«أنَّ رجلًا سأل النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- غَنَمًا بين جبلين، فأعطاه إيَّاه، فأتى قومه فقال: أيْ قومِ، أَسْلِموا، فوالله إن محمدًا ليُعطي عطاءً ما يخاف الفقر، فقال أنس: إنْ كان الرجل ليُسلِم ما يريد إلا الدُّنيا، فما يُسلِم حتى يكون الإسلام أحبَّ إليه من الدُّنيا وما عليها».
رواه مسلم برقم: (2312)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «أنَّ رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- غَنَمًا بين جبلين، فأعطاه إيَّاه»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فأعطاه غنمًا بين جبلين» يعني: ملء ما بين جبلين كانا هنالك، وكان هذا -والله أعلم- يوم حُنين؛ لكثرة ما كان هنالك من غنائم الإبل، والبقر، والغنم، والذراري؛ ولأن هذا الذي أُعطي هذا القدر كان من المؤلفة قلوبهم، ألا ترى أنه رجع إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام لأجل العطاء. المفهم (6/ 105).
وقال النووي -رحمه الله-:
«فأعطاهُ غنمًا بين جبلين» أي: كثيرة، كأنها تملأ ما بين جبلين. شرح صحيح مسلم (15/ 72).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أن رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- غنمًا بين جبلين» أي: قطعة غنم تملأ ما بينهما «أعطاه إياه» أي: مطلوبَه على وجهٍ تمنَّاه. مرقاة المفاتيح (9/ 3712).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«غنمًا بين جبلين»...، الكلام كناية عن الكثرة...، «فأعطاه إياه» كان الظاهر أن يقول: "إياها"؛ لأن الغنم اسم مؤنث، موضوع للجنس يقع على الذكور، وعلى الإناث، وعليهما جميعًا...، فتذكير الضمير في الحديث باعتباره قطيعًا، فالغنم: القطيع من العنز والضأن. فتح المنعم (9/ 152).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فجاءه» (كما في رواية) -صلى الله عليه وسلم- «رجل من المشركين» قال في نسيم الرياض: ذلك الرجل هو صفوان بن أمية الجُمحي القرشي...، له صحبة، وكُنيته أبو وهب، أسلم بعد يوم الفتح، وشهد حُنينًا والطائف وهو مشرك، فلما أعطاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الفيء ما ذكر قال: "أشهَد بالله ما طابت بهذا إلا نفسُ نبي، فأسلم" اهـ منه.
«فأعطاه» أي فأعطى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك الرجل «غنمًا» كثيرة؛ لكثرتها تكاد أن تملأ ما «بين جبلين» وكان ذلك العطاء من غنائم حنين.الكوكب الوهاج (23/ 122).
قوله: «فأتى قومه فقال: أيْ قومِ، أَسْلِموا، فوالله إن محمدًا ليُعطي عطاءً ما يخاف الفقر»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«فأتى» أي: الرجل قومه «فقال: أيْ قومِ» بكسر الميم، أصله قومي، حذفت الياء اكتفاء بالكسرة، و«أيْ» لنداء القريب «أسلموا، فوالله إن محمدًا ليعطي عطاءً ما يخاف الفقر». شرح المصابيح (6/ 232).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فأتى قومه» أي: متعجبًا من كرمه الدال على كمال توكُّله وزُهْدِه «فقال: أيْ قومِ» أي: يا قوم «أسلموا» أي: فإن الإسلام يهدي إلى مكارم الأخلاق «فوالله، إن محمدًا يعطي عطاءً» أي: عظيمًا «ما يخاف الفقر». مرقاة المفاتيح (9/ 3712).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «ما يخاف الفقر» يجوز أن يكون حالًا من ضمير «يعطي »، وأن يكون صفة لـ«عطاءً»، والتنكير فيه للتعظيم، أي: عطاءً ما يخاف الفقر معه... فإن قلت: كيف دل هذا الوصف على وجوب الإسلام؟
قلت: مقام ادعاء النبوة مع العطاء الجزيل يدل على وثوقه على من أرسله إلى دعوة الخلق، فإنَّ مِن جِبِلَّة الإنسان خوف الفقر، كما قال الله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} البقرة: 268. الكاشف (12/ 3703).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «إن محمدًا ليُعطي عطاءً ما يخاف الفقر» الرجل لما رأى منه -صلى الله عليه وسلم- شيئًا من جلاله وجماله، وما كان يبهر العقول من كماله، ثم رأى مثل هذا السخاء البالغ الجزيل، جاء يأمر القوم بالإسلام والدخول في ربقة طاعته، وأشار إلى أن طاعته تُورث سعادة الدنيا والآخرة. لمعات التنقيح (9/ 299).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا يخشى» ولا يخاف «الفاقة» (كما في لفظ) والفقر؛ لثقته بالله، وتوكله عليه يعطي جميع ما عنده، فلا يُبقي لنفسه شيئًا يدخر لها.
قال الأُبِّي: لم يأمرهم بالإسلام رغبة في الإعطاء، بل لظهور دليل صدقه -صلى الله عليه وسلم- عنده؛ لأن ادعاء النبوة مع جزيل العطاء يدل على وثوقه -صلى الله عليه وسلم- بمن أرسله؛ لأن الله تعالى هو الغني الذي لا يُعجزه شيء، اهـ، ويؤيد ما ذكره الأُبِّي: الرجل لا يخشى الفاقة، يعني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يخشى الفاقة؛ لكمال ثقته بالله تعالى، ومثل هذه الثقة لا تكاد تحصل لغير نبي، وكذلك يؤيده ما سيأتي من قوله: «أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي». الكوكب الوهاج (23/ 123).
قوله: «فقال أنس: إنْ كان الرَّجل ليُسلِم ما يريد إلا الدُّنيا، فما يُسلِم حتى يكون الإسلامُ أحبَّ إليه من الدُّنيا وما عليها»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «إنْ كان الرجل ليُسْلِم ما يريد إلا الدنيا» يعني: أنهم كان منهم من ينقادُ فيدخلُ في الإسلام؛ لكثرة ما كان يعطي النبي -صلى الله عليه وسلم- مَن يَتَأَلفه على الدخول فيه، فيكون قصده بالدخول فيه الدنيا، وهذا كان حال الطلقاء يوم حنين، وقوله: «فما يسلم حتى يكون الإسلام أحبَّ إليه من الدنيا وما عليها» ظاهر مساق هذا الكلام أن إسلامه الأول لم يكن إسلامًا صحيحًا؛ لأنَّه كان يبتغي به الدنيا، وإنما يصحُّ له الإسلام إذا استقر الإسلام بقلبه، فكان آثر عنده، وأحبّ إليه من الدنيا وما عليها، كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} التوبة: 24، وهذا معنى صحيح، ولكنه ليس بمقصود الحديث، وإنما مقصود أنس من الحديث: أن الرجل كان يدخل في دين الإسلام رغبة في كثرة العطاء، فلا يزال يُعطى حتى ينشرح صدره للإسلام، ويستقر فيه، ويتنوَّر بأنواره، حتى يكون الإسلام أحبَّ إليه من الدنيا وما فيها، كما صرَّح بذلك صفوان حيث قال: «والله لقد أعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحبُّ الناس إليَّ» وهكذا اتفق لمعظم المؤلفة قلوبهم. المفهم (6/105، 106).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «فقال أنس إن كان الرجل ليُسْلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها» هكذا هو في معظم النُّسخ: «فما يُسلم» وفي بعضها: «فما يمسي» وكلاهما صحيح، ومعنى الأول: فما يلبث بعد إسلامه إلا يسيرًا حتى يكون الإسلام أحبَّ إليه، والمراد: أنه يُظهر الإسلام أولًا للدنيا، لا بقصدٍ صحيح بقلبه، ثم من بركة النبي -صلى الله عليه وسلم- ونور الإسلام لم يلبث إلا قليلًا حتى ينشرح صدره بحقيقة الإيمان، ويتمكن من قلبه، فيكون حينئذ أحب إليه من الدنيا وما فيها. شرح صحيح مسلم (15/72- 74).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا (الحديث) مع ما بعده: إعطاء المؤلفة، ولا خلاف في إعطاء مؤلفة المسلمين، لكن هل يعطون من الزكاة؟ فيه خلاف، الأصح عندنا أنهم يعطون من الزكاة، ومن بيت المال، والثاني: لا يعطون من الزكاة، بل من بيت المال خاصة، وأما مؤلفة الكفار فلا يعطون من الزكاة، وفي إعطائهم من غيرها خلاف، الأصح عندنا: لا يعطون؛ لأن الله تعالى قد أعز الإسلام عن التألف، بخلاف أول الأمر، ووقت قلة المسلمين. شرح صحيح مسلم (15/ 72).
وقال السرخسي الحنفي -رحمه الله-:
فإن قيل: كيف يجوز أن يقال: بأنه يصرف إليهم (أي: المؤلفة من الكفار) وهم كفار؟
قلنا: الجهاد واجب على الفقراء من المسلمين والأغنياء؛ لدفع شر المشركين، فكان يدفع إليهم جزءًا من مال الفقراء؛ لدفع شرِّهم، وذلك قائم مقام الجهاد في ذلك الوقت، ثم سقط ذلك السهم بوفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. المبسوط (3/ 9).
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي -رحمه الله-:
وقد سقطت الحاجة إليهم (أي: المؤلفة قلوبهم) بحمد الله في هذا الوقت، فإنْ دعت الحاجة إليهم في بعض الأوقات جاز أن يردَّ سهمهم. المعونة (1/ 442).
وقال ابن الفراء الحنبلي -رحمه الله-:
مسألة: هل يجوز أن يُتألف المشركون في وقتنا هذا على الإسلام بدفع الزكاة إليهم؟
فنقل أبو طالب وإبراهيم بن الحارث: جواز ذلك، وهو اختيار الخرقي وأبي بكر، ونَقل حنبل: لا يجوز، وأن حكمهم قد انقطع اليوم.
وجه الأولى: أن المؤلفة من أحد الأصناف؛ فكان حكمهم باقيًا بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، دليله: الفقراء والمساكين والعاملون؛ ولأن المعنى الذي كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعطيهم من أجله قبل وفاته موجود بعد وفاته؛ فيجب أن يعطيهم.
ووجه الثانية: أن عمر وعثمان وعليًّا ما كانوا يعطون المؤلفة شيئًا؛ ولأن الله تعالى قد أعزَّ الإسلام عن أن يُتألف له من يكف شره من المشركين أو يُرجى إسلامه منهم. الروايتين والوجهين (2/ 43).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث دليلٌ على أن إجزالَ العطاءِ هو حقيقةُ الجود، وإنَّما يكون ذلك إمَّا من مؤمنٍ لا يخشى الفاقة؛ لأنَّه يُعطي ممَّا أعطاه الله تعالى، فهو لا يتوهَّم قطعَ الله عطاءَه، ولا انزرارَه، أو من رجلٍ على غير بيِّنةٍ من أمره، يُعطي سرفًا في الباطل؛ فيكون من المبذِّرين...، وفي هذا الحديث أيضًا نهيٌ عن التنفيرِ عن مقاصدِ التائبين، والاقتناعِ منهم بما يُظهرونه، ثم التلطُّفِ في غرسِ الإخلاصِ في قلوبهم بالتدريج والتعليم؛ رجاءَ أن يصيروا إلى ما يحبُّ المؤمن، وقد لا يفطنُ إبليسُ لإفسادِ هذا التوصُّلِ الحسن؛ لأنَّ الشيطانَ يرى إسلامَ من يُسلم أو توبةَ من يتوب لملاحظةِ حالٍ من الدنيا يوهنُ إسلامَ المسلم، وتوبةَ التائب، فلا يحرصُ على إغواءِ المسلم أو التائب عن هذا الإسلامِ والتوبةِ المعروفين. الإفصاح (5/336، 337).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ويؤخذ من هذا الحديث وأمثاله: أنه لا ينبغي لنا أن نبتعد عن أهل الكفر وعن أهل الفسوق، وأن نَدَعَهم للشياطين تلعب بهم، بل نؤلفهم، ونجذبهم إلينا بالمال واللين وحُسن الخُلق حتى يألفوا الإسلام، فها هو الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعطي الكفار حتى من الفيء...، والإنسان قد يُسْلم للدنيا، ولكن إذا ذاق طعم الإسلام رغب فيه، فصار أحب شيء إليه.
قال بعض أهل العلم: طَلَبْنَا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله، فالأعمال الصالحة لا بد أن تربِّي صاحبها على الإخلاص لله -عز وجل-، والمتابعة للرسول -عليه الصلاة والسلام-...، وهكذا أيضًا الفساق، هادِهِم، أنصحهم باللين، وبالتي هي أحسن، ولا تقل: أنا أبغضهم لله، ابْغَضْهُم لله، وادْعُهُم إلى الله، بُغضك إياهم لله لا يمنعك أن تدعوهم إلى الله؛ بل ادعهم إلى الله -عز وجل- وإن كنت تكرههم، فلعلهم يومًا من الأيام يكونون من أحبابك في الله. شرح رياض الصالحين (3/ 407).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي الحديث): منها: بيان حُسن خلق النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكثرة كرمه.
ومنها: بيان كثرة سخائه، وعظيم جوده؛ فكان يعطي عطاءَ مَن لا يخشى فاقة.
ومنها: بيان جواز إعطاء الشخص الواحد مبلغًا كثيرًا من المال؛ لمصلحة استمالة قلبه للإسلام. البحر المحيط الثجاج (37/ 445).