عن مسروق قال: سأَلْنَا عبد الله عن هذه الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} آل عمران: 169.
قال: أما إنِّا قد سألنا عن ذلك، فقال: «أرواحهم في جوف طير خُضر، لها قَنَادِيْل معلقة بالعرش، تَسْرَح من الجنة حيث شاءت، ثم تَأوْي إلى تلك القَنَاديل، فاطَّلع إليهم ربهم اطلاعةً، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نَسْرح من الجنة حيث شِئنَا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلمَّا رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يُسألوا قالوا: يا ربِّ، نريد أن تردَّ أرواحنا في أجسادنا، حتى نُقتل في سبيلك مرَّة أخرى، فلمَّا رأى أن ليس لهم حاجة تُركوا».
رواه مسلم برقم: (1887)، من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.
ولفظ الترمذي برقم: (3011): «أرواحهم في طيرٍ خضرٍ»، وزاد «وتُقْرِئُ نبينا السلام وتخبره أنْ قد رضينا ورُضي عنَّا».
ولفظ ابن ماجة برقم: (2801)، وعبد الرزاق برقم: (9554)، وابن أبي شيبة برقم: (19385): «أرواحهم كطير خضر».
ولفظ الدارمي برقم: (2454)، والطيالسي برقم: (289): «في حواصِل طير خُضْرٍ».
وفي رواية عند أحمد برقم: (2388)، وأبو داود برقم: (2520)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: «لما أُصيب إخوانكم بأُحد جعل الله أرواحهم في جوف طيرٍ خضر، تَرِدُ أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طِيب مأكلهم، ومشربهم، ومَقِيلهم، قالوا: من يُبَلِّغ إخواننا عنَّا، أنا أحياء في الجنة نُرْزَق؛ لئلا يَزْهَدوا في الجهاد، ولا يَنْكِلُوا عند الحرب، فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم، قال: فأنزل الله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} آل عمران: 169 إلى آخر الآية¬».
صحيح الجامع برقم: (5205)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2633)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1379).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«تَسْرَح»:
أي: تنعم وتتردَّد في ثمارها، كسَرح الإبل في المَرعى. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (2/ 212).
قال القاسم بن سلام -رحمه الله-:
معناه: ترتعي. غريب الحديث (4/ 353).
«يَنْكِلوا»:
نَكَلْتُ عن العدو نُكُولًا، من باب قعد، وهذه لغة الحجاز، ونَكل نَكَلًا من باب تعب لغة، ومنعها الأصمعي، وهو الجبن والتأخر، قال أبو زيد: نَكَل إذا أراد أن يصنع شيئًا فهابه. المصباح المنير، للفيومي (2/ 625).
قال الفتني -رحمه الله-:
«يَنْكِلوا» -بضم كاف- من النُّكُول، وهو الامتناع. مجمع بحار الأنوار (5/ 104).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «عن مسروق قال: سألْنَا عبد الله عن هذه الآية»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قول مسروق: «سألنا عبد الله عن هذه الآية» هو عبد الله بن مسعود، وهكذا في رواية أبي بحر: «سألنا عبد الله بن مسعود»، ومن قال فيه: عبد الله بن عمرو فقد أخطأ. المفهم (3/ 715).
قوله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} آل عمران: 169.
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«{الَّذِينَ قُتِلُوا} آل عمران: 169» بالتخفيف، وقرئ بالتشديد؛ لكثرة المقتولين، «{فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ} آل عمران: 169» بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: بل هم أحياء، وقرئ بالنصب؛ أي: بل أَحْسَبُهم أحياء، على أن الحسبان بمعنى اليقين. البحر المحيط الثجاج (32/ 432).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: {بَلْ أَحْيَاءٌ} آل عمران: 169، أي: ليسوا أمواتًا، بل هم أحياء عند الله يرزقون، وكيفية رزقهم ما ذكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أن أرواحهم في أجواف طير. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 343).
وقال أبو السعود -رحمه الله-:
قوله: «{يُرْزَقُونَ} آل عمران: 169» أي: من الجنة، وفيه تأكيد لكونهم أحياء، وتحقيق لمعنى حياتهم، قال الإمام الواحدي: الأصح في حياة الشهداء ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن أن أرواحهم في أجواف طيور خضر، وأنهم يرزقون، ويأكلون، ويتنعمون. إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (2/ 112).
قوله: «قال: أمَا إنَّا قد سأَلْنَا عن ذلك»:
قال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «قال» أي: ابن مسعود. تحفة الأحوذي (8/ 287).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أمَا» بالتخفيف: أداة استفتاح، وتنبيه، كأَلَا. البحر المحيط الثجاج (32/ 433).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم -أيها المخاطَبون-، إنَّا معاشر الصحابة سأَلْنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «عن ذلك». الكوكب الوهاج (20/ 196).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«عن ذلك» أي: عن معنى هذه الآية. تحفة الأحوذي (8/ 287).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قول عبد الله: «أما إنا سألنا عن ذلك فقال»، كذا صحت الرواية، ولم يذكر فيها «رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»، وهو المراد منها قطعًا، ألا ترى قوله: «فقال»، وأسند الفعل إلى ضميره، وإنما سكت عنه للعلم به، فهو مرفوع، وليس هذا المعنى الذي في هذا الحديث مما يُتوصَّل إليه بعقل ولا قياس، وإنما يتوصل إليه بالوحي، فلا يقال: هو موقوف على عبد الله بن مسعود. المفهم (3/ 715).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
الظاهر -والله أعلم-: أن المسؤول عن هذه الآية الذي أشار إليه ابن مسعود هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وحذفه لظهور العلم به، وأن الوهم لا يذهب إلى سواه، وقد كان ابن مسعود يشتد عليه أن يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان إذا سماه أرعد وتغير لونه، وكان كثيرًا ما يقول ألفاظ الحديث موقوفة، وإذا رَفَع منها شيئًا تحرى فيه، وقال: أو شبه هذا أو قريبًا من هذا، فكأنه -والله أعلم- جرى على عادته في هذا الحديث، وخاف أن لا يؤديه بلفظه، فلم يذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والصحابة إنما كانوا يسألون عن معاني القرآن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-. عون المعبود وحاشية ابن القيم (7/ 141).
قوله: «فقال: أرواحهم»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«أرواحهم» أي: أرواح الشهداء. شرح المصابيح (4/ 314).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقد اختلف الناس في الأرواح قديمًا وحديثًا ما هي؟ وعلى أي حال هي؟ اختلافًا كثيرًا، واضطربوا فيها اضطرابًا شديدًا، الواقف عليه يتحقق أن الكل منهم على غير بصيرة منها، وإنما هي أقوال صادرة عن ظنون متقاربة، ولا يشك في أنه مما انفرد الله تعالى بعلم حقيقته، وعلى هذا المعنى حَمَل أكثر المفسرين قوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} الإسراء: 85، فليقطع العاقل طَمَعَه من علم حقيقته. المفهم (3/ 717-718).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فمن حاول أن يحيط بشيء منها فقد حاول المحال... وأن الحق هو الذي أرشد إليه الله -عز وجل- في الآية المذكورة، {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} فاطر: 14، وليس وراء ذلك مطمح للأنظار، ولا مجال للاعتبار، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، إنك سميع مجيب الدعوات. البحر المحيط الثجاج (32/ 442).
قوله: «في جوف طير خُضر»: أو «حواصل طير» أو «كطير خُضر».
قال البيضاوي -رحمه الله-:
قوله: «في أجواف طير خضر» أي: يُخلق لأرواحهم بعد ما فارقت أبدانهم هياكل على تلك الهيئة تتعلق بها، وتكون خَلَفًا عن أبدانهم، فيتوسلون بها إلى نيل ما يشتهون من لذائذ الجنة. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 584).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«في جوف طير» أي: في أجواف طيور خضر خالية من الأرواح على أشباه مصورة بصور الطيور حتى تتلذذ الأرواح بنسب الأشباح.
وفيه: رد على من يقول: إن عذاب البرزخ ونعيمه بما هو روحاني فقط. مرقاة المفاتيح (6/ 2493).
وقال السندي -رحمه الله-:
المراد بالجوف: الأجواف، فالمعنى: أن روح كل واحد في جوف طير لا أن الكل مجتمعة في جوف طير واحد، ويؤيده رواية: «أجواف طير» أو «حواصل طير». فتح الودود (3/ 35).
وقال السندي -رحمه الله-أيضًا:
المراد: بـ«طير» الجنس، ولذا وصف بالجمع أعني: «خضر». فتح الودود (3/ 35).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فإذا أخبر الله تعالى بأنه يجعل روح الشهيد طيرًا، أو كالطير، أو في أجواف طير، فما المانع من ذلك، وما الذي يمنع الله تعالى أن يجعل المعاني أجسامًا، وبالعكس؟ والله المستعان. البحر المحيط الثجاج (32/ 434).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«في جوف طير خضر» قيل: إن أرواحهم بعد مفارقتها أبدانها تهيأ لها طيور خضر تنتقل إلى أجوافها خلفًا عن أبدانها، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} آل عمران: 169، فيتوصل بسببها إلى نيل ما يشتهي من لذات الجنة، وإليه يرشد قوله تعالى: {يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} آل عمران: 169- 170. شرح المصابيح (4/ 314).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
وقال القاضي أبو بكر ابن العربي في كتاب سراج المريدين: يجوز أن تُوْدَعَ الروح في جوف طائر، أو تكون على هيئة طائر في صفاته، ويصل إليها الغذاء، وإن كانت وديعة في جوفها من علفها، كما يصل إلى المولود من أمه، ويكون هذا مخصوصًا بالشهداء الذين عَجَّلوا بأنفسهم إلى الموت، فعجل الله لهم الثواب والنعيم قبل غيرهم. شرح صحيح مسلم (4/ 484).
قوله: «لها قناديل مُعلقة بالعرش»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قناديل» بالفتح: جمع قنديل بكسرها، «معلقة بالعرش». البحر المحيط الثجاج (32/ 435).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قناديل معلقة بالعرش» الله أعلم بحقيقتها، غير أن ما جاء به الحديث هو أن هذه القناديل لأرواح الشهداء بمنزلة الأوكار للطائر، فإنها تأوي إليها تغدو من تلك القناديل. الكوكب الوهاج (20/ 197).
قوله: «تسرح من الجنة حيث شاءت»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«تسرح من الجنة» بفتح حرف المضارعة، والراء؛ أي: تأكل، وتشرب، وتتمتع، وتتنعم بأنواع نعيم الجنة. البحر المحيط الثجاج (32/ 435).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
يدل على أنهم لا يخصصون من الجنة موضعًا مفردًا، بل يسرحون فيها حيث شاءوا. الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 116).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«حيث شاءت» أي: في أي مكان شاءت. البحر المحيط الثجاج (32/ 435).
قوله: «ثم تأوي إلى تلك القناديل»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«ثم تأوي» أي: ترجع. شرح المصابيح (4/ 314).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ثم تأوي إلى تلك القناديل» أي: ...تنزل فيها، ومأوى كل حي مسكنه الذي يقيم فيه، أي: تكون تلك القناديل بمنزلة الأوكار لها. البحر المحيط الثجاج (32/ 436).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ثم تأوي إلى تلك القناديل» كأنها المنازل التي تقيم فيها. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (7/ 525).
قوله: «فاطَّلع إليهم ربهم اطِّلاعةً»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«فاطلع إليهم ربهم» تعديته بـ«إلى» لتضمنه معنى النظر. شرح المصابيح (4/ 314).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «إليهم» عداه بـ«إلى» لتضمنه معنى: فظهر. البحر المحيط الثجاج (32/ 436).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فاطَّلع إليهم ربهم اطِّلاعة» أي: تجلَّى لهم برفع حُجُبهم، وكلَّمهم مشافهة بغير واسطة، مبالغة في الإكرام، وتتميمًا للإنعام. المفهم (3/ 718).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«اطلاعة» أي: نظرة، أي: اطلاعًا يليق بجلاله -سبحانه وتعالى-، نثبته ونعتقده، ولا نكيِّفه، ولا نمثِّله، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. الكوكب الوهاج (20/ 197).
قوله: «فقال: هل تشتهون شيئًا؟»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
وأما قوله تعالى لهم: «هل تشتهون شيئًا» فمبالغة في الإكرام والنعيم؛ إذ قد أعطاهم ما لا يخطر على قلب بشر، ثم رغَّبهم في سؤال الزيادة، فلم يجد وراء ما أعطاهم من مزيد، لكن تلقوا ذلك بالشكر بأن سألوه بأن يردَّ أرواحهم إلى أجسادهم... إكمال المعلم (6/ 309).
قوله: «قالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنة حيث شِئنا؟»:
قال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«ونحن في الجنة نسرح حيث شئنا» يعني: وفيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين. تحفة الأحوذي (8/ 287).
قوله: «ففعل ذلك بهم ثلاث مرات»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«ففعل ذلك»: وهو إشارة إلى قوله: «هل تشتهون». شرح المصابيح (4/ 315).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «ففعل بهم ذلك» أي: اطَّلع الله عليهم ثلاث اطلاعات، وسألهم عما يشتهون. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 343).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ففعل ذلك بهم ثلاث مرات» أي: فقال لهم ذلك القول: «هل تشتهون شيئًا» ثلاث مرات، كل مرة يقول، ويجيبون بالجواب نفسه. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (7/ 525).
قوله: «فلمَّا رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«يُتركوا» أي: لن يتركهم الله من غير أن يطلبوا طلبًا، طلبوا طلبًا. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (7/ 525).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
المراد بقوله: «فلمَّا رأوا أنهم لم يتركوا...» إلى آخره: أنه لا يبقى لهم مُتمنى ولا مطلوب أصلًا غير أن يرجعوا إلى الدنيا، فيستشهدوا ثانيًا؛ لما رأوا بسببه من الشرف والكرامة. تحفة الأبرار (2/ 585).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
معناه: لا يبقى لهم متمنى ولا مطلوب سوى إرادة الرجوع إلى الدنيا؛ ليستشهدوا ثانية وثالثة، يتمنون ذلك لما رأوا من الشرف والكرامة. شرح المصابيح (4/ 315).
قوله: «قالوا: يا ربِّ، نريد أن تردَّ أرواحنا في أجسادنا حتى نُقتل في سبيلك مرة أخرى»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«يا رب» بالبناء على الضم تشبيها له بالمفرد، «نريد أن تردَّ» بالبناء للفاعل، «أرواحنا في أجسادنا، حتى نقتل» بالبناء للمفعول، «في سبيلك مرة أخرى». البحر المحيط الثجاج (32/ 436).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
سألوه بأن يردَّ أرواحهم إلى أجسادهم؛ حتى يجاهدوا فيه، ويبذلوا أنفسهم، ويُقتلوا في شكر إحسانه، ويستلذوا ألم القتل والموت لمكافأة بِرِّه، ويجودوا بذواتهم له؛ إذ لم يقدروا على غاية فوق ذلك، والجود بالنفس أقصى غاية الجود. إكمال المعلم (6/ 309).
قوله: «فلمَّا رأى أن ليس لهم حاجة تُركوا»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فلما رأى أن ليس لهم حاجة» أي: مما في دار الجزاء، وأما ما ذكروه من الرجوع إلى الدنيا، والقتل مرة أخرى فليس مما سُئلوا عنه؛ لأنه لا يتعلق بدار العمل التي انقضى أجلها. البحر المحيط الثجاج (32/ 436).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فلما رأى أن ليس لهم حاجة» أي: حاجة معتبرة؛ لأنهم سألوا ما هو خلاف عادة الله، «تُرِكُوا». شرح المصابيح (4/ 315).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«تُركوا» أي: تركهم الله تعالى، دون تحقيق مطلبهم؛ لأنه مستحيل، إذ سبق القول عنده أن لا رجعة. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (7/ 526).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وهذا السؤال إكرام من الله -سبحانه وتعالى- لهم، وزيادة في الإنعام عليهم حتى يُعطوا ما يشتهونه في هذا العالم، لا في العالم الماضي، وجوابهم بقولهم: أي شيء نشتهي؟ اعتراف منهم بنهاية الإكرام، وشكر عليه، وأنهم ليست لهم حاجة ممكنة إلا وقد قضاها الله تعالى لهم، فأدركوها، فلم يبقَ لهم شيء يحتاجون إليه في تلك الدار، {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} المائدة: 54، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (32/ 437).
قوله في رواية: «قالوا: من يبلِّغ إخواننا عنا؟»:
قال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«قالوا» جواب «لما» «مَن يبلِّغ» من التبليغ أو الإبلاغ ضُبط بالوجهين، أي: من يوصل، «إخواننا» أي: الذين في الدنيا من المسلمين «عنا» أي: عن قِيْلنا. عون المعبود (7/ 140).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«عنا» أي: عن حالنا الذي نحن فيه، وما أعطانا الله على الجهاد في سبيله. شرح سنن أبي داود (11/ 132).
قوله في رواية: «أنا أحياء في الجنة نرزق»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أننا أحياء في الجنة» أي: مرزوقون من أنواع اللذة. مرقاة المفاتيح (6/ 2493).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أنَّا أحياء» فيه: دليل على أن الشهداء حياتهم حياة حقيقية، بدليل قوله بعد ذلك: «في الجنة نرزق»، ولا يرزق إلا حي، وهو نظير قوله تعالى: {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} آل عمران: 169...، وسبب تمني الشهداء: أن يعلم إخوانهم حياتهم ورزقهم وما أعطاهم الله؛ «لئلا يزهدوا في الجهاد». شرح سنن أبي داود (11/ 132).
قوله في رواية: «لئلا يزهدوا في الجهاد»:
قال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«لئلا يزهدوا» أي: إخواننا، بل ليرغبوا «ولا ينكلوا». عون المعبود (7/ 140).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لئلا يزهدوا في الجنة» أي: في شأنها، بل ليرغبوا في تحصيل درجاتها. مرقاة المفاتيح (6/ 2493).
قوله في رواية: «ولا يَنْكُلُوا عند الحرب»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولا ينكُلوا» بضم الكاف، أي: لا يجْبُنُوا «عند الحرب». مرقاة المفاتيح (6/ 2493).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «ولا ينكلوا» يقال: نكل عن العمل ينكل إذا جَبُنَ وفتر. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2661).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ولا ينكلوا» نكل عن الأمر: امتنع، ومنه النُّكُول عن اليمين. لمعات التنقيح (6/ 588).
قوله في رواية: «فقال الله سبحانه: أنا أبلِّغهم عنكم»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقال الله: أنا أبلغهم» أي: أبلغ إخوانكم «عنكم» لَمَّا أدخلهم الله الجنة، ووعد داخلها ما تشتهيه نفسه، وتمنوا تبليغ إخوانهم، ولم يكن عندهم في الجنة من يَخرج إلى الدنيا ليبلغ إخوانهم بلَّغَ الله عنهم على لسان رسوله، وفي ذلك فضيلة عظيمة للشهداء. شرح سنن أبي داود (11/ 133).
قوله في رواية: قال: فأنزل الله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} آل عمران: 169 إلى آخر الآية.
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
فأنزل الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ} آل عمران: 169 بالخطاب مع فتح السين وكسرها، وفي رواية بالغَيبة مع فتح السين، أي: لا تظنوا {الَّذِينَ قُتِلُوا} آل عمران: 169 بالتخفيف والتشديد {فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} آل عمران: 169: مفعول ثان {بَلْ أَحْيَاءٌ} آل عمران: 169، أي: بل هم أحياء، وفي نسخة: {عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} آل عمران: 169، أي: من ثمرات الجنة. مرقاة المفاتيح (6/ 2493).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقد تضمن هذا الحديث تفسير قوله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} آل عمران: 169، وأن معنى حياة الشهداء: أن لأرواحهم من خصوص الكرامة ما ليس لغيرهم، بأن جُعلت في جوف طير، كما في هذا الحديث، أو في حواصل طير خضر، كما في الحديث الآخر؛ صيانة لتلك الأرواح، ومبالغة في إكرامها، لاطلاعها على ما في الجنة من المحاسن والنعم، كما يطَّلع الراكب المظلَّل عليه بالهودج الشفاف الذي لا يحجب عما وراءه، ثم يُدركون في تلك الحال التي يسرحون فيها من روائح الجنة، وطيبها، ونعيمها، وسرورها ما يليق بالأرواح مما ترتزق وتنتعش به، وأما اللذات الجسمانية فإذا أعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها استوفت من النعيم جميع ما أعد الله تعالى لها، ثم إن أرواحهم بعد سرحها في الجنة ترجع تلك الطير بهم إلى مواضع مكرَّمة مشرَّفة منورة عبَّر عنها بالقناديل؛ لكثرة أنوارها، وشدتها، والله تعالى أعلم. المفهم (3/ 715-716).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وهذا الحديث نظير ما حكاه الله عن حبيب النجار الذي جاء من أقصى المدينة يسعى {قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} يس: 20، فقام إليه قومه فرجموه حتى مات، وقيل: حرقوه مع الرسل، فقال لما دخل الجنة: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ* بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} يس: 26-27؛ ليؤمنوا -أهل أنطاكية- بعيسى -عليه السلام-، وفي الحديث: «نصح قومه حيًّا وميتًا»، كما نصح قتلى أحد إخوانهم بعد الموت، فلا يُلقى المؤمن إلا ناصحًا. شرح سنن أبي داود (11/ 133).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وهذه الكرامات كلها مخصوصة بالشهداء كما دلت عليه الآية وهذا الحديث، وأما حديث مالك الذي قال فيه: «إنما نَسْمَةُ المؤمن طائر يعلَّق في ثمر الجنة»، فالمراد بالمؤمن هنا: الشهيد.
والحديثان واحد في المعنى، وهو من باب حمل المطلق على المقيد، وقد دل على صحة هذا قوله في الحديث الآخر: «إذا مات الإنسان عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي من الجنة والنار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة»، فالمؤمن غير الشهيد هو الذي يُعرض عليه مقعده من الجنة، وهو في موضعه من القبر أو الصور، أو حيث شاء الله تعالى غير سارح في الجنة، ولا داخل فيها، وإنما يدرك منزلته فيها، بخلاف الشهيد، فإنه يباشر ذلك ويشاهده وهو فيها، على ما تقدم، وكذلك أرواح الكفار تشاهِد ما أعد الله لها من العذاب عند عرض ذلك عليها، كما قال تعالى في آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} غافر: 46، وعند هذا العرض تُدرك روح الكافر من الألم، والتخويف، والحزن، والعذاب بالانتظار ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر -فنسأل الله العافية-، كما أنه يحصل للمؤمن عند عرض الجنة من الفرح، والسرور، والتنعم بانتظار المحبوب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فإذا أُعيدت الأرواح إلى الأجساد استكمل كل فريق منهم ما أعد الله له، وبهذا الذي ذكرناه تلتئم الأحاديث، وتتفق، والله الموفق.
وقد حصل من مجموع الكتاب والسنة أن الأرواح باقية بعد الموت، وأنها متنعِّمة، أو معذَّبة إلى يوم القيامة. المفهم (3/ 716-717).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن الشهداء أُعطوا ما لم يبقَ للأماني متطلع، وأنهم كرر عليهم السؤال مع العلم بأنه لم يبقَ في ذلك مطلب؛ ليعلم الراغبون في الجهاد فضله، وأنهم لم يتركوا من أن يسألوا، قالوا بحالهم: ماذا نسأل وقد انتهت الأماني بنا، وفرغت المسائل منا، وتجاوز العطاء لنا مبالغ حد عقولنا؟
فلما كرر عليهم قالوا: إن كان كذا فما بقي فيما هو لنا ما يقبل زيادة بحال، ولكنه قد بقي ما هو لك يا رب، وهو أن تَردَّنا إلى الدنيا فنُقتل فيك، فلما كان هذا السؤال ليس مما هو لهم، ولا راجع إليهم تُركوا، فدل هذا الحديث أن الشهداء بلغوا من فضل الله إلى ما لم يتبقَ فيه أمنية بحال. الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 116).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
في هذا -أولًا-: إثبات أن الجنة مخلوقة موجودة، وهو مذهب أهل السنة، وأنها التي أُهبط منها آدم، وهي التي ينعم فيها المؤمنون في الآخرة، خلافًا للمعتزلة وطوائف من المبتدعة بأنها بعد لم توجد، وأن الجنة التي كان فيها آدم غيرها. والآثار وظاهر القرآن يدل على مذهب أهل السنة.
وفيه: دليل على مجازاة الأموات بالثواب والعقاب قبل القيامة، وقد ترى من هذا في عذاب القبر.
وفيه: أن الأرواح باقية لا تفنى، فينعم المحسن ويعذب المسيء كما جاء في القرآن والآثار، وهو مذهب أهل السنة، خلافًا لغيرهم من أهل البدع القائلين بفنائها. إكمال المعلم(6/ 306).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- حديث: «إنَّ أرواحَ الشُّهداءِ في طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ من ثِمَار الجنةِ» .
- فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في بيان مكانة الشهيد عند الله وحقيقة حياة الشهداء في البرزخ.