الإثنين 24 ربيع الأوّل 1448 | 2026-09-07

A a

«لما كذَّبني قريشٌ، قُمتُ في الحِجْرِ، ‌فجَلَا ‌اللهُ ‌لي ‌بيتَ ‌المقدِسِ، فطَفِقْتُ أخبِرُهُم عن آياتِهِ وأنا أنظرُ إليه».


رواه البخاري برقم: (3886) ومسلم برقم: (170)، من حديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ.
وفي لفظ للبخاري برقم: (4433) «لما كذَّبني قريشٌ حين أُسْري بي إلى بيت المقدس..».   


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«‌فجَلَا»
أي: كشف وأوضح. النهاية، لابن الأثير (1/ 290).

«‌المقْدِسِ»:
القُدس من قولهم: قَدَّسَ يُقدِّس تقديسًا. والتقديس: التطهير من قولهم: لا قدَّسه الله... واشتقاق بيت ‌المقدس من التقديس، وهو التطهير أيضًا. جمهرة اللغة، لابن دريد (2/ 646).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
بيت ‌المقدس أي: البيت المطهَّر الذي يُتطهر به من الذنوب. تهذيب اللغة (8/ 303).

«فطَفِقْتُ»:
طَفِقَ: بمعنى أخذ في الفعل وجعل يفعل. النهاية (3/ 129).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «لما كذَّبني قريشٌ، قمت في الحِجْرِ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «كذَّبني» أي: في الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى و«الحِجر» بكسر الحاء ما تحت ميزاب الكعبة وهو من جهة الشام. الكواكب الدراري (15/ 98- 99).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «لما كذَّبني» في رواية الكشميهني «كذبتني» بزيادة مثناة، وكلاهما جائز، وقد وقع بيان ذلك في طرق أخرى فروى البيهقي في الدلائل من طريق صالح بن كيسان عن الزهري عن أبي سلمة قال: «‌افتتن ‌ناس ‌كثير» يعني: عقِب الإسراء «فجاء ناس إلى أبي بكر فذكروا له فقال: أشهد أنه صادق فقالوا: وتصدقه بأنه أتى الشام في ليلة واحدة ثم رجع إلى مكة؟ قال: نعم إني أصدقه بأبعَد من ذلك؛ أصدِّقه بخبر السماء»، قال: فسمي بذلك الصديق، قال: سمعت جابرًا، يقول: فذكر الحديث، وفي حديث ابن عباس عند أحمد والبزار بإسناد حسن قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لما كان ليلة أُسري بي وأصبحت بمكة مرَّ بي عدو الله أبو جهل فقال: هل كان من شيء؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحتَ بين أظهرنا؟ قال: نعم، قال: فإن دعوتُ قومَك أتحدثهم بذلك؟ قال: نعم، قال: يا معشر بني كعب بن لؤي قال: فانفضَّت إليه المجالس حتى جاؤوا إليهما، فقال: حدِّث قومك بما حدثتني فحدثهم، قال: فمِن بين مُصَفِّق ومن بين واضعٍ يده على رأسه متعجبًا، قالوا: وتستطيع أن تنعت لنا المسجد؟» الحديث. فتح الباري (7/ 199).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«قريش» أي: إذ أخبرهم أنه جاء بيت المقدس في ليلة واحدة ورجع، «قمتُ في الحِجْرِ» بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم. إرشاد الساري (6/ 203).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لما كذَّبني» أي: نَسَبَنِي إلى الكذب «قريش» أي: فيما ذكرت من قضية الإسراء، وطلبُوا من علامات بيت المقدس وما في طريقه من الإنس، «‌قمتُ ‌في ‌الحِجر» أي: في موضع بُدئ بي الصعود أولًا؛ لينجلي لي الشهود ثانيًا. مرقاة المفاتيح (9/ 3775).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«لما كذبتني قريش حين أسري بي» بناه للمفعول لتعظيم الفاعل، «إلى بيت المقدس» وطلبوا منه أن يصفه لهم، «‌قمت ‌في ‌الحِجر» أي: حطيم الكعبة. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 302).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس» أي: حين أخبرتهم بأنه أسري بي إليه ثم إلى السماء الدنيا وما فوقها، ثم طلبوا منه وصف بيت المقدس ولم يكن -صلى الله عليه وسلم- أتْقَنَ صفته كما ورد في كتب التفسير والسير. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 115).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «‌قمتُ ‌في ‌الحِجر» واختياره لما له من الشرف؛ لكونه جزء البيت وغير ذلك. الكوكب الدري على جامع الترمذي (4/ 180).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لما كذبتني قريش» وفي نسخة وهي رواية للبخاري: «لما كذبني قريش» وكلاهما جائز؛ فالتأنيث باعتبار "قريش" اسم قبيلة، والتذكير باعتباره اسم حي.
و«قريش» هو النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشي، وقيل: قريش هو فهر بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش، نقله السهيلي وغيره، والثاني هو الأصح، والأول قول الجمهور. البحر المحيط الثجاج (4/ 611).

قوله: «فجَلَا ‌اللهُ ‌لي ‌بيتَ ‌المقدِسِ»:
قال الحميدي -رحمه الله-:
«‌فجلا ‌الله ‌لي ‌بيت ‌المقدس» أي: كشَفَه فجعل يخبرهم عن معاينة؛ معجزة له. تفسير غريب ما في الصحيحين (ص354).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما بيت المقدس ففيه لغتان مشهورتان غاية الشهرة: إحداهما: بفتح الميم وإسكان القاف وكسر الدال المخففة، والثانية: بضم الميم وفتح القاف والدال المشددة.
قال الواحدي: أما من شدَّده فمعناه: المطهَّر، وأما مَن خفَّفه فقال أبو علي الفارسي: لا يخلو إما أن يكون مصدرًا أو مكانًا، فإن كان مصدرًا كان كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ الأنعام: 60، ونحوه من المصادر، وإن كان مكانًا فمعناه: بيت المكان الذي جُعل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره إخلاؤه من الأصنام وإبعاده منها، وقال الزجاج: البيت المقدَّس المطهَّر وبيت المقدس أي: المكان الذي يطهر فيه من الذنوب، ويقال فيه أيضًا: إيلياء. شرح صحيح مسلم (2/ 211).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«فجلَّى الله لي بيت المقدس» بتشديد اللام؛ أي: أظهره من قوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ الأعراف: 187. مصابيح الجامع (7/ 352).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وقد بينا أن الله تعالى رفع له بيت المقدس، وهو بمكة، فوصفه لقريش حتى عَرَفَهُ منهم من قد كان شاهَده؛ وإنما فعل الله سبحانه ذلك تقوية له وتثبتًا لأمره، وإتمامًا لما أراده الله به.
وفيه أن الصادق الأمين إذا قال القول وهو صادق فيه عند الله، فاعترض له في ذلك الامتحان له ما لا ينكشف للخلق، فاشتد كرب الصادق لذلك وحَزَبَه وعظُم عليه من حيث إنه يخاف باختلاف الأمر فيه أن يجحدوا حقه ويكذِّبوا صدقه، فبلغ ذلك منه المبلغ النائي لقلبه ريثما يفرجه الله عنه ويدركه بصونه فيه بإظهار الحق وإقامة البرهان على صدقه؛ فإن ذلك غير قادح في مقامه عند ربه؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «‌فَكُرِبْتُ ‌كُرْبَةً ‌ما ‌كُرِبْتُ مثلها قط» وكان -صلى الله عليه وسلم- عالمًا أن الله يعلم صدقه فيما قاله. الإفصاح (8/ 28).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله «فجلَّى الله لي بيت المقدس» قيل: معناه كشف الحُجب بيني وبينه حتى رأيته، ووقع في رواية عبد الله بن الفضل عن أم سلمة عند مسلم المشار إليها قال: «فسألوني عن أشياء لم أثبتها ‌فَكُرِبْتُ كَرْبًا لم أكْرُبْ مثله قط، فرفع الله لي بيت المقدس أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا نبَّأتهم به»، ويحتمل أن يريد أنه حُمل إلى أن وُضع بحيث يراه ثم أُعيد، وفي حديث ابن عباس المذكور «فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع عند دار عقيل فنعتُّه وأنا أنظر إليه» وهذا أبلغ في المعجزة ولا استحالة فيه، فقد أُحضر عرش بلقيس في طرفة عين لسليمان، وهو يقتضي أنه أزيل من مكانه حتى أُحضر إليه وما ذاك في قدرة الله بعزيز، ووقع في حديث أم هانئ عند ابن سعد: «فخُيِّلَ لي بيت المقدس فطفقتُ أخبرهم عن آياته» فإن لم يكن مغيِّرًا من قوله: «فجلَّى» وكان ثابتًا احتمل أن يكون المراد أنه مُثِّلَ قريبًا منه، كما تقدم نظيره في حديث «أُرِيت الجنة والنار»، وتأول قوله: «جيء بالمسجد» أي: جيء بمثاله والله أعلم.
ووقع في حديث شداد بن أوس عند البزار والطبراني ما يؤيد الاحتمال الأول ففيه: «ثم مررتُ بعيرِ لقريش» فذكر القصة «ثم أتيت أصحابي بمكة قبل الصبح فأتاني أبو بكر فقال: أين كنت الليلة؟ فقال: إني أتيتُ بيت المقدس فقال: إنه مسيرة شهر فصفه لي قال: فَفُتِحَ لي شِراك كأني أنظر إليه لا يسألني عن شيء إلا أنبأته عنه»، وفي حديث أم هانئ أيضًا أنهم قالوا له: «كم للمسجد باب؟ قال: ولم أكن عددتها فجعلت أنظر إليه وأعدها بابًا بابًا»، وفيه عند أبي يعلى أن الذي سأله عن صفة بيت المقدس هو المطعم بن عدي والد جبير بن مطعم، وفيه من الزيادة «فقال رجل من القوم: هل مررتَ بإبل لنا في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم. والله قد وجدتهم قد أضلوا بعيرًا لهم فهم في طلَبه ومررتُ بإبل بني فلان انكسرت لهم ناقة حمراء، قالوا: فأخبرنا عن عدَّتها وما فيها من الرعاة، قال: كنت عن عدَّتها مشغولًا، فقام فأتى الإبل فعدَّها وعلم ما فيها من الرعاء، ثم أتى قريشًا فقال: هي كذا وكذا وفيها من الرعاء فلان وفلان فكان كما قال»فتح الباري (7/ 200).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فجلَّى الله لي بيت» بتشديد اللام وتخفيفها، وذلك بأن كشف الحُجب من البين حتى رآه، ويحتمل أنه حُمل إليه ثم أُعيد، فقد جاء في حديث ابن عباس: «فجيء بالمسجد حتى وُضع عند دار عقيل وأنا أنظر إليه» وهذا أبلغ في المقصود ولا استحالة، فقد أُحضر عرش بلقيس لسليمان، فليُقلع ويُحمل ويُحضر بيت المقدس لحبيب الرحمن -صلى الله عليه وسلم-. لمعات التنقيح (9/ 409- 410).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «فجلا الله بيت المقدس» وفيه دليل على بقاء بعض بناء المسجد إذ ذاك، مع أن أهل التاريخ كتبوا أن السلطنة الرومانية كانت قد هدمته، ولم تترك له من اسم ولا رسم، فماذا كان الذي جلا له، وقال مؤرخو النصارى: إن السلطنة الرومانية كانت إذ ذاك وثنية، وإنما تنصرت بعد الحروب على بيت المقدس؛ وقد أجاب عن أصل الإشكال مولانا آل حسن؛ قلت: وقد بلغني عن بعض أصحابي الذين أثق بهم حين رجع إليَّ من سياحة بيت المقدس، أن حيطان بناء سليمان -عليه السلام- موجودة إلى الآن أيضًا، فما في كتب التاريخ من المبالغات كلها تتعلق بالأبنية الداخلة دون الحيطان، فإن عرصة المسجد واسعة جدًا، فلعلهم خربوا البيوت، وجعلوا فيها كناسة، أما الحيطان والجدران فكانت كما كانت، فلما جاء الله بالإسلام، وقام زَرْعُهُ على سُوقِهِ، طهَّره عُمر وبنى البيوت وعمّر الأبنية الداخلية.
ثم لا يذهب عليك الفرق بين التجلي والعلم، فإنهما يفترقان، والأول لا يستلزم الثاني، ألا ترى أنك إذا ارتقيت سقفًا، أو أكمة يتجلى لك كل شيء تمد إليه بصرك؟ فهل يحصل عندك علم مما تسرح فيه بصرك، ويجول فيه نظرك؟ كلا، ثم كلا، فالتجلي هو الانكشاف لديك، سواء حصل لك منه علم أو لا، وإن شئت قلت: إنه نحو إجمالي من العلم، ولكنا نعني من العلم ها هنا ما يكون مبدأ للانكشاف، بمعنى العلم التفصيلي، ويقربه العرض، ومن لا يراعي الفروق بين الألفاظ، ويضع أحدها مكان الآخر، فيقع في الخلط والغلط، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ البقرة: 31 فكان عرضًا، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ البقرة: 31 فكان هذا تعليمًا؟ فالعرض آخر، والتعليم آخر، قد قررناه من قبل. [فيض الباري (4/ 529- 530).

قوله: «فطَفِقْتُ أخبِرُهُم عن آياتِهِ وأنا أنظرُ إليه»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
و«آياته» أي: علاماته وأوضاعه وأحواله.
وفيه: أن الرؤية لا يُشترط فيها قُرب المسافة ولا ارتفاع الحائل ولا غير ذلك. الكواكب الدراري (15/ 99).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وأنا أنظر إليه» أي: إلى بيت المقدس، والواو فيه للحال. عمدة القاري (17/ 20).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وأنا أنظر إليه» زاد في حديث ابن عباس عند النسائي فقال القوم: أما النعت فقد أصاب. إرشاد الساري (7/ 201).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أُخبرهم عن آياته» أي: علامات بيت المقدس، ودلالاته مما يكون من شواهد حالات النبي - صلى الله عليه وسلم - ودلائل معجزاته، «وأنا أنظر إليه» أي: كأنَّ نظري واقع عليه، وجسدي حاضر لديه. مرقاة المفاتيح (9/ 3775).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فأما الحكمة في أنه عُرج به من ‌بيت ‌المقدس، ولم يُعرج به من مكة، ومكة أفضل من ‌بيت ‌المقدس؛ فالذي أراه في ذلك: أنه لو عُرج به من مكة لفاتته مشاهدة ‌بيت ‌المقدس، ولما كان يقوم الحُجة على قريش بصفة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ كما ثبتت حجته عليهم حين وصف لهم ‌بيت ‌المقدس والنظر إليه، فلما عُرج به من ‌بيت ‌المقدس اجتمع له الحالان، وليكون أيضًا خُطاه إلى قصد ربه سعيًا وعُروجًا. الإفصاح (5/ 120).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج إلى السماء: إرادة إظهار الحق لمعاندة من يريد إخماده؛ لأنه لو عُرج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلًا إلى البيان والإيضاح، فلما ذكر أنه أُسري به إلى بيت المقدس سألوه عن تعريفات جزئيات من بيت المقدس كانوا رأوها وعلموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك، فلما أخبرهم بها حصل التحقيق بصدقه فيما ذكر من الإسراء إلى بيت المقدس في ليلة، وإذا صح خبره في ذلك لزم تصديقه في بقية ما ذكره، فكان ذلك زيادة في إيمان المؤمن وزيادة في شقاء الجاحد والمعاند، انتهى ملخصًا. فتح الباري (7/ 200- 201).

ويُنظر فتوى اللجنة الدائمة في حكم من أنكر حادثة الإسراء والمعراج والأدلة على كفر جاحدها.

ويُنظر فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في الرد على من زعم أن الإسراء والمعراج كان منامًا أو بالروح دون البدن.


إبلاغ عن خطأ