الأربعاء 5 ذو القعدة 1447 | 2026-04-22

A a

«مَن أَحْرَمَ بالحَجِّ والعمرةِ، أَجْزَأَهُ طوافٌ واحدٌ، وسعيٌ واحدٌ منهما، حتَّى يَحِلَّ منهما جميعًا».


رواه أحمد برقم: (5350)، والترمذي برقم: (948) واللفظ له، وابن ماجه برقم: (2975)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (5971)، صحيح سنن ابن ماجه برقم: (٢٤٠٩). 


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«أَحْرَمَ»‌:
الإحرام: ‌الدخول في حُرمة الحج والعمرة، اللَّذَين يَحرم فيهما الطيب والنكاح والصيد ولباس ما لا يَحِل لبسه. الزاهر، للأزهري (ص:118).


شرح الحديث


قوله: «مَن أَحْرَمَ»:
قال النووي -رحمه الله-:
الإحرام: نية ‌الدخول في حجة أو عمرة، سُمي إحرامًا؛ لأنه يمنعه من المحظورات كلها. تحرير ألفاظ التنبيه (ص:139).

قوله: «بالحَجِّ والعمرةِ»:
قال البغوي -رحمه الله-:
القِران: وهو أنْ يُحْرِمَ بهما جميعًا، فيتَّحد الميقات والفعل، أو يُحْرِم بالعمرة ثم يُدخل عليها الحج ‌قبل ‌الطواف، وإنْ عكس لم يصح على أحد القولين. التهذيب (3/ 251).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
لو أدخل الحج على العمرة قبل الطواف من غير خوف الفوات جاز، وكان قارنًا، بغير خلاف، وقد فعل ذلك ابن عمر، ورواه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأما بعد الطواف، فليس له ذلك، ولا يصير قارنًا، وبهذا قال الشافعي وأبو ثور، وروي عن عطاء.
وقال مالك: يصير قارنًا، وحكي ذلك عن أبي حنيفة؛ لأنه أدخل الحج على إحرام العمرة، فصح، كما قبل الطواف.
ولنا: أنَّه شارع في التحلل من العمرة، فلم يجز له إدخال الحج عليها، كما لو سعى بين الصفا والمروة. المغني (3/ 422).
وقال العمراني الشافعي -رحمه الله-:
إنْ أحرم بالعمرة في أشهر الحج، أو في غير أشهر الحج، ثم أدخل عليها الحج في غير أشهر الحج لم يصر قارنًا، وإنَّما يتعيَّن إحرامه بالعمرة؛ لأنَّ الإحرام بالحج في غير أشهر الحج لا يصح.
وإنْ أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج، وأدخل عليها الحج في أشهر الحج قبل الطواف صح ذلك، وكان قارنًا قولًا واحدًا؛ لأن إحرامه في كل واحد منهما في وقته صحيح.
وإنْ أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة، فهل يصح؟ فيه قولان:
الأول: قال في القديم: يصح، ويكون قارنًا، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه أحد النُّسكين، فصح إدخال الآخر عليه، كالعمرة.
الثاني: قال في الجديد: لا يصح إحرامه بالعمرة، وبه قال أحمد، وهو الصحيح؛ لأنَّ الحج أقوى من العمرة؛ لأنَّ فيه وقوفًا ورميًا، فلم يصح إدخال الأضعف عليه، وإنْ صح دخوله على العمرة. البيان (4/ 73).
وقال الحطاب الرعيني المالكي -رحمه الله-:
القِران له صورتان:
الأولى (وهذه صورته الأصلية): أنْ يحرم بالحج والعمرة معًا أي يقصد الدخول في حرمتهما معًا، وسواء ذكر العمرة في لفظه قبل الحج أو بعده (فهذا يأتي بأعمال الحج فقط، فيكفيه طواف واحد وسعي واحد)...
والصورة الثانية من صورَتَي القِران: هي الإرداف (بأن يحرم أولًا بالعمرة وحدها في أشهر الحج أو قبل أشهره، ثم قبل شروعه في الطواف لها يُدخل عليها الحج في أشهره، بأنْ ينويه، فيكفيه عمل الحج)...، (و) وقت الإرداف من حين يُحرم بالعمرة إلى أنْ يشرع في الطواف بلا خلاف، فإذا شرع في الطواف فات الإرداف عند أشهب، هكذا نقل الباجي عنه، وفي الجلاب عنه: إذا طاف شوطًا واحدًا ثم أحرم بالحج لم يلزمه إحرامه، ولا يكون قارنًا...، وقال ابن يونس في آخر كلامه: صار الإرداف عند ابن القاسم على أربعة أوجه: أنْ يردف قبل الطواف، أي: قبل كماله فهذا جائز، وبعد الطواف وقبل الركوع وهذا مكروه، وبعد الطواف والسعي جائز وليس بقِران، وبعد الركوع وقبل السعي، فهذا مكروه، وليس بقران، وليس في كلام ابن يونس ما يقتضي جواز الإرداف بعد كمال الطواف، والله أعلم. مواهب الجليل (4/ 70-71).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
هذا حديث حسن غريب، تفرَّد به الدراوردي على ذلك اللفظ، وقد رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر، ولم يرفعوه، وهو أصح (أي: الموقوف). سنن الترمذي (3/ 275).

قوله: «أَجْزَأَهُ طوافٌ واحدٌ، وسعيٌ واحدٌ منهما، حتَّى يَحِلَّ منهما جميعًا»:
قال السندي -رحمه الله-:
«طواف واحد» أي: طواف الركن للحج؛ فإنه يكون له وللعمرة؛ بناء على دخول أفعال العمرة في أفعال الحج، والله أعلم. كفاية الحاجة (2/ 228).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما القِران فهو أن يُحرم بالحج والعمرة جميعًا، فتندرج أفعال العمرة في أفعال الحج، ويتحد الميقات والفعل، فيجزي عنهما طواف واحد، وسعي واحد، وحلق واحد، ولا يزيد على ما يفعله مفرد الحج أصلًا. الإيضاح في مناسك الحج والعمرة (ص: 134- 134).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«‌أجزأه ‌طواف ‌واحد وسعي واحد منهما» أي: عن الحج والعمرة. تحفة الأحوذي (4/ 18).
وقال مالك -رحمه الله-:
مَن قَرَن الحج والعمرة ‌أجزأه ‌طواف ‌واحد عنهما، وهي السُّنة. المدونة (1/ 421).
وقال المزني -رحمه الله-:
قال الشافعي: وإن كان حاجًّا (أي: مفردًا) أو قارنًا ‌أجزأه ‌طواف ‌واحد لحجه وعمرته؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشة وكانت قارنة: «طوافك يكفيك لحجك وعمرتك». مختصر المزني (8/ 164).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
أما كونه يكفي القارن طواف واحد، وسعي واحد: فلكَونه -صلى الله عليه وسلم- حج قرانًا على الأصح، واكتفى بطواف واحد للقدوم، وبسعي واحد، ولا دليل على وجوب طوافين وسعيين، وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا: «من أحرم بالحج والعمرة ‌أجزأه ‌طواف ‌واحد، وسعي واحد» وقد حسنه الترمذي. الدراري المضية (2/ 192).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
القارن يجزئه طواف واحد، ‌وسعي ‌واحد، وبهذا قال مالك والشافعي وأصحابهما وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو مذهب عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله، وعطاء بن أبي رباح، وقول الحسن ومجاهد وطاوس.
وحُجة من قال بهذا القول حديث مالك هذا، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، وفيه قالت: «إن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين جمعوا الحج والعمرة إنما طافوا طوافًا واحدًا» فإن قيل: إن مَن روى هذا الحديث عن ابن شهاب لم يذكر هذا فيه من قول عائشة، قيل له: إنَّ تقصير من قصر عنه ليس بحجة على مَن حفِظَه، ومالك أثبتُ الناس عند الناس في ابن شهاب، وقد ذكره مالك، وحسبك به...، وقال الثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح: على القارن طوافان وسعيان، وروي هذا القول عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، وهو قول الشعبي وجابر بن زيد وعبد الرحمن بن الأسود، وروى سعيد بن منصور، عن هشيم، عن منصور بن زاذان، عن الحكم، عن زياد بن مالك، عن علي وعبد الله، قالا في القارن: يطوف طوافين، ويسعى سعْيَيْنِ، وروى منصور، عن إبراهيم ومالك بن الحارث، عن أبي نصر السلمي، قال: أهللتُ بالحج، فأدركتُ عليًّا، فقلتُ له: إني أهللتُ بالحج، أفأستطيع أن أضيف إليه عمرة؟ قال: لا، لو كنتَ أهللتَ بعمرة ثم أردتَ أن تضيف إليها حجًّا ضَمَمْتَه، قال: قلتُ: كيف أصنع إذا أردتُ ذلك؟ قال: تصبَّ عليك إداوة من ماء (أي: تغتسل للإحرام) ثم تحرم بهما جميعًا، وتطوف لكل واحد منهما طوافًا، ورواه شعبة والثوري عن منصور. التمهيد (5/ 532 - 536).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
القارن بين الحج والعمرة في إحرامه كالمفرد، يجزئه لهما طواف واحد (للإفاضة) وسعي واحد، وهو إجماع الصحابة، وقول الأكثرين من التابعين والفقهاء، وقال أبو حنيفة والثوري: عليه طوافان وسعيان؛ استدلالًا بقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} البقرة: 196 فكان الأمر بإتمامهما يوجب الإتيان بأفعالهما، وروى عمران بن الحصين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من جمع بين الحج والعمرة فعليه طوافان» وروى عمارة بن عبد الرحمن قال: حججتُ مع إبراهيم بن محمد ابن الحنفية -رضي الله عنهم- فطاف طوافين، وقال: حججتُ مع محمد ابن الحنفية فطاف طوافين، وقال: حججتُ مع علي -رضي الله عنه- فطاف طوافين، وقال: حججتُ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فطاف طوافين، قال: ولأنهما نُسكان، فوجب أن يلزمه طوافان، كما لو أفردهما، فأما استدلاله بالآية: فإتمامها على ما روي عن عمر وعلي أن يُحرم بهما من دويرة أهله، وأما حديث عمران بن الحصين فمحمول على المتمتع الذي قد جمع بينهما بإحرامين، وأما حديث علي فغير ثابت. الحاوي الكبير (4/ 164 - 166).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
اختلفوا فيما على القارن من الطواف والسعي، فقال ابن عمر وجابر بن عبد الله، وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري ومجاهد وطاوس، ومالك والشافعي وعبد الملك (ابن الماجشون) وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يجزئه طواف واحد (للإفاضة) وسعي واحد، وأوجبت طائفة على القارن طوافين وسعيين، يروى هذا القول عن الشعبي وجابر بن زيد وعبد الرحمن بن الأسود، وبه قال الثوري والحسن بن صالح وأصحاب الرأي.
قال أبو بكر (ابن المنذر): بالقول الأول أقول، ولا يثبت عن علي (أي: رواية عمارة بن عبد الرحمن السابقة) خلاف قول ابن عمر، وإنما روى مالك بن الحارث عن أبي نصر عن علي، وأبو نصر مجهول، مع أن الحديث لو كان ثابتًا كان قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أولى. الإشراف (3/ 278).
وقال البغوي -رحمه الله-:
القارن يكفيه طواف واحد بعد الوقوف بعرفة، يروى ذلك عن ابن عمر، أنه أراد الحج عام نزل الحَجَّاج بابن الزبير، فقيل له: إنا نخاف أن يصدوك، فقال: إذًا أصنع كما صنع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إني أُشهدكم أني قد أوجبتُ عمرة، ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء، قال: أُشهدكم أني قد أوجبتُ حجًّا مع عمرتي، فطاف طوافًا واحدًا، وسعيًا واحدًا، حتى حل منهما جميعًا، وهو قول عطاء ومجاهد والحسن (البصري) وطاوس، أن القارن يكفيه طواف واحد، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، روي عن عطاء عن عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: «طوافكِ بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيكِ لحجكِ وعمرتكِ».
وذهب قوم إلى أن القارن يطوف طوافين: أحدهما: قبل الوقوف عن العمرة، والثاني: بعده عن الحج، وهو قول الشعبي، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي، وجاء في الحديث: «الطواف والسعي تَوٌّ، وإذا استجمر فليستجمر بتوٍّ» ومعنى التو: الوتر، وقيل معنى قوله: «الطواف والسعي تَوٌّ»، أي: كل واحد سبع، وقيل: أراد أن الطواف الواجب طواف واحد، وكذلك السعي، سواء كان المحرم مفردًا أو قارنًا. شرح السنة (7/ 83، 84).
وقال النووي -رحمه الله-:
مذهبنا (الشافعية) أنه يكفي للقارن لحجه وعمرته طواف واحد عن الإفاضة، وسعي واحد، وبه قال أكثر العلماء، منهم: ابن عمر وجابر بن عبد الله وعائشة، وطاوس وعطاء والحسن البصري ومجاهد، ومالك والماجشون وأحمد وإسحاق، وابن المنذر وداود، وقال الشعبي والنخعي وجابر بن زيد وعبد الرحمن ابن الأسود وسفيان الثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة: يلزمه طوافان وسعيان، وحكي هذا عن علي وابن مسعود، قال ابن المنذر: لا يصح هذا عن علي -رضي الله عنه-.
وأقرب ما احتُج به لأبي حنيفة ما جاء عن علي -رضي الله عنه- في ذلك، وهو ضعيف لا يحتج به، كما سنذكره -إن شاء الله تعالى-.
واحتج الشافعي والأصحاب بحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع فأهللنا بعمرة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من كان معه هدي فيهِلَّ بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا» قالت: فطاف الذين كانوا أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا أطوافًا أُخر بعد ما رجعوا من منى بحجهم، وأما الذين كانوا جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا، رواه البخاري ومسلم، وعن جابر -رضي الله عنه- قال: لم يطف النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول، رواه مسلم، وهذا محمول على من كان منهم قارنًا، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى عليه وسلم-: «من أحرم بالحج والعمرة ‌أجزأه ‌طواف ‌واحد، وسعي واحد منهما حتى يحل منهما جميعًا» رواه الترمذي وقال: حديث حسن، قال: وقد رواه جماعة موقوفًا على ابن عمر، قال: والموقوف أصح، هذا كلام الترمذي، ورواه البيهقي بإسناد صحيح مرفوعًا، وأما المروي عن علي -رضي الله عنه- في طوافين وسَعْيَين فضعيف باتفاق الحفاظ، كما سبق عن حكاية ابن المنذر، قال الشافعي: احتج بعض الناس في طوافين وسعيين برواية ضعيفة عن علي، وروى البيهقي هذا الذي أشار إليه الشافعي بإسناده، عن مالك بن الحارث، عن أبي نصر قال: لقيتُ عليًّا -رضي الله عنه- وقد أهللتُ بالحج، وأهلَّ هو بالحج والعمرة، فقلت: هل أستطيع أن أفعل كما فعلت؟ قال: ذلك لو كنت بدأت بالعمرة، قلت: كيف أفعل لو أردت ذلك؟ قال: تهلُّ بهما جميعًا، ثم تطوف لهما طوافين، وتسعى لهما سعيين، قال البيهقي: أبو نصر هذا مجهول، قال: وقد روي بإسناد ضعيف عن علي مرفوعًا وموقوفًا، قال وقد ذكرته في الخلافيات، قال: ومداره على الحسن بن عمارة، وحفص بن أبي داود، وعيسى بن عبد الله، وحماد بن عبد الرحمن، وكلهم ضعفاء لا يحتج بروايتهم. المجموع، شرح المهذب(8/ 61، 62).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
المشهور عن أحمد: أن القارن بين الحج والعمرة لا يلزمه من العمل إلا ما يلزم المفرد، وأنه يجزئه طواف واحد، وسعي واحد لحجه وعمرته، نص عليه في رواية جماعة من أصحابه، وهذا قول ابن عمر وجابر بن عبد الله، وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد، ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور، وابن المنذر، وعن أحمد رواية ثانية: أن عليه طوافين وسعيين، ويروى ذلك عن الشعبي وجابر بن زيد وعبد الرحمن بن الأسود، وبه قال الثوري والحسن بن صالح وأصحاب الرأي، وقد روي عن علي ولم يصح عنه، واحتج بعض من اختار ذلك بقول الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} البقرة: 196، وتمامهما أن يأتي بأفعالهما على الكمال، ولم يفرق بين القارن وغيره، وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مَن جمع بين الحج والعمرة فعليه طوافان»؛ ولأنهما نُسكان، فكان لهما طوافان، كما لو كانا منفردين، ولنا ما روي عن عائشة -رضى الله عنها- أنها قالت: "وأما الذين كانوا جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا لهما طوافًا واحدًا"، متفق عليه، وفي مسلم: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة لما قرنت بين الحج والعمرة: «يسعكِ طوافكِ لحجكِ وعمرتكِ» وعن ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد، وسعي واحد منهما جميعًا» وعن جابر «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرن بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافًا واحدًا»، رواهما الترمذي، وقال في كل واحد منهما: حديث حسن، وروى ليث، عن طاوس وعطاء ومجاهد، عن جابر وابن عمر وابن عباس: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يطف بالبيت هو وأصحابه لعمرتهم وحجهم إلا طوافًا واحدًا»، رواه الأثرم وابن ماجه، وعن سلمة قال: حلف طاوس ما طاف أحد من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- للحج والعمرة إلا طوافًا واحدًا؛ ولأنه ناسك يكفيه حلق واحد، ورمي واحد، فكفاه طواف واحد، وسعي واحد، كالمفرد؛ ولأنهما عبادتان من جنس واحد، فإذا اجتمعتا دخلت أفعال الصغرى في الكبرى، كالطهارتين، وأما الآية فإن الأفعال إذا وقعت لهما فقد تَمَّا، وأما الحديث الذي احتجوا به فلا نعلم صحته، ورواه الدارقطني من طرق ضعيفة، في بعضها الحسن بن عمارة، وفي بعضها عمر بن يزيد، وفي بعضها حفص بن أبي داود، وكلهم ضعفاء، وكفى به ضعفًا مخالفته لما روينا من الأحاديث الصحيحة، وإن صح فيحتمل أنه أراد عليه طواف وسعي، فسماهما طوافين، فإن السعي يسمى طوافًا؛ قال الله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} البقرة: 158، ويحتمل أنه أراد: عليه طوافان، طواف الزيارة (الإفاضة) وطواف الوداع. المغني (5/ 347 - 349).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
ليس ‌على ‌المفرد ‌إلا ‌سعي ‌واحد، وكذلك القارن عند جمهور العلماء، وكذلك المتمتع في أصح أقوالهم، وهو أصح الروايتين عند أحمد، وليس عليه إلا سعي واحد؛ فإن الصحابة الذين تمتعوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة قبل التعريف. مجموع الفتاوى (26/ 138).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «حتى ‌يحل ‌منهما ‌جميعًا» هذا بيان حكم القارن، فإنه لا يحل إلا بفراغه من طواف الإفاضة، ويجزئه لهما عمل واحد عند الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة؛ إذ يقول: يعمل لهما عملين. المفهم (3/ 299).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
«حتى يَحل منهما جميعًا» فإنه يقتضي أن الإحلال منهما يكون في وقتٍ واحدٍ. إحكام الأحكام (2/ 91).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
فلا خلاف بين العلماء أنَّ القارن لا يحل إلا يوم النحر، فإذا رمى جمرة العقبة حل له الحِلَاقُ والتَّفَثُ كله، فإذا طاف بالبيت حلَّ كل الحِل. الاستذكار (4/ 70).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

الاكتفاء بسعيٍ واحد: شرح «وكفانا الطوافُ الأول بين الصفا والمروة»

- فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم اكتفاء القارن بطواف واحد وسعي واحد للحج.


إبلاغ عن خطأ