الإثنين 24 ربيع الأوّل 1448 | 2026-09-07

A a

«مَن اسْتَعْمَلْناه مِنكم على عمل فكَتَمَنا مِخْيَطًا فما فوقه، كان غُلُولًا يأتي به يوم القيامة، قال: فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه، فقال: يا رسول الله، اِقبل عنَّي عملك، قال: وما لك؟ قال: سمعتك تقول: كذا وكذا، قال: وأنا أقوله الآن، من استعملناه مِنكم على عمل فليجِئ بقليله وكثيره، فما أُوتي منه أَخَذَ، وما نُهي عنه انتهى».


رواه مسلم برقم: (1833)، من حديث عدي بن عميرة الكندي -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند أبي داود برقم: (2943)، وابن خزيمة برقم: (2369)، والحاكم، برقم: (1472)، من حديث بريدة -رضي الله عنه-: «مَن استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا، فما أَخَذَ بعد ذلك فهو غُلولٌ».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«مِخْيَطًا»:
الْمِخْيَطُ: بوزن الْمِبْضَعِ: الإبرة. مختار الصحاح، للرازي (ص: 99).
قال ابن دريد الأزدي -رحمه الله-:
والمخيط من كل شَيْء: مَا خيط بِه. جمهرة اللغة (1/ 612).

«غُلولًا»:
غَلّ في المغنم غُلولًا: أي خان، وأصله: مِن غَلَّهُ: إذا أدخله؛ لأن الخائن يُدخل ما أصاب من المغنم في متاعه؛ يَستره به. شمس العلوم، لنشوان الحميري (8/ 4885).
قال أبو عبيد -رحمه الله-:
الغُلُول: فإنه من المغنم خاصة، يقال منه: قد غَلَّ يَغِلُّ غُلُولًا. غريب الحديث (1/ 200).

«فرَزَقْنَاهُ»:
كلُّ مَن أَجريتَ عليه جِراية فقد رزقتَه رزقًا. جمهرة اللغة، لابن دريد (2/ 707).
قال الجوهري -رحمه الله-:
الرزق: ما يُنتفع به، والجمع: الأرزاق، والرزق العطاء. الصحاح (4/ 1481).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «من اسْتَعْمَلْناه مِنكم على عمل»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«من ‌استعملناه» أي: جعلناه عاملًا. شرح المصابيح (4/ 280).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«من ‌استعملناه منكم على عمل» مِن جمع مال الزكاة، أو الغنائم، أو نحو ذلك. دليل الفالحين (2/ 536).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قد يؤخذ من قوله: «منكم» أن العامل لا يكون إلا مسلمًا، ولفظ «مِن» الجزئية دالة على العموم فيه في عمومه كل عامل.
قال أصحابنا (الشافعية): يشترط في ساعي الزكاة أن يكون مسلمًا إذا كان التفويض عامًّا، فإنْ عيَّن الإمام شيئًا يأخذه، قال الماوردي: لا يتعين فيه الإسلام، قال النووي: عدم اشتراط إسلامه فيه نظر.
وقال أبو الخطاب وغيره من الحنابلة: لا يشترط إسلام العامل؛ لأنه إجارة على عمل، فجاز أن يتولاه الكافر كسائر الولايات كجباية الخَراج، ومشهور رواية أحمد: اشتراط إسلامه؛ لأن مِن شرطه الأمانة، فاشتُرط له الإسلام كالشهادة؛ ولأنه ولاية على المسلمين، فلم يجز أن يتولاها الكافر، كسائر الولايات، وظاهر الحديث يدل له، «لنا على عمل» ويدخل في العامل على العمل: الساعي الذي يبعثه الإمام لأخذ الزكاة، والكاتب والقاسم والحاشر الذي ينادي في الناحية؛ ليجتمعوا لأخذ الصدقة، وحاشر النَّعَم من مسارحها إلى مياه أهلها، وجُبَاة المال وحُفَّاظها والكيّال والوَزَّان والعدَّاد وكل من يُحتاج إليه فيها. شرح سنن أبي داود (14/418، 619).

قوله: «فَكَتَمَنا مِخْيَطًا فما فوقه»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«فكتمنا» أي: أخفى عنا «مِخيطًا» بكسر الميم: الإبرة «فما فوقه» أي: شيئًا فوق الإبرة في الصغر. شرح المصابيح (2/ 407).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فكَتَمَنا منه» أي: مِن المال الذي جمعه في عمالته. شرح سنن أبي داود (14/ 619).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
الفاء في «فما فوقه» للتعقيب على التوالي، و«ما فوقه» يحتمل أن يكون المراد به الأعلى أو الأَدْون، كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما ‌بَعُوضَةً ‌فَما فَوْقَها} البقرة: 26. الكاشف (5/ 1479).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فما فوقه» في الصِّغَر، وهذا في الكلام كقولك: أتراه قصيرًا؟ فيقول القائل: أو فوق ذلك، أي: هو أقصر مما ترى. دليل الفالحين (2/ 536).

قوله: «كان غلولًا يأتي به يوم القيامة»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
الغُلُول: السرقة من الغنيمة والفيء. التحبير (3/ 726).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«كان» ذلك الكتمان «غُلولًا» أي: خيانة «يأتي به» أي: بما غَلَّ «يوم القيامة»؛ تفضيحًا له، وتعذيبًا عليه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ آل عمران: 161. شرح المصابيح (2/ 407).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«كان... ذلك غُلولًا»...فيه: تشبيه ذلك الكتم بالغُلول من الغنيمة في فعله، أو وَبَالِهِ يوم القيامة. فيض القدير (6/ 56).

قوله: «قال: فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فقام إليه رجل أسود من الأنصار...» لم أرَ مَن ذكر اسمه. دليل الفالحين (2/ 537).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقام» زاد مسلم: إليه «رجل» فيه: أن العامِلِين يُشترط فيهم الذكورة، فلا يجوز أن يكون العامل أنثى؛ لأن العمل إمارة وولاية على المسلمين، فلم يجز للمرأة أن تتولاها، «من الأنصار» فيه: أنه يجوز أن يكون العامل من الأنصار والمهاجرين، ولا يجوز أن يكون هاشميًّا ولا مطَّلبيًّا؛ لحديث الفضل بن العباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حين سألا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبعثهما، فأبى أن يبعثهما وقال: «إنما هذِه أوساخ الناس، وإنها لا تحلُّ لمحمد ولا لآل محمد». شرح سنن أبي داود (14/620، 621).

قوله: «فقال: يا رسول الله، اِقبل عنَّي عملك»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«اقبل عني عملك» أراد به الاستقالة منه. شرح المصابيح (4/ 282).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال» ذلك الرجل: «يا رسول الله، اقبل عني عملك» وولايتك، يعني: استقال من عمله؛ خوفًا من أن يدخل في الوعيد. الكوكب الوهاج (20/ 44).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك» النزول عن العمل الذي هو ولاية لا يحتاج إلى قبول، بل لو قال: عزلتُ نفسي، انعزل، فيُحمل هذا على الاستئذان، فإن فيه نوع استشارة. شرح سنن أبي داود (14/ 621).

قوله: «قال: وما لك؟ قال: سمعتك تقول: كذا وكذا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «وما لك؟» أي: وأي عذر لك أيها الرجل في رد عملي عليَّ، وانخلاعك منه؟ وفي رواية أبي داود: «وما ذلك؟» يعني: ما هو السبب في استقالتك؟ «قال» الرجل: «سمعتك» يا رسول الله «تقول كذا وكذا». الكوكب الوهاج (20/ 44).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«قال: وما لك؟»... بالظرف، خبر عن «ما» الاستفهامية...، «قال: سمعتك تقول: كذا وكذا» من ألفاظ الكنايات مثل: كيت وكيت، ومعناه: مثل ذا، ويُكنَّى بها عن المجهول، وعما لا يُراد التصريح به. دليل الفالحين (2/ 537).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«وما ذاك؟» (كما في لفظ) إشارة إلى ما في الذهن، أي: ما الذي حملك على هذا القول؟ الكاشف (8/ 2606).

قوله: «قال: وأنا أقوله الآن، من استعملناه منكم على عملٍ فَلْيَجِئْ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أَخَذَ، وما نُهي عنه انتهى»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«قال: وأنا أقوله الآن، من استعملناه منكم على عمل» يدخل فيه القضاء والحسبة وسائر الأعمال «فليجئ بقليله وكثيره» اللام في «فليجئ» لام الأمر. دليل الفالحين (2/ 537).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«من استعملنا...» إلى آخره، تكرير للمعنى، ومزيد للبيان، يعني: أنا أقول ذلك، ولا أرجع عنه، فمن استطاع أن يعمل فليعمل، ومن لم يستطع فليترك. الكاشف (8/ 2606).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فليجئ بقليله وكثيره» يدل على أنه لا يجوز له أن يقتطع منه شيئًا لنفسه؛ لا أجرة ولا غيرها، ولا لغيره إلا أن يأذن له الإمام الذي تلزمه طاعته. المفهم (4/ 33).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فليأتِ بقليله وكثيره»...، ويدخل في عمومه أنه يأتي بما دخل تحت يده من صدقة الفرض والتطوع، وكذا ما أهدي إليه، فإنه لو كان في بيت أبيه لم يُهدَ إليه.
وفيه: أنه يَحرم على العامل أن يقتطع عنده ما أُهدي إليه، فإنه لبيت المال، فإن اقتطع منه ما أهدي إليه خان في أمانته وولايته... وعلى هذا: فيَذكر العامل الجهات التي قَبض منها المال، وصفتها، فيأخذ منها ما جاز أخذه، ويترك ما لم يجز أخذه، بل يرده على دافعه، أو يفعل فيه ما تقتضيه الشريعة. شرح سنن أبي داود (14/621، 622).
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
«فليجئْ بقليله وكثيره، فما أُوتى منه أخذ» ذلك على قدر ما يراه الإمام له، مِن استحقاقه في عمله، أو حاجته، أو سابقته. إكمال المعلم (6/238- 239).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فما أوتي» وأُعطي «منه» أي: مما جاء به، يعني: أجرة عمالته «أَخَذ» واستلم، «وما نُهي عنه» أي: عن أخذه انتهى منه، وهو باقي ما أتى به غير عمالته، يعني: ما آتاه الإمام من ذلك القليل والكثير أجرة على عمله أو جائزة له فليأخذه، وما أمسك عنه أو نهاه أن يأخذ فليتركه. الكوكب الوهاج (20/ 44).

قوله في الرواية الأخرى: «مَن استعملناه على عمل فرَزَقْنَاهُ رزقًا، فما أَخذ بعد ذلك فهو غلول»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«على عملٍ» أي: من أعمال الولاية والإمارة «فرزقناه» أي: فأعطيناه «رزقًا» أي: مقدارًا معيَّنًا. مرقاة المفاتيح (6/ 2435).
قال الطيبي -رحمه الله-:
«فرزقناه رزقًا» والرزق: ما يُعطى الأجناد من بيت المال...، والفرق بين الرزق والعطاء: أن العطاء ما يخرج للجندي من بيت المال في السنة مرة أو مرتين، والرزق: ما يخرج له كل شهر. الكاشف (8/ 2602).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«من ‌استعملناه على عمل» من أعمال الجهاد أو الصدقة أو غيرهما مما يستحق عليه أجرة، «فرزقناه رزقًا» على ذلك فليأخذه، قال إبراهيم: لا بأس بجائزة العُمال، أن للعامل مؤنة ورزقًا، حكاه الغزالي، قال: وقال العلاء بن زهير الأزدي: أتى إبراهيم أبي وهو عامل على حلوان فأجازه، «فما أَخذ بعد ذلك» أي: فوق ذلك من أموال بيت المال «فهو غُلُول» بضم الغين واللام، وهو: الخيانة، وأصله السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة، يقال: غَلَّ في المغنم، يَغُلُّ غُلُولًا فهو غالٌّ، وكلُّ مَن خانَ في شيء خفية فقد غلَّ، وسميت غُلولًا؛ لأن الأيدي فيها مَغْلولة، أي: مجموعة مَجْعُول فيهما غل، وهي الحديدة التي تَجمع يد الأسير إلى عنقه. شرح سنن أبي داود (12/ 554).
وقال النووي -رحمه الله-:
أجمع المسلمون على تغليظ ‌تحريم ‌الغلول وأنه من الكبائر، وأجمعوا على أن عليه رد ما غَلَّه، فإن تفرَّق الجيشُ وتعذَّر إيصال حق كل واحد إليه، ففيه خلاف للعلماء: قال الشافعي وطائفة: يجب تسليمه إلى الإمام أو الحاكم، كسائر الأموال الضائعة، وقال ابن مسعود وابن عباس ومعاوية والحسن والزهري والأوزاعي ومالك والثوري والليث وأحمد والجمهور: يَدفع خُمُسَه إلى الإمام، ويتصدق بالباقي.
واختلفوا في صفة عقوبة الغالِّ، فقال جمهور العلماء وأئمة الأمصار: يعزَّر على حسب ما يراه الإمام، ولا يحرق متاعه، وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة، ومن لا يحصى من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، وقال مكحول والحسن والأوزاعي: يُحرق رَحْلُه ومتاعه كله، قال الأوزاعي: إلا سلاحه وثيابه التي عليه، وقال الحسن: إلا الحيوان والمصحف، واحتجوا بحديث عبد الله بن عمر في تحريق رحله، قال الجمهور: وهذا حديث ضعيف؛ لأنه مما انفرد به صالح بن محمد عن سالم، وهو ضعيف، قال الطحاوي: ولو صح يُحمل على أنه كان إذا كانت العقوبة بالأموال، كأخذ شطر المال من مانع الزكاة، وضالة الإبل، وسارق التمر، وكل ذلك منسوخ، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (12/217 218).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
ظاهره المنع من الزيادة على المفروض للعامل من غير فرق بين ما كان من الصدقات المأخوذة من أرباب الأموال، أو من أربابها على طريق الهدية أو الرشوة. نيل الأوطار (14/ 242).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
فيه: تعظيم القليل من الغلول. إكمال المعلم (6/ 238).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
في الحديث: تحريض للعمَّال على الأمانة، وتحذير من الخيانة وإن كانت في شيء قليل. شرح المصابيح (2/ 407).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
في الحديث: دليل على أن قليل ما غُنم وكثيره مقسوم بين مَن شهد الوقعة، ليس لأحد أن يستبدَّ به وإن قلَّ، إلا الطعام الذي وقعت فيه رخصة. فتح القريب المجيب (5/ 117).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه دليل على أنه لا يَحِلُّ للعامل زيادة على ما فَرض له مَن استعمله، وأن ما أخذه بعد ذلك فهو من الغُلُول، وذلك بناء على أنها إجارة ولكنها فاسدة يلزم فيها أجرة المثل، ولهذا ذهب البعض إلى أن الأجرة المفروضة من المستعمِل للعامل تؤخذ على حسب العمل، فلا يأخذ زيادة على ما يستحقه، وقيل: يأخذ ويكون من باب الصرف.
وفي الحديث أيضًا: دليل على أنه يجوز للعامل أن يأخذ حقه مِن تحت يده. نيل الأوطار (8/ 161).


إبلاغ عن خطأ