«لا تقومُ الساعةُ حتى يَكْثُرَ المالُ ويَفِيضَ، حتى يَخْرُجَ الرجلُ بزكاةِ مالِهِ فلا يجدُ أحدًا يقبلُها منه، وحتى تعودَ أرضُ العربِ مُرُوجًا وأنهارًا».
رواه البخاري برقم: (1412) ومسلم برقم: (157) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ورواه البخاري برقم: (1412)، بلفظ: «لا تقوم الساعة حتى يكثُر فيكم المال، فيفيضُ حتى يُهِمَّ رَبُّ المال مَن يَقبل صدقتَه، وحتى يُعْرِضُه فيقول الذي يُعْرِضُه عليه: لا أَرَبَ لي».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«السَّاعةُ»:
هو يوم القيامة. النهاية، لابن الأثير (2/ 422).
«ويَفِيضَ»:
«يفيض المال» أي: يكثر، من قولهم: فاض الماء والدمع وغيرهما يفيض فيضًا: إذا كثر. النهاية، لابن الأثير (3/ 484).
«مُرُوجًا»:
المـَرْج: الأرض الواسعة ذات نبات كثير تَمْرُج فيه الدواب، أي: تُخَلَّى تَسرح مختلطة كيف شاءت. النهاية، لابن الأثير (4/ 315).
«أَرَبَ»:
الأَرَبُ الحاجة. يُقال: لا أَرَبَ لي في فلان: أي لا حاجة لي فيه. قال الله عز وجل: {غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} النور: 31
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «لا تقومُ الساعةُ حتى يَكْثُرَ المالُ ويَفِيضَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لا» نافية؛ ولذا رفع الفعل بعدها «تقوم الساعة» أي: القيامة... «حتى يكثر المال ويفيض» بفتح أوله وكسر ثالثه مِن فاض، من باب ضرب: أي: يكثر. البحر المحيط الثجاج (19/ 367).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«حتى يكثر فيكم المال فيفيض» بفاء وضاد معجمة، أي: حتى يكثر، فيَفْضُل منه بأيدي مُلَّاكِهِ ما لا حاجة لهم به، وقيل: بل ينتشر فيهم، ويعمّهم. مصابيح الجامع (3/ 69).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «فيفيض» بفتح أوله فسره أهل اللغة بأن معناه: يكثر، وحينئذٍ فيُشكل عطفه عليه في قوله: «حتى يكثر فيكم المال، فيفيض» والذي يظهر لي أنّ في الفيض زيادة على الكثرة...، فيَصْدُق كثرة المال بأن يكون على قدر الحاجة، ولا يَصْدُق فيضُه إلا بزيادة على ذلك، ويوافق ذلك قول الجوهري في الصحاح: فاض الماء أي: كَثُرَ حتى سال على ضفة الوادي، انتهى، فاعتبر فيه مع الكثرة زيادته عن قدر الوادي حتى يسيل على ضفته. طرح التثريب (4/ 26).
وقال العراقي -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «ويَفِيض المال» هو بفتح الياء، ومعناه: يكثر وتنزل البركات، وتتوالى الخيرات بسبب العدل وعدم التظالم، ولِمَا تُلْقِيه الأرض من الكنوز كما جاء في الحديث الصحيح. طرح التثريب (7/ 267).
قوله: «حتى يَخرجَ الرجلُ بزكاةِ مالِهِ فلا يجدُ أحدًا يقبلُها منه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى يُخْرِجَ» بضم الياء (كما في رواية)، أي: يُفْرِزَ «الرجلُ زكاةَ ماله، فلا يجد أحدًا يقبلها منه» أي: لكثرة المال، ولقلة الْمَيل إليه بتشوش الحال. مرقاة المفاتيح (8/ 3430).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فلا يجد أحدًا يقبلها منه» وذلك يكون لانعدام رغبة الناس في الأموال؛ لتعاقب أشراط الساعة، وظهور الأهوال. شرح المصابيح (5/ 538).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«حتى يَخرج الرجل بزكاة ماله» أي: ليدفعها لمستحقها «فلا يجد أحدًا يقبلها منه»؛ لاستغنائهم عنها. البحر المحيط الثجاج (19/ 368).
قوله: «وحتى تعودَ أرضُ العربِ مُرُوجًا وأنهارًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وحتى تعود أرض العرب» أي: تصير أو ترجع «مُرُوجًا»: بالضم، أي: رياضًا كما كانت بنباتاتها وأشجارها وأثمارها «وأنهارًا» أي: مياهًا كثيرة جارية في أنهارها.مرقاة المفاتيح (8/ 3430).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
اسم العرب في الأصل كان اسمًا لقوم جمعوا ثلاثة أوصاف:
أحدها: أنَّ لسانهم كان باللغة العربية.
الثاني: أنَّهم كانوا من أولاد العرب.
الثالث: أنَّ مساكنهم كانت أرض العرب، وهي: جزيرة العرب، التي هي من بحر القُلْزُم (المعروف الآن بالبحر الأحمر) إلى بحر البصرة (المعروف الآن بالخليج العربي)، ومن أقصى حجر باليمن إلى أوائل الشام، بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم، ولا تدخل فيها الشام، وفي هذه الأرض كانت العرب حين المبعث وقبله. اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 454).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وحتى تعود» أي: تصير «أرض العرب» التي هي قليلة النبات والماء «مُروجًا» أي: رياضًا ومزارع، بضم الميم جمع مَرْجٍ... «وأنهارًا» أي: مياهها كثيرة جارية في أنهارها، قيل: كانت أكثر أراضيهم أولًا مُروجًا وصحاري ذات مياه وأشجار فخربت، ثم تكون معمورة باشتغال الناس في آخر الزمان بالعمارة يدل عليه قوله: «حتى تعود»، وقال بعضهم: الْمَرْجُ هو الموضع الذي ترعى فيه الدواب. الكوكب الوهاج (12/ 48).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «حتى تعود أرض العرب مُروجًا وأنهارًا» أي: تنصرف دواعي العرب عن مقتضى عاداتهم من انتجاع الغيث (أي: طلبه) والارتحال في المواطن للحروب والغارات، ومن نخوة (عزة) النفوس العربية الكريمة الأبية إلى أن يتقاعدوا عن ذلك، فينشغلوا بغراسة الأرض وعمارتها، وإجراء مياهها، كما قد شوهد في كثير من بلادهم وأحوالهم. المفهم (3/ 57).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا» معناه -والله أعلم-: أنهم يتركونها ويعرضون عنها، فتبقى مهمَلة لا تُزرع ولا تُسقى من مِياهها؛ وذلك لقلة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقُرب الساعة، وقلة الآمال، وعدم الفراغ لذلك، والاهتمام به. المنهاج شرح صحيح مسلم (7/ 97).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
ما فسر به النووي هذا الحديث من أن المراد به تعطيل الأراضي، وعدم عمارتها مما لا يخفى بُعْدُه، بل الظاهر ما فسر به القرطبي في كلامه المذكور آنفًا؛ لأنه الذي يقتضيه ظاهر سياق الحديث.
وحاصله: أنَّ المراد إقبال العرب على استثمار أراضيها وإحيائها بإجراء الأنهار، وغرس الأشجار، وزرع الحبوب، وتركها ارتحالها وتنقلاتها من مكان إلى مكان؛ طلبًا للكلأ على ما هو المعتاد لها، فإنَّ هذا هو المطابق للواقع كما هو مشاهَد اليوم في المملكة العربية السعودية، وغيرها من البلاد العربية، ففيه عَلَمٌ من أعلام النبوة حيث وقع ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما أخبر، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (19/ 368- 369).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
قوله: «وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا» أي: تصير كذلك بعد قلة المياه فيها، وصعوبة استخراجها من الآبار، والواقع الآن شاهد بذلك، فقد فاضت العيون على وجه الأرض. توفيق الرب المنعم (3/ 146).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث والأحاديث بعده مما ورد في كثرة المال في آخر الزمان، وأن الإنسان لا يجد مَن يقبل صدقته: الحث على المبادرة بالصدقة، واغتنام إمكانها قبل تعذرها...، وسبب عدم قبولهم الصدقة في آخر الزمان لكثرة الأموال، وظهور كنوز الأرض، ووضع البركات فيها، كما ثبت في الصحيح بعد هلاك يأجوج ومأجوج، وقلة آمالهم، وقرب الساعة، وعدم ادخارهم المال، وكثرة الصدقات، والله أعلم. المنهاج شرح صحيح مسلم (7/ 96).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه: الإخبار بكثرة المال في آخر الزمان، وأن الإنسان لا يجد مَن يقبل صدقته حتى يحصل له من ذلك همٌّ...
وفيه: الحث على المبادرة بالصدقة، واغتنام إمكانها قبل تعذرها...
استدل به المصنف -رحمه الله- (يعني والده: العراقي الأب) على أنه إذا لم يجد مَن يَقبل صدقته فلا حرج عليه، وهو واضح الحكم والتعليل؛ إذ لم يقع منه تقصير ولا منع، لكن في استنباط ذلك من الحديث نظر؛ لأن غاية ما فيه الإخبار بأن هذا سيقع، أما كونه إذا وقع يكون صاحب المال مأثومًا أو غير مأثوم فليس فيه تعرض له. طرح التثريب (4/ 27- 28).
ولمزيد من الفائدة يُنظر: