«يَعْقِد الشيطان على قافيةِ رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقَد، يَضْرب كُل عُقْدَة عليك ليلٌ طويلٌ فارقد، فإنْ استيقظ فذَكَر الله انْحَلَّتْ عُقْدَة، فإن توضأ انْحَلَّتْ عُقْدَة، فإن صلى انْحَلَّتْ عُقْدَة، فأصبح نَشِيْطًا طيب النفس، وإلا أَصبح خبيث النفس كسلان».
رواه البخاري برقم: (1142)، ومسلم برقم: (776)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«يَعْقِد»:
عَقَدْتُ الحبل عَقْدًا... فانعقد، والعُقدة: ما يمسكه ويُوْثِقه. المصباح المنير، للفيومي (2/ 421).
قال ابن فارس -رحمه الله-:
العين، والقاف، والدال، أصل واحد، يدل على شَدٍّ وشِدَّةٍ وثُوْقٍ. مقاييس اللغة (4/ 86).
«قافية»:
القَفَا مقصور: مُؤَخّر العنق. المصباح المنير، للفيومي (2/ 512).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
القافية: القفا، وقيل: قافية الرأس: مؤخره، وقيل: وسطه. النهاية (4/ 94).
«انْحَلَّتْ»:
انحلت: انفتحت، وانفكَّت. تاج العروس، للزبيدي (28/ 331).
شرح الحديث
قوله: «يَعْقِد»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «يعقِدُ» بكسر القاف، أي: يشد، ويربط. مرعاة المفاتيح (4/ 209).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وأما عَقْدُ الشيطان على قافية رأس ابن آدم إذا رقد فلا يوصل إلى كيفية ذلك، وأظنه كناية عن جنس الشيطان، وتثبيطه للإنسان على قيام الليل وعمل البر.
وقيل: إنها كعُقَدِ السِّحْرِ، من قول الله تعالى: {النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} الفلق 4. الاستذكار (2/ 375).
وقال النووي -رحمه الله-:
قيل: هو عَقْدٌ حقيقي بمعنى عقد السحر للإنسان ومنعه من القيام قال الله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} الفلق: 4، فعلى هذا هو قولٌ يقوله يؤثِّر في تثبيط النائم كتأثير السحر. شرح صحيح مسلم (6/ 65).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فَهِمَ بعضهم من هذا أن العُقد لازمة، ويردُّه التصريح بأنها تَنْحَلُّ بالصلاة، فيلزم إعادة عَقْدِها، فأُبهم فاعله في حديث جابر، وفُسِّر في حديث غيره.
وقيل: هو على المجاز، كأنه شبَّه فعل الشيطان بالنائم بفعل الساحر بالمسحور، فلما كان الساحر يمنع بعَقْدِهِ ذلك تصرف من يحاول عقده كان هذا مثله من الشيطان للنائم.
وقيل: المراد به عَقْدُ القلب وتصميمه على الشيء، كأنه يوسوس له بأنه بقي من الليلة قطعة طويلة، فيتأخر عن القيام، وانحلال العُقَد كناية عن علمه بكذبه فيما وسوس به.
وقيل: العُقَد كناية عن تثبيط الشيطان للنائم بالقول المذكور، ومنه: عَقَدْتُ فلانًا عن امرأته، أي: منعته عنها، أو عن تثقيله عليه النوم، كأنه قد شد عليه شدادًا. فتح الباري (3/ 25).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
لا يخفى على البصير أن الصواب حمل الحديث على ظاهره، فعَقْدُ الشيطان على قافيته عَقْدٌ ظاهر لا مجاز، فكما يعقد الساحر الحبل على المسحور، كذلك الشيطان يعقد العُقد الثلاث على قافية النائم، فتبصر، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (16/ 140).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وهل العقد في شعر الرأس، أو في غيره؟
الأقرب الثاني؛ إذ ليس لكل أحد شَعر، ويؤيده ما ورد في بعض طرقه: «أن على رأس كل آدمي حبلًا» ففي رواية ابن ماجه، ومحمد بن نصر، من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: «على قافية رأس أحدكم حبلٌ فيه ثلاث عقد»، ولأحمد من طريق الحسن، عن أبي هريرة بلفظ: «إذا نام أحدكم عقد على رأسه بجرير (أي: حبل)»، ولابن خزيمة وابن حبان من حديث جابر مرفوعًا: «ما من ذكرٍ ولا أنثى إلا على رأسه جريرٌ معقودٌ حين يرقد» الحديث، وفي الثواب لآدم بن أبي إياس، من مرسل الحسن نحوه، والجرير بفتح الجيم هو الحبل. فتح الباري (3/ 25).
قوله: «الشيطان»:
قال العراقي -رحمه الله-:
الظاهر أن المراد بالشيطان هنا: جنس الشيطان، ولا يُراد بذلك الشيطان الأكبر، وهو إبليس. طرح التثريب (3/ 83).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «الشيطان» كأن المراد به الجنس، وفاعل ذلك هو القرين أو غيره.
ويحتمل: أن يراد به رأس الشياطين، وهو إبليس، وتجوز نسبة ذلك إليه لكونه الآمر به الداعي إليه، ولذلك أورده المصنف (أي: البخاري) في باب صفة إبليس من بدء الخلق. فتح الباري (3/ 24).
قوله: «على قافية رأس أحدكم»:
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
القافية مؤخر الرأس، وهو القذال، وقافية كل شيء آخره، ومنه قيل في أسماء النبي -صلى الله عليه وسلم-: المقفِّي؛ لأنه آخر الأنبياء، ومنها أُخذت قوافي الشعر؛ لأنها أواخر الأبيات. الاستذكار (2/ 375).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «قافية رأس أحدكم» أي: مؤخر عنقه. فتح الباري (3/ 24).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وفيه العقل والفَهم، فعَقْدُه فيه إثباته في فهمه أنه بقي عليه ليل طويل. شرح صحيح البخاري (3/ 135).
وقال السندي -رحمه الله-:
ولعل ذلك يكون سببًا لثقل النوم يمنع الإنسان من رفع الرأس عن موضعه في حالة النوم، ولذلك خصَّ القافية؛ لأن الثقل فيها أشد منعًا للرأس من الرفع. كفاية الحاجة (1/ 399).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الأَولى عدم الخوض في مثل هذا؛ إذ لم يأتِ من الشارع تحقيق ذلك، فلْيُسَلَّم له علم حقيقته، ولنكتفِ بظاهر ما صح لدينا، وهو ضرب الشيطان على قافية رأس النائم، ففيه السلامة من القول بلا علم، قال الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} الآية الإسراء: 36. البحر المحيط الثجاج (16/ 141).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أحدكم» التعميم في المخاطبين، ومن في معناهم، ويمكن أن يخص منه من تقدم ذكره، ومن ورد في حقه أنه يحفظ من الشيطان كالأنبياء، ومن تناوله، قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} الحجر: 42، وكمن قرأ آية الكرسي عند نومه، فقد ثبت أنه يُحفظ من الشيطان حتى يصبح. فتح الباري (3/ 24).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
قد يُظن أن بين هذا الحديث والحديث الآتي في الوكالة من حديث أبي هريرة الذي فيه أنَّ قارئ آية الكرسي عند نومه لا يقربه الشيطان معارضة، وليس كذلك؛ لأن العقد إنْ حُمل على الأمر المعنوي والقُرب على الأمر الحسي، وكذا العكس فلا إشكال؛ إذ لا يلزم مِن سِحْرِه إياه مثلًا أن يَمَاسَّه كما لا يلزم من مُمَاسَّتِه أن يَقْرَبَهُ بسرقة أو أذى في جسده ونحو ذلك، وإن حُملا على الْمَعْنَوِيَّيْنِ أو العكس فيجاب بادعاء الخصوص في عموم أحدهما، والأقرب أن المخصوص حديث الباب كما تقدم تخصيصه عن ابن عبد البر بمن لم ينو القيام، فكذا يمكن أن يقال: يختص بمن لم يقرأ آية الكرسي لطرد الشيطان، والله أعلم. فتح الباري (3/ 27).
قوله: «إذا هو نام»:
قال الباجي -رحمه الله-:
لما قال -صلى الله عليه وسلم-: «إذا هو نام» كأنَّ ظاهره أنَّ عَقْدَهُ إنما يكون عند النوم. المنتقى شرح الموطأ (1/ 315).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
ظاهر لفظ الحديث: أنه يَعقد على رأس كلِّ مَن نام، فيدخل فيه من يصلي ومن لا يصلي، وتبويب البخاري عليه يدل على أن العقد على من لم يصلِّ، فإنه قال: "باب عَقْدِ الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصلِّ بالليل"، وقد اعترض عليه الماوردي، وتأوَّل تبويبه على إرادة استدامة العقد إنما يكون على مَن ترك الصلاة، وجعل مَن صلَّى وانحلَّت عُقَدُه كمن لم يعقد عليه؛ لزوال أثره. شرح سنن أبي داود (6/ 449).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن التين وغيره: قوله (يعني: البخاري): "إذا لم يصلِّ" مخالف لظاهر حديث الباب؛ لأنه دال على أنه يعقد على رأس من صلى ومن لم يصلِّ، لكن من صلى بعد ذلك تنحلُّ عُقَدُه بخلاف من لم يصلِّ.
وأجاب ابن رشيد: بأن مراد البخاري باب بقاء عقد الشيطان إلخ، وعلى هذا فيجوز أن يقرأ قوله: "عَقْدِ" بلفظ الفعل، وبلفظ الجمع، ثم رأيت الإيراد بعينه للمازري، ثم قال: وقد يُعتذر عنه بأنه إنما قصد من يُستدام العقد على رأسه بترك الصلاة، وكأنه قدَّر من انحلت عُقَدُه كأن لم تعقد عليه انتهى.
ويحتمل: أن تكون الصلاة المنفية في الترجمة صلاة العشاء، فيكون التقدير: إذا لم يصلِّ العشاء، فكأنه يرى أن الشيطان إنما يفعل ذلك بمن نام قبل صلاة العشاء، بخلاف من صلاها، ولا سيما في الجماعة، وكأن هذا هو السرُّ في إيراده لحديث سمرة عَقِبَ هذا الحديث، لأنه قال فيه: «وينام عن الصلاة المكتوبة»، ولا يعكِّر على هذا كونه أورد هذه الترجمة في تضاعيف صلاة الليل؛ لأنه يمكن أن يُجاب عنه بأنه أراد دفع توهم من يحمل الحديثين على صلاة الليل؛ لأنه ورد في بعض طُرق حديث سمرة مطلقًا غير مقيد بالمكتوبة، والوعيد علامة الوجوب، وكأنه أشار إلى خطأ مَن احتج به على وجوب صلاة الليل حملًا للمطلق على المقيد، ثم وجدتُ معنى هذا الاحتمال للشيخ ولي الدين الملوي، وقوَّاه بما ذكرته من حديث سمرة، فحمدتُ الله على التوفيق لذلك، ويقوِّيه ما ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ من صلى العشاء في جماعة كان كمن قام نصف ليلة»؛ لأن مسمى قيام الليل يحصل للمؤمن بقيام بعضه، فحينئذ يصدق على من صلى العشاء في جماعة أنه قام الليل، والعُقد المذكورة تنحل بقيام الليل، فصار من صلى العشاء في جماعة كمن قام الليل في حلِّ عُقَدِ الشيطان، وخفيت المناسبة على الإسماعيلي فقال: ورفْضُ القرآن ليس هو ترك الصلاة بالليل، ويتعجب من إغفاله آخر الحديث حيث قال فيه: «وينام عن الصلاة المكتوبة»، والله أعلم. فتح الباري (3/ 24).
قوله: «ثلاث عُقَد»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
العُقَد بضم العين، وفتح القاف، جمع عُقْدَة، بسكون القاف. مرعاة المفاتيح (4/ 210).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
المراد بها: عُقَدُ الكَسَلِ، أي: يحمله الشيطان عليه. شرح المصابيح (2/ 161).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
التقييد بالثلاث: إما للتأكيد، أو لأن الذي تنحلُّ به عُقدته ثلاثة أشياء: الذِّكر، والوضوء، والصلاة، فكأنَّ الشيطان منعه عن كل واحد منها بعُقدة عقدها على قافيته. تحفة الأبرار (1/ 362).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وإنما خَصَّ العُقد بثلاث؛ لأن أغلب ما يكون انتباه النائم في السَّحَر، فإنْ اتفق له أن يستيقظ ويرجع للنوم ثلاث مرات لم تتقضَّ النومة الثالثة في الغالب إلا والفجر قد طلع، والله أعلم. المفهم (2/ 409).
قوله: «يَضْرب كل عُقْدَة»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «يضرب» أي: يُلقي الشيطان، مِن ضَرَبَ الشبكة على الطائر: ألقاها عليه. لمعات التنقيح (3/ 331).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «يضرب» أي: بيده على العُقدة تأكيدًا وإحكامًا لها، قائلًا ذلك، وقيل: معنى يضرب: يحجب الحسَّ عن النائم حتى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ} الكهف: 11، أي: حَجَبْنَا الحسَّ أن يَلِجَ في آذانهم فينتبهوا، وفي حديث أبي سعيد: «ما أحد ينام إلا ضرب على سِمَاخِهِ بجرير (أي: حبل) معقود» أخرجه المخلص في فوائده، والسِّمَاخ بكسر المهملة، وآخره معجمة، ويقال: بالصاد المهملة بدل السين، وعند سعيد بن منصور بسند جيد، عن ابن عمر: «ما أصبح رجل على غير وتر إلا أصبح على رأسه جريرٌ قدر سبعين ذراعًا». فتح الباري (3/ 25).
قوله: «عليك ليل طويل فارقد»:
قال النووي -رحمه الله-:
«عليك ليل طويل» بالرفع، أي: بقي عليك ليل طويل. شرح صحيح مسلم (6/ 65).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وعلى كل تقدير فهذه الجملة معمول لقول محذوف، أي: يقول الشيطان للنائم هذا الكلام.
ويحتمل: أن يكون قوله: «ليلًا طويلًا» منصوب على الظرف، أي: يضرب مكان كل عقدة في ليل طويل.
وقوله: «عليك» يحتمل: حينئذٍ أن يكون متعلقًا بقوله: «يضرب».
ويحتمل: أن يكون صفة لكل عُقدة، ويدل لهذا قوله في رواية النسائي: «يضرب على كل عقدة ليلًا طويلًا» أي: ارقد. طرح التثريب (3/ 84).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
ويجوز أن يكون ارتفاع «ليل» بفعلٍ محذوف، أي: بقي عليك ليل طويل، وعلى هذا كان الفاء في قوله «فارقد» رابطة شرط مقدر، أي: وإذا كان كذلك فارقد ولا تعجل بالقيام، ففي الوقت مُتَّسع. مرعاة المفاتيح (4/ 209).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «عليك ليل طويل فارقُد» حال بتقدير القول، أي: قائلًا هذا الكلام بلسان الحال أو المقال، ويجوز أن يكون معنى «يضرب» إلخ، يُثْبِت ويُقَرر في مكان كل عقدة هذا الكلام؛ بأن يجعل كل عقدة وسيلة إلى حصول مضمون هذا الكلام في الأوهام. فتح الودود (2/ 63).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«عليك ليل طويل» يعني: يُحبِّبُ النوم إليه، ويقول له كلما أراد أن يقوم: ارقد، فإن الليل طويل، وليس وقت القيام بعد، فيأمره بالرقود. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 270).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
ومتى ما انتبه الإنسان، وقد أخذ حظًّا من نومه يكفيه فلا ينبغي له أن يتعلل عن القيام، فإنه ربما أخذه النوم إلى الفجر، وقد كان سفيان الثوري يقول: إذا انتبهتُ لم أَقِلْ نفسي، وكان آخر من العُبَّاد يقول: إذا انتبهت ثم عدت أنام فلا أنام الله عيني. كشف المشكل (3/ 513).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ذِكْرُ الليل في قوله: «عليكَ ليلٌ» ظاهره اختصاص ذلك بنوم الليل، وهو كذلك، لكن لا يبعد أن يجيء مثله في نوم النهار، كالنوم حالة الإبراد مثلًا، ولا سيما على تفسير البخاري من أن المراد بالحديث الصلاة المفروضة. فتح الباري (3/ 27).
قوله: «فإن استيقظ فذكر الله انْحَلَّتْ عُقْدَة»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فإن استيقظ» أي: من نوم الغفلة «فذكر الله» بأيِّ ذكر كان، لكن المأثور أفضل. مرعاة المفاتيح (4/ 210).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
لا يتعين للذِّكْرِ شيء مخصوص لا يجزئ غيره، بل كل ما صَدَقَ عليه ذكر الله أجزأ، ويدخل فيه تلاوة القرآن، وقراءة الحديث النبوي، والاشتغال بالعلم الشرعي، وأولى ما يذكر به... («مَن تعارَّ من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له»)، ويؤيده ما عند ابن خزيمة من الطريق المذكورة: «فإنْ تعَارَّ من الليل فذَكَر الله». فتح الباري (3/ 28).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
الأذكار المأثورة فيه كقراءة: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} آل عمران: 190، وقيل ذلك نحو: «الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني» وغير ذلك مما هو معلوم في مظنته. شرح سنن أبي داود (6/ 450).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «فإذا استيقظ فذكَر الله انحلَّت عُقدةٌ» ثم ذكر مثل ذلك إذا توضأ، ثم مثله إذا صلى على ما تقدم إمَّا حَلُّ عُقدة السِّحر، أو اعتقاد طول الليل، أو انحلال ما نزع له به الشيطان وكفايته إياه. إكمال المعلم (3/ 142).
قوله: «فإن توضأ انْحَلَّتْ عُقْدَة»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«انْحَلَّتْ» أي: انفتحت عقدة. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 271).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
إنما خص الوضوء بالذكر؛ لأنه الغالب، وإلا فالجُنب لا يحِلُّ عُقدته إلا الاغتسال، وهل يقوم التيمم مقام الوضوء أو الغسل لمن ساغ له ذلك؟ محل بحث، والذي يظهر إجزاؤه، ولا شك أن في مُعَانَاةِ الوضوء عونًا كبيرًا على طرد النوم لا يظهر مثله في التيمم. فتح الباري (3/ 28).
قوله: «فإن صلى انْحَلَّتْ عُقْدَة»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
المراد بالصلاة هنا: الفريضة، قاله ابن التين، قال: وقيل: النافلة، واحتج له بالحديث الذي بعد هذا: «بالَ الشيطان في أذنه». التوضيح لشرح الجامع الصحيح (9/ 90).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقد اختلفت الرواية في الحرف الآخر بعد قوله: «فإذا صلى انحلت عقدةٌ» هل على الإفراد كالذي قبله أو «عُقَدَه» على الجمع، ومعناهما واحد؛ لأن بانحلال العقدة الآخرة انحلت جميع العُقد، كما رواه مسلم: «انحلت العُقدُ». إكمال المعلم (3/ 142).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ظاهره: أن العُقد تَنْحَلُّ كلها بالصلاة خاصة، وهو كذلك في حق من لم يحتج إلى الطهارة، كمن نام مُتَمَكِنًا مثلًا ثم انتبه، فصلى مِن قَبل أن يذكر أو يتطهر، فإن الصلاة تجزئه في حلِّ العُقد كلها؛ لأنها تستلزم الطهارة، وتتضمَّن الذِّكْر، وعلى هذا فيكون معنى قوله: «فإذا صلى انحلت عُقَدُه كلها» إن كان المراد به من لا يحتاج إلى الوضوء فظاهر على ما قررناه، وإن كان من يحتاج إليه فالمعنى: انحلَّت بكل عقدة، أو انحلت عقده كلها بانحلال الأخيرة التي بها يتم انحلال العقد، وفي رواية أحمد المذكورة قبل: «فإنْ قام فذكر الله انحلَّت واحدة، فإن قام فتوضأ أُطلقت الثانية، فإن صلى أُطلقت الثالثة» وهذا محمول على الغالب، وهو من ينام مضطجعًا فيحتاج إلى تجديد الطهارة عند استيقاظه، فيكون لكل فعل عقدة يحلها. فتح الباري (3/ 26).
وقال الباجي -رحمه الله-:
يريد أنَّ بذكر الله تعالى وبالوضوء وبالصلاة تنحل عُقَدُ الشيطان كلها، وينجو المسلم من كيده، ومن شر عُقَدِه، فيصبح نشيطًا قد انحلَّت عنه عقد الشيطان التي تُكسِّله. المنتقى شرح الموطأ (1/ 315).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وإن قلت: لكن هل يحصل انحلال عقدة الشيطان الأخيرة بمجرد الشروع في الصلاة أو بتمامها؟
الظاهر الثاني، فإنه لو أفسدها قبل تمامها لم يحصل بذلك غرض، ورأيت والدي -رحمه الله- لما سُئل عن الحكمة في افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين، أجاب عن ذلك: بأن الحكمة فيه استعجال حَلِّ عُقد الشيطان، وهو معنى حسن بديع، ومقتضاه ما رجحته من أنه لا يحصل ذلك إلا بتمام الصلاة، ولا يخدش في هذا المعنى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مُنَزَّه عن عَقد الشيطان على قافيته؛ لأنا نقول: إنه -عليه الصلاة والسلام- فعل ذلك تشريعًا لأمته؛ ليقتدوا به، فيحصل لهم هذا المقصود، والله أعلم. طرح التثريب (3/ 85).
قوله: «فأصبح نَشِيْطًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فأصبح» أي: دخل في الصباح أو صار «نشيطًا»، أي: للعبادة. مرقاة المفاتيح (3/ 921).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«وأصبح نشيطًا» لسروره بما وفقه الله من الطاعة. الكواكب الدراري (6/ 196).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فأصبح نشيطًا» أي: نشيطًا لما يَرِدُ عليه من عبادات أُخر من صلوات وغيرها، فإنه يألف العبادات ويعتادها، حتى تصير له شُربًا، فتذهب عنه مشقتها، ولا يستغني عنها. المفهم (2/ 409).
قوله: «طيِّب النفس»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
و«طيِّب النفس» لِمَا بارك الله له في نفسه وتصرفه في كل أموره. الكواكب الدراري (6/ 196).
وقال الباجي -رحمه الله-:
«طيِّب النفس» بما عمِل في ليله مِن عمل البر. المنتقى شرح الموطأ (1/ 315).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«طيِّب النفس» لأنه مسرور بما قدَّم، مستبشر بما وعده الله من الثواب والغفران. شرح صحيح البخاري (3/ 135).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«طيِّب النفس» لرجاء ثواب ما فعل، ولانشراح صدره بما يستقبل، والله أعلم. المفهم (2/ 409).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
لأنه يَخْلَصُ من وثاق الشيطان، كمن تَخَلَّصَ مِن أَسْرِ العدو الذي وثَّقه بالحبائل وعَقَد عليها. لمعات التنقيح (3/ 333).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «طيِّب النفس» أي لسروره بما وفقه الله له من الطاعة، وبما وعده من الثواب، وبما زال عنه من عُقد الشيطان كذا قيل، والذي يظهر أن في صلاة الليل سرًّا في طِيْبِ النفس، وإن لم يستحضر المصلي شيئًا مما ذكر، وكذا عكسه، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} المزمل: 6، وقد استنبط بعضهم منه أنَّ مَن فعل ذلك مرة ثم عاد إلى النوم لا يعود إليه الشيطان بالعَقد المذكور ثانيًا، واستثنى بعضهم ممن يقوم ويذكر ويتوضأ ويصلي مَن لم يَنهه ذلك عن الفحشاء، بل يفعل ذلك من غير أن يُقْلِع، والذي يظهر فيه التفصيل بين من يفعل ذلك مع الندم والتوبة والعزم على الإقلاع، وبين المصِرِّ. فتح الباري (3/ 26).
قوله: «وإِلَّا أَصْبَحَ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«وإلا» أي: وإن لم يفعل كذلك، بل أطاع الشيطان، ونام حتى تفوته صلاة الصبح. شرح المصابيح (2/ 160).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
الظاهر حتى تفوته صلاة التهجد. مرقاة المفاتيح (3/ 921).
قوله: «خبيث النفس»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
«خبيث النفس» أي: مهمومًا بجواز كيد الشيطان عليه. شرح صحيح البخاري (3/ 135).
وقال الباجي -رحمه الله-:
«وإلا أصبح خبيث النَّفس» يريد متغيرًا قد تمكَّن منه الشيطان وثبَّت عليه عُقده وكسَّله عن النشاط في أعمال البِّر. المنتقى شرح الموطأ (1/ 315).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
و«خبيث النفس» لتركه ما كان اعتاده أو نواه من فعل الخير. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (6/ 197).
وقال النووي -رحمه الله-:
«وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» معناه: لِمَا عليه من عُقد الشيطان، وآثار تثبيطه واستيلائه، مع أنه لم يزل ذلك عنه. شرح صحيح مسلم (6/ 67).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «خبيث النفس» أي: بشؤم تفريطه، وبإتمام خديعة الشيطان عليه؛ إذ قد حمله على أنْ فاتَه الحظ الأوفر من قيام الليل. المفهم (2/ 409).
قوله: «كسلانَ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
و«كسلان» أي: متثاقل عن الخيرات، فلا يكاد تسخو نفسه، ولا تَخِفّ عليها صلاة، ولا غيرها من القربات، وربما يحمله ذلك على تضييع الواجبات. المفهم (2/ 409).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«وكسلان» ببقاء أثر تثبيط الشيطان عليه. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (6/ 197).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«كسلان» بتثبيط الشيطان له عما كان اعتاده من فعل الخير. شرح صحيح البخاري (3/ 135).
وقال النووي -رحمه الله-:
وظاهر الحديث: أن من لم يجمع بين الأمور الثلاثة وهي الذكر والوضوء والصلاة فهو داخل فيمن يصبح خبيث النفس كسلان. شرح صحيح مسلم (6/ 67).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وقد يقال: إذا جمع بين الأمور الثلاثة انتفى عنه خُبث النفس والكسل انتفاء كاملًا، وإذا أتى ببعضها انتفى عنه بعض خبث النفس والكسل بقدر ما أتى به منها، فليس عند مَن استيقظ فذكر الله مِن خبث النفس والكسل ما عند مَن لم يذكر الله أصلًا. طرح التثريب (3/ 88).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
مقتضى قوله: «وإلا أصبح...» أنه إن لم يجمع الأمور الثلاثة دخل تحت من يصبح خبيثًا كسلان، وإن أتى ببعضها، وهو كذلك، لكن يختلف ذلك بالقوة والخفة، فمَن ذَكَرَ الله مثلًا كان في ذلك أخف ممن لم يذكر أصلًا، وروينا في الجزء الثالث من الأول من حديث المخَلِّص في حديث أبي سعيد الذي تقدمت الإشارة إليه: «فإن قام فصلى انحلَّت العقد كلهن، وإن استيقظ ولم يتوضأ ولم يصلِ أصبحَت العُقد كلها كهيئتها». فتح الباري (3/ 26).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
هذا الذم يختص بمن لم يقم إلى صلاته وضيَّعها. فتح الباري (3/ 26-27).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما من كانت عادته القيام إلى صلاته المكتوبة، أو إلى نافلته من الليل فغلبته عينه، فقد جاء عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه يكتب له أجر صلاته، ونومه صدقة عليه. الاستذكار (2/ 376).
وقال الباجي -رحمه الله-:
ليس بين الحديثين اختلاف؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى المسلم أن يقول: خبثت نفسي؛ لما كان خبث النفس بمعنى: فساد الدين، والنبي -صلى الله عليه وسلم- وصف بعض الأفعال بذلك تحذيرًا عنها. المنتقى شرح الموطأ (1/ 315).
وقال النووي -رحمه الله-:
وليس في هذا الحديث مخالفة لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يقل أحدكم: خبثت نفسي»؛ فإن ذلك نهي للإنسان أن يقول هذا اللفظ عن نفسه، وهذا إخبار عن صفة غيره. شرح صحيح مسلم (6/ 67).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قلتُ: تقرير الإشكال أنه -صلى الله عليه وسلم- نهى عن إضافة ذلك إلى النفس، فكل ما نُهي المؤمن أن يضيفه إلى نفسه نُهي أن يضيفه إلى أخيه المؤمن، وقد وصف -صلى الله عليه وسلم- هذا المرء بهذه الصفة، فيلزم جواز وصفنا له بذلك لمحلِّ التأسي، ويحصل الانفصال فيما يظهر بأن النهي محمول على ما إذا لم يكن هناك حامل على الوصف بذلك، كالتنفير والتحذير. فتح الباري (3/ 27).
وقال العيني -رحمه الله-:
قيل: إن أبا بكر وأبا هريرة -رضي الله تعالى عنهما- كانا يوتِران أول الليل وينامان آخره؟
وأجيب: بأن المراد: الذي ينام ولا نية له في القيام، وأما من صلى من النافلة ما قُدِّرَ له ونام بنية القيام فلا يدخل في ذلك. عمدة القاري (7/ 194).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: دليل على أنَّ ذكر الله تعالى يُطْرَدُ به الشيطان، بالتلاوة والذكر والأذان مجتمع عليه معلوم. الاستذكار (2/ 375).
وقال الباجي -رحمه الله-:
وهذا يدل على أن نافلة الليل مشروعة مرغَّب فيها، وأن ذلك الوقت مقصود له. المنتقى شرح الموطأ (1/ 315).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: الترغيب في قيام الليل.
ومنها: بيان تسلُّط الشيطان على الإنسان، وحرصه على ألَّا يتقرب إلى ربه، فيصده عن ذكر الله، وعن الصلاة.
ومنها: بيان فضل ذكر الله تعالى، والوضوء، والصلاة؛ حيث تَنْحَلُّ بها العُقد التي يعقدها الشيطان على رأس الإنسان.
ومنها: بيان أن من اجتهد ودفع عن نفسه مكائد الشيطان فاز بالنفحات الربانية، فأصبح طيِّب النفس، نشيطًا، ومَن تقاعس عن ذلك ولم يجتهد فقد وافق مراد الشيطان، وابتعد عن تلك النفحات، فأصبح خبيث النفس، كسلان، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج، باختصار (16/ 146).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- فضل الذكر والدعاء عند الاستيقاظ من النوم ليلًا.
- فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في نصيحة لمن يبذل أسباب قيام الليل ولا يستيقظ وأثر العزيمة الصادقة.