد، إلى طرف الذقن في الأمرد، وأما الملتحي فاختلف أصحابنا (المالكية) فيه، فروي عن ابن القاسم: أنَّ حده إلى آخر الشَّعر.
وقال سحنون: فمن لم يمر بيديه إلى آخر شعر لحيته لم يُجْزِهِ، وقال أبو بكر الأبهري: إنَّ الفرض من ذلك ما حاذى المغسول من الوجه...
وحدُّ الوجه عرضًا في الملتحي: من الصُّدغ إلى الصدغ، وأما الأمرد فروى ابن وهب في المجموعة عن مالك أنه بمنزلة الملتحي، وحكى أبو محمد بن نصر (المالكي) عن متأخري أصحابنا أنَّ عرض الوجه في حق الأمرد ما بين الأذنين بخلاف الملتحي.
وقال أبو حنيفة والشافعي: عرض الوجه في الأمرد والملتحي ما بين الأذنين، وفي المبسوط من رواية ابن وهب عن مالك مثله.
وجه القول الأول: البياض بين الصُّدغين والأذنين لا تقع المواجهة به، فلم يجب غسله مع الوجه في الوضوء كالقفا.
ووجه القول الثاني: أنه عضو بين الأذنين في الوجه كالخدين. المنتقى (1/ 35-36).
وقال السفيري -رحمه الله-:
لو خُلق للإنسان وجهان وجب غسلهما، ولو خُلق للإنسان رأسان كفَاه المسح على بعض أحديهما، والفرق: أنَّ الواجب في الوجه غسل جميعه، فيجب غسلهما؛ لحصول المواجهة بهما، والواجب في الرأس مسح بعض ما يسمى رأسًا؛ وذلك يحصل ببعض أحدهما. شرح صحيح البخاري (38/ 11).
قوله: «ويَدهُ اليُمنى ثلاثًا، والأخرى ثلاثًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«و» غسل «يده اليمنى ثلاثًا و» اليد «الأخرى» يعني: اليسرى «ثلاثًا». الكوكب الوهاج (5/ 229).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «ويَدَهُ اليُمنى ثلاثًا، والأُخرى ثلاثًا» إنْ قيل: إنَّ هذه الرواية تُعارض ما سبق من روايات حديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه-؛ حيث إنَّ فيها أنَّه غسل يديه مرتين مرَّتين، وهذه فيها أنَّه غسلهما ثلاثًا، فكيف التوفيق؟
قلتُ: يجاب بأنَّه لا تعارض بين الروايات؛ لأنَّه يمكن حملُ هذه الرواية على أنها بيانٌ لصفة أخرى توضّأها عبد الله بن زيد -رضي الله عنه- في وقت آخر، كما رأى النبيّ -صلى الله عليه وسلم- يتوضّأ أيضًا كذلك، ومما يؤيّد هذا اختلاف الطريق، فإنَّ هذه من طريق حَبَّان بن واسع، عن عبد الله بن زيد، بخلاف الروايات السابقة، كما مرّ إيضاحه، فتنبّه. البحر المحيط الثجاج (6/ 229).
قوله: «ومَسَحَ برأْسِهِ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «برأسه» الباء في «برأسه» باء التعدية؛ أي: التي يجوز حذفها وإثباتها، كقولك: مسحتُ برأس اليتيم، ومسحتُ رأسَهُ، وسميتُ ابني بمحمد ومحمدًا، ولا يصح أن تكون للتبعيض، خلافًا للشافعي؛ لأن المحققين من أئمة النحويين البصريين وأكثر الكوفيين أنكروا ذلك؛ وأيضًا فلو كانت مُبعَّضةً في مسح الرأس في الوضوء لكانت مُبعضَةً في مسح الوجه في التيمم؛ لتساوي اللفظين في المحلين، ولم لا فلا (أي: لَمَّا لم تكن كذلك في مسح الوجه في التيمّم، فلا تكون كذلك في مسح الرأس في الوضوء)، ومذهب مالك -رحمه الله- وجوب عموم مسح الرأس تمسكًا باسم الرأس، فإنه للعضو بجملته كالوجه، وتمسكًا بهذه الأحاديث، ثم نقول: نحن وإن تنزَّلنا على أن الباء تكون مبعضةً وغير مُبعضة، فذلك يُوجب فيها إجمالًا أزالَهُ النبي -صلى الله عليه وسلم- بفعله، فكان فعله بيانًا لمجمل واجب، فكان مسحه كله واجبًا. المفهم (1/ 487-488).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ولم يصح عنه في حديث واحد أنَّه اقتصر على مسح بعض رأسه ألبتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته، كمَّل على العمامة. زاد المعاد (1/ 186).
قوله: «بماءٍ غيرِ فَضْلِ يدِهِ» وفي رواية أبي داود: «من فَضْلِ ماءٍ كان في يدِهِ»:
قال الترمذي -رحمه الله-:
عن عبد الله بن زيد وغيره: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ لرأسه ماء جديدًا، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، رأوا أنَّ يأخذ لرأسه ماءً جديدًا. سننه (1/ 50).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «بماء غير فضلِ يده»...، معناه: أنَّه مسح الرأس بماء جديد، لا ببقية ماء يديه، ولا يستدل بهذا على أنَّ الماء المستعمل لا تصح الطهارة به؛ لأنَّ هذا إخبار عن الإتيان بماء جديد للرأس، ولا يلزم من ذلك اشتراطه، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (3/ 125).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «من فضلِ ما كان في يده» قيلَ: احتجَّ به مَن رأى طَهوريَّةَ المُستعمَل.
قلتُ: بقيَّةُ المغسولِ في اليَدِ غيرُ مُستعمَلٍ في حقِّ المسحِ عند الحنفيَّة، فلا إشكال عليهم، وأمَّا الشافعيةُ فقال بعضهم: لعلَّه أخذَ الماء وصبَّ نصفَه، ومسحَ رأسه ببللِ يديه؛ ليُوافِقَ حديثَ «مسحَ رأسَه بماءٍ غيرِ فَضلِ يديه».
قلتُ: لا تعارُضَ في الأفعال، فلا حاجةَ إلى التوفيق.
وقال آخرون: إنَّه بقيَّةُ الغَسلةِ الثالثة؛ والأصحُّ عندنا أنَّ المُستعملَ في نَقلِ الطَّهارةِ باقٍ على طَهوريَّته. فتح الودود (1/ 93).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
«مسح برأسه مِن فَضْلِ ماء كان في يده» هكذا رواه جماعة عن عبد الله بن داود وغيره، عن الثوري، وقال بعضهم: ببلل يديه، وكأنه أراد: أَخَذَ ماء جديدًا فصبَّ بعضه، ومسح رأسه ببلل يديه، وعبد الله بن محمد بن عقيل لم يكن بالحافظ، وأهل العلم بالحديث مختلفون في جواز الاحتجاج برواياته. السنن الكبرى (1/ 361).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله- مُتعقِّبًا:
قلتُ: إن صح حديث الرُّبَيِّع بنت مُعوذ هذا فلا حاجة إلى تأويل البيهقي، بل يقال: كِلَا الأمرين جائزان، إنْ شاء أخذ لرأسه ماء جديدًا، أو إن شاء مسحه بفضل ما يكون في يده، لكن في سنده ابن عقيل، وفيه مقال مشهور كما عرفت، وفي متنه اضطراب؛ فإنَّ ابن ماجه أخرج من طريق شريك عن عبد الله بن عقيل عن الرُّبَيِّع بنت مُعوذ، قالت: «أتيتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- بميضأة فقال: اسكبي، فسكَبْتُ، فغسل وجهه وذراعيه، وأخذ ماء جديدًا، فمسح به رأسه مقدمه ومؤخره» فالقول الراجح: هو أنْ يؤخذ لمسح الرأس ماءً جديدًا، والله تعالى أعلم. شرح جامع الترمذي (5/ 5).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
في سنن أبي داود «أنه -صلى الله عليه وسلم- مسح رأسه من فضل ماء كان في يده» وهذا قول الأوزاعي والحسن (البصري) وعروة، وقال الشافعي ومالك: لا يجزئه أنْ يمسح بفضل ذراعيه، ولا لحيته.
وأجازه ابن الماجشون في بلل اللحية إذا نفذ منه الماء، وقال القاضي عبد الوهاب (المالكي): يُشبه أنْ يكون قول مالك: لا يجزئه، عبارة عن شدة الكراهية.التوضيح (4/ 77).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «بماء غير فضل يديه» دليل على مشروعية تجديد الماء لمسح الرأس، وأنَّه سُنة، خلافًا للأوزاعي والحسن (البصري) وعروة في تجويزهم مسحه ابتداءً بما فضل في يديه. المفهم (1/ 489).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وهذا هو الموافق لروايات الأحاديث الصحيحة في أنه صلى الله عليه وسلم أخذ لرأسه ماء جديدًا. ذخيرة العقبى(3/311).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّه يجوز أن يمسحَ رأسَه بما بقيَ من أعضائه السابقة، فمنهم من يقولُ بفضلِ يديه، ونسبه ابن المنذر إلى الحسن (البصري) وعروة والأوزاعي، ومنهم مَن قال: يمسحُ رأسَه ببللِ لحيته، وهو لبعض المالكية، كما ذكر ابن العربي وابن عبد البر.
ولعلَّهم يستدلُّون بحديث الرُّبيِّع، وفيه: «ومسحَ رأسَه من فضلِ ماءٍ كان في يده»، ولأنَّ المسحَ مبنيٌّ على التخفيف.
والقولُ الأولُ أرجحُ؛ لقوَّةِ دليلِه، فإنَّ حديث عبد الله بن زيد، وما ذُكر معه حُجَّةٌ على من ذُكر، إلا إن حملوا أفعالَ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- التي ليست بيانًا للمجمل على الندب، لكن الظاهر أنَّ فعلَه -صلّى الله عليه وسلّم- بيانٌ لمجمل كيفيةِ مسحِ الرأس، والله أعلم.
أمَّا حديث الرُّبيع ففي سندِه مقالٌ، وفي متنِه اضطرابٌ، فهو من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد تقدَّم الكلامُ فيه، وأمَّا اضطرابُ متنِه فإنَّ ابن ماجه أخرجه من طريق شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع، وفيه: «وأخذ ماءً جديدًا فمسح به رأسَه…»، فما في رواية مسلم مُقدَّمٌ عليه عند التعارض. منحة العلام (ص: 158).
قوله: «وغسلَ رجلَيهِ حتَّى أنْقاهُما»:
قال العظيم آبادي -رحمه الله-:
«حتى أنقاهُما» أي: أزال الوَسخ عنهما. عون المعبود (1/ 145).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وغسل رجليه حتى أنقاهما» أي: حتى جعلهما نقيَّتَين صافيتين من الأوساخ. الكوكب الوهاج (5/ 230).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «وغسلَ رجليه حتَّى أَنْقَاهُمَا» فيه: أنَّ استحباب إنقاء الرِّجْلين بالغسل، ولا ينافي هذا ما تقدّم في حديث عثمان -رضي الله عنه- أنه -صلى الله عليه وسلم- غسل رجليه ثلاثًا؛ لأنَّ التثليث لا ينافي الإنقاء، فالسُّنة التثليث مع الإنقاء، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (6/ 230).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- صفة وضوء النبي ﷺ كما رواها عبد الله بن زيد.
وينظر فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في صفة مسح المرأة لرأسها في الوضوء وهل تختلف عن صفة الرجل؟.