الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«مَرَّ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- بقَبرَيْن، فقال: إنَّهُما لَيُعذَّبان، وما يُعذَّبانِ في كبيرٍ، أمَّا أحدُهُما فكان لا يستتِرُ مِنَ البولِ، وأمَّا الآخرُ فكان يمشي بالنَّميمةِ، ثُمَّ أخذَ جريدةً رَطْبةً، فشقَّها نِصفَيْن، فغَرَزَ في كلِّ قَبْرٍ واحدةً، قالوا: يا رسولَ الله، لِمَ فَعلتَ هذا؟ قال: لعلَّهُ يُخفَّفُ عنهما ما لَمْ يَيْبَسا».


رواه البخاري برقم: (218)، ومسلم برقم: (292)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (1378): «ثم قال: بلى..».
وفي لفظ عند مسلم برقم: (292): «وكان الآخر لا يستنزهُ عن البول أو مِن البول»، وفي لفظ عند النسائي برقم: (2068): «لا يَسْتَبْرِئُ من بَوله».
صحيح سنن النسائي برقم: (1956).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«بالنَّميمةِ»:
نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد والشر. النهاية، لابن الأثير (5/ 120).

«جريدةً رَطْبةً»:
الجريدة: السَّعفة، وجمعها: جَرِيد. النهاية، لابن الأثير (1/ 257).
قال الفيومي -رحمه الله-:
الجريد: سَعَفُ النخل، الواحدة جريدة، فَعِيلة بمعنى: مفعولة، وإنما تسمى جريدة إذا جُرِّد عنها خُوصها. المصباح المنير (1/ 96).

«فغَرَزَ»:
غَرَزْتُه غرزًا من باب ضرب ‌أَثْبَتُّهُ بالأرض. المصباح المنير، للفيومي (2/ 445).


شرح الحديث


قوله: «مَرَّ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- بقَبرَيْن»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: اجتاز، يقال: مررت بزيد، وعليه، فيعدى بالباء تارة وبعلى أخرى. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (1/ 500).

قوله: «فقال: إنَّهُما لَيُعذَّبان»:
قال ابن العطار -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم- عند مروره بالقبرين: «إنهما ليعذبان» دليل على إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل السنة، وهو مما يجب اعتقاد حقيقته، وهو مما نقلته الأمَّة متواترًا، فمن أنكر عذاب القبر أو نعيمه، فهو كافر؛ لأنه كذَّب الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- في خبرهما.
ثم إن في إضافة عذاب القبر إلى البول خصوصية دون غيره من المعاصي، إن الله تعالى جعل ذلك في حق بعض عباده، فإنه جاء في الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «تنزَّهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه»، وجاء أن بعضهم ضمَّهُ القبر، أو ضغطه، فسئل أهله عنه، فذكروا: أنه كان منه تقصير في الطهور. العدة في شرح العمدة (1/ 139-140).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صاحبي هذين القبرين أنهما يعذبان، فكان ذلك إعلامًا بعذاب القبر، وعذاب القبر حق صدَّق به أهل السنة، وكذَّبته المبتدعة...، ذكره الله في كتابه، وتكاثرت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الروايات به، والقدرة له واسعة، وهو أول درجات الآخرة. عارضة الأحوذي (1/ 90).

قوله: «وما يُعذَّبانِ في كبيرٍ» وفي لفظ: «ثم قال: بَلى..».
قال الخطابي -رحمه الله-:
معناه: أنهما لم يعذبا في أمر كان يكبر عليهما، أو يشق فعله، لو أرادا أن يفعلاه، وهو التنزه من البول، وترك النميمة، ولم يرد أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست بكبيرة في حق الدين، وأن الذنب فيهما هين سهل. معالم السنن (1/ 19).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: قوله: «وما يعذَّبان في كبير» يعنى: عندكم، وهو كبير عند الله يدل على ذلك قوله: «بلى» أي: بلى إنه لكبير عند الله، وهو كقوله: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أنها تبلغ حيث ما بلغت، يكتب له بها سخطه إلى يوم يلقاه»، ومصداق هذا المعنى في كتاب الله: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} النور: 15. شرح صحيح البخاري (1/ 322).
وقال المازري -رحمه الله-:
يحتمل: أن يريد في كبير عليهم تركه، وإن كان كبيرًا عند الله. المعلم بفوائد مسلم (1/ 366).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
لعله عنى بالكبيرة: ما يستعظمه الناس، ولا يجترئ عليه. تحفة الأبرار (1/ 177).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقيل: «ما يعذبان بكبير»: أي: بأكبر الكبائر، وإن كان كبيرًا. إكمال المعلم (2/ 118).
وقال النووي -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: فعلى هذا يكون المراد بهذا الزجر والتحذير لغيرهما، أي: لا يتوهم أحد أن التعذيب لا يكون إلا في أكبر الكبائر الموبقات، فإنه يكون في غيرها، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (3/ 201).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال أبو عبد الملك البوني: يحتمل: أنه -صلى الله عليه وسلم- ظن أن ذلك غير كبير، فأوحي إليه في الحال بأنه كبير، فاستدرك، وتُعُقب: بأنه يستلزم أن يكون نسخًا، والنسخ لا يَدخل الخبر، وأجيب: بأن الحكم بالخبر يجوز نسخه، فقوله: «وما يعذبان في كبير» إخبار بالحكم، فإذا أوحي إليه أنه كبير فأخبر به كان نسخًا لذلك الحكم، وقيل: يحتمل: أن الضمير في قوله: «وإنه» يعود على العذاب؛ لما ورد في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة: «يعذبان عذابًا شديدًا في ذنب هين» وقيل: الضمير يعود على أحد الذنبين، وهو النميمة؛ لأنها من الكبائر بخلاف كشف العورة، وهذا مع ضعفه غير مستقيم؛ لأن الاستتار المنفي ليس المراد به كشف العورة فقط...، وقيل: ليس بكبير بمجرده، وإنما صار كبيرًا بالمواظبة عليه، ويرشد إلى ذلك السياق، فإنه وَصَفَ كلًا منهما بما يدل على تجدد ذلك منه، واستمراره عليه، للإتيان بصيغة المضارعة بعد حرف كان، والله أعلم. فتح الباري (1/ 318).
وقال المظهري -رحمه الله-:
الكبير: الثقيل والشديد، يعني: يعذبان بسبب ذنبين لم يكن احترازه منهما ثقيلًا؛ لأنه لو كان شيئًا يشق عليه الاحتراز منه لكان معذورًا فيه، ولم يكن له عذابًا، كسلس البول والمستحاضة، فإن ثوبيهما نجسان يصليان معهما، ولم يكن لهما بذلك إثم؛ لأنهما يشق عليهما الاحتراز من النجاسة، ولا يجوز أن يقال: المراد بالكبير ها هنا: الكبيرة من الذنوب؛ لأنه حينئذٍ يكون معناها: أن النميمة وترك الاحتراز من البول ليسا من الكبائر في حق الذي لا يستبرئ ولا يستنزه، ومعناهما: لا يحترز ولا يَبْعُد من البول. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 371).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
لا شك أن النميمة من الدناءات المستحقرة بالإضافة إلى المروءة، وكذلك التلبس بالنجاسة لا يفعلها إلا حقير الهمة، فلعل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وما يعذبان في كبير» إشارة إلى حقارتهما، بالنسبة إلى الذنوب. العدة في شرح العمدة (1/ 140).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
أي: أنهما لاستخفافهما بأمور الديانة يَرَيَان ذلك غير كبير...، وقد جاء أن المنافق يرى ذنبه كذباب وقع على أنفه فدفع فاندفع، وأن المؤمن يراه كالجبل يخشى أن يقع عليه.
والحاصل: أنهما لاستخفافهما يريان ذلك غير كبير، فلا يريان بتعاطيه حرجًا، أو لا يريان بتركه مشقةً: لخفة ذلك عندهما، وهو عند الله كبير، وهو المراد بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «بلى» في كبير، أي: باعتبار ما عند الله، وباعتبار إثمه وتبعته. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (8/ 367).
وقال النووي -رحمه الله-:
وسبب كونهما كبيرين: أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة، فتركه كبيرة بلا شك، والمشي بالنميمة والسعي بالفساد من أقبح القبائح، لا سيما مع قوله -صلى الله عليه وسلم-: «كان يمشي» بلفظ «كان» التي للحالة المستمرة غالبًا، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (3/ 201).

قوله: «أمَّا أحدُهُما فكان لا يستتِرُ مِنَ البولِ»: أو «لا يستنزهُ من البول» أو «لا يستبرئ من بوله».
قال ابن الملك -رحمه الله-:
معناهما: لا يحترز من البول ولا يبعد منه. شرح المصابيح (1/ 249).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله: «فكان لا يستتر من بوله» هذه اللفظة -أعني: «يستتر»- قد اختلفت فيها الرواية على وجوه، وهذه اللفظة تحتمل وجهين:
أحدهما: الحمل على حقيقتها من الاستتار عن الأعين، ويكون العذاب على كشف العورة.
والثاني: -وهو الأقرب-: أن يحمل على المجاز، ويكون المراد بالاستتار: التنزه عن البول والتوقي منه، إما بعدم ملابسته، أو بالاحتراز عن مفسدة تتعلق به، كانتقاض الطهارة، وعبَّر عن التوقي بالاستتار مجازًا، ووجه العلاقة بينهما: أن المستتر عن الشيء فيه بُعد عنه واحتجاب، وذلك شبيه بالبعد عن ملابسة البول، وإنما رجحنا المجاز -وإن كان الأصل الحقيقة- لوجهين:
أحدهما: أنه لو كان المراد: أن العذاب على مجرد كشف العورة كان ذلك سببًا مستقلًا أجنبيًا عن البول، فإنه حيث حصل الكشف للعورة حصل العذاب المرتب عليه، وإن لم يكن ثمَّة بول، فيبقى تأثير البول بخصوصه مطَّرَح الاعتبار، والحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، فالحمل على ما يقتضيه الحديث المصرح بهذه الخصوصية أولى، وأيضًا فإن لفظة: «مِن» لما أضيفت إلى البول، -وهي غالبًا لابتداء الغاية حقيقة، أو ما يرجع إلى معنى ابتداء الغاية مجازًا- تقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول، بمعنى: أن ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حملناه على كشف العورة زال هذا المعنى.
الوجه الثاني: أن بعض الروايات في هذه اللفظة يُشعر بأن المراد: التنزه من البول، وهي رواية وكيع: «لا يتوقى»، وفي رواية بعضهم: «لا يستنزه» فتحمل هذه اللفظة على تلك؛ ليتفق معنى الروايتين. إحكام الأحكام (1/ 105-106).
وقال المازري -رحمه الله-:
يشير ظاهره إلى أن علة التعذيب أنه لا يتحفَّظ من النجاسة.
وأما رواية: «يستبرئ» ففيها زيادة على هذا المعنى؛ لأنه إذا لم يستبرئ فقد يخرج منه بعد الوضوء ما يَنْقُضُ وضوءه، فيصير مصليًا بغير وضوء، فيكون الإثم لأجل الصلاة أيضًا. المعلم بفوائد مسلم (1/ 367).
وقال النووي -رحمه الله-:
معناها: لا يتجنبه ويتحرز منه، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (3/ 201).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «كان لا يستتر من بوله» يعنى: أنه كان لا يستر جسده ولا ثيابه من مماسة البول، فلما عُذب على استخفافه لغسله والتحرز منه، دل أنه مَن ترك البول في مخرجه، ولم يغسله أنه حقيق بالعذاب. شرح صحيح البخاري (1/ 325).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
ومُحَصَّل كلها (أي الألفاظ) واحد مع فرق يسير بينها، فمعنى عدم الاستتار: أنه لم يكن يضع سترة بينه وبين البول، ولا يتقي من رشاشه، فيعود إليه رشاشه.
والاستنزاه والاستبراء: هو الاستنجاء على طريق مسنون، أعني به الطريق الذي يعمل به الناس لقطع التقطير: من التنحنح، والمشي خطوة أو خطوتين، كالنتر عند ابن ماجه مرفوعًا، وهو عند الأطباء مضر، فإن كان ما أظنه صحيحًا، فالحديث على الأخيرين يقتصر على بول الناس فقط، ويكون معناه: أنه لم يكن يحتاط في الاستنجاء ودفع التقطير، فابتُلي بالعذاب لأجل هذا التهاون، وعلى الأول يمكن أن يراد من البول مطلقه الشامل لبول الإنسان وغيره؛ لأن عدم الاتقاء من رشاش البول يتحقق في سائرها، ويكون معناه: أنه معذب لقلة مبالاته بالأبوال. فيض الباري على صحيح البخاري (1/ 411-312).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
واختلف الفقهاء في إزالة النجاسة من الأبدان والثياب، فقال مالك: إزالتها ليست بفرض، وقال بعض أصحابه: إزالتها فرض، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، إلا أن أبا حنيفة يعتبر في النجاسات ما زاد على مقدار الدِّرهم، وحُجة من أوجب إزالة النجاسة: أنه أخبر -صلى الله عليه وسلم- عن صاحب القبر أنه يعذب بسب البول، وذلك وعيد وتحذير، فثبت أن الإزالة فرض، واحتج ابن القصار بقول مالك، فقال: يحتمل صاحب القبر الذي عُذب في البول أنه كان يدع البول يسيل عليه، فيصلي بغير طهر؛ لأن الوضوء لا يصح مع وجوده، ومحتمل: أن يفعله على عمد لغير عذر؛ لأنه قد روي «لا يستبرئ»، و«لا يستنزه»، وعندنا أن من تعمد ترك سنن النبي -صلى الله عليه وسلم- بغير عذر ولا تأويل أنه متوعَّد مأثوم، فأما إذا لم يتعمد ذلك، وتركها متأولًا أو لعذر، فصلاته صحيحة تامة.شرح صحيح البخاري (1/ 325-326).

قوله: «وأمَّا الآخرُ فكان يمشي بالنَّميمةِ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «يمشي بالنميمة» يعني: يمشي إلى كل واحد من الشخصين اللذين بينهما عداوة، ويلقي بينهما العداوة؛ بأن ينقل إلى كل واحد منهما ما يقول الآخر من الشتم والإيذاء. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 371).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«النميمة» وإن كانت من الذنوب إلا أنها يُجْتَرَأ عليها ولا يُبالى بها. تحفة الأبرار (1/ 177).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما النميمة فحقيقتها نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد. شرح صحيح مسلم (3/ 201).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
إذا كان فعله النميمة في ترك مفسدة، أو دفع ضرر، أو إيصال خبر يتعلق بالغير لم تكن محرمة ولا مكروهة، بل قد تكون واجبة، أو مستحبة، كما نقول في الغيبة إذا كانت نصيحة لدفع مفسدة، أو تحصيل مصلحة شرعية، ولو أن شخصًا اطَّلع من آخر على قول يقتضي إيقاع ضرر بإنسان، وإذا نقل ذلك القُول إليه احترز عنه، وجب عليه ذكره له. العدة في شرح العمدة (1/ 142).

قوله: «ثُمَّ أخذَ جريدةً رَطْبةً»:
قال المظهري -رحمه الله-:
الجريدة: غصن النخل. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 372).
قال الكرماني -رحمه الله-:
الجريدة: أي: السعفة التي جُرِّد عنها الخوص، أي: الغصن من النخل بدون ورق. الكواكب الدراري (3/ 66).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«رطبة» غير جافة. كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (1/ 221).
وقال المازري -رحمه الله-:
وأما جعل الجريدتين على القبرين: فلعله -عليه السلام- أوحي إليه بأن العذاب يخفف عنهما ما لم ييبسا، ولا يظهر لذلك وجه إلا هذا. المعلم بفوائد مسلم (1/ 367).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وأما غرسه شَق العسيب على القبر وقوله: «ولعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي -صلى الله عليه وسلم- ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه -صلَّى الله عليه وسلَّم- جعل مدة بقاء النَّداوة فيهما حدًّا لِمَا وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس، والعامة في كثير من البلدان تفرش الخُوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا، وليس لما تعاطوه من ذلك وجه، والله أعلم. معالم السنن (1/ 19-20).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
هذا خاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الله أطلع نبيَّه على هذا. الحلل الإبريزية (1/ 69).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
هذا من خصائصِه -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وليس لأحدٍ أن يفعلَ كما فعلَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أطلَعَه اللهُ على هذا الغيبِ، الذي هو حصولُ العذابِ في هذا القبر، وعلى سببِ العذاب، وهو النميمةُ وعدمُ الاستبراءِ من البول. وأمَّا الناسُ فإنهم لا يعلمون، ولا يحصلُ لهم ما يحصلُ للرسولِ -صلى الله عليه وسلم-. والنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُطلِعُه اللهُ -عزَّ وجلَّ- من الغيبِ على ما لم يُطلِعْ عليه أُمَّتَه. وقد جاء عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: «لولا ألا تَدَافَنُوا لدعوتُ اللهَ أن يُسمِعَكم من عذابِ القبرِ ما أسمع».
فالرسولُ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قد أطلَعَه اللهُ على ما يجري في القبور، ويَسمعُ ما يحصلُ في القبورِ من العذابِ والصراعِ والصياحِ الذي يكونُ بسببِ ذلك، والبهائمُ كذلك تسمعُ ما يجري في القبور، واللهُ تعالى أخفى ذلك على المُكلَّفين…
إذًا: هذا من خصائصِ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وليس لأحدٍ أن يأتيَ ويغرِزَ، أو يضعَ شيئًا على المقابر، أو ما إلى ذلك من الأشياءِ التي تُفعَلُ في بعضِ الجهاتِ وفي بعضِ البلاد؛ فإنَّ هذا من الأمورِ المُنكَرة. شرح سنن أبي داود (7/ 15).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
مِن أغربِ المسائلِ، وهي أنَّ بعضَ الناسِ إذا دُفِنَ الميِّتُ أتى بجريدةٍ خضراء، أو شجرةٍ وغرزَها في القبر؛ لعلَّها تُخفِّفُ عنه ما لم تيبَس.
وهذا الفعلُ إساءةُ ظنٍّ بالميِّت؛ فإنَّ كونه يُعذَّبُ أو لا يُعذَّبُ هذا من أمورِ الغيبِ التي لا يعلمُها أحدٌ إلا الله، ثمَّ مع كونِها إساءةً للميِّتِ هي بدعةٌ في دينِ الله؛ لأنَّ الرسولَ -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يضعُ الجريدةَ على كلِّ قبر، إنما وضعَها على مَن كُشِفَ له أنَّهما يُعذَّبان، ولم يكن من هديِ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم- كلما دفنَ ميِّتًا أن يضعَ عليه جريدةً، فهذا الفعلُ جمعَ بين إساءةِ الظنِّ بالميِّتِ وبين البدعة في دينِ الله، وهذا من الضلال؛ أن يُزيَّنَ للإنسانِ سوءُ العمل، هذا من الضلال، قال تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} فاطر: 8.
وأمَّا وضعُ الزهورِ فليس كوضعِ الجريدة، لكن قد يكونُ فيه تشبيهٌ بالنصارى، وهذا أخبث. شرح العقيدة السفارينية (1/ 448).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وأما ما يفعله القبوريون من وضع الرياحين على القبور، وغرس الأشجار عليها، وسترها بالثياب، وإجمارها وتبخيرها بالعود، واتخاذ السُّرج عليها فلا شك في كونه بدعة وضلالة، ومن زعم أن هذا الحديث أصل لهذه الأمور المحدثة فقد جهل وافترى على الرسول الله -صلى الله عليه وسلم-. مرعاة المفاتيح (2/ 52).
وقال النجمي -رحمه الله-:
أخذ بعض العلماء من قوله: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» أن القراءة تنفع الميت بناء على أن التخفيف بسبب تسبيح الأخضر وهو خطأ لأمور:
أحدها: أن التسبيح ليس خاصًا بالأخضر؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} الاسراء:44، واليابس شيء من الأشياء.
ثانيًا: أن علة التخفيف ليست بمعلومة في التسبيح.
ثالثًا: أن القراءة لو كانت نافعة للميت لأرشد إليها الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ لم ينقله الله إلى الدار الآخرة حتى أكمل به الدين، بل نُقل عنه النهي عن ذلك في قوله: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا؛ فإن البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان»، فمفهومه أن البيت الذي لا فيُقْرَأ فيه القرآن مثل القبر، ولو لم تكن القراءة على القبر محرمة لما كان للتشبيه فائدة. تأسيس الأحكام (1/ 29).

قوله: «فشقَّها نِصفَيْن»:
قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
الفاء هي التي يسميها بعض النحويين الفصيحة؛ لأنها تدل على محذوف، أي: فأُتي به فشقه، والباء زائدة، أي: قسمه على نصفين. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (1/ 179).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«فشقها» أي: شق النبي -صلى الله عليه وسلم- تلك الجريدة الرطبة «نصفين». كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (1/ 222).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
إنما خص الجريدتين للغرز على القبر من دون سائر النبات والثمار -والله أعلم- لأنها أطول الثمار بقاء، فتطول مدة التخفيف عنهما، وهي شجرة شبَّهَها -صلى الله عليه وسلم- بالمؤمن، وقيل: إنها خُلقت من فضلة طينة آدم. شرح صحيح البخاري (3/ 346).

قوله: «فغَرَزَ في كلِّ قَبْرٍ واحدةً»:
قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «فغرز» أي: نصب وثبَّت في الأرض على كل من القبرين أحد النصفين المذكورين. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (1/ 179).

قوله: «قالوا: يا رسولَ الله، لِمَ فَعلتَ هذا؟»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قالوا: يا رسول الله، لِمَ صنعت هذا؟!» أي: الغرز. مرقاة المفاتيح (1/ 376).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
فيه: أنهم كانوا يبحثون عن العلة والسبب، ولم يكتفوا بمجرد المعاينة. كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (1/ 223).

قوله: «قال: لعلَّهُ يُخفَّفُ عنهما»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«قال» -صلى الله عليه وسلم- مجيبًا لهم عن سؤالهم عن العلة والسبب الحامل له على فعله الذي فعله: «لعله» أي: هذا الذي فعلته «يُخفف» -بضم أوله مبنيًا للفاعل، ويحتمل: بناؤه للمفعول، ويكون الضمير ضمير الشأن- «عنهما» أي: صاحبي القبرين من عذابهما، «ما لم ييبسا» أي: الجريدتان. كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (1/ 223).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «لعله أن يخفف عنهما» فـ«لعل» معناها عند العرب: الترجي والطمع. شرح صحيح البخاري (3/ 347).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«يخفف» أي: يزول عنهما. شرح المصابيح (1/ 249).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «لعله» أي: العذاب الذي دل عليه قوله: «يعذبان». المنهل العذب المورود (1/ 80).

قوله: «ما لَم يَيْبَسا»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ما» مصدرية زمانية، أي: مدة عدم اليبس. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (2/ 265).
وقال النووي -رحمه الله-:
«ييبسا» مفتوح الباء الموحدة قبل السين، ويجوز كسرها لغتان. شرح صحيح مسلم (3/ 201).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ما لم ييبسا» أي: ما دام لم ييبس النصفان. شرح المصابيح (1/ 249).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
دعا (أي: النبي -صلى الله عليه وسلم-) أن يخفف عنهما العذاب ما دامت النداوة في تَيْنِكَ الخشبتين. تحفة الأبرار (1/ 177).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
وقد اختلف العلماء في وجه ذلك، فقيل: إنما فعل ذلك لأن الرطب من النبات يسبِّح، فتسبيحه يكون سببًا لتخفيف العذاب عن صاحبي القبرين، وقائل هذه المقالة يستدل بها على أن الميت ينتفع بالذكر عنده وقراءة القرآن له، وهذا الوجه ضعيف.
أما أولًا: فلأن التسبيح من الجماد لا يخص الأخضر، بل اليابس وغيره يسبّح على وجهٍ الله أعلم به، كما هو ظاهر قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} الإسراء: 44 فشمل اليابس والأخضر.
وثانيًا: أنه لو كان الأمر كذلك لكان هذا الفعل على كل مقبور سُنة ليحصل له هذا الفضل الحاصل من تسبيح الأخضر، وعدم نقل ذلك عنه ولا عن أحد من أصحابه وهم أحرص الناس على الخير إلا في هذه المرة، أو ما ورد في حديث جابر الطويل في آخر مسلم، وكلاهما محمول على الخصوصية...، والصحيح في التعليل لهذا الفعل: أنه -صلى الله عليه وسلم- شفع لهذين المقبورَين فخفف الله عنهما، وجعل مدة التخفيف عليهما تنتهي بيبس الجريدتين، والله أعلم. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية(1/ 179-180).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
فَتَّشْتُ عن وجه خصوصية البول في عذاب القبر، ليظهر أن المراد به بول الناس أو مُطلقه، فإن كان ذلك المعنى مختصًّا ببول الناس، يقتصر الحديث على أبوالهم، وإن كان عامًّا فليعم الحديث أيضًا حسب عمومه، ولم أر فيه شيئًا غير ما في «شرح الهداية»: «أن أول ما يُسأل العبد عنه يوم القيامة، هو الصلاة». فناسب أن يكون أول ما يُسأل عنه في القبر هو الطهارة؛ لأن البرزخ مقدَّم على الحشر والطهارة متقدمة على الصلاة، فناسب أن يسأل في أول منزل من منازل الآخرة عن شرائط الصلاة.
وما وضح لدي هو أنه لا دخل فيه لخصوص البول، بل النجاسات كلها مؤثرة في العذاب؛ لأن ملائكة الله تتأذى عن النجاسات بطبعهم، والمعاملة في القبر إنما تكون معهم، فيقع من جانبهم التعذيب لهذا، فالملائكة إنما يستأنسون بالطهارة، ويتنفرون بالنجاسة، والبول نجاسة حسًّا، والنميمة معنى؛ لأنها لحم الأخ.
وإنما خص ذكر البول: لأن الخِثْيَ والروثة وعذرة الإنسان، وكذا سائر القاذورات يحترز عنها كل جاهل وعالم من فطرته، وقلما يتحمل أن يتلطخ بشيء منها بخلاف البول، فإن عامة العرب لم يكونوا يبالون به، كما صرح به الشارحون في قصة بول الأعرابي: أن بوله في المسجد كان على عادتهم في قلة المبالاة به. ولذا قال: «وما يعذبان في كبير». فيض الباري على صحيح البخاري (1/ 411).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفيه: نجاسة الأبوال؛ للرواية الثانية: «لا يستنزه من البول».
وفيه: غلظ تحريم النميمة. شرح صحيح مسلم، باختصار (3/ 202).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أجمع الفقهاء على نجاسة البول والتنزه عنه. شرح صحيح البخاري (1/ 325).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفيه: أن القليل من النجاسة وكثيرها غير معفو عنه، وهذا مذهب مالك وعامة الفقهاء إلا ما خففوه في الدم لغلبته...، وجعل أبو حنيفة قدر الدرهم من كل نجاسة معفوًا عنها؛ قياسًا على العفو عن المخرج في الاستجمار، وقال الثوري: كانوا يرخِّصون في القليل من البول، ورخص أهل الكوفة في مثل رؤوس الإبر، وقال مالك والشافعي وأبو ثور: يغسل، وحكي عن إسماعيل القاضي غسل ذلك عند مالك على طريق الاستحسان والتنزه، وهذا هو مذهب الكوفيين خلاف المعروف من مذهبه. إكمال المعلم (2/ 118-119).
وقال المازري -رحمه الله-:
واحتج المخالف بهذا الحديث على نجاسة بول ما يؤكل لحمه، فأما رواية: «بوله» بالإضافة فلا تعلُّق له به؛ لأنه قصره على بول الرجل، وأما الرواية الثانية فقد يتعلق بها طردًا لاسم البول فيقول: متى وجد ما يقع عليه، هذه التسمية وجب أن يكون نجسًا، واحتج أصحابنا بطواف النبي -صلى الله عليه وسلم- على البعير ولا يؤمَن أن يبول. المعلم بفوائد مسلم (1/ 366).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقد تخيل الشافعي في لفظ البول العموم، فتمسك به في نجاسة جميع الأبوال، وإن كان بول ما يؤكل لحمه، وقد لا يسلَّم له أن الاسم المفرد للعموم، ولو سُلِّم ذلك، فذلك إذا لم يقترن به قرينة عهد، وقد اقترنت ها هنا، ولئن سلم له ذلك فدليل تخصيصه حديث إباحة شرب أبوال الإبل للعُرَنِيِّين، وإباحة الصلاة في مرابض الغنم، وطوافه -عليه الصلاة والسلام- على بعير. المفهم (1/ 552).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وفيه: دليل على أن إزالة النجاسة واجبة متعينة، وكذلك في قوله: «استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه». المفهم (1/ 552).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفيه: التحذير من ملابسة البول، ويلتحق به غيره من النجاسات في البدن والثوب، ويُستدل به على وجوب إزالة النجاسة خلافًا لمن خص الوجوب بوقت إرادة الصلاة، والله أعلم. فتح الباري (1/ 321).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وفيه: أنه كان يسمع ما لم يسمعه غيره ويخبر عن ذلك.
وفيه: بركة مسِّه، وبركة دعائه، وبركة النخلة. التوضيح لشرح الجامع الصحيح، باختصار (28/ 388).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وفيه: أنه يجوز التعذيب على الصغائر أيضًا كما هو مقرر في العقائد خلافًا للمعتزلة. مرقاة المفاتيح (1/ 375).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: شدة رأفة النبي -صلى الله عليه وسلم- بأمَّته؛ فإنه لما سمع صاحبَي القبرين بادر إلى الشفاعة لهما.
ومنها: إثبات الشفاعة للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
ومنها: إثبات المعجزة له -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث أطلعه تعالى على تعذيب المقبورين، مع أن الذين كانوا معه لم يسمعوا، ولم يعلموا شيئًا من ذلك، قال الله تعالى: {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا* إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} الآية الجن: 26 - 27.
ومنها: وجوب الاستنجاء إذ هو المراد بعدم الاستتار من البول، فلا يجعل بينه وبين البول حجابًا من ماء، أو حجارة، ويبعد أن يكون المراد الاستتار عن الأعين، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (7/ 313-314).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

هل صحيح أن الأشجار التي توضع على قبور المسلمين تستغفر للميت حتى تيبس ؟


إبلاغ عن خطأ