«أنَّ ناسًا مِن أصحابِ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قالوا للنبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: يا رسول الله، ذَهبَ أهلُ الدُّثور بالأجورِ، يُصَلُّون كما نُصلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون بِفُضُولِ أموالِهم، قال: أَولَيس قد جعل الله لكم ما تَصَّدَّقون؟ إنَّ بكلِّ تسبيحةٍ صدقة، وكلِّ تكبيرةٍ صدقة، وكلِّ تحميدةٍ صدقة، وكلِّ تهليلةٍ صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن مُنكر صدقة، وفي بُضْعِ أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوتَهُ ويكون له فيها أجرٌ؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أَكان عليه فيها وزرٌ؟ فكذلك إذا وضعَها في الحلال كان له أجرٌ».
رواه مسلم برقم: (1006)، من حديث أبي ذر -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الدُّثور»:
الدّثُور: كثرة الأموال، واحدها دَثْر، يقال: هم أهل دَثْر ودُثُور. غريب الحديث، لأبي عبيد (4/ 460).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الدُّثور: جمع دَثْر، وهو المال الكثير، ويقع على الواحد والاثنين والجميع. النهاية (2/ 100).
«بِفُضُولِ أموالِهم»:
فضول الأموال: زيادةٌ على السعة الـمُحتاج إليها. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص365).
قال الركبي -رحمه الله-:
فُضُول: جمعُ فَضْلٍ، وهو الزائد، يقال: فَضَلَ لي شيء عن حاجتي، أي: زاد. النظم المستعذب (1/ 245).
«بُضْعِ أحدكم»:
البُضْعُ: اسمُ بَاضَعْتُها، أي: باشرتُها، وبَضَعْتُها بَضْعًا، أو بُضعًا، وهو الجماع. العين، للفراهيدي(1/ 285).
قال الجوهري -رحمه الله-:
البُضْعُ بالضم: النكاح، عن ابن السكيت قال: يقال: مَلَكَ فلان بُضع فلانة، والْمُبَاضعة: الْمُجَامعة. الصحاح (3/ 1187).
شرح الحديث
قوله: «أنَّ ناسًا مِن أصحابِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«أن أناسًا» هذا أصل ناس وتحذف همزته ويعوض عنها "أل"؛ ولذا لا يُجمع بينهما... وذكر المصنِّف (النووي) في الأربعين وصف الناس بأنهم من أصحاب النبي، وسكت عن ذلك هنا؛ لعلمه من السياق، فإن سؤالهم له المتفرّع على اجتماعهم مسلمين به، وهو المراد من الصحابي، يدل عليه «قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدُّثور بالأجور». دليل الفالحين(2/ 353).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أن ناسًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: مِن فقراء المهاجرين (كما صرحت به رواية أخرى). مرقاة المفاتيح (2/ 763).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«ذهب أهل الدثور بالأجور» قائل ذلك فقراء المهاجرين، وسُمِّي منهم في رواية النسائي في اليوم والليلة: أبو الدرداء، أخرجه من طريق أبي عمر الضبي، وأبي صالح كلاهما عن أبي الدرداء قال قلت: يا رسول الله، وسُمِّي منهم أيضًا: أبو ذر، أخرجه أبو داود والطبراني في الأوسط من وجه آخر عن أبي هريرة، وأخرجه أحمد، وابن خزيمة، وابن ماجه من حديث أبي ذر نفسه. هدي الساري (ص335).
قوله: «قالوا للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: يا رسول الله: ذَهبَ أهلُ الدُّثور بالأجور»:
قال المازري -رحمه الله-:
واحد الدُّثور: دَثْرٌ وهو المال الكثير...، وكذلك الدِّبر، بالباء وكسر الدال، معناه أيضًا ومعنى الدَّثْر واحد، قال ابن السكيت: الدِّبر: المال الكثير يقال: مال دِبر وأموال دِبْر. المعلم (1/ 424، 425).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«بالأجور» الكثيرة؛ لكثرة أعمالهم؛ فإنهم «يصلُّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم» أي: بأموالهم الفاضلة عن كفايتهم...، وقولهم ما ذُكر ليس حسدًا، بل غبطةً وطلبًا للمنافسة فيما يتنافس فيه المتنافسون من طلب مزيد الخير ومنتهاه؛ لشدة حرصهم على الأعمال الصالحة، وقوة رغبتهم في الخير؛ قال اللَّه تعالى عنهم: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوكَ لِتَحمِلَهُم قُلتَ لَا أَجِدُ مَا أَحمِلُكُم عَلَيهِ تَوَلَّواْ وَّأَعيُنُهُم تَفِيضُ مِنَ الدَّمعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ} التوبة: 92، ولمَّا فَهِمَ منهم -صلى الله عليه وسلم- ذلك، قال لهم جوابًا وتطمينًا لخاطرهم وتقريرًا؛ لأنهم ربما ساووا الأغنياء: «أوليس قد جعل لكم ما تصَّدَّقون به؟». الفتح المبين (ص436).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
يبحث العلماء في الفَرْقِ بين الغبطة والحسد، فالغبطة محمودة، وهي مجال للمنافسة في الخير، وهي: أن تتمنى لك مثل ما لغيرك مع بقاء نعمة الغير عليه، أما الحسد: فهو تمني زوال نعمة الغير ولو لم تأتِ إليك، ولذا يقولون: الحاسد يحارب ربه؛ لأنه لم يرض بقسمة الله في خلقه، والله تعالى يقول: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الزخرف:32. شرح الأربعين النووية (56/ 3).
قوله: «يُصَلُّون كما نُصلي، ويصومون كما نصوم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يصلُّون كما نصلي» أي: فرضًا ونفلًا «ويصومون كما نصوم» ولفظ "ما" كافة، تصحِّح دخول الجارِّ على الفعل، وتفيد تشبيه الجملة بالجملة، كقولك: يكتب زيد كما يكتب عمرو، أو مصدرية، كما في قوله تعالى: {بِمَا رَحُبَتْ} التوبة: 25، أي: صلاتهم مثل صلاتنا، وصومهم مثل صومنا. مرقاة المفاتيح (2/ 763).
قوله: «ويتصدَّقون بِفُضُولِ أموالِهم»:
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«ويتصدَّقون بفضول أموالهم» أي: بأموالهم الفاضلة عن كفايتهم، وقيَّدوا بذلك (أي: بفضول الأموال)؛ بيانًا لفضل الصدقة؛ فإنها بغير الفاضل عن الكفاية إما مكروهةٌ، أو محرمةٌ، على التفصيل المقرر فيها في الفقه. الفتح المبين (ص436).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«ويتصدقون بفضول أَموالهم» يعني: ولا نتصدق؛ لأنه ليس عندنا شيء، فكيف يمكن أن نسبقهم أو نكون مثلهم، هذا مراد الصحابة -رضي الله عنهم-، وليس مرادهم قطعًا الاعتراض على قدر الله -عز وجل-، ولا أن يحسدوا هؤلاء الأغنياء. شرح الأربعين (ص252).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
فانظر إلى الهمم العالية من الصحابة -رضي الله عنهم- يغبطون إخوانهم بما أنعم الله عليهم من الأموال التي يتصدَّقون بها ويعتقون منها، وليسوا يقولون: عندهم فضول أموال؛ يركبون بها المراكب الفخمة، ويسكنون القصور المشيدة، ويلبسون الثياب الجميلة؛ ذلك لأنهم قوم يريدون ما هو خير وأبقى، وهو الآخرة، قال الله تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} الأعلى: 16، 17، وقال الله تعالى لنبيه -صلى اله عليه وسلم-: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} الضحى: 4. شرح رياض الصالحين (2/ 161).
قوله: «قال: أَوَلَيس قد جعل الله لكم ما تَصَّدَّقُون؟»:
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«أَوَليس» أي: أتقولون ذلك؟! أي: لا تقولوه؛ فإنه «قد جعل اللَّه» سبحانه وتعالى «لكم ما تصَّدَّقون» بتشديد الصاد، كما هو الرواية؛ أي: تتصدَّقون به، أُدغمت إحدى التاءين بعد قلبها صادًا في الصاد، وقد تحذف إحداهما فتخفف الصاد. الفتح المبين (ص436).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«أوَلَيس» أي: أتقولون ذلك؟ فالهمزة للإنكار وليس بمعنى لا: أي: لا تقولوه؛ فإنه «قد جعل الله لكم ما تصدقون». دليل الفالحين (2/ 354).
قوله: «إنَّ بكلِّ تسبيحةٍ صدقة، وكلِّ تكبيرةٍ صدقة، وكلِّ تحميدةٍ صدقة، وكلِّ تهليلةٍ صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن منكر صدقة»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «بكل تسبيحة صدقة » الحديث، يحتمل تسميتها صدقة أي: لها أجرٌ كما للصدقة أجر، وأن هذه الأفعال تماثل الصدقات في الأجور، وسماها صدقة، على طريق المقابلة وتجنيس الكلام، أو يكون سماها من معناها؛ إذ في اسم الصدقة على ما قيل لما فيها من الدليل على صدق الإيمان وصحته، فكذلك سائر الطاعات فيها ذلك، وقد قيل: صدقة على نفسه، أي: بهذه الحسنة، وقد أشار بعض أصحاب المعاني إلى تخصيص الفقراء بهذه الأجور، وقيامها لهم مقام الصدقات، وقد يحتج بقوله: «قد جعل الله لكم»، ويتأول قوله في الحديث الآخر: «ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء» على هذا، وقال بعضهم: بل يرجع إلى ما رأى منهم من الفهم والعلم. إكمال المعلم (3/526، 527).
وقال الطوفي -رحمه الله-:
قوله: «بكل تسبيحة صدقة» أي: حسنة كحسنة الصدقة في الجنس؛ لأن الأعمال مقدَّرة بالحسنات، بدليل: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} الأنعام: 160، والحسنة صفة في الأصل، تستعمل في العمل وجزائه، يقال: عمل فلان حسنةً، فجزاؤه حسنة، أي: عمل خصلة حسنة، فجزاؤه خصلة حسنة، كأنه قال: في كل تسبيحة خصلة حسنة تأتيكم من الله -عز وجل-...، قوله: «في كل تسبيحة حسنة» أي: بسببها، كقوله -عليه الصلاة والسلام-: «في النَّفْسِ المؤمنة مائة من الإبل» أي: بسبب قتلها وجوب مائة، وقيل: هي ظرف مجازًا، كأنَّ النفس لما ضُمنت بمائة من الإبل صارت كالظرف لها...، والتكبيرة: قول: الله أكبر، والتسبيحة قول: سبحان الله، والتهليلة قول: لا إله إلا الله، وهو شبيه بالبسملة والهَيْلَلَة والحيعلة والسَّبْحَلة، ونحوها من المصادر المنحوتة. التعيين في شرح الأربعين (1/ 195).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«إن» لكم «بكل تسبيحةٍ» أي: قول: سبحان اللَّه؛ أي: بسببها؛ كقوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} الزخرف: 73 ولا ينافيه خبر: «لن يدخل أحدكم -وفي رواية: أحدٌ منكم- الجنة بعمله...» الحديث؛ إما لأن الآية في نَيل الدرجات، فهي بسبب الأعمال وتفاوتها، والحديث في أصل دخول الجنة، فهم بمحض الفضل؛ إذ لا يكافئه عملٌ، وإما لأن الإسلام هو المتكفِّل بدخول الجنة، وهو محمل الآية، وبقية الأعمال سببٌ في نيل درجاتها لا في دخولها، وهو محمل الحديث، وإما لأن واحدًا منهما ليس سببًا لدخولٍ ولا نيلٍ لذاته، وهو محمل الخبر، بل لتفضُّل اللَّه تعالى علينا بجعله سببًا، وهو محمل الآية. [الفتح المبين (ص437).
وقال ابن هُبيرة -رحمه الله-:
والذي فات أصحابَ الأموالِ، وإن شاركوا الفقراءَ في التسبيحِ والتحميدِ، هو الحسرةُ التي يجدُها الفقراءُ لعدمِ ما يُنفقون، وتلك حَسرةٌ لا يجدُها واجدٌ، بل صارت تسبيحتُهم صدقةً منهم جامعةً؛ بأنَّها قامت لهم عِوَضًا من الإنفاق، ولأنَّ تسبيحَهم هذا أثار تعليمَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بسؤالهم إيَّاه، فصار كلُّ من يتعلَّم منهم إلى يومِ القيامةِ فإنما هو في المعنى كأنَّه من صدقتهم عليه، فكانت صدقتُهم أذكارَ اللهِ سبحانه وحمدَه وتسبيحَه على عبادِ الله، وذلك لعبادِ الله أنفعُ من الطعامِ والشراب؛ لأنَّ الطعامَ والشرابَ قوتُ الأبدان، وتسبيحَ اللهِ وتحميدَه قوتُ الأرواح. الإفصاح (2/ 183).
قوله: «وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن منكر صدقة»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«بالمعروف» عرَّفه إشارة إلى تقرره وثبوته، وأنه مألوف، «صدقة، ونهي عن منكر» نكَّره إشارة إلى أنه في حيز العدم والمجهول الذي لا إلف للنفس به: أي: عن المنهي عنه شرعًا. دليل الفالحين (2/ 354).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وأَمْرٌ بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة» فيه إشارة إلى ثبوت حكم الصدقة في كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولهذا نكَّره، والثواب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكثر منه في التسبيح والتحميد والتهليل؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، وقد يتعين، ولا يتصور وقوعه نفلًا، والتسبيح والتحميد والتهليل نوافل، ومعلوم أن أجر الفرض أكثر من أجر النفل؛ لقوله -عز وجل- «وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إلي من أداء ما افترضتُ عليه» رواه البخاري من رواية أبي هريرة. شرح صحيح مسلم (7/ 92).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«وأَمْرٌ بالمعروف» أسقط المضاف هنا؛ إما اعتمادًا على السابق، ويدل عليه رواية الجر، أو قطعًا له عن ذلك الحكم، وأن قليلًا من هذا النوع يقوم مقام تلك الأمور السابقة، فكيف بالكثير؟! الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1546).
وقال الطوفي -رحمه الله-:
قوله: «وأَمْرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن منكر صدقة»؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واحدٌ على الكفاية، فإذا قام به شخص فقد أسقط الفرض عن نفسه، وعن سائر المكلفين، وهي عبادة عامة متعدية وهي من أفضل العبادات...، وحقيقة الصدقة أو شبيه بها جدًّا موجودة فيه؛ لكونه ينتفع به باقي الناس بأداء الفرض عنهم، فإن قيل: لِمَ أتى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مُنَكَّرًا، فقال: وأمر ونهي ولم يقل: والأمر والنهي؟
قلنا: لأن التنكير أبلغ في المقصود؛ إذ يقتضي أنَّ كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة، ولو عَرَّفَ لاقتضى أن جنس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة، ولا يلزم أن كل فرد منه صدقة، لأن اللام للاستغراق. التعيين في شرح الأربعين (1/195 196).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«ونهيٌ عن منكرٍ... صدقة» بشروطه المقررة في الفقه؛ ومنها: أن يكون مجمَعًا على وجوبه أو تحريمه، أو أن يعلم مِن الفاعل اعتقادَ ذلك حال ارتكابه بخلافه، وأن يقدر على إزالته إما بيده أو بلسانه، بأن لم يخشَ ترتُّب مفسدةٍ عليه، أو لحوق ضررٍ له في نحو نفسه أو ماله. الفتح المبين (ص437).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة» هذا من الواجب، لكن الأمر بالمعروف تارة يكون واجبًا وجوب عين على مَن قَدَرَ عليه، ولم يوجد غيره، وكذلك النهي عن المنكر، وتارة يكون واجب كفاية لمن قدر عليه، ولكن هناك من يقوم مقامه، وتارة يكون مستحبًا وذلك في الأمر بالمعروف المستحب. شرح الأربعين النووية (255-257).
قوله: «وفي بُضْعِ أحدكم صدقة»:
قال النووي -رحمه الله-:
«وفي بُضع أحدكم صدقة» هو بضم الباء، يُطلق على الجماع، ويطلق على الفَرْجِ نفسه، وكلاهما تصح إرادته هنا.
وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات، فالجماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة، ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله تعالى به، أو طلب ولد صالح، أو إعفاف نفسه أو إعفاف الزوجة ومنعهما جميعًا من النظر إلى حرام، أو الفكر فيه، أو الهم به، أو غير ذلك من المقاصد الصالحة. شرح صحيح مسلم (7/ 92).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«وفي بُضع أحدكم» لحليلته «صدقة» أي: إذا قارَنَتْهُ نيةٌ صالحةٌ...، وأن منها ما يُصَيِّر المباضعة صدقةً على المسلمين باعتبار ما ينشأ عنها من وجود ولدٍ صالحٍ يحمي بيضة الإسلام، أو يقوم ببيان العلوم والأحكام. الفتح المبين (ص439).
وقال الطوفي -رحمه الله-:
ظاهر الحديث يقتضي: أن الوطء صدقة وإن لم ينوِ به شيئًا، كما أنَّه لو زنى لأَثِمَ وإن لم ينو شيئًا. التعيين في شرح الأربعين (1/ 196)
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
و«في» هنا بمعنى باء السببية، ونظيره خبر: «في النفس المؤمنة مئةٌ من الإبل»، أو باقيةٌ على ظرفيتها، لكن بتجوُّزٍ؛ كأنَّ البُضع لمَّا ترتَّب عليه ذلك الثواب بشرطه، صار كالظرف له، وعلى كلٍّ يستفاد منه أن جميع أنواع فعل المعروف والإحسان صدقةٌ، ويوافقه خبر مسلم: «كل معروف صدقةٌ»، وقوله -صلى الله عليه وسلم- في القَصْرِ: «صدقة تصدَّق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته»، وفي حديث: «من نام عن وِرْدِهِ كتب اللَّه له أجر صلاته، وكان نومُه صدقةً من اللَّه تصدَّق بها عليه». الفتح المبين (ص439).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وفي بُضع أحدكم صدقة» أنَّ ذلك صدقةٌ وإن كان على سبيلِ الشهوة، لا على سبيلِ الانكفافِ عن الحرام؛ لأنه إذا كان على سبيلِ الانكفافِ عن الحرام فالأمرُ واضحٌ أنها صدقةٌ، لأنه يدفعُ الحرامَ بالمباح، لكن إذا كان لمجرَّدِ الشَّهوة فظاهرُ الحديث أنَّ ذلك صدقةٌ، وله وجهٌ، ومن الوجوه:
الأول: أنَّ الإنسانَ مأمورٌ ألَّا يمنعَ نفسَه ما تشتهي إذا كان ذلك في غيرِ معصيةِ الله؛ لقول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ لنفسك عليك حقًّا».
والثاني: أنَّه إذا أتى أهلَه فقد أحسنَ إلى أهلِه؛ لأنَّ المرأةَ عندها من الشهوة ما عند الرجل، فهي تشتهي الرجل كما يشتهيها، فإذا أتاها صار محسنًا إليها، وصار ذلك صدقةً. شرح الأربعين النووية (ص257).
قوله: «قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوتَهُ ويكون له فيها أجر؟»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قولهم: «أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟» استفهام مَن استبعد حصول أجر بفعل مستلَذ، يحث الطبع عليه، وكأن هذا الاستبعاد إنما وقع مِن تصفُّح الأكثر من الشريعة، وهو أن الأجور إنما تحصل في العبادات الشاقة على النفوس المخالفة لها. المفهم (3/ 52).
قوله: «قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أَكان عليه فيها وِزْرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال» -صلى الله عليه وسلم- «أرأيتم» أي: أخبروني. البحر المحيط الثجاج (19/ 331).
وقال ابن حجر الهيتمي-رحمه الله-:
ظاهرُ إطلاقِه: أنَّ الإنسانَ يُؤجَرُ في جماعِ حليلته مُطلقًا، وبه قال بعضُهم، لكن حديثُ أحمدَ ظاهرٌ في تقييدِ ذلك بنيَّةِ طلبِ ولدٍ يُربِّيه ويؤدِّبه ويحتسبه عند موته، وكِنايةُ ذلك نيَّةُ إعفافِ فرجِه، ويؤيِّدُ هذا: أنَّه جاء في رواياتٍ كثيرةٍ: أنَّ نفقةَ الرجلِ على أهلِه -زوجته وعياله- صدقةٌ، لكنَّه قيَّد في روايةِ مسلمٍ بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وهو يحتسبُها»، فدلَّ على أنَّ شرطَ ثوابِ الصدقةِ احتسابُها، وإذا كان هذا في الإنفاقِ الواجب…فأولى الجماعَ المباحَ، وفي روايةٍ في الصحيحين: «إنَّك لن تُنفقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرتَ عليها، حتى اللقمةَ ترفعُها إلى فِي امرأتك».. الفتح المبين (ص440).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» فيه: جواز القياس وهو مذهب العلماء كافة، ولم يخالف فيه إلا أهل الظاهر، ولا يعتد بهم، وأما المنقول عن التابعين ونحوهم من ذم القياس فليس المراد به القياس الذي يعتمده الفقهاء المجتهدون، وهذا القياس المذكور في الحديث هو من قياس العكس، واختلف الأصوليون في العمل به، وهذا الحديث دليل لمن عمل به وهو الأصح. والله أعلم. شرح صحيح مسلم (7/ 93).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ثم إنه -صلى الله عليه وسلم- أجابهم على هذا بقياس العكس، فقال: «أرأيتم لو وضعها في حرام؟» ونَظْمُه: كما يأثم في ارتكاب الحرام، يؤجر في فعل الحلال. وحاصله راجع إلى إعطاء كل واحد من المتقابلَين ما يقابِل به الآخر من الذوات والأحكام. المفهم (3/ 52).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
الحديث يتعلَّق بالمسألة المشهورة بالتفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر، وقد اشتهر فيها الخلاف، والفقراء ذكروا للرسول -صلى الله عليه وسلم- ما يقتضي تفضيل الأغنياء بسبب القُربات المتعلقة بالمال، وأقرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، ولكن علَّمهم ما يقوم مقام تلك الزيادة. فلما قالها الأغنياء ساووهم فيها، وبقي معهم رُجحان قُربات الأموال، فقال -عليه السلام-: «وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» (كما في رواية) فظاهره القريب من النص: أنه فضَّل الأغنياء بزيادة القربات المالية...، والذي يقتضيه الأصل أنهما إن تساويا وحصل الرجحان بالعبادات المالية، أن يكون الغني أفضل، ولا شك في ذلك، وإنما النظر إذا تساويا في أداء الواجب فقط، وانفرد كل واحد بمصلحة ما هو فيه، وإذا كانت المصالح متقابلة ففي ذلك نظر يرجع إلى تفسير الأفضل، فإنْ فُسر بزيادة الثواب فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضل من القاصرة، وإن كان الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصل للنفس من التطهير للأخلاق، والرياضة لسوء الطباع بسبب الفقر، أشرف؛ فيترجح الفقراء. إحكام الأحكام (1/ 326).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
والذي يقتضيه القول في التفضيل: ما اختاره الله سبحانه لنبيه -صلى الله عليه وسلم- وصحابته -رضي الله عنهم-، وهو الفقر غير الْمُدْقِعِ، ويكفيك دليلًا ما ثبت في الصحيح مرفوعًا: «أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمس مئة عام، وأصحاب الأموال محبوسون على قنطرة بين الجنة والنار، ويُسألون عن فضول أموالهم»، وحينئذ يرجع التأويل في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ذلك فضلُ الله يؤتيهِ مَنْ يشاء» إلى الثواب المترتب على الأعمال عند الله تعالى، لا بحسب الأذكار، ولا بحسب إعطاء الأموال، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (2/658، 659).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فيه (أي: الحديث) من الفقه: إجابة السائل بردِّ القول بمثله، فإنه سيجيب نفسه. الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 184).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: دليل لمن فضَّل الغني الشاكر على الفقير الصابر، وفي المسألة خلاف مشهور بين السلف والخلف من الطوائف والله أعلم...
وفي هذا الحديث: فضيلة التسبيح وسائر الأذكار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحضار النية في المباحات، وذِكر العالِم دليلًا لبعض المسائل التي تخفى، وتنبيه المفتي على مختصر الأدلة، وجواز سؤال المستفتي عن بعض ما يخفى من الدليل، إذا عَلم من حال المسؤول أنه لا يكره ذلك، ولم يكن فيه سوء أدب، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (7/92، 93).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
في الحديث: دليل على قوة رغبة الصحابة -رضي الله عنهم- في الأعمال الصالحة الموجبة للدرجات العُلى والنعيم المقيم، فكانوا يحزنون على العجز عن شيءٍ مما يقدر عليه غيرهم من ذلك، وقد وصفهم الله في كتابه بذلك، بقوله: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} التوبة:92؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا حسد إلا في اثنين»، فذكر منهما: «رجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه في وجهه، فيقول رجل: لو أن لي مالًا لفعلت فيه كما فعل ذلك»...
وهذا يدل على أن الذكر أفضل الأعمال، وأنه أفضل من الجهاد والصدقة والعتق وغير ذلك، وقد روي هذا المعنى صريحًا عن جماعةٍ كثيرةٍ من الصحابة، منهم: أبو الدرداء ومعاذ وغيرهما، وروي مرفوعًا من وجوهٍ متعددةٍ أيضًا.
ولا يعارِض هذا حديث الذي سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عما يعدل الجهاد، فقال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر، وتقوم فلا تفتر؟» الحديث المشهور؛ لأن هذا السائل سأل عن عمل يعمله في مدة جهاد المجاهد من حين خروجه من بيته إلى قدومه، فليس يعدل ذلك شيء غير ما ذكره، والفقراءُ دلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على عمل يستصحبونه في مدة عمرهم. فتح الباري (7/406، 407).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
يفهم منه: أن الصدقة في حق القادر عليها أفضل له من سائر الأعمال القاصرة على فاعلها. المفهم (3/ 51).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد هذا الحديث: أن الصحابة -رضي الله عنهم- يستعملون أموالهم فيما فيه الخير في الدنيا والآخرة، وهو أنهم يتصدقون.
وأن الاعمال البدنية يشترك فيها الغني والفقير؛ لقولهم: «يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم» وهو كذلك، وقد يكون أداء الفقير أفضل وأكمل من أداء الغني.
وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فتح للفقراء أبوابًا من الخير؛ لقوله: «أوليس قد جعل الله لكم ما تصَّدَّقون به؟» وذكر الأبواب.
وتقرير المخاطَب بما لا يمكنه إنكاره؛ لقوله: «أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟»؛ لأن هذا أبلغ في إقامة الحجة عليه.
وأن ما ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأعمال كله صدقة، لكن هذه الصدقة منها واجب، ومنها غير واجب، ومنها متعدٍ، ومنها قاصر. شرح الأربعين النووية (ص253).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: فضل التنافس في الخير، والحرص على العمل الصالح، وجبر خاطر من لا يقدر على الصدقة، ونحوها، وترغيبه فيما يقوم مقامها من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير...
وفيه: أن العمل السهل قد يدرِك به صاحبه فضل العمل الشاق، وأن العمل القاصر قد يساوي المتعدِّي. تطريز رياض الصالحين (377،378).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- فضل الذكر دبر الصلوات.