الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«أنَّ النبيَّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- نَهَى أنْ يتوضَّأَ الرَّجلُ بفضْلِ طَهُورِ المرأةِ».


رواه أحمد برقم: (20657)، وأبو داود برقم: (82)، والترمذي برقم: (64) واللفظ لهما، والنسائي برقم: (343)، وابن ماجه برقم: (373)، من حديث الحَكَم بن عمرو الغفاري، ويُقال له: الأقرع -رضي الله عنه-.
وفي رواية لأبي داود برقم: (81)، والنسائي برقم: (238): «نَهى رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنْ تغتسلَ المرأةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أو يغتسلَ الرَّجلُ بِفَضْلِ المرأةِ»، زادَ مُسَدَّدٌ: «وليَغْتَرِفَا جميعًا» عن رجل صحِب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
صحيح أبي داود برقم: (74) ورقم: (75)، صحيح سنن النسائي برقم: (232)، صحيح: مشكاة المصابيح برقم: (472).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«بفضْلِ»:
الفُضالةُ: ما فَضَل من كل شيءٍ، والفَضْلةُ: البقيَّة من كل شيءٍ. العين، للخليل بن أحمد (7/ 43).

«طَهُورِ»:
الطُّهور بالضم: التطهُّر (الفعل) وبالفتح الماء الذي يُتطهَّر به، كالوُضوء والوَضوء، والسُّحور والسَّحور، وقال سيبويه: الطَّهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معًا. النهاية، لابن الأثير (3/ 147).


شرح الحديث


قال الترمذي -رحمه الله-:
سألتُ محمدًا (أي: البخاري) عن هذا الحديث (حديث الحَكَم) فقال: ليس بصحيح، وحديث عبد الله بن سرجس (أي حديث: «نَهَى رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنْ يَغْتَسِلَ الرَّجلُ بفضلِ وَضُوءِ المرأةِ، والمرأةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، ولكِنْ يَشْرَعَانِ جَمِيعًا») في هذا الباب هو موقوف، ومَن رفعه فهو خطأ. العلل الكبير (ص: 40).
وقال البخاري -رحمه الله-:
ولا أراه يصح عن الحَكَم بن عَمْرٍو. التاريخ الكبير (4/ 185).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أما حديث الحَكَم بن عمرو فأخرجه أصحاب السنن، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وأغرب النووي، فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه. فتح الباري (1/ 300).
وقال مغلطاي -رحمه الله-:
قال أبو عبد الله ابن منده: هذا حديث لا يثبت من جهة السند...، وذكر الميموني: أنَّه سأل أبا عبد الله (أحمد بن حنبل) عنه، فقلت: يسنده أحدٌ غير عاصم؟ قال: لا، ويضطربون فيه عن شعبة، وليس هو في كتاب غندر، ورواه التيمي إلا إنه لم يسمِّه. إكمال تهذيب الكمال (6/ 156-157).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
والذي يعتل به في هذا الحديث أمران:
الأول: قول البخاري: "سودة بن عاصم أبو حاجب العنزي يُعدُّ من البصريين، ويُقال: الغفاري، ولا أراه يصح عن الحَكَم بن عمرو...
والثاني: التعليل بالوقف، قال الدارقطني: "أبو حاجب اسمه سودة بن عاصم، واختُلف عنه: فرواه عمران بن حدير، وغزوان بن حجير السدوسي عنه موقوفًا، من قول الحَكَم غير مرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
والقائلون بتقديم المرفوع على الموقوف يجعلون ذلك فتوى، لا تعارض في الرواية، وممن صحَّح الحديث: أبو حاتم ابن حبان. الإلمام في معرفة أحاديث الأحكام (1/90).

قوله: «أنَّ النبيَّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- نَهَى»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
خلافٌ بين الأصوليين هل النهي للتحريم أو للكراهة؟...
وخلاصة الجواب: أنْ نقول: للعلماء في مقتضى النهي ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنَّه التحريم مطلقًا، وعلى هذا مَن صرف نهيًا لغير التحريم طُولب بالدليل.
والقول الثاني: أنَّه للكراهة مطلقًا، وعلى هذا فمَن صرف نهيًا للتحريم طُولب بالدليل.
والقول الثالث: التفصيل، فإنْ كان النهي فيما يتعلَّق بالآداب والأخلاق فهو للكراهة، وإذا كان فيما يتعلَّق بالعبادات، فهو للتحريم. فتاوى نور على الدرب (6/ 2).

قوله: «أنْ يتوضَّأَ الرَّجلُ بفضْلِ طَهُورِ المرأةِ»:
قال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «فضل طهور المرأة» أي: عما فَضُل من الماء بعد ما توضأت المرأة منه. تحفة الأحوذي (1/ 165).
وقال الشيخ الشنقيطي -حفظه الله-:
قوله: «فضل طهور المرأة» أي: فضل الماء الذي تطهرت به المرأة، وظاهر هذا أنَّ الحكم يختص بما توضأت به المرأة أو اغتسلت، ولكن لو شَربت المرأة من إناء، وأرادت أن تتوضأ به، فإنه يجوز لك أنْ تتوضأ بفضل ما شرِبَت، ولا يضر كونها أفضلت الماء بعد شربها؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- شرب سؤر أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها وأرضاها-، ففي الحديث الصحيح عنها أنها قالت: «إنْ كان يُدنَى الشراب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيقسم عليَّ، فأشرب، ثم يأخذ الإناء فيضع فمه حيث وضعت فمي، فيشرب» صلوات الله وسلامه عليه، فدل هذا الحديث على أنَّ سؤر المرأة يعتبر طاهرًا، وأنَّه يجوز للإنسان أنْ يتوضأ ويغتسل من الماء الذي شربت منه المرأة؛ ولذلك يُقوَّى الحُكْم هنا بكْون المسألة تعبديَّة. شرح الترمذي كتاب الطهارة (28/ 4).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما تطهير الرجل والمرأة من إناء واحد فهو جائز بإجماع المسلمين...، وأما تطهير المرأة بفضل الرجل فجائز بالإجماع أيضًا، وأما تطهير الرجل بفضلها فهو جائز عندنا (الشافعية) وعند مالك وأبي حنيفة وجماهير العلماء، سواء خلت به أو لم تخلُ، قال بعض أصحابنا: ولا كراهة في ذلك؛ للأحاديث الصحيحة الواردة به.
وذهب أحمد بن حنبل وداود (الظاهري) إلى أنَّها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها، وروي هذا عن عبد الله بن سرجس والحسن البصري، وروي عن أحمد -رحمه الله تعالى- كمذهبنا، وروي عن الحسن (البصري) وسعيد بن المسيب كراهة فضلها مطلقًا.
والمختار ما قاله الجماهير؛ لهذه الأحاديث الصحيحة في تطهيره -صلى الله عليه وسلم- مع أزواجه، وكل واحد منهما يستعمل فضل صاحبه، ولا تأثير للخلوة، وقد ثبت في الحديث الآخر أنه -صلى الله عليه وسلم- اغتسل بفضل بعض أزواجه، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأصحاب السنن، قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح.
وأما الحديث الذي جاء بالنهي، وهو حديث الحَكَم بن عمرو، فأجاب العلماء عنه بأجوبة:
أحدها: أنَّه ضعيف، ضعَّفه أئمة الحديث، منهم البخاري وغيره.
الثاني: أنَّ المراد النهي عن فضل أعضائها، وهو المتساقط منها؛ وذلك مستعمل.
الثالث: أنَّ النهي للاستحباب والأفضل، والله أعلم. شرح مسلم (4/ 2-3).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
أما حديث الحَكَم بن عمرو، فأجاب أصحابنا (الشافعية) عنه بأجوبة:
أحدها: جواب البيهقي وغيره: أنه ضعيف...، وكذا قال الدارقطني: وقفه أولى بالصواب مِن رفعه، وروي حديث الحَكَم أيضًا موقوفًا عليه، قال البيهقي في كتاب المعرفة: الأحاديث السابقة في الرخصة أصح، فالمصير إليها أولى.
الجواب الثاني: جواب الخطابي وأصحابنا: أنَّ النهي عن فضل أعضائها وهو ما سال عنها، ويؤيد هذا أنَّ رواية داود بن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنه نهى أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة» رواه أبو داود والنسائي والبيهقي بإسناد صحيح، وداود وثَّقَه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في رواية، وضعفه يحيى في رواية، قال البيهقي: هذا الحديث رواته ثقات، إلا أنَّ حميدًا لم يسم الصحابي، فهو كالمرسل إلا أنَّه مرسل جيد لولا مخالفته للأحاديث الثابتة الموصولة، وداود لم يحتج به البخاري ومسلم.
قلتُ: جهالة عين الصحابي لا تضر؛ لأنهم كلهم عدول، وليس هو مخالفًا للأحاديث الصحيحة، بل يُحمل على أنَّ المراد ما سقط من أعضائهما، ويؤيده أنا لا نعلم أحدًا من العلماء منعها فضل الرجل، فينبغي تأويله على ما ذكرته، إلا أنَّ في رواية صحيحة لأبي داود والبيهقي: «وليغترفا جميعًا» وهذه الرواية تضعف هذا التأويل، ويمكن تتميمه مع صحتها، ويحملنا على ذلك أنَّ الحديث لم يقل أحد بظاهره، ومحال أنْ يصح وتعمل الأمة كلها بخلاف المراد منه.
الجواب الثالث: ذكره الخطابي وأصحابنا: أنَّ النهي للتنزيه؛ جمعًا بين الأحاديث، والله أعلم. المجموع (2/191- 192).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
نقل الطحاوي ثم القرطبي والنووي الاتفاق على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد، وفيه نظر؛ لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة أنه كان ينهى عنه، وكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم، وهذا الحديث (أي: حديث ابن عمر أنَّه قال: «كان الرِّجالُ والنِّساءُ يَتَوَضَّؤونَ في زمانِ رسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- جميعًا») حجة عليهم.
ونقل النووي أيضًا الاتفاق على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل دون العكس، وفيه نظر أيضًا، فقد أثبت الخلاف فيه الطحاوي، وثبت عن ابن عمر والشعبي والأوزاعي المنع، لكن مقيدًا بما إذا كانت حائضًا، وأما عكسه فصحَّ عن عبد الله بن سرجس الصحابي وسعيد بن المسيب والحسن البصري أنهم منعوا التطهر بفضل المرأة، وبه قال أحمد وإسحاق، لكن قيداه بما إذا خَلَتْ به؛ لأن أحاديث الباب ظاهرة في الجواز إذا اجتمعا، ونقل الميموني عن أحمد: أنَّ الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل المرأة، وفي جواز ذلك مضطربة، قال: لكن صح عن عدة من الصحابة المنع فيما إذا خلَت به، وعُورض بصحة الجواز عن جماعة من الصحابة منهم ابن عباس، والله أعلم.
وأشهر الأحاديث في ذلك من الجهتين حديث الحَكَم بن عمرو الغفاري في المنع، وحديث ميمونة في الجواز (أي: «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يغتسل بفضل ميمونة») أما حديث الحَكَم بن عمرو، فأخرجه أصحاب السنن وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وأغرب النووي فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه، وأما حديث ميمونة، فأخرجه مسلم، لكن أعلَّه قوم لترددٍ وقع في رواية عمرو بن دينار، حيث قال: علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني، فذكر الحديث، وقد ورد من طريق أخرى بلا تردد، لكن راويها غير ضابط، وقد خولف، والمحفوظ ما أخرجه الشيخان بلفظ: «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد».
وفي المنع أيضًا ما أخرجه أبو داود والنسائي من طريق حميد بن عبد الرحمن الحميري قال: لقيتُ رجلًا صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- أربع سنين، فقال: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة، وليغترفا جميعًا» رجاله ثقات...
ومن أحاديث الجواز: ما أخرجه أصحاب السنن والدارقطني وصححه الترمذي وابن خزيمة وغيرهما من حديث ابن عباس عن ميمونة قالت: «أجنبتُ فاغتسلتُ مِن جَفنة، ففضلتُ فيها فضلة، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- يغتسل منه، فقلتُ له، فقال: الماء ليس عليه جنابة، واغتسل منه» لفظ الدارقطني، وقد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة؛ لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم.
وقول أحمد: إنَّ الأحاديث من الطريقين مضطربة، إنما يصار إليه عند تعذر الجمع، وهو ممكن بأن تُحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابي، أو يحمل النهي على التنزيه جمعًا بين الأدلة، والله أعلم. فتح الباري (1/ 300).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
عن عائشة قالت: «كنتُ اغتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد، ونحن جُنبان» فيه: دليل على أنَّ الجنب ليس بنجس، وأن فضل وضوء المرأة طاهر، كفضل وضوء الرجل، وروى أبو داود في هذا الباب حديثًا آخر في النهي عن فضل طهور المرأة، قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار...، عن الحكم بن عمرو وهو الأقرع «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» فكان وجه الجمع بين الحديثين: إنْ ثبت حديث الأقرع: أنَّ النهي إنَّما وقع عن التطهير بفضل ما تستعمله المرأة من الماء، وهو ما سال وفضل عن أعضائها عند التطهر به، دون الفضل الذي تُسْئِرْهُ (تبقيه سؤرًا) في الإناء.
وفيه: حجة لمن رأى أنَّ الماء المستعمل لا يجوز الوضوء به، ومن الناس من يجعل النهي في ذلك على الاستحباب دون الإيجاب، وكان ابن عمر يذهب إلى النهي عن فضل وضوء المرأة، إنما هو إذا كانت جنبًا أو حائضًا، فإذا كانت طاهرًا، فلا بأس به.
وإسناد حديث عائشة في الإباحة أجود من إسناد خبر النهي. معالم السنن (1/ 42).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
قال (الخرقي): "ولا يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة إذا خَلَتْ بالماء" اختلفت الرواية عن أحمد -رحمه الله- في وضوء الرجل بوضوء المرأة إذا خلت به، والمشهور عنه أنه لا يجوز ذلك، وهو قول عبد الله بن سرجس، والحسن (البصري) وغنيم بن قيس، وهو قول ابن عمر في الحائض والجنب، قال أحمد: قد كرهه غير واحد من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأما إذا كان جميعًا فلا بأس، والثانية: يجوز الوضوء به للرجال والنساء، اختارها ابن عقيل، وهو قول أكثر أهل العلم؛ لما روى مسلم في صحيحه قال: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يغتسل بفضل وضوء ميمونة»، وقالت ميمونة: «اغتسلتُ مِن جفنة، ففضلتُ فيها فضلة، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- يغتسل، فقلتُ: إني قد اغتسلت منها، فقال: الماء ليس عليه جنابة»؛ ولأنه ماء طهور جاز للمرأة الوضوء به، فجاز للرجل كفضل الرجل.
ووجه الرواية الأولى: ما روى الحَكَم بن عمرو «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة»... قال الخطابي: قال محمد بن إسماعيل (البخاري): خبر الأقرع لا يصح، والصحيح في هذا: خبر عبد الله بن سرجس، وهو موقوف، ومَن رفعه أخطأ.
قلنا: قد رواه أحمد، واحتج به، وهذا يقدَّم على الضعيف؛ لاحتمال أن يكون قد روي من وجه صحيح، خفي على من ضعفه، وأيضًا فإنه قول جماعة من الصحابة، قال أحمد: أكثر أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقولون: إذا خَلَت بالماء فلا يتوضأ منه، فأما حديث ميمونة فقد قال أحمد: أنفيه لحال سماك، ليس أحد يرويه غيره، وقال: فيه اختلاف شديد، بعضهم يرفعه، وبعضهم لا يرفعه؛ ولأنه يحتمل أنها لم تخل به، فيحمل عليه جمعًا بين الخبرين.
فصل: واختلف أصحابنا في تفسير الخلوة به، فقال الشريف أبو جعفر (ابن أبي موسى الهاشمي) قولًا يدل على أنَّ الخلوة هي أنْ لا يحضرها من لا تحصل الخلوة من النكاح بحضوره، سواء كان رجلًا أو امرأة، أو صبيًّا عاقلًا؛ لأنها إحدى الخلوتين، فنافاها حضور أحد هؤلاء كالأخرى، وقال القاضي (أبو يعلى): هي أن لا يشاهدها رجل مسلم، فإنْ شاهدها صبي أو امرأة، أو رجل كافر لم تخرج بحضورهم عن الخلوة، وذهب بعض الأصحاب إلى أن الخلوة: استعمالها للماء من غير مشاركة الرجل في استعماله؛ لأن أحمد قال: إذا خلت به فلا يعجبني أن يغتسل هو به، وإذا شرَعَا فيه جميعًا فلا بأس به؛ لقول عبد الله بن سرجس: «اغتَسِلا جميعًا هو هكذا، وأنتِ هكذا»...، وقد « كانت عائشة تغتسل هي ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد، يغترفان منه جميعًا» متفق عليه، فيخص بهذا عموم النهي، وبقينا فيما عداه على العموم.
فصل: فإنْ خَلَت به في بعض أعضائها، أو في تجديد طهارة، أو استنجاء، أو غسل نجاسة، ففيه وجهان:
أحدهما: المنع؛ لأنه طهارة شرعية.
والثاني: لا يمنع؛ لأن الطهارة المطلقة تنصرف إلى طهارة الحدث الكاملة، وإن خلت به ذميَّة في اغتسالها، ففيه وجهان:
أحدهما: هو كخلوة المسلمة؛ لأنها أدنى حالًا من المسلمة، وأبعد من الطهارة، وقد تعلق بغسلها حكم شرعي، وهو حل وطئها إذا اغتسلت من الحيض، وأمرها به إذا كان من جنابة.
والثاني: لا يُؤثِّر؛ لأن طهارتها لا تصح، فهي كتبرُّدها، وإنْ خلت المرأة بالماء في تبردها أو تنظيفها أو غسل ثوبها من الوسخ لم يؤثر؛ لأنه ليس بطهارة.
فصل: وإنَّما تؤثر خلوتها في الماء القليل، وما بلغ القُلتين لا تؤثر خلوتها فيه؛ لأن حقيقة النجاسة والحدث لا تؤثر فيه، فوهم ذلك أولى.
فصل: ومَنْعُ الرجل من استعمال فضلة طهور المرأة تعبُّدي غير معقول المعنى، نص عليه أحمد؛ ولذلك يباح لامرأة سواها التطهر به في طهارة الحدث، وغسل النجاسة وغيرهما؛ لأن النهي اختص الرجل ولم يعقل معناه، فيجب قصره على محل النهي.
وهل يجوز للرجل غسل النجاسة به؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، وهو قول القاضي (أبو يعلى)؛ لأنه مانع لا يرفع حدثه، فلم يزل النجس كسائر المائعات.
والثاني: يجوز، وهو صحيح؛ لأنه ماء يطهر المرأة من الحدث والنجاسة، ويزيلها من المحالِّ كلها إذا فعلته، فيزيلها إذا فعله الرجل كسائر المياه؛ ولأنه ماء يزيل النجاسة بمباشرة المرأة، فيزيلها إذا فعله الرجل كسائر المياه، والحديث لا تُعقل علَّته، فيقتصر على ما ورد به لفظه، ونحو هذا يُحكى عن ابن أبي موسى (الشريف أبو جعفر) والله أعلم. المغني (1/ 247-248).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
اشتراك الرجال والنساء في الاغتسال من إناء واحد وإن كان كل منهما يغتسل بسؤر الآخر، وهذا مما اتفق عليه أئمة المسلمين بلا نزاع بينهم: أن الرجل والمرأة أو الرجال والنساء إذا توضؤوا واغتسلوا من ماء واحد جاز، كما ثبت ذلك بالسنن الصحيحة المستفيضة.
وإنما تنازع العلماء فيما إذا انفردت المرأة بالاغتسال أو خلت به هل يُنهى الرجل عن التطهر بسؤرها؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: أحدها: لا بأس بذلك مطلقًا.
والثاني: يكره مطلقًا.
والثالث: ينهى عنه إذا خلت به؛ دون ما انفردت به ولم تخلُ به.
وقد روي في ذلك أحاديث في السنن، وليس هذا موضع هذه المسألة. فأما اغتسال الرجال والنساء جميعًا من إناء واحد فلم يتنازع العلماء في جوازه، وإذا جاز اغتسال الرجال والنساء جميعًا، فاغتسال الرجال دون النساء جميعًا، أو النساء دون الرجال جميعًا أولى بالجواز، وهذا مما لا نزاع فيه، فمن كره أن يغتسل معه غيره؛ أو رأى أنَّ طُهْرَهُ لا يتم حتى يغتسل وحده، فقد خرج عن إجماع المسلمين؛ وفارق جماعة المؤمنين. مجموع الفتاوى (21/ 51).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وللعلماء في هذه المسألة خمسة أقوال:
أحدها: الكراهية لأنْ يتطهر الرجل بفضل المرأة.
والثاني: أن تتطهر المرأة بفضل وضوء الرجل.
والثالث: أنهما إذا شَرَعَا جميعًا في التطهر فلا بأس به، وإذا خلت المرأة بالطهور فلا خير في أن يتطهر بفضل طهورها.
والرابع: أنه لا بأس أن يتطهر كل واحد منهما بفضل طهور صاحبه ما لم يكن الرجل جنبًا، والمرأة حائضًا أو جنبًا، وهو قول ابن عمر.
والذي عليه جماعة فقهاء الأمصار: أنه لا بأس بفضل وضوء المرأة وسؤرها حائضًا كانت أو جنبًا، خلت به أو شرعا معًا، إلا أحمد بن حنبل فإنه قال: إذا خلت المرأة بالطهور فلا يتوضأ منه الرجل، إنما الذي رخص فيه أن يتوضآ جميعًا.
وذكر حديث الحَكَم بن عمرو الغفاري...، (و) الآثار في الكراهية في هذا الباب مضطربة لا تقوم بها حجة، والآثار الصحاح هي الواردة بالإباحة، مثل حديث ابن عمر هذا، ومثل حديث جابر وحديث عائشة وغيرهم، كلهم يقول: إن الرجال كانوا يتطهرون مع النساء جميعًا من إناء واحد، وأن عائشة كانت تفعل ذلك وميمونة وغيرهما من أزواجه -صلى الله عليه وسلم-، وعلى ذلك جماعة أئمة الفتوى. الاستذكار (1/ 170).

وفي رواية: «أنْ تغتسلَ المرأةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ»:
قال المغربي -رحمه الله-:
الحديث من رواية داود بن عبد الله عن حُمَيد الحِمْيَرِي، قال: «لقيتُ رجلًا صَحِبَ النبي -صلى الله عليه وسلم- أربع سنين، كما صحب أبو هريرة، قال: «نهى...» الحديث، هذا لفظ أبي داود...، والحديث له شاهد من حديث الحَكَم بن عمرو الغفاري -وهو الأقرع...، والحديث يدل على أنه لا يُتطهر بفَضْل طَهُور المرأة، وهو معارَض بما سيأتي (أي: من حديث ابن عباس «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يغتسل بفَضلِ مَيْمُون» أخرجه مسلم. البدر التمام (1/ 79-80).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة قوية، ودعوى البيهقي: أنه في معنى المرسَل مردودة؛ لأن إبهام الصحابي لا يضر، وقد صرح التابعي بأنه لقيه، ودعوى ابن حزم أن داود راويه عن حميد بن عبد الرحمن هو ابن يزيد الأودي، وهو ضعيف مردودة، فإنه ابن عبد الله الأودي، وهو ثقة، وقد صرَّح باسم أبيه أبو داود وغيره. فتح الباري (1/ 300).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تغتسل المرأة بفضل الرجل» أي: بزيادة ماء اغتساله. مرقاة المفاتيح (2/ 445).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أن تغتسل المرأة بفضل الرجل» أي: بالماء الذي يفضل عن غسل الرجل. سبل السلام (1/ 28).

قوله: «أو يغتسلَ الرَّجلُ بِفَضْلِ المرأةِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أو يغتسل الرجل بفضل المرأة» أي: بفضلتها. مرقاة المفاتيح (2/ 445).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
المراد بالفضل: هو الباقي في الآنية. فيض الباري (1/ 392-394).

قوله: «زادَ مُسَدَّدٌ: «ولْيَغْتَرِفَا جميعًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«زاد مسدد»... هو مسدد بن مُسرهد البصري، سمع حماد بن زيد وأبا عوانة وغيرهما، وروى عنه البخاري وأبو داود، وخلق كثير سواهما، ومات سنة ثمان وعشرين ومائة، ومُسَدَّد بضم الميم، وفتح السين المهملة، وتشديد الدال الأولى وفتحها... «وليغترفا» بسكون اللام، وتكسر «جميعًا» ظاهره معًا، ويحتمل المناوبة. مرقاة المفاتيح (2/ 445).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وليغترفا» من الماء عند اغتسالهما منه «جميعًا». سبل السلام (1/ 28).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وليغترفا جميعًا» أي: ليغترف الرجل والمرأة مجتمعين في حالة واحدة. شرح أبي داود (1/ 228).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وليغترفا جميعًا» واللام في قوله: «وليغترفا» لام الأمر، والضمير في «يغترفا» يعود إلى المرأة والرجل، ومن المعلوم أنه لا يراد به كل امرأة ورجل، وإنما يراد به: المرأة التي هي الزوجة، والرجل الذي هو الزوج...، (و) في هذا الحديث توجيه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأدب رفيع، وهو أن الرجل مع زوجته إذا وجب عليهما الغسل فلا ينبغي أن يذهب الرجل يغتسل وحده، ثم تأتي بعده المرأة، أو المرأة ثم يأتي بعدها الرجل، بل الأفضل أن يغترفا جميعًا، وهذا الذي أرشد إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الذي كان يفعله؛ فقد كان هو -صلى الله عليه وسلم- وعائشة -رضي الله عنها- يغتسلان من إناء واحد تختلف فيه أيديهما حتى إنها تقول: «دع لي، دع لي» إذا سبقها وتختلف الأيدي فيه، وهذا يقتضي أنها إلى جنب زوجها تغتسل؛ فصار في هذا سُنة قولية، وفيه أيضًا من الأُلفة والاقتصاد في الماء ما هو معلوم؛ لأن الرجل إذا كان قد رفع الكلفة بينه وبين أهله، فإن هذا يوجب زيادة الثقة، وزيادة المودة. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 79).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
الصَّحيح: أنَّ النَّهي في الحديث ليس على سبيل التَّحريم، بل على سبيل الأَوْلَويَّة، وكراهة التنزيه؛ بدليل حديث ابن عبَّاس -رضي الله عنهما-: «اغتسل بعضُ أزواج النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في جَفْنَة، فجاء النبيُّ -صلّى الله عليه وسلّم- ليغتسل منها، فقالت: إني كنت جُنبًا، فقال: إن الماء لا يُجْنِب» وهذا حديث صحيح، وهناك تعليل وهو أن الماء لا يُجنب، يعني: أنها إِذا اغتسلت منه من الجنابة فإِن الماء باقٍ على طَهُوريته.
فالصَّواب: أن الرَّجل لو تطهَّر بما خلت به المرأةُ؛ فإِن طهارته صحيحة، ويرتفع حدثه، وهذا اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله-. الشرح الممتع (1/ 46).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وتجوز طهارة الحدث بكل ما يسمى ماء...، وبماء خلت به امرأة؛ لطهارة، وهو رواية عن أحمد -رحمه الله تعالى-، وهو مذهب الأئمة الثلاثة. الاختيارات الفقهية (ص: 3).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
فلا بأس أنْ يغتسل بفضل الجنب والحائض؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اغتسل وعائشة من إناء واحد من الجنابة، فكل واحد منهما يغتسل بفضل صاحبه، وليست الحيضة في اليد، وليس ينجس المؤمن، إنَّما هو تعبُّد، بأنَّ يماس الماء في بعض حالته دون بعض. الأم (2/ 26-27).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
فأحاديث هذا الباب تدل على عدم جواز التطهر بفضل المرأة، وتطهر المرأة بفضل الرجل، فإما أن يُحمل النهي على كراهة التنزيه، أو يقال: إن النهي مختص بالأجانب إذا خيف الفتنة، ولكن ينافيه قوله في رواية مسدد: «وليغترفا جميعًا» فإنه يدل على أنَّ النهي ورد في تطهير الزوجين؛ لأن الاغتراف جميعًا لا يمكن أن يتحقق إلَّا في الزوجين.
ويمكن أن يقال في الجواب: إن الذي ورد في رواية مسدد من قوله: «وليغترفا جميعًا» يحتمل أن يكون مدرجًا من الراوي على ما فهم من النهي عن اغتسال المرأة بفضل الرجل، وعن اغتسال الرجل بفضل المرأة، بأنه لا يتحقق الفضل إلَّا بعد فراغه، أو بعد فراغها من الاغتسال، فقال: «وليغترفا جميعًا»، وأما إذا كان هذا اللفظ من قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فحينئذٍ يرد التأويل المذكور.
وأما الحديث الثاني (حديث الحَكَم) فيحمل على هذا المعنى قطعًا، ولا مانع فيه، فيكون سدًّا لذريعة الفساد، ويتقوى هذا التأويل بأنه أخرجه البيهقي، فقال في آخره: ورواه محمود بن غيلان عن أبي داود الطيالسي كذا، إلَّا أنه قال: أو قال: «بسؤرها» ثم قال: ورواه ابن وهب عن جرير عن شعبة، ثم قال في آخره: «وكان لا يدري عاصم فضل وضوئها أو فضل شرابها»، وكذلك أخرج الترمذي على الشك، فلما وقع الشك في النهي عن فضل الوضوء، أو فضل السؤر، والنهي عن فضل السؤر يحمل على الأجانب، فلو حمل النهي عن فضل الوضوء أيضًا على الأجانب لكان أقرب وأوفق. بذل المجهود (1/ 441-442).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

- اغتسال النبي ﷺ من فضل ميمونة.
- فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم اغتسال أحد الزوجين بفضل الآخر والجمع بين أحاديث النهي والجواز.


إبلاغ عن خطأ