الأحد 28 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-11

A a

«ما مِن الأنبياء من نبيٍّ إلا قد أُعْطِي من الآيات ما مثله آمن عليه البَشر، وإنما كان الذي أُوْتِيتُ وحيًا أَوحى الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة».


رواه البخاري برقم: (7274)، ومسلم برقم: (152)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أُعطي من الآيات»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«من» الثانية مَزيدة لتأكيد النفي، والأصل: ما نبي من الأنبياء. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (1/ 485).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
أي: ما بعث الله نبيًا إلا أيَّده بمعجزة يؤمِن البشر لذلك بأنه نبي. الكوثر الجاري (8/ 377).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
(و) هذا دال على أن النبي لا بد له من معجزة تقتضي إيمان مَن شاهدها بصدقه، ولا يضره مَن أصر على المعاندة. فتح الباري (9/ 6).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
يريد أن الأنبياء أُعطوا الآيات: أُعطي صالح الناقة، وموسى العصا، وعيسى إحياء الموتى، ولم يؤتَ هو عن سؤال فيكون تحديًا، وإنما أراهم الآيات الكثيرة من نفسه، وأوتي القرآن وهو المُعجزة، يبينه قوله: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} العنكبوت: 51، وقوله: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} الإسراء: 59. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (24/ 12).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«الآيات»: المعجزات. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (3/ 457).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
أراد بالآيات: المعجزات الخوارق للعادات، وما أُيِّدَ به أنبياءُ الله من أعلام النبوة، يريد أنه ليس منهم إلا من أُيِّدَ بما مثله وجنسه إذا شوهد دعا الشاهد إلى التصديق بالله. الميسر في شرح مصابيح السنة (4/ 1243).

قوله: «ما مثله آمن عليه البشر»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
إنما قال: «آمن عليه البشر» ليضمِّنه معنى الاطلاع، فكأنه قال: آمن للاطلاع عليه البشر. الميسر في شرح مصابيح السنة (4/ 1243).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
والمثل يطلق ويراد به عين الشيء، وما يساويه، والمعنى: أن كل نبي أُعطي آية أو أكثر مِن شأن مَن يشاهدها من البشر أن يؤمن به؛ لأجلها. فتح الباري (9/ 6).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «آمن» بالمد وفتح الميم، قال صاحب المطالع: ويروى: «أُومن» بهمزة مضمومة ثم واو. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (24/ 13).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
النكتة في التعبير بها: تضمُّنها معنى الغلبة، أي: يؤمن بذلك مغلوبًا عليه، بحيث لا يستطيع دفعه عن نفسه، لكن قد يجحد فيعاند، كما قال الله تعالى: {وَجَحَدُوا ‌بِهَا ‌وَاسْتَيْقَنَتْهَا ‌أَنْفُسُهُمْ ‌ظُلْمًا} النمل: 14. فتح الباري (9/ 6).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
هو الاستعلاء المجازي، شُبهت الآيات بحمولة تسير بهم إلى الإيمان. النظر الفسيح (ص: 192).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
المعنى: أن كل نبي قد أُعطي له معجزة تدعو الإنسان إلى التصديق والإيمان. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (3/ 457).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: ما كان نبيٌّ من الأنبياء إلا أن الله تعالى أعطاه شيئًا من المعجزات مثل ما آمن عليه البشر، وصدَّقوه، أي: ما يناسبه في ذلك الزمان، وينقاد له أهله، كقلب العصا ثعبانًا في زمن موسى، وإخراج اليد البيضاء؛ لأن الغلبة في زمنه السحر، فأتاهم بما هو فوق السحر، وفي زمن عيسى الطب، فأتاهم بما هو أعلى من الطب، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، وفي زمن رسولنا البلاغة والفصاحة، فجاء القرآن وأبطل الكل. المفاتيح في شرح المصابيح (6/ 89).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
وفيه تأمُّل من جهة قوله: أبطل الكل، فالصواب أن يقال: فجاء القرآن معجزة مشتهرة دائمة إلى انقراض الزمان، بل أبد الآباد؛ لما يتلى في درجات الجنان، بل يُسمع من كلام الرحمن، وهذا معنى قوله: «وإنما كان الذي أوتيت». مرقاة المفاتيح (9/ 3674).
وقال ابن بطال-رحمه الله-
أي: صدقَ بتلك الآياتِ لإعجازِها لمن شهدَها، كقَلْبِ العصا حيَّةً، وفَلْقِ البحرِ لموسى، وكإِبراءِ الأكمهِ والأبرص وإحياءِ الموتى لعيسى، وكان الذي أُعطيتُ أنا وحيًا أوحاهُ اللهُ إليَّ فكان آية باقية دُعِيَ إلى الإتيانِ بمثلِه أهلُ التعاطي له، ومن نزلَ بلسانِهم، فعجزوا عنه ثم بقي آيةً ماثلةً للعقول إلى من يأتي إلى يوم القيامةِ، يرون إعجازَ الناس عنه رأيَ العينِ، والآياتُ التي أُوتيها غيرُه من الأنبياءِ قبلَه رُئيَ إعجازُها في زمانِهم، ثم لم تصحبهم إلَّا مدةَ حياتِهم، وانقطعت بوفاتِهم، وكان القرآنُ باقيًا بعد النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يتحدَّى الناسَ إلى الإتيانِ بمثلِه، ويُعجزُهم على مرورِ الأعصارِ، فكان آيةً باقيةً لكلِّ من أتى، فلذلك رجَا أن يكون أكثرُهم تابعًا يوم القيامةِ، مع أنَّ اللهَ تعالى قد ضمن هذه الآية ألَّا يدخلَها الباطلُ إلى أن تقومَ الساعةُ بقولِه تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر: 9، وضمن نبيُّنا -صلى اللهُ عليه وسلم- بقاءَ شريعتِه وإن ضيَّع بعضها قومٌ بقولِه: «لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الحقِّ، لا يضرُّهم من خالفَهم، حتى يأتيَ أمرُ اللهِ وهم على ذلك». شرح صحيح البخاري (10/ 330).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
الإشارة بالآيات إلى الحسيَّات كناقة صالح، وعصا موسى، وإحياء الموتى، فهذه معجزات تُرى بعين الحس، ومعجزة نبينا الكبرى هي القرآن الفصيح، فهي تشاهَد بعين العقل، وقد كان في جمهور الأمم المتقدمة بلادة حتى قال قائلهم: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} الأعراف: 138، والبليد لا يصلح إلا بآيات الحس، والذين بُعث إليهم نبينا كانوا أرباب ذكاء وفِطْنَة، فكفاهم القرآن معجزة، غير أن القضاء قضى على قوم من أذكيائهم بالشقاء مع وجود الفهم، كما قال عمرو بن العاص: تلك عقول كَادَهَا بارِئها، فأَنِفُوا لكِبْرِهم من ذل الاتِّباع، وغاروا على سلفهم من تخطئتهم في عبادة الأصنام، وحسدوا الرسول لما مُيِّزَ عنهم، {إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} غافر: 56، على أنه لم يكن للأنبياء معجزة إلا ولنبينا من جنسها، فإن الرعب الذي أُيِّد به كان يوقع في قلوب أعدائه ما لم تُوقِعه عصا موسى في قلب فرعون، ونَبْعَ الماء من بين أصابعه أحسن من ظهوره من حَجَرِ موسى؛ إذ العادة قد جرت بجريانه من حجر، وخطاب الذراع المسموم له أعجب من تكليم الموتى لعيسى. كشف المشكل (3/ 412-413).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: وكذا تسخير الريح لسليمان، فإن عَدُوَّه كان على مسيرة شهر يخاف غُدُوّه عليه أو رَواحه، ورُعْبُ نبينا كان العدو يخافه من مسيرة شهر مع علمه أنه لا يغدو عليه في يومه ولا يروح، وقد روي: «شهرٌ أمامي وشهر خلفي»، فهذه زيادة، ونبع الماء من بين أصابعه أعظم من تفجُّره من حجر؛ إذ الأحجار من عاداتها تفجرها بالماء، ولم تخبر عادة بجريان الماء من بين لحم وعظم. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (24/ 14).

قوله: «وإنما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحى الله إليَّ»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
«وإنما كان الذي أوتيت» أي: مُعظم ما أوتيت من ذلك الباب: القرآن الذي هو في نفسه دعوة، وفي نظمه معجز. الميسر في شرح مصابيح السنة (4/ 1243).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
«وإنما كان الذي أوتيته وحيًا» أي: الذي اختُصصت به من بينهم هذا القرآن المعجِز للبشر أن يعارضوه بخلاف غيره من الكتب الإلهية، فإنها ليس معجزة عند كثير من العلماء، والله أعلم، وله -عليه الصلاة والسلام- من الآيات الدالة على نبوته وصدقه فيما جاء به ما لا يدخل تحت حصر، ولله الحمد والمنة. تفسير ابن كثير (1/ 110).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ومعنى الحصر في قوله: «إنما كان الذي أوتيته»: أن القرآن أعظم المعجزات، وأَفْيَدُها وأَدْوَمُها؛ لاشتماله على الدعوة والحجة ودوام الانتفاع به إلى آخر الدهر، فلما كان لا شيء يقاربه فضلًا عن أن يساويه كان ما عداه بالنسبة إليه كأن لم يقع. فتح الباري (13/ 248).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
وليس المراد حصر معجزاته فيه، ولا أنه لم يؤتَ من المعجزات ما أوتي مَن تقدمه، بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اختُص بها دون غيره؛ لأن كل نبي أعطي معجزة خاصة به لم يُعطها بعينها غيره تحدى بها قومه، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه. فتح الباري (9/ 6).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
القصر هنا للمبالغة؛ لأن القرآن هو المعجزة العامة لسائر البشر في سائر الأزمان، فغيره من المعجزات خاص ببعض الناس الذين شهدوها، وليسوا هم جميع البشر الذين أريد منهم الإيمان بمحمد -صلى الله عليه وسلم-؛ ولذلك لم يقع التحدي بغير القرآن، قال الله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} البقرة: 23. النظر الفسيح (ص: 193).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وحيًا» أي: كلامًا منزلًا عليَّ نزل به الروح الأمين. مرقاة المفاتيح (9/ 3674).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وحيًا» أي: قرآنًا «أوحاه» «الله» -سبحانه وتعالى- وأنزله «إليَّ»، فالقرآن كلام الله المعجِز المستمر على ممر السنين والدهور إلى قرب يوم القيامة. الكوكب الوهاج (4/ 83).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
قوله: «وحيًا» مرادًا منه قرآنًا، فقد شملت آي القرآن ما فيه أيضًا من الإعجاز العقلي باشتماله على علوم جمة لا قِبل لأهل ذلك العصر بها، ولا قِبل للأُمِّي بمعرفتها، وهي تتجلى للناس عصرًا فعصرًا بمقدار ازدياد علومهم، واتساع أفهامهم، ولذلك لم يقل: وإنما كان الذي أوتيت بلاغة أو فصاحة، بل قال: «وحيًا»؛ ليشمل كل ما دل عليه القرآن من دلائل صدق رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم-. النظر الفسيح (ص: 193).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
أراد بالوحي المتلو المعجِر، وإلا فسائر الأنبياء قد أوحي إليهم {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} النساء: 163، ولما كانت معجزة باقية على وجه الزمان إلى انقراض الأوان كانت داعية لهم إلى الإيمان، ولذلك كانت أمَّته أكثر الأمم. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (8/ 377).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
والمرادُ بالوحي: القُرآنُ البالغُ أقصى غايةِ الإعجازِ في النَّظمِ والمعنى، وهو أكثرُ فائدةً، وأعمُّ منفعةً من سائرِ المعجزات، فإنَّه يشتملُ على الدعوةِ والحجَّة، ويستمرُّ على مرِّ الدهورِ والأعصار، ينتفعُ به الحاضرون عند الوحيِ المشاهدون له، والغائبون عنه والموجودون بعده إلى يومِ القيامةِ على السواء، ولذلك رتَّب عليه قولَه: «فأرجو أن يكون أكثرُهم تبعًا يومَ القيامة». تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (3/ 457).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
يريد -والله أعلم-: أن مُعجزته العُظمى هي القرآن المنزَّل عليه، وهي ثابتة إلى يوم القيامة، بينة الحُجة لكل أُمَّة تأتي، لا يخفى وجه ذلك على من تأمله، فلا يمر عصر إلا ويظهر فيه صدقه بظهور مخبره على ما أخبر، فيتجدد الإيمان، ويتظاهر البرهان، وليس الخبر كالعيان، والنفس أشد طمأنينة إلى عين اليقين منها إلى علم اليقين، وإن كان كلٌّ عندها حقًّا. مصابيح الجامع (8/ 512).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فُضِّلَ على جميعهم بالمعجزة العظمى الباقية ما بقيت الدنيا، وهي: الكتاب العزيز الذي أَعجزت السورة منه الجن والإنس، أيَّ تعجيز، فإعجازه مشاهَد بالعيان، متجدد ما تعاقب الجديدان (يعني: الليل والنهار)، فمن ارتاب الآن في صدق قوله، قيل له: فائت بسورة مِن مثله، ولما كانت هذه المعجزة قاطعة الظهور، مستمرة مدى الدهور، اشترك في معرفتها المتقدمون والمتأخرون، واستوى في معرفة صدق محمد -صلى الله عليه وسلم- السابقون واللاحقون، فدخل العقلاء في دينه دخولًا متتابعًا، وحقق الله تعالى له رجاءه، فكان أكثر الأنبياء تابعًا. المفهم (6/ 50).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
ويحتمل...: أن القرآن ليس له مِثْلٌ صورة ولا حقيقة، قال الله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} يونس: 38، بخلاف معجزات غيره، فإنها وإن لم يكن لها مِثْلٌ حقيقة يحتمل لها صورة. الكواكب الدراري (19/ 4).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
الوحي وإن كان أعم من القرآن قال الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} النجم: 3-4 إلا أنه أراد به القرآن؛ لذكره في مقابلة معجزات الأنبياء. الكوثر الجاري (11/ 136).
وقال المازري -رحمه الله-:
أشار -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «وحيًا» إلى معنًى بَسَطَهُ العلماء، فقالوا: فإن معجزته -عليه السلام- يبعد أن يتخيل فيها أنها ضرب من السحر، وإنما هو كلام معجز ولا يقدر السحرة أن يأتوا لذلك بما يتخيل تشبيهًا به، كما فعل في عصا موسى وغيرها؛ لأنهم أتوا بعصِيٍّ وحبال يتخيل أنها تسعى، فيحتاج التمييز بينهما وبين ما أتى به موسى -عليه السلام- إلى نظر، والنظر عُرضة الزلل فيخطئ الناظر فيعتقد أن ذلك سواء. المعلم بفوائد مسلم (1/ 323).
وقال القاضي عياض -رحمه الله- معلقًا:
وفيه وجه آخر: وهو أن سائر معجزات الأنبياء انقرضت بانقراضهم، ولم يشاهدها إلا ما كان حاضرًا لها، ومعجزة نبينا -صلى الله عليه وسلم- من القرآن وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته بيِّنة لكل من يأتي إلى يوم القيامة إلى ما انطوى عليه من الإخبار عن الغيوب، فلا يمر عصر إلا ويظهر فيه معجزة مما أخبر أنها تكون، تدل على صدقه وصحة نبوته، وتُجدِّد الإيمان في قلوب أمَّته. إكمال المعلم (1/ 467).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف فيه على أقوال:
أحدها: أن كل نبي أعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياء، فآمن به البشر، وأما معجزتي العظيمة الظاهرة فهي القرآن الذي لم يُعط أحد مثله، فلهذا قال: «أنا أكثرهم تابعًا».
والثاني: معناه: أن الذي أوتيتُه لا يتطرق إليه تخييل بسحر وشبهة، بخلاف معجزة غيري، فإنه قد يخيِّل الساحر بشيء مما يقارب صورتها كما خَيَّلت السحرة في صورة عصا موسى -صلى الله عليه وسلم-، والخيال قد يروج على بعض العوام، والفرق بين المعجزة والسحر والتخييل يحتاج إلى فكر ونظر وقد يخطئ الناظر فيعتقدهما سواء.
والثالث: معناه: أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم ولم يشاهدها إلا من حضرها بحضرتهم، ومعجزة نبينا -صلى الله عليه وسلم- القرآن المستمر إلى يوم القيامة مع خرق العادة في أسلوبه، وبلاغته، وإخباره بالمغيبات، وعجز الجن والإنس عن أن يأتوا بسورة من مثله مجتمعين أو متفرقين في جميع الأعصار مع اعتنائهم بمعارضته، فلم يقدروا، وهم أفصح القرون مع غير ذلك من وجوه إعجازه المعروفة، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (2/ 188).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
هذه الأقوال في الحقيقة لا اختلاف بينها، فأوضحها هو الأول، والقولان بعده بيان وتفصيل لوجه عظمة القرآن، وعدم إعطاء الأولين مثله، فتأمله. البحر المحيط الثجاج (4/ 221).

قوله: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
الفاء في «فأرجو» لترتيب رجائه هذا على أن معجزته القرآن الذي يعم نفعه. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (1/ 486).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
رتَّب هذا الكلام على ما تقدم من معجزة القرآن المستمرة؛ لكثرة فائدته، وعموم نفعه؛ لاشتماله على الدعوة والحُجة، والإخبار بما سيكون، فعم نفعه من حضر ومن غاب، ومن وجد، ومن سيوجد، فحسُن ترتيب الرَّجْوَى المذكورة على ذلك، وهذه الرَّجوى قد تحققت، فإنه أكثر الأنبياء تبعًا. فتح الباري (9/ 7).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فأرجو أن أكون أكثرهم» أي: أكثر الأنبياء تابعًا أي: أمة تظهر يوم القيامة. عمدة القاري (20/ 13).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا» عَلَم من أعلام النُّبوة، فإنه أخبر -عليه السلام- بهذا في زمن قِلَّة المسلمين، ثم مَنَّ الله تعالى وفتح على المسلمين البلاد، وبارك فيهم، حتى انتهى الأمر واتسع الإسلام في المسلمين إلى هذه الغاية المعروفة، ولله الحمد على هذه النعمة، وسائر نعمه التي لا تحصى، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (2/ 188).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال الأُبِّي: أكثرية أتباعه -صلى الله عليه وسلم- إنما هي تكرمة من الله تعالى له -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وإلا فمُعجزة غيره كالعصا، وانفلاق البحر، ونَتْقِ الجبل، وإحياء الموتى، وخروج ناقة من الحَجر، من الظهور لعامة البشر بحيث يؤمن لها البشر، وتكون أتباعها أكثر، وإنما معجزته -صلى الله عليه وسلم- كلام يتلى، إنما يدرك وجه إعجازه بتأمل. اهـ والله أعلم. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (4/ 83).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإن قلتُ: معجزاتُه لا تنحصرُ في عددٍ، فكيف جاز الحصرُ في القرآنِ وحده؟ قلتُ: لمَّا كان أعظمَ المعجزاتِ فإنَّ كلَّ ثلاثِ آياتٍ منه معجزةٌ، وأدومَ المعجزاتِ لبقائِه إلى آخرِ الدهرِ، وأكثرَها فائدةً لاشتمالِه على علومِ الأوَّلين والآخِرين، فكان سائرُ الآياتِ بالنسبةِ إليه ليست بآيةٍ، كما تقول: زيدٌ هو الرجلُ، قال تعالى: { الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ} البقرة: 1-2، كأنَّ ما عداه ليس بكتابٍ. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (11/ 136).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
فيه: بيان فضيلة معجزة القرآن على سائر المعجزات؛ لأن جميع المعجزات كانت من أعمال الرسل بتأييد الله إياهم، والتأييد أمر خفي، وكانت معجزة القرآن لفظًا من لغةٍ يعجز أهل تلك اللغة عن مثله، فهو لفظ منزَّل من عند الله لا عملَ للرسول فيه إلا تلاوته كما نتلوه نحن، وهو معجزة في وقت تلاوة الرسول إياه، ومعجزة في وقت تلاوتنا إياه. النظر الفسيح (ص: 193).
وقال الشيخ حمزة بن محمد قاسم -رحمه الله-:
وما اشتمل عليه من الأحكام والقوانين الإلهية التي تُصان بها حقوق الإنسان من دِين ونفس ومال ونسب وعقل وعِرض. والقرآن لا تنتهي معارفه عند حد، وإنما هي تتجدد وتنكشف على مر العصور والأزمان. منار القاري (5/ 79).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان كون القرآن دليلًا قويًا، وطريقًا سويًا هدى الله تعالى به الناس إلى الإيمان، وهذا هو وجه المطابقة لإيراد الحديث في كتاب الإيمان.
ومنها: بيان كون القرآن هو المعجزة الكبرى لنبينا -صلى الله عليه وسلم-.
ومنها: أن القرآن أفضل الكتب المنزلة على الأنبياء -عليه السلام-؛ حيث جعله الله تعالى مهيمنًا على الكتب كلها، كما قال -عز وجل-: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} المائدة: 48.
ومنها: بيان إثبات المعجزات لكل الأنبياء السابقين حتى تهتدي أممهم إلى تصديقهم، والإيمان بما جاءوا به، ولا يضرهم مَن أصر بالمعاندة.
ومنها: بيان انقراض معجزات الأنبياء السابقين، وأما معجزة نبينا -صلى الله عليه وسلم- فباقية إلى قيام الساعة.
ومنها: أن فيه بيان كون نبينا -صلى الله عليه وسلم- أكثر الأنبياء تابعًا يوم القيامة؛ بسبب بقاء المعجزة التي أُوتِيَها، وهي القرآن العظيم الذي أوحاه إليه العليم الحكيم في جميع الأعصار والأمصار، فصار في كل عصر ومصر جمٌّ غفير يهتدون به، ويؤمنون به، قال -عز وجل-: {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} آل عمران: 73. البحر المحيط الثجاج، باختصار (4/224-228).



إبلاغ عن خطأ