الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

عن صفوان بن محرز المازني قال: «‌بينما ‌أنا ‌أَمشي ‌مع ‌ابن ‌عمر -رضي الله عنهما- آخِذٌ بيدهِ، إذ عُرض رجلٌ فقال: كيف سمعت رسول الله -صلَّى الله عليه وسَّلم- في النَّجوى؟ فقال: سمعت رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول: إنَّ اللهَ يُدني المؤمنَ، فَيَضَعُ عليه كَنَفَهُ، ويَسْتُرُهُ، فيقولُ: أَتَعْرِفُ ذنبَ كذا؟ أَتَعْرِفُ ذنبَ كذا؟ فيقولُ: نعم أيْ رَبِّ، حتَّى إذا قَرَّرَهُ بذنوبِهِ، ورأى في نفسِهِ أنَّه هَلَكَ، قال: سَتَرْتُهَا عليك في الدُّنيا، وأنا أَغْفِرُهَا لك اليومَ، فَيُعْطَى كتابَ حسناتِهِ، وأما الكافرُ والمنافقون فيقولُ الأشهادُ: {هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} هود: 18».


رواه البخاري برقم: (2441) واللفظ له، ومسلم برقم: (2768)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«‌يُدني»:
الدَّال والنون والحرف المعتل أصل واحد يقاس بعضه على بعض، وهو المقاربة. ومن ذلك الدني، وهو القريب، من ‌دنا ‌يدنو. مقاييس اللغة(2/ 303).

«كَنَفَهُ»:
الكَنَفُ: ‌الجانب والنَّاحية، بالتَّحريك. لسان العرب، لابن منظور (9/ 308).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
الكَنف: ‌الظِّل ... والجمع: أَكناف. تاج العروس (24/ 334).

«قَرَّرَهُ»:
الإِقْرارُ: الإِذعانُ للحقِّ والاعترافُ به. أقرَّ بالحقِّ أي: اعترفَ به، وقد قرَّره عليه، وقرَّره بالحقِّ غيرُه حتى أقرَّ. لسان العرب، لابن منظور(5/ 88).


شرح الحديث


قوله: «إن الله يُدني المؤمن»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«يُدنى ‌المؤمنُ من ربه» بضم الياء وفتح النون من (يدني) مبنيًّا للمفعول أي: يُقرَّب منه، وقال هشام الدستوائي: «يدنو المؤمن» بفتح الياء وضم النون أي: يَقرُب من ربه. إرشاد الساري (7/ 171).
وقال ابن تيمية –رحمه الله-:
...وأمَّا دُنُوُّه نفسُه وتقرُّبُه من بعضِ عبادِه؛ فهذا يُثبِتُه مَن يُثبِتُ قيامَ الأفعالِ الاختياريَّةِ بنفسِه، ومجيئَه يوم القيامة، ونزولَه، واستوائِه على العرشِ. وهذا مذهب أئمَّةِ السَّلفِ وأئمَّةِ الإسلامِ المشهورين وأهلِ الحديثِ، والنقلُ عنهم بذلك متواترٌ.. شرح حديث النزول (ص: 105).
وقال ابن تيمية -رحمه الله -أيضًا-:
والذين يُثبتون تقريبَه العبادَ إلى ذاتِه هو القولُ المعروفُ للسَّلفِ والأئمَّةِ، وهو قولُ الأشعريِّ وغيرِه من الكُلَّابيَّةِ؛ فإنَّهم يُثبتون قربَ العبادِ إلى ذاتِه، وكذلك يُثبتون استواءَه على العرشِ بذاتِه ونحو ذلك، ويقولون: الاستواءُ فعلٌ فعله في العرشِ فصار مستويًا على العرشِ. وهذا أيضًا قولُ ابنِ عقيلٍ وابنِ الزَّاغونيِّ وطوائفَ من أصحابِ أحمدَ وغيرِهم...وأوَّلُ من أنكر هذا في الإسلامِ "الجهميَّةُ" ومن وافقهم من المعتزلةِ. مجموع الفتاوى(5/ 466).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«يدنى» بالبناء للمفعول، «المؤمن» وفي رواية للبخاري: «يدنى أحدكم من ربه» «يوم القيامة من ربه -عزَّ وجلَّ-» أي: دنوًّا يليق بجلاله، فالله -سبحانه وتعالى- يُدني إليه مَن يشاء من عباده إذا شاء، كيف شاء، فنؤمن بصفة الدنو على مراد الله، كما يليق بجلاله، وذلك كما نؤمن بأن المؤمنين يرونه -سبحانه وتعالى- في الآخرة رؤية حقيقية، دون أن نعلم كيفيتها، فتأويل الشراح؛ كالحافظ (ابن حجر) والنووي والقاضي عياض وغيرهم- الدنوَّ هنا ليس مما ينبغي، فكما يثبتون الرؤية على حقيقتها، دون تأويل، ولا تكييف، ولا تشبيه، فكذلك الدنو هنا دون أي فرق، فتنبَّه، فإن هذا مما حادت فيه الأفهام. البحر المحيط الثجاج (42/ 756).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
‌وهذا ‌باطل (أي قول المؤولين)؛ ‌لأن ‌الدُّنو ‌دنو ‌حقيقي، ‌والله ‌أعلم ‌بكيفيته. توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (8/ 55).
وقال الشيخ حمزة بن محمد قاسم -رحمه الله-:
«إن الله يُدني المؤمن» أي: يُقرِّبُه إليه يوم القيامة؛ ليكلمه ويعرض عليه ذنوبه فيما بينه وبينه. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (3/ 363).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
...أي: يُدنى ويُقرَّب إليه تعالى من الإدناء، أي: يدني إليه دنوًّا يليق بذاته تعالى. ودنو الله تعالى لعبده صفة ثابتة له؛ نثبتها ونعتقدها، لا نكيفها ولا نمثلها، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، أي: يُدنى المؤمن من موقف مناجاة ربه يوم القيامة. الكوكب الوهاج (25/ 254- 255).

قوله: «فيضعُ عليه كَنَفَه ويستره»:
قال ابن تيمية -رحمه الله-:
قال الخلَّالُ: أنبأنا إبراهيمُ الحربيُّ قال: قولُه: فيضعُ عليه كَنَفَه يقول: ناحيتَه، قال إبراهيمُ: أخبرني أبو نصرٍ عن الأصمعيِّ يُقالُ: أنا في كَنَفِ بني فلانٍ أي في ناحيتِهم، وأنا في ظلِّك أي قربِك، قال إبراهيمُ: وأنبأنا عمروٌ عن أبيه قال: كَنَفٌ جانبٌ.. بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (8/ 193)
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
وقوله: «حتى يضع عليه كنفه» الكَنَف: صفة خبرية ثابتة من صفات الله، والله أعلم بكيفيتها...
والستر والعفو أثر هذا الكَنَف، والأشعرية دائمًا يفسِّرون الصفة بأثرها؛ فيفسِّرون الفرح بالرضا، والغضب بالعقاب، والكَنَف بالستر، وهذه من آثار الصفات، وليست هي الصفات. وأما ما نقله البخاري في خلق أفعال العباد عن ابن المبارك قال: كَنَفه، يعني: ستره، وهذا جاء في رواية: «فيضع عليه كَنَفه وستره» فهذا بيان لأثر الصفة، والمعنى: أنه تعالى يستر عبده عن رؤية الخلق له؛ لئلا يفتضح أمامهم فيخزى؛ لأنه حين السؤال والتقرير بذنوبه تتغير حاله، ويظهر على وجهه الخوف الشديد، ويتبين فيه الكَرْبُ والشِّدَّة. توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (8/ 54).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
قولُه: فيُدنيه منه فيضعُ عليه كَنَفَه، ثم يُقرِّرُه بذنوبِه، جمعَ بين الإدناءِ ووضعِ الكَنَفِ عليه قرينةٌ في أنَّه هو الذي يُدنيه إليه ويضعُ كَنَفَه عليه ويستره من الناس، كما جاء ذلك في ألفاظِ الحديث...بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية(8/ 203)
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قال في القاموس: أنت في كَنَف الله تعالى مُحَرَّكَةً: في حِرْزه وسِتْره، وهو الجانب، والظلّ، والناحية. انتهى.
فإذا ثبت لغة إطلاق الكنف على الجانب، فالحقّ إبقاؤه على ظاهره وحقيقته؛ إذ لا حاجة إلى المجاز، كسائر الصفات من السمع، والبصر، والكلام، والرضا، والغضب، والاستواء، والنّزول، ونحوها مِمّا وردت به النصّوص الصحيحة، فنثبتها كلها على الوجه اللائق به -عَزَّ وَجَلَّ- من غير تعطيل، ولا تحريف، ومن غير تمثيل، ولا تكييف، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والحكمة في وضع الكَنَف عليه: ستره عن أهل الموقف حتَّى لا يطّلع على سرِّه غيرُه، والله تعالى أعلم. مشارق الأنوار الوهاجة (4/ 48).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
فيه نجوى الرَّب للمؤمن، وهذا من الصفات على ما يليق بالله كسائر الصفات. الحلل الإبريزية (2/ 332).

قوله: «فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فيخاطبه خطاب الملاطفة، ويناجيه مناجاة المُصافاة والمحادثة، فيقول: هل تعرف؟ المفهم (7/ 160).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟» في التكرير إشارة إلى التكثير، وإيماء إلى أنه عالم بما في الضمير. مرقاة المفاتيح (8/ 3525).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أتعرف ذنب كذا؟» الاستفهام للتقرير...وتكرير الجملة للتعديد، لا للتأكيد. المنهل الحديث في شرح الحديث (2/ 326).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله- أيضًا:
ظاهرُ الحديثِ أنَّ هذا السؤالَ (أتعرفُ ذنبَ كذا؟) إنَّما هو عن الذنوبِ التي لم يطَّلعْ عليها العبادُ في الدنيا؛ لقولِه: «سترتُها عليك في الدنيا». ويمكنُ أن يكون عامًّا في كلِّ الذنوبِ حتى التي اطَّلع عليها الخلقُ، على أن يكون السترُ كنايةً عن عدمِ المؤاخذة. نعم، عمومُ قولِه: «وأنا أغفرُها لك اليوم» مخصوصٌ بحديثِ المقاصَّةِ السابق، فالغفرانُ للذنوبِ التي لن يدخلَها تقاصٌّ. وفائدةُ التقريرِ في هذا الموقفِ: إبرازُ فضلِ اللهِ ورحمتِه بالمؤمنين، حيث سترَ في الدنيا، وعفا في الآخرة. المنهل الحديث في شرح الحديث(2/ 327).
وقال الشيخ حمزة بن محمد قاسم -رحمه الله-:
«فيقول له» فيما بينه وبينه دون أن يطَّلِع على ذلك أحد، ويعرض عليه ذنوبه سرًّا قائلًا له في لطف: «أتعرف ذنب كذا؟» هكذا يذكَّره بما فعله في الدنيا في لطف وخفاء. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (3/ 363).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فيقول» -عَزَّ وَجَلَّ- في تقريرها: «هل تعرف» يا عبدي أنك فعلتَ ذنب كذا وكذا، في مكان كذا وكذا، في يوم كذا وكذا؟ وجملة القول تفسير للتقرير. الكوكب الوهاج (25/ 255).

قوله: «فيقول: نعم أيْ رَبِّ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أيْ ربِّ» بفتح الهمزة وسكون الياء حرف نداء، و«ربِّ» منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة. المنهل الحديث في شرح الحديث (2/ 326).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فيقول» المؤمن: «أيْ رَبِّ» «أي» حرف نداء، وقد مرَّ الخلاف: هل للقريب، أم للبعيد، أم للوسط؟ وهنا للقريب، كما يدلُّ عليه سياق الحديث. البحر المحيط الثجاج (42/ 757).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«فيقول» المؤمن: «نعم أي رَبِّ» أعرفه. إرشاد الساري (4/ 254).
وقال المناوي -رحمه الله-:
...وهكذا كلما ذكر له ذنبًا أقرَّ به. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 273).

قوله: «حتى إذا قرَّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
«حتى قرَّره بذنوبه» أي: جعله مُقِرًّا بأن أظهر له ذنوبه، وألجأه على الإقرار بها. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (3/ 399).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«حتى إذا قرَّره بذنوبه» أي: جعله مُقِرًّا بها «ورأى في نفسه» أي: علم الله أنه في ذاته «أنه هلك» أي: المؤمن، ويجوز أن يكون الضمير في «رأى» للمؤمن، والواو للحال. شرح المصابيح (6/ 40).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«حتى إذا قرَّره بذنوبه»...ألجأه إلى الإقرار بها؛ حتى يعرف مِنَّة الله عليه في سترها عليه في الدنيا، وفي عفوه عنه في الآخرة، وسقط في رواية أبي ذر لفظ: «إذا».
«ورأى في نفسه أنه هلك» باستحقاقه العذاب. إرشاد الساري (4/ 254).
وقال الشيخ حمزة بن محمد قاسم -رحمه الله-:
«حتى إذا قرره بذلك» واعترف بذنوبه «ورأى في نفسه أنه هلك» أي: وتيقن أنه دخل النار لا محالة إلا أن يتداركه عفو الله. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (3/ 363).

قوله: «قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فيقول الله له مُمْتنًّا عليه، ومُظْهِرًا فضله لديه: «فإني سترتُها عليك في الدنيا» أي: لم أفضحك بها بين الخلائق، ولم أُطْلِعْهم على شيء منها، ويحتمل أن يكون معنى ستره إياها: ترك المؤاخذة عليها؛ إذ لو واخذه بها لفضحت العقوبة الذنب، كما افتضحت ذنوب الأمم السالفة بسبب العقوبات التي وقعت بهم، فسارت بذنوبهم وعقوبتهم الركبان، وعَلِمَها كل إنسان. المفهم (7/ 160).
وقال الحفني -رحمه الله-:
قوله: «وأنا أغفرها لك» أتى بصيغةِ الحصرِ؛ لأنَّه لا غافرَ غيرُه، أي: أنا لا غيري، ولم يأتِ بصيغةِ حصرٍ في قولِه: «فإنِّي قد سترتُها»؛ لأنَّ السِّترَ يكون من العبدِ على نفسِه، بأن يتوارى عن الناسِ، ولم يُحكَ ذلك، أي: يكون العبدُ ساترًا ظاهرًا، وأنَّ الساترَ حقيقةً هو اللهُ تعالى، بخلافِ غفرِ الذنوبِ، فلا يكون من العبدِ لا ظاهرًا ولا باطنًا، فلذا أتى فيه بصيغةِ الحصر.. حاشيته على الجامع الصغير (1/255).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» الرب -عَزَّ وَجَلَّ-: «فإنِّي قد سترتها» أي: تلك الذنوب «عليك في الدنيا، وإني أغفرها» أي: أغفر تلك الذنوب «لك اليوم» يعني: يوم المحاسبة والمجازاة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما في رواية ابن ماجه: «فيعطى» ذلك المؤمن «صحيفة حسناته» أي: كتاب حسناته «بيمينه» كما في رواية ابن ماجه. الكوكب الوهاج (25/ 255).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«سترتها عليك في الدنيا» وفي الآخرة أيضًا، فستره عن الناس عند إقراره، «وأنا أغفرها لك اليوم». فيه: أن السِّتر في الدنيا مما يؤنس، ويدلُّ على أنه من أدلة المغفرة؛ لأن الدَّارين كلها وأحكامها بيده تعالى، وأشار إلى ذلك مَن قال:
ركبنا خطايانا وسترك مسبل *** وليس لستر أنت ساتره كشف
«فيُعطى» بعد ذلك «كتاب حسناته» بيمينه. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 397).

قوله: «وأما الكافر والمنافقون، فيقول الأشهاد: {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} هود: 18»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«وأما الكافر» بالإفراد «والمنافقون» بالجمع في رواية أبي ذر عن الكشميهني والمستملي، وله عن الكشميهني أيضًا: «والمنافق» بالإفراد، «فيقول الأشهاد» جمع شاهد وشهيد من الملائكة والنبيين وسائر الإنس والجن: {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} هود: 18. إرشاد الساري (4/ 255).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
«والأشهاد» جمع شاهد أو شهيد، وقال مجاهد: هم الملائكة، وقال مقاتل: جميع الناس. الإفصاح عن معاني الصحاح (4/ 190).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«الأشهاد» جمع شاهد وشهيد كأصحاب وأشراف، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ} هود: 18، أي: يحاسبون في الموقف بين الخلائق، ويشهد عليهم الأشهاد من الملائكة والنبيين بأنهم الكذَّابون على الله، ويقال: ألا لعنة الله عليهم، فوا حزناه، ووا فضيحتاه، والحديث حجة على المعتزلة في مغفرة الذنوب إلا للكفار، ولا يسلمه الخوارج حيث يكفرون بالمعاصي. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (11/ 17).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
«الأشهاد» الأنبياء أو الملائكة أو الخلائق، أو الأنبياء والمرسلون والملائكة والمؤمنون والأجساد. يؤيد الأول قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} النساء: 41 الآية. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (15/ 572).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد» هم الملائكة أو الأنبياء «{هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ} هود: 18» باتخاذ الشريك والولد ونحوها من قبائحهم «{أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} هود: 18» ليس لهم شفيع ولا رحمة. وهذا الحديث من أحاديث الرَّجاء، ومن أكثرها بشارة لأهل الإيمان. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 397).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وأما الكفار، والمنافقون، فيُنادى» (كما في الرواية الأخرى) بالبناء للمفعول، «بهم على رؤوس الخلائق» ثم بيّن ما هو النداء؟ بقوله: {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ} هود: 18. البحر المحيط الثجاج (42/ 758).
وقال الشوكاني –رحمه الله-:
قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} هود: 18، أي: لا أحد أظلم منهم لأنفسهم؛ لأنهم افتروا على الله كذبًا بقولهم لأصنامهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وقولهم: الملائكة بنات الله. وأضافوا كلامه -سبحانه- إلى غيره، واللفظ وإن كان لا يقتضي إلا نفي وجود مَنْ هو أظلم منهم كما يفيده الاستفهام الإنكاري، فالمقام يفيد نفي المساوي لهم في الظلم.
فالمعنى على هذا: لا أحد مثلهم في الظلم فضلًا عن أن يوجد من هو أظلم منهم، والإشارة بقوله: {أُولَئِكَ} هود: 18 إلى الموصوفين بالظلم المتبالغ، وهو مبتدأ، وخبره {يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ} هود: 18، فيحاسبهم على أعمالهم، أو المراد بعرضهم: عرض أعمالهم. {وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ} هود: 18 الأشهاد: هم الملائكة الحفظة، وقيل: المرسلون، وقيل: الملائكة والمرسلون والعلماء الذين بلَّغوا ما أمرهم الله بإبلاغه، وقيل: جميع الخلائق.
والمعنى: أنه يقول هؤلاء الأشهاد عند العرض: هؤلاء المعرضون أو المعروضة أعمالهم الذين كَذَبوا على ربهم بما نسبوه إليه، ولم يصرِّحوا بما كذَّبوا به، كأنه كان أمرًا معلومًا عند أهل ذلك الموقف.
قوله: «{أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} هود: 18» هذا من تمام كلام الأشهاد؛ أي يقولون: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ويقولون: ألا لعنة الله على الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالافتراء، ويجوز أن يكون من كلام الله سبحانه، قاله بعدما قال الأشهاد: {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ} هود: 18، والأشهاد جمع شهيد، ورجحه أبو علي (هو أبو علي الفارسي، النحوي) بكثرة ورود شهيد في القرآن كقوله: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} البقرة: 143، {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} النساء: 41، وقيل: هو جمع شاهد كأصحاب وصاحب، والفائدة في قول الأشهاد بهذه المقالة المبالغة في فضيحة الكفار، والتقريع لهم على رؤوس الأشهاد. فتح القدير (2/556-557)
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: في هذا الحديث عظيم تفضل الله على عباده المؤمنين، وستره لذنوبهم يوم القيامة، وأنه يغفر ذنوب مَن شاء منهم، بخلاف قول مَنْ أنفذ الوعيد على أهل الإيمان؛ لأنه لم يستثنِ في هذا الحديث -عليه السلام- ممن يضع عليه كَنَفه وستره أحدًا إلا الكفار والمنافقين، فإنهم الذين ينادى عليهم على رؤوس الأشهاد باللعنة لهم...وهذا الحديث حُجة لأهل السُّنة في قولهم: إن أهل الذنوب من المؤمنين لا يكفرون بالمعاصي كما زعمت الخوارج.
وقوله تعالى: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} هود: 18، أن المراد بالظلم ها هنا: الكفر والنفاق كما ذكر في الحديث، وليس كل ظالم يدخل في معنى الآية، ويستحق اللعنة؛ لأنه لا تكون عقوبة الكفر عند الله كعقوبة صغائر الذنوب. واللعن في كلام العرب: الإبعاد من الله تعالى؛ فدلَّت الآية أن الكلام ليس على العموم، وأنه يفتقر إلى ما يبين معناه، وهذا الحديث يبين أن قول الله: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} التكاثر: 8، أن السؤال عن النعيم الحلال إنما هو سؤال تقرير وتوقيف له على نعمه التي أنعم بها عليه، ألا ترى أنه تعالى يُوقِفُه على ذنوبه التي عَصاهُ فيها، ثم يغفرها له، فإذا كان ذلك فسؤاله عباده عن النعيم الحلال أولى أن يكون سؤال تقرير، لا سؤال حساب وانتقام. شرح صحيح البخاري (6/ 570- 571).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معقبًا:
قلتُ: قد استشعر البخاري هذا؛ فأورد في كتاب المظالم هذا الحديث ومعه حديث أبي سعيد: «إذا خلص المؤمنون من النار حُبِسُوا بقنطرة بين الجنة والنار؛ يتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِنَ لهم في دخول الجنة» الحديث، فدل هذا الحديث على أن المراد بالذنوب في حديث ابن عمر ما يكون بين المرء وربه -سبحانه وتعالى- دون مظالم العباد، فمقتضى الحديث أنها تحتاج إلى المقاصصة. ودل حديث الشفاعة أن بعض المؤمنين من العصاة يُعذَّب بالنار ثم يخرج منها بالشفاعة، كما تقدم تقريره في كتاب الإيمان، فدل مجموع هذه الأحاديث على أن العصاة من المؤمنين في القيامة على قسمين:
أحدهما: مَنْ معصيته بينه وبين ربه؛ فدلَّ حديث ابن عمر على أن هذا القسم على قسمين: قسم تكون معصيته مستورةً في الدنيا؛ فهذا الذي يسترها الله عليه في القيامة وهو بالمنطوق، وقسم تكون معصيته مجاهرة؛ فدل مفهومه على أنه بخلاف ذلك، والقسم الثاني: مَن تكون معصيته بينه وبين العباد؛ فهم على قسمين أيضًا: قسم تَرْجَحُ سيئاتهم على حسناتهم؛ فهؤلاء يَقَعون في النار، ثم يخرجون بالشفاعة، وقسم تتساوى سيئاتهم وحسناتهم؛ فهؤلاء لا يدخلون الجنة حتى يقع بينهم التقاصُّ كما دل عليه حديث أبي سعيد، وهذا كله بناء على ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة أن يفعله باختياره، وإلا فلا يجب على الله شيء، وهو يفعل في عباده ما يشاء. فتح الباري (10/ 489).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
وفي الحديث: دليل على ما ذهب إليه أهل السُّنة من أنَّ أهل الكبائر في مشيئته تعالى، يغفر لمن يشاء، ألا ترى أنَّ الذنوب من صاحب النَّجوى كانت كبائر؛ ولذلك ذكرت في مقابلة الكُفار. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (5/ 119).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
ويؤخذ من الحديث:
-عدل الله في حكمه على الكافرين. المنهل الحديث في شرح الحديث (2/ 327).
وقال الشيخ حمزة بن محمد قاسم -رحمه الله-:
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي:
أولًا: أن الظالمين المستحقين للعنة هم الكفار والمنافقون؛ لقوله في الحديث: «وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} هود: 18»، أما المؤمنون فلا يلعنون ولو كانوا عصاة؛ لأن مصيرهم إلى الجنة؛ ولأن رحمة الله لا بد أن تنالهم، فلا يلعن العاصي بعينه، أما اللعن بدون تعيين فلا مانع منه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده».
ثانيًا: سعة رحمة الله وعفوه على عباده، وأنه لا يأس مع الإيمان، والمطابقة: في قوله: «وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} هود: 18». منار القاري(3/ 364).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وهذا الحديث من أحاديث الرَّجاء، ومن أكثرها بَشارة لأهل الإيمان. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 397-398).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
ومنها: أن فيه الرد على الجهمية في إنكارهم الصفات، حيث إن فيه إثبات صفة الكلام لله -سبحانه وتعالى-، حيث يكلم عبده المؤمن في الآخرة.
ومنها: بيان فضل ستر المؤمن على نفسه في الدنيا إذا وقع منه مخالفة؛ لأن ذلك يكون سببًا لمغفرة الله تعالى له ذلك في الآخرة.
ومنها: بيان قبح المجاهرة بالمعاصي، وأن الله تعالى لا يغفر لأصحابها؛ لمبارزتهم له بها، واستخفافهم بشأنها.
أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله -صلي الله عليه وسلم- يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه». البحر المحيط الثجاج(42/ 760).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

حديث: «‌لا ‌يَستُرُ ‌اللهُ ‌على ‌عبدٍ في الدُّنْيا، إلَّا سَتَرَهُ اللهُ يومَ القيامةِ».


إبلاغ عن خطأ