أنَّه صلَّى معَ رسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وهو غلامٌ شابٌّ، فلمَّا صلَّى إذا رجلانِ لم يُصَلِّيَا في ناحيةِ المسجدِ، فدَعا بهما، فَجِئَ بهما تُرْعَدُ فرَائِصُهُمَا، فقال: «ما مَنَعَكُمَا أنْ تُصَلِّيا معنا؟» قالا: قدْ صلَّيْنَا في رِحالِنا، فقال: «لا تَفعلوا، إذا صلَّى أحدُكُمْ في رَحْلِهِ، ثم أَدْركَ الإمامَ ولم يُصَلِّ، فلْيُصَلِّ معه؛ فإنَّها له نافلةٌ».
رواه أحمد برقم: (17476)، وأبو داود برقم: (575) واللفظ له، والترمذي برقم: (219)، والنسائي برقم: (858) وابن خزيمة برقم: (1638)، من حديث يزيد بن الأسود -رضي الله عنه-.
صحيح سنن أبي داود برقم: (590)، صحيح سنن النسائي برقم: (827).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«ناحية المسجد»:
الناحية من كل شيء: جانبه. والناحية: واحدة النواحي. لسان العرب (15/ 313)
«تُرْعَدُ فرائِصُهُما»:
أي: تَرْجُف وتضطرب من الخوف. النهاية، لابن الأثير (2/ 234).
قال أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله-:
قال الأصمعي: الفريصة هي اللحمة التي تكون بين الكتف والجنب التي لا تزال ترعد من الدابة، وجمعها: فرائص وفريص، وهذا الذي قاله الأصمعي هو المعروف في كلام العرب. غريب الحديث (3/ 19).
«رِحَالَنا»:
أي: منازلنا. النهاية، لابن الأثير (2/ 209).
شرح الحديث
قوله: «أنَّه صلَّى معَ رسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وهو غلامٌ شابٌّ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «إنه» أي: يزيد بن الأسود، قوله: «وهو غلام شاب» جملة اسمية، وقعت حالًا عن الضمير الذي في «صلى». شرح سنن أبي داود (3/ 66).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«صلى مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» وهي صلاة الفجر. بذل المجهود (3/ 438).
وقال محمود خطاب السبكي -رحمه الله-:
قوله: «أنه صلى مع رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-» أي: الصبح بمنى كما في الرواية الآتية.
قوله: «وهو غلام شاب»...، والمراد أنه لم يبلغ سِن الكُهولة، وهو ثلاثون أو أربعون سنة، ولعل غرضه بذلك قوة ما تحمَّله. المنهل العذب المورود (4/ 285).
قوله: «فلمَّا صلَّى إذا رجلانِ لم يُصَلِّيَا في ناحيةِ المسجدِ، فَدَعَا بهما»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فلما صلى» أي: فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إذا رجلان لم يصلِّيا» أي: مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «في ناحية المسجد» أي: جالسان في ناحية المسجد «فدعا» أي: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «بهما» أي: برَجُلين جالسَين في ناحية المسجد. بذل المجهود (3/ 438).
وقال محمود خطاب السبكي -رحمه الله-:
قوله: «فلما صلى...» الخ، أي: فلما فرغ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من صلاته، فاجأه رؤية رجلين في جانب المسجد لم يصلِّيا معه، وفي رواية الترمذي عن يزيد بن الأسود قال: «شهدتُ مع النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- حَجَّته، فصليتُ معه الصبح في مسجد الخِيف (بمنى) فلما قضى صلاته، وانحرف إذا رجلان...» الخ، وفي رواية الترمذي والنسائي: «إذا هو برجُلين في آخر القوم لم يصلِّيا، فقال: عليَّ بهما». المنهل العذب المورود (4/ 285).
قوله: «فَجِئَ بهما تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «ترعد فرائصهما» هي جمع الفريصة، وهي لحمة وسط الجنب عند منبض القلب، تَفْتَرِصُ عند الفزع، أي: ترتعد. معالم السنن (1/ 164).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فجيء بهما تُرعَد» بضم أوله، وفتح ثالثه «فرائصهما» جمع فريصة بالصاد المهملة، وهي اللحمة من الجنب والكتف، التي لا تزال ترعد، أي: تتحرك من الدابة، واستعير للإنسان؛ لأن له فريصة، وهي ترجف عند الخوف. شرح سنن أبي داود (3/ 610).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «ترعد» تضطرب وترجُف، وهو على بناء المفعول من الإرعاد، «فرائصهما» جمع فريصة، وهي لحمة ترتعد عند الفزع، والكلام كناية عن الفزع. فتح الودود (1/ 373).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
ووجه الرعدة: ما أُعطي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من العظمة والمهابة، كما ورد في رواية الترمذي: «من رآه بداهة هابه». بذل المجهود (3/ 438، 439).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: يخافان من رسول الله -عليه السلام- أن يضربهما من تركهما الصلاة مع رسول الله -عليه السلام-. المفاتيح (2/ 248، 249).
قوله: «فقال: ما مَنَعَكُمَا أنْ تُصَلِّيَا معنا؟»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فقال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهما، أي: للرجلين: «ما منعكما أن تصليا» هذه الصلاة «معنا؟». بذل المجهود (3/ 439).
قوله: «قالا: قدْ صَلَّيْنَا في رِحَالِنَا»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «في رحالنا» الرِّحَال: جمع رَحل، وهو مَنزل الإنسان ومسكنه. شرح سنن أبي داود (3/ 67).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قالا:» يا رسول الله، إنا كنا «قد صلَّينا في رحالنا» فيه أن الصلاة أمانة، فيُصدَّق مَن ذكر أنه صلاها، ولا يطالَب ببينة على فعلها. شرح سنن أبي داود (3/ 611).
قوله: «فقال: «لا تفْعَلُوا»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فقال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «لا تفعلوا» أي: ما فعلتم من ترك الصلاة مع الإمام. بذل المجهود (3/ 439).
وقال محمود خطاب السبكي -رحمه الله-:
قوله: «فقال لا تفعلوا» الخ، أي: قال النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- لهما: لا تصنعوا مثل صُنعكم هذا، والمراد بالجمع ما فوق الواحد، وفي رواية النسائي والترمذي: فقال: «لا تفعلا» بالتثنية. المنهل العذب المورود (4/ 285، 286).
قوله: «فقال: إذا صلَّى أحدُكُمْ في رحْلِهِ، ثم أَدْركَ الإمام ولم يُصَلِّ، فَلْيُصَلِّ معه»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ولم يصلِّ فلْيُصَلِّ معه» لفظ ابن حبان: «إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الصلاة فصلِّيا» فيه الأمر بإعادة الصلاة مع الإمام لمن صلى في رحله، سواء كان صلى في رحله في جماعة، أو صلى منفردًا، فإطلاقه في الأمر بالإعادة من غير تفصيل عن صلاته في بيته يدل على الأمر بالإعادة في الحالين؛ لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال، مُنَزَّل منزلة العموم في المقال، كما هو مقرر عند الأصوليين. شرح سنن أبي داود (3/ 612).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«إذا صلى أحدكم في رحله» أي: منزله «ثم أدرك الإمام» أي: ثم حضر المسجد وأدرك الإمام «ولم يصلِّ» أي: والحال أن الإمام لم يصلِّ «فليصل» أحدكم «معه» أي: مع الإمام. بذل المجهود (3/ 439).
وقال محمود خطاب السبكي -رحمه الله-:
الأمر فيه للندب؛ لقوله: «فإنها له نافلة» وهو يدل بظاهره على أنه يستحب لمن صلى الصلاة في بيته، ثم أتى المسجد فأدرك الجماعة أن يصلي معهم، سواء أكانت الصلاة التي صلاها في منزله فرادى أم جماعة، وسواء أكانت الصبح أم العصر أم المغرب أم غيرها، وبه قال علي بن أبي طالب وحذيفة وأنس -رضي الله تعالى عنهم-، وسعيد بن المسيب وابن حبيب والزهري وأحمد، إلا أنهم قالوا في المغرب: يضيف إليها ركعة أخرى؛ لتصير شفعًا، وبهذا قالت الشافعية، لكنهم لم يقولوا بإضافة ركعة في المغرب. المنهل العذب المورود (4/ 285، 286).
قوله: «فإنَّها له نافلةٌ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
«نافلة» يريد الصلاة الآخرة منهما، والأُولى فرضه، فأما نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب، فقد تأولوه على وجهين:
أحدهما: أن ذلك على معنى إنشاء الصلاة ابتداءً من غير سبب، فأما إذا كان لها سبب، مثل أن يصادف قومًا يصلون جماعة، فإنه يعيدها معهم؛ ليحرز الفضيلة.
والوجه الآخر: أنه منسوخ؛ وذلك أن حديث جابر بن يزيد متأخر؛ لأن في قصته (أي: قصة أبيه يزيد بن الأسود) أنه شهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجة الوداع، ثم ذكر الحديث.
وفي قوله: «فإنها نافلة» دليل على أنَّ صلاة التطوع جائزة بعد الفجر قبل طلوع الشمس إذا كان لها سبب.
وفيه: دليل على أن صلاته منفردًا مجزئة مع القدرة على صلاة الجماعة، وإن كان ترك الجماعة مكروهًا. معالم السنن (1/ 164، 165).
وقال ابن العربي المالكي -رحمه الله-:
إذا صلى وحده، ثم أدرك الجماعة، هل يصلي معهم أم لا؟
فيه للعلماء أربعة أقوال:
القول الأول: أنه يصلي معهم كل صلاة، قاله الحسن والزهري وأحمد وإسحاق والشافعي.
الثاني: يصلي معهم كل صلاة إلا الصبح والمغرب، قاله ابن عمر والنخعي والأوزاعي.
الثالث: لا يعيد الصبح والعصر والمغرب، قاله أبو حنيفة.
القول الرابع: لا يعيد المغرب وحدها، قاله مالك والثوري. المسالك (3/ 29، 30).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قالوا: معنى نافلة: فضيلة وزيادة خير، ولا يوجب أن يكون معنى قوله ذلك أن يكون تطوعًا، واحتجوا بقول الله تعالى: {نَافِلَةً لَكَ} الإسراء: 79، أي: فضيلة، وبقوله -عز وجل-: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} الأنبياء: 72، أي: فضيلة.
ومِن أدلِّ دليل على أن الأُولى فرضه، والثانية نفل على مذهب مالك وأصحابه مما لم يختلفوا فيه: أنهم لم يختلفوا أن من صلى وحده لا يكون إمامًا في تلك الصلاة، فدل على أنها غير فريضة، وإذا كانت غير فريضة كانت تطوعًا، وبالله التوفيق. التمهيد (3/ 350).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«نافلة» أي: إن تلك الصلاة التي صُليت مع الناس نافلة، وهذا صريح في كون الأُولى هي الفريضة، والثانية المُعادة نافلة، وظاهره عدم الفرق بين أن تكون الأولى قد صُليت في جماعة أو فرادى؛ لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنزَّل منزلة العموم في المقال، والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى (10/ 647).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
مَن صلَّى فرضَه ثم أدرك تلك الصلاةَ في جماعةٍ، استُحبَّ له إعادتُها، أيَّ صلاةٍ كانت، بشرط أن تُقام وهو في المسجد، أو يدخل المسجدَ وهم يُصلُّون. وهذا قولُ الحسن، والشافعي، وأبي ثور. فإن أُقيمت صلاةُ الفجر أو العصر وهو خارجَ المسجد، لم يُستحبَّ له الدخول. واشترط القاضي لجواز الإعادة في وقت النهي أن يكون مع إمام الحي. ولم يُفرِّق الخرقي بين إمام الحي وغيره، ولا بين المُصلِّي جماعةً وفُرادى. وكلامُ أحمد يدلُّ على ذلك أيضًا.
قال الأثرم: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن مَن صلَّى في جماعةٍ، ثم دخل المسجدَ وهم يُصلُّون، أيُصلِّي معهم؟ قال: نعم. وذكر حديثَ أبي هريرة: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم». إنما هي نافلةٌ فلا يدخل، فإن دخل صلَّى، وإن كان قد صلَّى في جماعة. قيل لأبي عبد الله: والمغرب؟ قال: نعم، إلا أنه في المغرب يُشفِع.
وقال مالك: إن كان صلَّى وحده أعاد المغرب، وإن كان صلَّى في جماعةٍ لم يُعدها؛ لأن الحديث الدال على الإعادة قال فيه: «صلَّينا في رحالنا». وقال أبو حنيفة: لا تُعاد الفجرُ ولا العصرُ ولا المغرب؛ لأنها نافلةٌ، فلا يجوز فعلُها في وقت النهي؛ لعموم الحديث فيه، ولا تُعاد المغربُ لأن التطوُّع لا يكون بوتر. وعن ابن عمر، والنخعي: تُعاد الصلواتُ كلُّها إلا الصبحَ والمغرب. وقال أبو موسى، وأبو مجلز، ومالك، والثوري، والأوزاعي: تُعاد كلُّها إلا المغرب، لئلا يتطوَّع بوتر. وقال الحاكم: إلا الصبح وحدها.
ولنا: ما رواه جابرُ بنُ يزيد بن الأسود، عن أبيه، قال: «شهدتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجَّته، فصليتُ معه صلاةَ الفجر في مسجد الخيف، وأنا غلامٌ شاب، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين في آخر القوم لم يُصلِّيا معه. فقال: عليَّ بهما. فأُتي بهما ترعد فرائصُهما، فقال: ما منعكما أن تُصلِّيا معنا؟ فقالا: يا رسول الله، قد صلَّينا في رحالنا. قال: لا تفعلا، إذا صلَّيتما في رحالكما ثم أتيتما مسجدَ جماعةٍ فصليَّا معهم؛ فإنها لكما نافلة». رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح، والأثرم.
وروى مالكٌ في "الموطأ" عن زيد بن أسلم، عن بُسر بن محجن، عن أبيه، «أنه كان جالسًا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأُذِّن للصلاة، فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فصلى، ثم رجع ومحجن في مجلسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما منعك أن تُصلِّي مع الناس، ألست برجلٍ مسلم؟ فقال: بلى يا رسول الله، ولكني قد صلَّيت في أهلي. فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إذا جئت فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صلَّيت». وعن أبي ذر قال: «إن خليلي - يعني النبي -صلى الله عليه وسلم- أوصاني أن أُصلِّي الصلاة لوقتها، فإذا أدركتُها معهم فصلِّ، فإنها لك نافلة» رواه مسلم.
وفي رواية: «فإن أدركتَها معهم فصلِّ، ولا تقل: إني قد صلَّيت فلا أُصلِّي» رواه النسائي.
وهذه الأحاديث بعمومها تدلُّ على محل النزاع، وحديثُ يزيد بن الأسود صريحٌ في إعادة الفجر، والعصرُ مثلُها، والأحاديث بإطلاقها تدلُّ على الإعادة، سواء كان مع إمام الحي أو غيره، وسواء صلَّى وحده أو في جماعة. وقد روى أنس قال: صلَّى بنا أبو موسى الغداة في المربد، فانتهينا إلى المسجد الجامع، فأُقيمت الصلاة، فصلَّينا مع المغيرة بن شعبة. وعن صِلة، عن حذيفة أنه أعاد الظهر والعصر والمغرب، وكان قد صلَّاهن في جماعة. رواهما الأثرم. المغني(2/ ٨٢ ـ 83).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
هذا الحديثُ - أعني حديثَ يزيدَ بنِ الأسود ـ يُعارضُ حديثَ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضي الله عنه عن النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لا تُصلُّوا في يومٍ مرَّتين»، ويُحمَلُ ذلك على إقامةِ الصلاةِ في مسجدٍ مرَّتين إيثارًا أو اختيارًا، أو على إعادةِ الصلاةِ بعد أن صُلِّيَتْ في جماعةٍ. فأمَّا الذي صلَّى وحده ثم أدرك الجماعةَ، فإنه يُستحبُّ له أن يدخلَ في تلك الصلاةِ، مع ما فيه من الاختلافِ بين العلماءِ في استحبابِ ذلك في جميعِ الصلواتِ أو في بعضِها، وليس قصدُنا إيرادَ تلك الاختلافات؛ فإن كلًّا منهم لم يألُ جهدًا في إشباعِ القولِ فيما ذهب إليه، وإنما قصدُنا التوفيقُ بين الحديثين بما تيسَّر، ثم التعليلُ الموجبُ للترجيح.
وقد زعم بعضُ أهلِ الحديثِ أن حديثَ يزيدَ بنِ الأسود ناسخٌ لحديثِ ابنِ عمرَ ـ رضي الله عنهما ـ ؛ لأنه سمعه في حجةِ الوداع، وهي من أواخرِ أيامِ الرسول. وذلك قولٌ غيرُ سديدٍ؛ لأن سماعَه له في حجةِ الوداع لا يُحكَمُ به أنه سمع قبل ابنِ عمرَ، وإنما يصحُّ له هذه الدعوى فيمن لم يُصاحبِ النبيَّ بعد حجةِ الوداع، وإذ قد عَلمنا أن ابنَ عمرَ صحبه بعد حجةِ الوداع إلى أن تُوفِّي، فلنا أن نقول: يُحتمل أنه سمعه بعد يزيدَ بنِ الأسود. ثم إن حديثَه هذا لا يبلغُ درجةَ حديثِ ابنِ عمرَ في الصحةِ والاشتهار، ولم يختلفْ أحدٌ في صحتِه، وحديثُ يزيدَ اختلفَ في إسنادِه؛ فرواه هشامٌ وأبو عوانةَ عن يعلى بنِ عطاءٍ عن عامرِ بنِ الأسود عن أبيه، وخالفهما شعبةُ، فقال: يعلى بنُ عطاءٍ عن جابرِ بنِ يزيدَ بنِ الأسود عن أبيه مثلَه. الميسر في [شرح مصابيح السنة(1/٣٠٣).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
في الحديث من الفقه: أن من صلَّى في رحله ثم صادف جماعة يصلُّون كان عليه أن يصلي معهم، أي صلاة كانت من الصلوات الخمس، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق، وبه قال الحسن والزهري.
وقال قوم: يعيد إلا المغرب والصبح، كذلك قال النخعي، وحكي ذلك عن الأوزاعي، وكان مالك والثوري يكرهان أن يعيد صلاة المغرب، وكان أبو حنيفة لا يرى أن يعيد صلاة العصر والمغرب والفجر إذا كان قد صلاهن.
قلتُ: وظاهر الحديث حُجة على جماعةِ مَن منع عن شيء من الصلوات كلها؛ ألا تراه يقول: «إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يصل فليصل معه» ولم يستثن صلاة دون صلاة.
وقال أبو ثور: لا يُعاد الفجر والعصر إلا أن يكون في المسجد وتقام الصلاة فلا يخرج حتى يصليها. معالم السنن(1/ 164).
وقال ابن العربي المالكي -رحمه الله-:
اعلموا -أنار الله قلوبكم للمعارف- أنه لا صلاة في يوم واحد مرتين، إلا أن الشريعة أذنت في إعادة صلاة الفذ في الجماعة لفائدتين:
إحداهما خاصة: وهي استجلاب الأجر للمصلي.
والثانية عامة: وهي تنقسم قسمين:
أحدهما: إظهار شِعار الدِّين.
والثاني: نفي الريبة والتهمة وسوء الظن، ألا ترى إلى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ألستَ برجل مسلم؟». المسالك (3/ 29).