«كنَّا نُسَلِّم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في الصلاة فيردُّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلَّمْنَا عليه فلم يردَّ علينا، فقلنا: يا رسول الله، كُنا نُسَلِّم عليك في الصلاة فتردَّ علينا؟! فقال: إن في الصلاة شُغْلًا».
رواه البخاري برقم: (1199)، ومسلم (538) من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.
ورواه أحمد برقم: (4145)، وأبو داود برقم: (924) واللفظ له: «إن الله يُحدِثُ مِن أمره ما يشاء، وإنَّ الله -جلَّ وعزَّ- قد أحدَث مِن أَمْرِهِ ألَّا تكلَّموا في الصلاة، فرد عليَّ السلام».
والنسائي برقم: (1220) بلفظ: «إن الله -عزَّ وجلَّ- يعني: أَحْدَثَ في الصلاة أن لا تَكَلَّمُوا إلا بذكر الله، وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين».
صحيح سنن أبي داود برقم: (857)، وصحيح سنن النسائي برقم: (1162)، وصحيح الجامع برقم: (1700).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«شُغْلًا»:
تُضم الغين، وتُسَكَّن للتخفيف، وشُغِلْتُ به بالبناء للمفعول تلهَّيت به. المصباح المنير، للفيومي (1/ 316).
«أَحْدَثَ»:
حَدَثَ الشيءُ حُدوثًا... تجدَّد وُجُوده، فهو حادثٌ وحديث، ومنه يقال: حدث به عيبٌ إذا تجدد وكان معدومًا قبل ذلك، ويتعدى بالألف، فيُقال: أَحْدَثْتُه، ومنه مُحدَثات الأمور، وهي التي ابتدعها أهل الأهواء. المصباح المنير، للفيومي (1/ 124).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
الحَدِيْثُ: نَقِيْض القديم، والحُدُوث: نقيض القُدْمَةِ، حدث الشيء يَحْدُث حُدُوثًا وحداثة، وأَحْدَثَهُ هو فهو محدَث وحديث، وكذلك استحدثه. لسان العرب (2/ 131).
«قَانِتِينَ»:
قال أبو بكر الأنباري: القُنُوت: ينقسم إلى أربعة أقسام: الصلاة، وطول القيام، وإقامة الطاعة، والسكوت. الغريبين في القرآن والحديث، للهروي (5/ 1586).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
قد تكرر ذكر القُنُوت في الحديث، ويَرِدُ بمعانٍ متعددة... فيُصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه. النهاية (4/ 111).
شرح الحديث
قوله: «كنَّا نُسَلِّم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في الصلاة»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كنا» معاشر الصحابة «نسلِّم على رسول الله». الكوكب الوهاج (8/ 131).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«كنا نسلِّم على رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- وهو في الصلاة» أي: ونحن قادمون خارج الصلاة. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (3/ 147).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وهو في الصلاة» جملة حالية مِن «رسول الله -صلى الله عليه وسلم-». البحر المحيط الثجاج (12/ 251).
قوله: «فيردُّ علينا»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فيردُّ علينا» أي: يرد السلام علينا بالقول، وهو في الصلاة؛ لكون الكلام كان مباحًا. البحر المحيط الثجاج (12/ 251).
وقال حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«فيرد علينا» أي: فيرد علينا بصريح اللفظ قائلًا: وعليكم السلام؛ لأن الكلام والسلام لم يكونا ممنوعَين أثناء الصلاة في صدر الإسلام. منار القاري (2/ 350).
قوله: «فلما رجعنا من عند النَّجَاشي»:
قال الشيخ حمزة بن محمد قاسم -رحمه الله-:
«فلما رجعنا من عند النجاشي» أي: فلما رجعنا من هجرتنا إلى الحبشة. منار القاري (2/ 350).
وقال العيني -رحمه الله-:
اختلف في مراده بقوله: «فلما رجعنا» هل أراد الرجوع الأول أو الثاني، فمالت جماعة منهم أبو الطيب الطبري إلى الأول، وقالوا: تحريم الكلام كان بمكة، وحملوا حديث زيد بن أرقم على أنه وقومه لم يبلغهم النَّسْخُ، وقالوا: لا مانع من أن يتقدَّم الحُكم، ثم تَنزل الآية بوفقه، ومالت طائفة إلى الترجيح، فقالوا بترجيح حديث ابن مسعود؛ فإنه حكى لفظ النبي -صلى الله عليه وسلم- بخلاف زيد، فلم يَحْكِهِ، وقالت طائفة: إنما أراد ابن مسعود رجوعه الثاني، وقد ورد أنه قدم المدينة والنبي -صلى الله عليه وسلم- يتجهز إلى بدر. عمدة القاري (7/ 268).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«النجاشي» بفتح النون، وخفة الجيم وبالمعجمة: ملك الحبشة. الكواكب الدراري (7/ 20).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
وهو لقب مَن مَلَك الحبشة. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (8/ 131).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
والذي أسلم وآمن بالنبي -صلى الله عليه وسلم- هو أصحمة، وأسلم ومات قبل الفتح. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 1068).
قوله: «سلَّمْنَا عليه»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«سلَّمنا عليه» -صلى الله عليه وسلم-، والمراد أنهم سلموا عليه، وهو يصلي. البحر المحيط الثجاج(12/ 254).
قوله: «فلم يردَّ علينا»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فلم يردَّ» بفتح الدال، ويجوز ضمها، وكسرها. البحر المحيط الثجاج (12/ 254).
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فلم يردَّ علينا» أي: باللفظ. إرشاد الساري (2/ 349).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
ينبغي أن يُحمل الرد المنفي ها هنا على الرد بالكلام، لا الرد بالإشارة؛ لأن ابن مسعود نفسه قد روى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه رد عليه بالإشارة، ولو لم تَرِدْ عنه هذه الرواية لكان الواجب هو ذلك؛ جمعًا بين الأحاديث. نيل الأوطار (2/ 383).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وأما كيفية الإشارة: ففي المسند من حديث صهيب قال: «مررت برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي فسلَّمت فرد عليَّ إشارة» قال الراوي: "لا أعلمه إلا قال: إشارة بأصبعه"، وفي حديث ابن عمر في وصفه لردِّه -صلى الله عليه وسلم- على الأنصار: «أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: هكذا، وبسط جعفر بن عون -الراوي عن ابن عمر- كفَّه وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق».
فتحصَّل من هذا أنه يجيب المصلي بالإشارة إما برأسه، أو بيده، أو بأصبعه، والظاهر: أنه واجب؛ لأن الرد بالقول واجب، وقد تعذَّر في الصلاة، فبقي الرد بأيِّ ممكن، وقد أمكن بالإشارة، وجعله الشارع ردًّا، وسماه الصحابة ردًّا، ودخل تحت قوله تعالى: {أَوْ رُدُّوهَا} النساء: 86.
وأما حديث أبي هريرة أنه قال -صلى الله عليه وسلم-: «مَن أشار في الصلاة إشارة تفهم عنه فلْيُعِدْ صلاته» ذكره الدارقطني، فهو حديث باطل؛ لأنه من رواية أبي غطفان عن أبي هريرة، وهو رجل مجهول. سبل السلام (1/ 210-211).
قوله: «فقلنا: يا رسول الله، كُنا نُسَلِّم عليك في الصلاة فتردَّ علينا؟!»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقلنا» أي: بعد الصلاة: «يا رسول الله، كنا نسلِّم عليك في الصلاة» أي: قبل أن نهاجر إلى الحبشة «فتردَّ علينا؟». البحر المحيط الثجاج (12/ 254).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
«فتردَّ علينا» أي: تردَّ علينا السلام بالقول، فلماذا تركت ذلك؟ البحر المحيط الثجاج (12/ 254).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا كان منه -صلى الله عليه وسلم- إذ كان الكلام مباحًا في الصلاة في أول الأمر، كما قال زيد بن أرقم، ثم لما نُسخ ذلك امتنع ردُّ السلام نطقًا من المصلي، وغير ذلك من أنواع الكلام مع الغير. المفهم (2/ 146).
قوله: «فقال: إن في الصلاة شُغْلًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال ابن الملك: والشُّغل يصح أن يكون بمعنى الفاعل، يعني: أن في الصلاة شيئًا شاغلًا للمصلي بها، وأن يكون بمعنى المفعول، يعني: أن في الصلاة شيئًا يشتغل المصلي به. اهـ الكوكب الوهاج (8/ 132).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
قوله: «شغلًا» منعوت حُذف نَعْتُه، أي: شُغلًا مانعًا من الكلام وغيره مما لا يصلح فيها. السراج المنير شرح الجامع الصغير (2/ 106).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
التنكير فيه يحتمل: التنويع، يعني: إنَّ شغل الصلاة قراءة القرآن، والتسبيح، والدعاء، لا الكلام.
ويحتمل: التعظيم، أي: شُغلًا أيَّ شغل؟ لأنها مناجاة مع الله -تبارك وتعالى-، واستغراق في خدمته، فلا يصح الاشتغال بالغير. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 1069).
وقال النووي -رحمه الله-:
معناه: أن المصلي وظيفته أن يشتغل بصلاته، فيتدبَّر ما يقوله، ولا يعرِّج على غيرها، فلا يردَّ سلامًا ولا غيره. شرح صحيح مسلم (5/ 27).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ويُفهم منه: التفرغ للصلاة من جميع الأشغال، ومن جميع المشوشات، والإقبال على الصلاة بظاهره وباطنه. المفهم (2/ 146-147).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«إن في الصلاة شُغْلًا» أي: بالله وبمناجاته، فلا يصلح كلام البشر. الكوثر الجاري (3/ 244).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «إن في الصلاة شُغلًا» يعني: إن المصلي يشتغل بصلاته، ولا يعرِّج على سلامٍ ولا غيره، واكتُفي بذكر الموصوف عن الصفة، فكأنه قال: شُغلًا كافيًا أو مانعًا من الكلام وغيره. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (9/ 269).
قوله في رواية: «إن الله يُحْدِثُ مِن أَمْرهِ ما يشاء»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إن الله -عزَّ وجلَّ- يُحدث» -بضم الياء- من الإحداث. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (14/ 293).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إن الله تعالى يُحْدِث مِن أمرِه ما يشاء» لا مُغَيِّر لحُكمه وأمْرِه، أي: يُزيل حُكمًا كان عُمل به، ويأتي بحكم أحدث أعلى منه لنبيه -صلى الله عليه وسلم-. شرح سنن أبي داود (5/ 96).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«يُحدث من أمره ما يشاء» أي: يُظْهِر ويجدِّد من الأحكام ما يشاء. المنهل العذب المورود (6/ 21).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«مِن أَمْرِهِ» أي: شأنه أو أوامره. مرقاة المفاتيح (2/ 785).
قوله في رواية: «وإن الله -جلَّ وعزَّ- قد أحدث من أمره ألا تَكَلَّمُوا في الصلاة»:
قال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«قد أحدث» أي: جدَّدَ من الأحكام بأن نَسَخَ حِلَّ الكلام في الصلاة بقوله: «ناهيًا عنه». عون المعبود (3/ 136).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
إشارة إلى أنه شَرَع ذلك بعد أن لم يكن شَرَعه، ومنعه بعد أن لم يكن قد منعه. فتح الباري (9/ 291).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ألا تَكَلَّموا» أصله: تتكلموا، فحذفت إحدى التَّائين للتخفيف كما في ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ العلق: 14 أصله: تتلظى. شرح أبي داود (4/ 158).
وقال النووي -رحمه الله-:
أجمع العلماء على أن الكلام فيها عامدًا عالمًا بتحريمه بغير مصلحتها وبغير إنقاذها وشِبهه مبطل للصلاة. شرح صحيح مسلم (5/ 27).
قوله في رواية: «فردَّ عليَّ السلام»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فردَّ عليَّ السلام» هذا دليل على استحباب جواب السلام بعد الفراغ من الصلاة، وكذلك لو كان على قضاء الحاجة، أو قراءة القرآن وسلَّم عليه أحد، فإذا فرغ من ذلك الشغل يُستحب ردُّ السلام على من سلَّم عليه، ولا يجب؛ لأن السلام في هذه الأحوال غير مسنون. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 188).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «فردَّ عليَّ السلام» يقتضي جواز الرد مع الفصل، وأن الشغل المانع عن الرد لا يمنع الرد أصلًا، وإنما يمنع عن كون الرد فورًا، وهذا هو الموافق لردِّه -صلى الله تعالى عليه وسلم- عليه حال الاشتغال ببعض الحاجة، فإنه -صلى الله تعالى عليه وسلم- قد ردَّ عليه بعد التتميم، وقول البيهقي في المعرفة: في ثبوت رد السلام بعد فراغه نظر؛ لأن في إسنادها عاصم ابن أبي النجود، وهو مختلف فيه، وحديث غيره ليس فيهما ذلك. اهـ، لا يخفى ما فيه؛ فإنها زيادة مؤيّدة لا يعارضها شيء، وجواز الرد بالإشارة لا يمنع جوازه بالقول مع التأخير، والله تعالى أعلم، والأقرب: أن المار يُرَدُّ عليه بالإشارة، والواقف يؤخَّر، والله تعالى أعلم. فتح الودود (1/ 547).
قوله في لفظ: «ألا تَكَلَّمُوا إلا بذكر الله»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فبين آخر الحديث أن ذكر الله تعالى ليس ممنوعًا، والدعاء من ذكر الله تعالى، وإنما الممنوع هو ما كان من كلام الناس، كأن ينادي رجلًا وهو في الصلاة، أو يطلب حاجة من الناس وهو فيها. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (14/ 114).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
«إلا بذكر الله» من التكبير، والتسبيح، والتحميد، وقراءة القرآن. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (14/ 291).
قوله: «وما ينبغي لكم»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وما ينبغي لكم» مِن عطف العام على الخاص، أي: وإلا بما ينبغي لكم أن تتكلموا به في الصلاة، كالدعاء. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (14/ 291).
قوله: «وأن تقوموا لله قانتين»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وأن تقوموا لله» عَطف على «ألَّا تَكَلَّمُوا»، أي: وأحدث أن تقوموا في صلاتكم لله «قانتين» أي: ساكتين عما لا ينبغي لكم من الكلام، وهذا الحديث تفسير لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ البقرة: 238. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (14/ 291).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
قيل: معناه: مطيعين، وقيل: ساكنين، وقيل: ساكتين، وهو أنسب المعاني للمراد. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (3/ 147).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
القُنوت في كتاب الله تعالى وحديث نبيه المصطفي -صلى الله عليه وسلم- ولسان العرب لفظةٌ منصرفة تكون بمعنى: الطاعة، وبمعنى: السكوت، وقيل: هذان في الآية، والحديث يشهد للسكوت، وقيل: القنوت طول القيام، وقيل ذلك في قوله: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ} الزمر: 9، وفي الحديث: «أفضل الصلاة طول القنوت»، وقيل: الخشوع، وقيل: الدعاء، وقيل: الإقرار بالعبودية، وقيل: الإخلاص، وقيل: أصله الدوام على الشيء، وإذا كان هذا أصله فمُديم الطاعة قانت، وكذلك الداعي والقائم في الصلاة والمخْلِص فيها والساكت فيها كلهم فاعلون للقنوت، وفي الحديث: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَنَتَ شهرًا يدعو على قبائل من العرب»، أي: أدام الدعاء عليهم والقيام له. إكمال المعلم (2/ 468-469).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
القنوت ...: الطاعة والخشوع لله تعالى، فينبغي ترك الكلام المنافي للخشوع، إلا أن يكون الكلام في إصلاح الصلاة؛ فإنه من الخشوع؛ لأنه في تصحيح ما هو فيه من أمر صلاته. شرح صحيح البخاري (3/ 187).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
أصح الأقوال في معنى القنوت هو السكوت؛ لحديث زيد بن أرقم -رضي الله عنه- المتقدم، ولهذا الحديث، والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (14/ 291).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
والحديث استُدل به على كراهة ابتداء السلام على المصلي؛ لكونه ربما شغل بذلك فكره واستدعى منه الرد، وهو ممنوع منه، وبذلك قال جابر وعطاء والشعبي ومالك في رواية ابن وهب، وقال في المدونة: لا يُكره، وبه قال أحمد والجمهور. مرعاة المفاتيح (3/ 345).
وقال البغوي -رحمه الله-:
اختلف أهل العلم في ردِّ السلام في الصلاة، روي عن أبي هريرة أنه كان إذا سُلِّم عليه وهو في الصلاة ردَّه حتى يُسمع، وعن جابر نحو ذلك، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، وقتادة كانوا لا يرون به بأسًا، وأكثر الفقهاء على أنه لا يَرد، فلو ردَّ باللسان بطل صلاته، ويشير بيده. شرح السنة (3/ 236).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أجمع العلماء أن المصلي لا يرد السلام متكلمًا، واختلفوا هل يرد بالإشارة، فكرهته طائفة، روي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، واحتج الطحاوي لأصحابه بقوله: «فلم يردَّ عليَّ، وقال: إن في الصلاة شغلًا»، واختَلف فيه قول مالك، فمرة كرهه، ومرة أجازه، وقال: لِيَرُدَّ مُشيرًا بيده وبرأسه، ورخَّصت فيه طائفة، روي ذلك عن سعيد بن المسيب، وقتادة، والحسن.
وفيه قول ثالث: وهو أنه يردّ عليه إذا فرغ من الصلاة، روي ذلك عن أبي ذر، وأبي العالية، وعطاء، والنخعي، والثوري، واحتج الذين رخَّصوا في ذلك بما رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين، قال: «لما قدم عبد الله من الحبشة، وأتى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي، فسلم عليه، فأومأ وأشار برأسه»، قال: حدثنا ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر قال: «سألت صهيبًا، كيف كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصنع حين يُسَلَّم عليه وهو يصلي؟ قال: يشير بيده»، وعن ابن عمر «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أتى قباء، فجاء الأنصار يُسلِّمون عليه وهو يصلي، فأشار إليهم بيده»، وقال عطاء: سلم رجل على ابن عباس وهو يصلي، فأخذ بيده فصافحه وغمزه، وقد ثبتت الإشارة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة في آثار كثيرة، ذكرها البخاري في آخر كتاب الصلاة، فلا معنى لقول مَن أنكر رد السلام بالإشارة. شرح صحيح البخاري (3/ 207).
وقال النووي -رحمه الله-:
لا تبطل الصلاة بالإشارة ونحوها من الحركات اليسيرة، وأنه ينبغي لمن سلَّم عليه ومنعه مِن رد السلام مانع أن يعتذر إلى المسلم، ويذكر له ذلك المانع. شرح صحيح مسلم (5/ 27).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلفوا في السلام على المصلي، فكره ذلك قوم، وروي عن جابر بن عبد الله، قال: لو دخلتُ على قوم وهم يصلُّون ما سلمتُ عليهم، وقال أبو مجلز: السلام على المصلي عجز، وكرهه عطاء، والشعبي، ورواه ابن وهب عن مالك، وبه قال إسحاق، ورخَّصت فيه طائفة، روي ذلك عن ابن عمر، وهو قول مالك في المدونة، وقال: لا يُكره السلام على المصلي في فريضة ولا نافلة، وفعله أحمد بن حنبل. شرح صحيح البخاري (3/ 207-208).
وقال ابن بطال -رحمه الله-أيضًا:
وقد أجاز الكلام في الصلاة عمدًا وسهوًا لمصلحتها طائفة، منهم مالك والأوزاعي، ومنع ذلك الكوفيون. شرح صحيح البخاري (3/ 187-188).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان تحريم الكلام في الصلاة.
ومنها: أن فيه دلالة على أن الكلام كان مباحًا في الصلاة، ثم حُرِّم.
ومنها: جواز السلام على من يصلي؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يُنكر على من سلَّم عليه، وهو في الصلاة، وإنما ترك الرد عليه.
ومنها: مشروعية رد السلام في الصلاة بالإشارة؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- رد بها.
ومنها: أن الإشارة بالسلام لا تُبطل الصلاة خلافًا لأبي حنيفة، والحديث يرد عليه.
ومنها: استحباب رد السلام باللفظ بعد الصلاة، وإن ردَّ فيها بالإشارة؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- رد على ابن مسعود في الصلاة بالإشارة، وبعدها باللفظ، ففي رواية أبي داود من طريق عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: «كنا نسلِّم في الصلاة...» الحديث، وفي آخره: «فردَّ عليَّ السلام».
ومنها: بيان أن الواجب في الصلاة اشتغال المصلي بقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، ولا يشتغل بما ينافيها، من السلام على الناس، ورد سلامهم، وتشميت العاطس، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (12/ 258).
ويُنظر فتوى اللجنة الدائمة في الجمع بين أحاديث النهي عن الكلام في الصلاة وأحاديث الرد بالإشارة.