«إنَّا أمَّة أمَّيَّة، لا نَكْتُبُ، ولا نَحْسُبُ، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وعَقَدَ الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا، يعني: تمام ثلاثين».
رواه البخاري برقم: (1913)، ومسلم برقم: (1080) واللفظ له، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
وفي البخاري قال الراوي: «يعني مرَّة تسعة وعشرين، ومرَّة ثلاثين».
غريب الحديث
«أمَّيَّة»:
الأمِّية: الغفلة والجهالة فيه أمية، والأُمِّي: الذي لا يقرأ ولا يكتب. المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد (2/ 487).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
أراد أنهم على أصل ولادة أمِّهم لم يتعلموا الكتابة والحساب، فهم على جِبِلَّتِهم الأُولى. النهاية (1/ 68).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «إنَّا»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«إنَّا» هي إنَّ المكسورة المشددة الداخلة لتأكيد الجملة، اتصل بها اسمها ضمير منصوب للمتكلم مع غيره، وهو (نا) كما قاله نجم الأئمة، وأدغم فيها، فالمراد: إنَّا أيها الأمة العربية. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 151).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
المراد: أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقالة، وهو محمول على أكثرهم. فتح الباري (4/ 127).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«إنَّا» كناية عن جيل العرب. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1580).
قوله: «أمَّة»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
الأمَّة: الجماعة، يطلق على الطائفة من الناس، وعلى غيرهم، كما قال تعالى: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ} هود: 8، و {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} الزخرف: 23. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 151).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«أمَّة» أي: جماعة. شرح المصابيح (2/ 509).
قوله: «أمَّيَّة»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «أميَّة» إنما قيل لمن لا يكتب ولا يقرأ: أُمِّيٌّ؛ لأنه منسوب إلى أمَّة العرب، وكانوا لا يكتبون ولا يقرؤون، ويقال: إنما قيل له: أُمِّيٌّ على معنى أنه باق على الحال التي ولدته أمُّه، لم يتعلم قراءة ولا كتابًا. معالم السنن (2/ 93).
وقال المازري -رحمه الله-:
الأميَّة: هي التي على أصل ولادات أمهاتها، لم تتعلم الكتاب، فهي على ما وُلدت عليه، ومنه {النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} الأعراف: 157 -صلى الله عليه وسلم-، نسب إلى ما ولدته عليه أمُّه معجزة له -صلى الله عليه وسلم-. المعلم بفوائد مسلم (2/ 44).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
نسبة إلى الأم وصفتها؛ لأن هذه صفات النساء غالبًا. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (13/ 101).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- أيضًا:
وقال الرشاطي: يعني: نُسبوا إلى ما عليه أمَّة العرب، وكانوا لا يكتبون، وقيل له: أُمِّيٌّ نسبة إلى أم القرى مكة، وجعله الله أمِّيًا خشية أن يرتاب المبطلون، إنما يسمع وحيًا فيبلغه ولم يأخذ عن كتب الأمم قبلنا، ولا بحساب نجوم. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (13/ 101).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقيل: للعرب أميِّون؛ لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} الجمعة: 2، ولا يَرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب؛ لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة. فتح الباري (4/ 127).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قال الخطابي: إنما صح إطلاق الأمِّيِّ عليهم من قبل نبيهم، والقرن الذي بُعث فيه، فصار الآخر تبعًا للأول في النسبة، وإن كانوا يكتبون ويحسبون. شرح المصابيح (2/ 510).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
الأميَّة المذكورة هنا صفة مدح وكمال من وجوه: من جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبين منه وأظهر وهو الهلال. ومن جهة أن الكتاب والحساب هنا يدخلهما غلط. ومن جهة أن فيهما تَعَبًا كثيرًا بلا فائدة، فإن ذلك شغل عن المصالح؛ إذ هذا مقصود لغيره لا لنفسه، وإذا كان نفي الكتاب والحساب عنهم للاستغناء عنه بخير منه وللمفسدة التي فيه، كان الكتاب والحساب في ذلك نقصًا وعيبًا بل سيئة وذنبًا، فمن دخل فيه فقد خرج عن الأمَّة الأميَّة، فيما هو من الكمال والفضل السالم عن المفسدة ودخل في أمر ناقص يؤديه إلى الفساد والاضطراب. مجموع الفتاوى (25/ 174).
قوله: «لا نَكْتُبُ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ» تفسير لكونهم كذلك (أي: أمة أمية). فتح الباري (4/ 127).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا نكتب» أي: لا نعرف الكتابة، ولا نقرأها. الكوكب الوهاج (12/ 341).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: العرب فيهم الكاتب، وأكثرهم يعرفون الحساب.
قلتُ: المراد أن أكثرهم أميون. الكواكب الدراري (9/ 92).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والحكم على الأمَّة من حيث هي لا ينافي كون فيها أفراد يعرفون الكتابة، ويحتمل: أنه أراد بقوله: «لا نكتب» لا نخطُّ الرمل كما يرشد إليه ذكر الحساب، وأنه أريد به معرفة الأحكام الفلكية، إلا أن تمام الحديث يعني قوله: «الشهر إلى كذا وهكذا» يريد مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين يدل للأول. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 151).
وقال الشيخ عبد المحسن -حفظه الله-:
والمقصود بذلك كثير منهم، ولا يعني ذلك أنه لا توجد الكتابة والقراءة فيهم، بل كانت فيهم ولكن بقلَّة، والحكم هنا للغالب. شرح سنن أبي داود (266/ 3).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله- أيضًا:
وكونه أميًّا لا يقرأ ولا يكتب هذا من أوضح الأدلة على أنه أتى بالقرآن من عند الله -عزَّ وجلَّ-، ولهذا يقول الله -عزَّ وجلَّ-: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} العنكبوت:48، أي: لو أنه كان قارئًا كاتبًا فيمكن أن يأتي به من عند نفسه، لكنه كان لا يقرأ ولا يكتب -صلى الله عليه وسلم-. شرح سنن أبي داود (266/ 3).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
لم يقل: إنا لا نقرأ كتابًا ولا نحفظ، بل قال: «لا نكتب ولا نحسب»، فديننا لا يحتاج أن يكتب ويحسب كما عليه أهل الكتاب من أنهم يعلمون مواقيت صومهم وفطرهم بكتاب وحساب، ودِينهم معلَّق بالكتب لو عدمت لم يعرفوا دينهم. مجموع الفتاوى (17/ 436).
قوله: «ولا نحسُب»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
الحساب: هو حساب النجوم، وهم لا يعرفونه. الكواكب الدراري (9/ 92).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولا نحسُب» أي: لا نعرف حساب النجوم وتسييرها، فليس مِن هَدْيِنا وشرعنا ضبط العبادات بذلك، بل بالأمور الواضحة للأبصار، من رؤية الهلال، والظل، والزوال. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 151).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أي: لم نكلَّف في تعرف مواقيت صومنا ولا عباداتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة، وإنما رُبطت عباداتنا بأعلام واضحة، وأمور ظاهرة، يستوي في معرفة ذلك الحُسَّابُ وغيرهم، ثم تمَّم هذا المعنى وكمَّله حيث بيَّنه بإشارته بيديه، ولم يتلفظ بعبارة عنه نزولًا إلى ما يفهمه الخُرْص والعُجْم، وحصل من إشارته بيديه ثلاث مرات: أن الشهر يكون ثلاثين، ومِن خَنْسِهِ (قَبْضِهَ) إبهامه في الثالثة: أن الشهر يكون تسعًا وعشرين، كما قد نص عليه في الحديث الآخر. المفهم (3/ 139).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وهذا يتعلق بالرؤية، فإنْ رأينا الهلال بعد مضي تسعة وعشرين يومًا من الشهر المتقدم نحكم بدخول الشهر، وإن رأيناه بعد مضي ثلاثين يومًا نحكم بدخوله. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 13).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «لا نكتب ولا نحسب» بيان لقوله: «أميَّة» وهذا البيان، ثم الإشارة باليد، ثم القول باللسان، ينبِّهك على أن الاستقصاء في معرفة الشهر ليس إلى الكتاب والحساب، كما عليه أهل النِّجَامة. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1580).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معلقًا:
فالمعنى: أن العمل على ما يعتاده المنجِّمون ليس من هدينا وسُنتنا، بل عِلْمنا يتعلق برؤية الهلال، فإنا نراه مرة تسعًا وعشرين، ومرة ثلاثين. مرقاة المفاتيح (4/ 1374).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
المراد بالحساب هنا: حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النَّزْر اليسير، فعلَّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية؛ لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يُشْعِر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلًا، ويوضحه قوله في الحديث الماضي: «فإنْ غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» ولم يقل: فسلوا أهل الحساب.
والحكمة فيه: كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم، وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك، وهم الروافض، ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم، قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حُجة عليهم، وقال ابن بزيزة: وهو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم؛ لأنها حَدْسٌ وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالبٌ، مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق؛ إذ لا يعرفها إلا القليل. فتح الباري (4/ 127).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
فتبين أن ديننا لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب، كما يفعله أهل الكتاب من ضبط عباداتهم بمَسِير الشمس وحسباناتها، وأن ديننا في ميقات الصيام معلَّق بما يُرى بالبصر وهو رؤية الهلال، فإن غُمَّ أكملنا عدة الشهر، ولم نحتج إلى حساب. فتح الباري (3/ 67).
قوله: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«الشهر هكذا» أشار به إلى أصابعه العشرة، «وهكذا، وهكذا». شرح المصابيح (2/ 510).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «الشهر هكذا» يريد أن الشهر قد يكون هكذا، أي: تسعًا وعشرين، وليس يريد أن كل شهر تسعة وعشرون، وإنما احتاج إلى بيان ما كان موهومًا أن يخفى عليهم؛ لأن الشهر في العرف وغالب العادة ثلاثون، فوجب أن يكون البيان فيه مصروفًا إلى النادر دون المعروف منه. معالم السنن (2/ 93).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
إشارته بيده إلى الثلاثين والتسع وعشرين حجة الحكم بالإشارة، وأنها تقوم مقام النطق في الطلاق والبيوع والوصايا وغيرها، ويدل على صحة الاعتداد بها. إكمال المعلم (4/ 14).
قوله: «وعَقَدَ الإبهام في الثالثة»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وعقد الإبهام» أي: قبضها «في» المرة «الثالثة» إشارة إلى أنه يكون تسعًا وعشرين. الكوكب الوهاج (12/ 341).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فلو أن رجلًا حلف أو نذر أن يصوم شهرًا بعينه فصامه فكان تسعًا وعشرين كان بارًّا في يمينه ونذره، ولو حلف ليصومنَّ شهرًا لا يعيِّنه فعليه إتمام العدة ثلاثون يومًا. معالم السنن (2/ 93).
قوله: «والشهر هكذا وهكذا وهكذا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«الشهر» أي: تارة أخرى «هكذا وهكذا وهكذا». مرقاة المفاتيح (4/ 1374).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ومعنى «هكذا» في كل إشارة: يعنى: بيديه جميعًا، إشارة للعشر أصابع، بدليل قوله: «بيديه»، وقوله في بعضها: «وصفق بيديه»، وفي الحديث الآخر: «وطبَّق» وهما ها هنا بمعنى. إكمال المعلم (4/ 15).
قوله: «يعني: تمام ثلاثين»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي يريد -صلى الله عليه وسلم- بمجموع ما ذكره أن الشهر يكون مرة تسعًا وعشرين ومرة ثلاثين. مرقاة المفاتيح (4/ 1374).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وليس معنى قوله: مرة تسع وعشرون، ومرة ثلاثون: أنه يلزم أن يكون شهر تسعة وعشرين، وشهر ثلاثين على السوية والتعاقب؛ لأنه قد يكون شهران ثلاثين، وقد يكون شهران تسعة وعشرين، لا ترتيب بهذا، بل معناه: قد تكون بعض الشهور تسعة وعشرين، وبعضها ثلاثين من غير تعيين، كيف ما اتفق. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 13).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وفي الحديث: مُسْتَدَلٌّ لمن رأى الحكم بالإشارة وإعمال دلالة الإيماء، كمن قال: امرأتي طالق، وأشار بأصابعه الثلاث، فإنه يلزمه ثلاث تطليقات على الظاهر من الحال. معالم السنن (2/ 93).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وفي الحديث: إيماء إلى أنه -صلَّى الله عليه وسلم- كما أدَّى ما وجب بتبليغه بالعبارة أدَّاه أيضًا بالإشارة، واستفيد منه أن إيماء الأخرس بعرف النكاح وطلاقه ونحوهما كاللسان في مَعْرضِ البيان. مرقاة المفاتيح (4/ 1374).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفيه: حجة -أيضًا- لصحة طلاق الأبكم وإقراره وشهادته وحده، إذا فُهم منه القذف، وتحقق ما أشار به.
وفيه: تقريب الأمور بالتمثيل، وهو مقصده -عليه السلام- بذلك لا لغيره. إكمال المعلم (4/ 14-15).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- صوموا لرؤيته: ضابط دخول رمضان وخروجه.
- وينظر شرح الشيخ خالد المشيقح في أحكام رؤية الهلال بالعين والمراصد وشروط قبول شهادة الرائي.