الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«إذا صُمْتَ مِن شهرٍ ثلاثًا، فَصُمْ ثلاثَ عشْرةَ، وأربعَ عشْرَةَ، وخَمْسَ عشْرةَ».


رواه أحمد برقم: (21437) واللفظ له، والترمذي برقم: (761)، والنسائي برقم: (2424) وابن خزيمة برقم: (2128)، والبيهقي في الكبرى برقم: (8445)، من حديث أبي ذر -رضي الله عنه-.
ورواه النسائي برقم: (2427) بلفظ: «إنْ كُنتَ صائمًا، فعليكَ بالغُرِّ البِيضِ...».
صحيح الجامع برقم: (673)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1038).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الغُرِّ ‌البِيضِ»:
الغُّر: جمع أَغَرِّ وغَرَّاء، وفي حديث النبي -عليه السلام-: «إن كنتَ صائمًا فصم ‌الغُّر» يعني: البيض. شمس العلوم، للحميري (8/ 4870).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
الغُرُّ: جمع أغر، وسُمِّي أبيض الوجه: أَغَر، استعارة مِن غُرَّة الفَرَس. إكمال إكمال المعلم (2/44).


شرح الحديث


قوله: «إذا صُمْتَ من شهرٍ ثلاثًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إذا صُمْتَ» أي: أردتُ الصوم. مرقاة المفاتيح (4/ 1422).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
أي: إذا أردتَ صوم ثلاثة منها. دليل الفالحين (7/ 65).

قوله: «فَصُمْ ثلاثَ عشْرةَ، وأربعَ عشْرَةَ، وخَمْسَ عشْرةَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» بسكون الشين فيها، وتكسر، وهي أيام الليالي البيض، وفيه: دلالة على متابعة الأفضل؛ فإن الجمع بين كونها ثلاثة، وكونها البيض أكمل. مرقاة المفاتيح (4/ 1422).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» أي: يوم الليلة الثلاث عشرة وهكذا؛ وذلك لأنَّ صوم الثلاثة كصوم الشهر؛ إذ الحَسَنَة بعشر أمثالها، ويبدِّل ثالث عشر الحجة بسادس عشرهِ. التيسير (1/ 373).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فصم ثلاث عشرة...» إلخ، لا ينافي هذا صوم ما عداها من الأيام، وإنما هو على أنها أفضل وأحب. لمعات التنقيح (4/ 487).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
قوله: «فصم ثلاث عشرة...» إلخ، أي: الأفضل أنْ يجعل تلك الثلاثة، هذه الثلاثة؛ ليحصل سنتان: كونها ثلاثًا، وكونها البيض. فتح الإله (7/29).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «‌فصم ‌ثلاث ‌عشرة...» إلخ، فيه: دليل على استحباب صوم أيام البيض، وهي الثلاثة المعيَّنة في الحديث. نيل الأوطار (4/ 300).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا يقتضي تخصيص الثلاثة بأيام الليالي البيض، وهذا -والله تعالى أعلم- لأن الليالي البيض وقت كمال القمر، ووسط الشهر، وخير الأمور أوساطها. المفهم (3/ 188).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- أيضًا:
قد اختُلف في أي أيام الشهر أفضل للصوم؟ فقالت جماعة من الصحابة والتابعين، منهم: ابن عمر وابن مسعود وأبو ذر: إنَّ صوم ‌أيام ‌البيض أفضل؛ تمسُّكًا بالحديث المتقدِّم.
وقال آخرون، منهم النخعي: آخر الشهر أفضل.
وقالت فرقة ثالثة: أول الشهر أفضل، منهم: الحسن.
وذهب آخرون: إلى أن الأفضل صيام أول يوم من السبت والأحد والاثنين في شهر، ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس، منهم عائشة.
واختار آخرون الاثنين والخميس.
وفي حديث ابن عمر: «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يصوم ثلاثة من كل شهر: أول اثنين، والخميس الذي بعده، والخميس الذي يليه».
وعن أم سلمة: «أول خميس، والاثنين، والاثنين».
واختار بعضهم: صيام أول يوم من الشهر، ويوم العاشر، ويوم العشرين، وبه قال أبو الدرداء، ويُروى أنه كان صيام مالك، واختاره ابن شعبان.
وقد روي عن مالك كراهة تعمد صيام ‌أيام ‌البيض، وقال: ما هذا ببلدنا، والمعروف مِن مذهبه كراهة تعيين أيام مخصوصة للنفل، وأن يَجعل الرجل لنفسه يومًا، أو شهرًا يلتزمه.
والحاصل: أن ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر حيث صامها، وفي أي وقت أوقعها، واختلاف الأحاديث في هذا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يرتِّب على زمان بعينه من الشهر، كما قالته عائشة -رضي الله عنها-، وأن كل ذلك قد فعله النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويرحم الله مالكًا لقد فهم وغنم. المفهم (3/ 233، 234).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
اعلم أنه قد ثبت في السُّنة قولًا وفعلًا استحباب صوم ثلاثة أيام من الشهر مطلقًا ومقيدًا بكونها ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، التي يقال لها: ‌أيام ‌البيض، وهو الأحب، ومقتضى أكثر الأحاديث والآثار، وقول أكثر أهل العلم، وقد ورد صوم ثلاثة، أولها يوم الاثنين مع الثلاثاء والأربعاء، وأولها الخميس مع الجمعة والسبت، وكان قد يصوم من شهر السبت والأحد والاثنين، ومن شهر آخر الثلاثاء والأربعاء والخميس. لمعات التنقيح (4/ 479).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
اختلف الناس في تعيينها من الشهر اختلافًا في تعيين الأحب والأفضل لا غير. إحكام الأحكام (2/ 30).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الذي يظهر أنَّ الذي أمر به، وحث عليه، ووصى به أولى من غيره، وأما هو فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز، وكل ذلك في حقه أفضل، وتترجح البيض بكونها وسط الشهر، ووسط الشيء أعدله؛ ولأن الكسوف غالبًا يقع فيها، وقد ورد الأمر بمزيد العبادة إذا وقع، فإذا اتفق الكسوف صادف الذي يعتاد صيام البيض صائمًا، فيتهيأ له أن يجمع بين أنواع العبادات، من الصيام والصلاة والصدقة، بخلاف من لم يصمها، فإنه لا يتأتى له استدراك صيامها، ولا عند من يجوِّز صيام التطوع بغير نية من الليل، إلا إن صادف الكسوف من أول النهار. فتح الباري (4/ 227).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
من عبَّر بالأيام البيض فقد لحَّنُوه؛ لأن الأيام كلها بيض، وأنها هي أيام البيض، أي: الليالي البيض؛ لأنَّ بياض القمر ونوره يعمُّها، فناسب صيامها شكر لله تعالى على ذلك.
والأحوط صوم الثاني عشر معها (كذا قال ولا دليل عليه)؛ لاحتمال نقص الشهر، لا لرعاية الخلاف في أنه أول الثلاثة؛ لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة، والقاعدة عندنا: أنَّ الخلاف إذا خالَف سُنة صحيحة لا يُراعى؛ ولهذا يعلم شذوذ أقوال تسعة أو عشرة حكاها الغزالي في تعيين البيض في غير ما ذُكِرَ، فلا يعوَّل على شيء منها.
قال بعض أصحابنا (الشافعية): ويُسن أيضًا صوم أيام السود، وهي الثامن والعشرون وتالياه، ويُسن صوم السابع والعشرين معها؛ لاحتمال نقص الشهر (كذا قال الشافعية، ولا دليل على ذلك). وحكمة ذلك: الرغبة إلى الله تعالى في كشف الظلمة. فتح الإله (7/29).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
صيام ثلاثة أيام من كل شهر مُستحَب، لا نعلم فيه خلافًا. المغني (4/ 445).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
يُستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ للأخبار الصحيحة. الفتاوى الكبرى (5/ 377).
وقال الزيلعي -رحمه الله-:
المندوب صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ويندب فيها ‌كونها ‌الأيام ‌البيض. تبيين الحقائق (1/ 313).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ولا فرق بين أنْ تكون متوالية -يعني متتابعة- أو متفرقة، كلها يحصل بها الأجر، لكن أفضل هذه الأيام الثلاثة ‌أيام ‌البيض: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. شرح رياض الصالحين (5/ 152).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
ذكر بعض العلماء أنَّ استحباب صيام البيض غير استحباب ثلاثة أيام من كل شهر. التوشيح (4/ 1464).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أما ‌أيام ‌البيض فلم يكن يواظب على صيامها في أيام بعينها، بل كان ربما صام من أول الشهر، وربما صام من وسطه، وربما صام من آخره؛ ولهذا قال أنس: ما كنتَ تشاء أن تراه صائمًا من النهار إلا رأيته، ولا قائمًا من الليل إلا رأيته. فتح الباري (11/ 299).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
ممن كان يصوم الأيام البيض من السلف: عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبو ذر.
ومن التابعين: الحسن البصري والنخعي، وسئل الحسن البصري: لِمَ صام الناس الأيام البيض؟ وأعرابي يسمع، فقال الأعرابي: لأنه لا يكون الكسوف إلا فيها، ويحب الله ألا تكون في السماء آية إلا كانت في الأرض عبادة.
قال الطبري: فاختار هؤلاء صيام هذه الأيام البيض لهذه الآثار، واختار قوم من السلف صيام ثلاثة أيام من كل شهر غير معيَّنة على ظاهر حديث أبي هريرة. شرح صحيح البخاري (4/ 125).

قوله في لفظ: «إنْ كنتَ صائمًا فعليكَ ‌بالغُرِّ ‌البيض»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«إنْ كنتَ صائمًا» نفلًا «فعليك ‌بالغُرِّ ‌البيض» أي: الزم صومها. التيسير (1/ 373).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إنْ كنتَ صائمًا» أي: نفلًا قاله لأبي ذر لما قال له: يا رسول الله، إني صائم، قال: «أيُّ الصيام تصوم؟ قال: أول الشهر وآخره»، فذكره، «فعليك بالغُرِّ» بزنة حُمر، جمع أَغَرٍّ، أي: الأيام ‌الغر ‌«البيض» الليالي، إلا أن قوله: «ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» دل أنه أراد جمع غراء كحمراء صفة لليالي، والمراد: صُم الأيام ذوات هذه الليالي. التنوير (4/ 247).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في تسميتها بالبيض، قال بعضهم: البيض صفة الليالي؛ لبياضها بالقمر من أول الليل إلى آخره، أي: صيام أيام الليالي البيض.
وقال عليٌّ: سُمِّيت بذلك؛ لأن آدم -عليه السلام- هبط إلى الأرض مسودًّا، فصام هذه الأيام، فابيضَّ كله. الأزهار مخطوط لوح (220).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

- حديث: «صيامُ ثلاثةِ أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ صيامُ الدهرِ ...».

- فتوى اللجنة الدائمة في حكم صيام ثلاثة أيام من كل شهر في غير أيام البيض.


إبلاغ عن خطأ