«عن علي بن ربيعة، قال: شَهِدْتُ عليًّا -رضي الله عنه- وأُتِي بدابَّة ليركبها، فلمَّا وَضَع رِجله في الرِّكاب، قال: بسم الله، فلمَّا استوى على ظهرها قال: الحمد لله، ثم قال: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} الزخرف: 13، 14، ثم قال: الحمد لله، ثلاث مرات، ثم قال: الله أكبر، ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحِك فقيل: يا أمير المؤمنين، مِن أيِّ شيء ضحكتَ؟ قال: رأيتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل كما فعلتُ، ثم ضحك، فقلتُ: يا رسول الله، مِن أيِّ شيء ضحِكتَ؟ قال: إن ربَّك يَعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي؛ يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري».
رواه أحمد برقم: (753) وأبو داود برقم: (2602) واللفظ له، والترمذي برقم: (3446) والنسائي في السنن الكبرى برقم: (8748)، من حديث علي -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (2069)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1653).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«شَهِدْتُ»:
شهده شُهودًا: أي: حَضَرَه، فهو شاهدٌ، وقومٌ شُهودٌ، أي: حُضورٌ، وهو في الأصل مصدرٌ، وشُهَّدٌ أيضًا، مثل راكع ورُكَّع. الصحاح، للجوهري (2/ 494).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
الشين والهاء والدال أصل يدل على حضور وعِلم وإعلام، لا يخرج شيء من فروعه عن الذي ذكرناه. معجم مقاييس اللغة (3/ 221)
«الرِّكاب»:
الرّكاب للسَّرْج: كالغَرْز للرّحل، والجمْع: رُكُب. المحكم، لابن سيده (7/ 14).
وقال أبو عبيد رحمه الله-:
الرِّكاب: هي الإبل التي يُسار عليها، ثم تُجمع الركاب، فيقال: رُكُب. غريب الحديث، لأبي عبيد (2/ 69).
«مُقْرِنِينَ»:
أي: مطيقين. العين، للفراهيدي (5/ 143).
قال أبو عبيد -رحمه الله-:
{وَمَاْ كُنَّاْ لهُ مُقْرِنِيْنَ} أي: مقتدرين عليه. الغريبين (5/ 1535).
شرح الحديث
قوله: «عن علي بن ربيعة، قال: شَهِدْتُ عليًّا -رضي الله عنه»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«عن علي بن ربيعة» الوالبي بالباء الموحدة «قال: شهدتُ عليًا» أي: حضرته. شرح سنن أبي داود (11/ 312).
وقال السَّهارنفوري -رحمه الله-:
«عن علي بن ربيعة قال: شهدتُ عليًّا» أي: ابن أبي طالب. بذل المجهود (9/ 185).
قوله: «وأُتِي بدابة ليركبها»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أُتي» أي: جيء. مرقاة المفاتيح (4/ 1689).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
حال كونه «أُتي» أي: جيء «بدابة» وهي في أصل اللغة ما يدبُّ على وجه الأرض، ومنه قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} هود: 6، ثم خصها العُرف بذوات الأربع. جمع الوسائل (2/ 20).
قوله: «فلمَّا وَضَع رِجله في الرِّكاب»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فلمَّا وضع رِجله» أي: أراد وضع رجله «في الركاب، قال: باسم الله». مرقاة المفاتيح (4/ 1689).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«رِكاب»: سَرْج الدابة، يستعين به الراكب عند ركوبه، ويعتمد عليه، وهو شيء قديم معروف عندهم. شرح صحيح البخاري (5/ 70).
قوله: «قال: بسم الله»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قال: بسم الله» ظاهره: أنه يسمي عند ابتداء وضع رِجله في الرِّكاب، ورواية ابن حبان في صحيحه، وأحمد: «فإذا ركبتموها فسمُّوا الله» تدل على أن التسمية عند الركوب على ظهرها، وقد يُجمع بين الروايتين: بأن التسمية في حال اعتماده على الرِّكاب وارتفاعه للركوب، ويحتمل: أن يسمِّي عند أول وضع رِجله في الركاب وعند ركوبه أيضًا؛ لأن في رواية الترمذي: «فلما وضع رِجله في الركاب قال: بسم الله ثلاثًا». شرح سنن أبي داود (11/ 313).
قوله: «فلمَّا استوى على ظهرها قال: الحمد لله»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فلما استوى» أي: استقر «على ظهرها» راكبًا «قال: الحمد لله» فيه: استحباب حمد الله عند كل نعمة متجددة. شرح سنن أبي داود (11/ 313).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله» أي: على نعمة الركوب وغيرها. مرقاة المفاتيح (4/ 1689).
وقال الواحدي -رحمه الله-:
«الحمد لله» الثناء عليه، والشكر له. البسيط (2/ 330).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك -حفظه الله-:
إثبات الحمدِ كلِّه لله تعالى؛ يدل على أنه هو المتَّصف بجميع صفات الكمال، وليس هذا إلا لله تعالى وحده. شرح العقيدة التدمرية (ص: 37،38).
قوله: «ثم قال: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} الزخرف: 13»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم قال» أي: قرأ {سُبْحَانَ الَّذِيْ سَخَّرَ لَنَاْ هَذَاْ} الزخرف: 13. مرقاة المفاتيح (4/ 1689).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
{سَخَّر لَنَا} بمعنى: ذلَّل لنا هذا المركوب، نجري به حيث نشاء. كشف المشكل (2/ 603).
وقال العظيم آبادي -رحمه الله-:
{هذا} أي: المركوب، فانقاد لأَضْعَفِنا. عون المعبود (7/ 186).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
كان الذي يتبادر أن يقول الإنسان: الحمد لله الذي سخَّر لنا هذا، ولكنه أُمِر أن يقول: {سُبحَانَ لَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} الزخرف: 13؛ لماذا؟ لأن «سبحان» تدل على التنزيه، يعني: تنزيه الله -عز وجل- عن الحاجة، وعن النقص، فكأنَّ الإنسان يَشعر إذا ركب على هذه الفلك والأنعام أنه محتاج إليه، يستعين به على حاجاته؛ فيُسَبِّح الله -عز وجل- الذي هو مستغنٍ عن كل خلقه، فكان التسبيح في هذا المقام أنسب، مع أنه جاء في السنة أنه يحمد الله، لكننا نتكلم عن هذه الآية: {سُبحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنِينَ} الزخرف: 13. شرح رياض الصالحين (4/201، 602).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري-رحمه الله-:
{سبحان} الله، أي: تنزيهًا له عن سمات النقص...{الَّذِي سَخَّرَ} أي: ذلَّلَ ومكَّن {لَنَا}معاشر النَّاس {هَذَا} المركوب. الكوكب الوهاج (15/ 28).
قوله: «ثم قال: {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
{وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} يعني: الإبل والخيل والبغال والحمير. الكواكب الدراري (18/ 81).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
{مُقْرِنِينَ}: مطيقين، قاله ابن عباس، قال الشاعر:
لقد علم القبائل ما عُقَيْلٌ *** لنا في النائبات بمُقْرِنِينا
أي: بمطيقين، وقال الأخفش: ضابِطين، وقال قتادة: مماثلين، مِن القرن في القتال، وهو: الْمِثْل، ويحتمل: أن يكون من المقارنة، أي: الملازمة. المفهم (3/453، 454).
وقال النووي -رحمه الله-:
{وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنِينَ}... أي: ما كنا نُطيق قهره واستعماله لولا تسخير الله تعالى إياه لنا. شرح صحيح مسلم (9/ 111).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
عن قتادة: {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنِينَ} لا في الأيدي، ولا في القوة. فتح الباري (8/ 566).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: {مُقْرِنِينَ}... هو اعتراف بعَجزه، وأنَّ تَمَكُّنَه من الركوب عليه بإقدار الله تعالى، وتسخيره إياه. الكاشف (6/ 1892).
قوله: «ثم قال: {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} الزخرف: 14»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
{مُنْقَلِبونَ}: راجعون؛ تنبيهًا على المطالبة بالشكر على ما أنعم، وعلى العدل فيما سخَّر. المفهم (3/453، 454).
وقال الطبري -رحمه الله-:
قوله: {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ}...، وإنا إلى ربِّنا بعد مماتنا لصائرون، وإليه راجعون. جامع البيان (20/ 560).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
يعني: مِن شُكر هذه النعمة: أن يذكر عاقبة أمره، ويعلم أن استواءه على مركب الحياة كاستوائه على ظهر ما سَخَّر له ما لم يكن في المبدأ مطيعًا له، ولا تجد في المنتهى بدًّا من النزول عنه. لمعات التنقيح (5/ 214).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
فكم من راكب دابَّة عَثَرَتْ به أو شَمَسَتْ أو تَقَحَّمَتْ (تقحَّم الفرس براكبه ألقاه على وجهه) أو طاح من ظهرها فهلك، وكم مِن راكبِين في سفينة انكسرت بهم فغرقوا، فلمَّا كان الركوب مباشرة أمْرًا محظورًا، واتصالًا بأسباب من أسباب التَّلَف، أمَرَ ألَّا ينسى عند اتصاله به موته، وأنه هالك لا محالة، فمُنقلب إلى الله -عز وجل- غير مُنْفَلِت من قضائه، ولا يدع ذكر ذلك بقلبه ولسانه؛ حتى يكون مستعدًا للقاء الله، بإصلاحه من نفسه، والحذر من أن يكون ركوبه ذلك من أسباب موته في عِلم الله، وهو غافل عنه. الجامع لأحكام القرآن (16/ 67).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
"إذا ركب دابَّتَه للسفر" هكذا قيَّد المؤلف (النووي) -رحمه الله- الحكم فيما إذا ركب للسفر، وظاهر الآية الكريمة: أنَّ الحُكم عام، وأنَّ الإنسان إذا ركب دابته أو سيارته أو السفينة فإنَّه يقول ما ذكره الله -عز وجل-. شرح رياض الصالحين (4/ 600).
وسُئل الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
هل يلزم في ركوب الدابة كلَّما ركب الدابة يدعو بدعاء الركوب؟
الجواب: ظاهر القرآن أن الإنسان كلَّما ركِب على البعير أو السيارة أو السفينة أو القطار أن يقول: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} الزخرف:13-14.
السائل: هل يقاس المصعد على ذلك؟
الجواب: لا، لا أظن المصعد الكهربائي كهذا، لا أظنه من هذا النوع، وإنما هو دَرَجٌ مُسَهَّل. لقاء الباب المفتوح (5/ 54).
وقال الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي -حفظه الله- أيضًا:
بعض الأحاديث فيها التكبير عند ركوب الدابة، كما في السنن، فيكبِّر إذا وضع رجله في الغَرْزِ، أو إذا ركب السيارة كما هو موجود الآن، ويقول الدعاء: {سُبحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنِينَ} الزخرف: 13، قالوا: لِحَمْد نعمة الله -عز وجل- على المركوب، ولا علاقة له بالسفر، وإنما شُرِع في السفر لمكان المناسبة، وأمَّا بقية الأدعية التي نص فيها على السفر فإنها لا تكون إلا بعد مجاوزته للعمران؛ لأنه يسأل الله -عز وجل- في وجهه الذي هو ماضٍ إليه، والله تعالى أعلم. شرح زاد المستقنع (65/ 13).
وقال الشيخ عبد الله الروقي -حفظه الله-:
ودعاء الركوب إنما يُقال في الأسفار خاصة كما اختاره شيخنا ابن باز -رحمه الله تعالى-. حاشية الحلل الإبريزية (1/ 322).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وينبغي أنَّه إذا فاته ذِكْر الركوب في أوله يأتي به في أثنائه، نظير البسملة في الوضوء وغيره. حاشيته على الإيضاح (ص:64).
قوله: «ثم قال: الحمد لله، ثلاث مرات»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم قال: الحمد لله» أي: شكرًا للتسخير «ثلاثًا» أي: ثلاث مرات. جمع الوسائل (2/ 21).
قوله: «ثم قال: الله أكبر، ثلاث مرات»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كبر ثلاثًا»؛ ولعل الحكمة أن المقام مقام عُلُو، وفيه نوع عظمة؛ فاستحضر عظمة خالقه. مرقاة المفاتيح (4/ 1679).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«ثلاثًا» أي: كرَّر الحمد ثلاثًا؛ لعظمة تلك النعمة التي لا يقدر عليها غير الله سبحانه، والتكبير كذلك لمزيد إعظام الله وتنزيهه. أشرف الوسائل (ص: 324).
قوله: «ثم قال: سبحانك إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إني ظلمتُ نفسي» فيه دليل على أن الإنسان لا يَعْرَى من ذنبٍ وتقصير، كما قال -عليه السلام-: «كلُّ ابن آدم خَطَّاءٌ وخير الخطائين التوابون» ولو كان ثَمَّ حالة تَعرى عن الذنب والتقصير لما طابق هذا الإخبار عن ظلم النفس، ثم إن التقصير في طلب معالي الأمور، والتوسل بطاعة الله وتقواه إلى رفع الدرجات عند الله لا يبعد أن يَصْدُقَ عليه اسم الظلم بالنسبة لما يقابله من المبالغة في التشمير لذلك، والله الموفق.
والمراد بالنفس هنا الذات، أي: ظلمتُ ذاتي بوضع المعاصي التي هي سبب العقوبة موضع الطاعات التي هي سبب النجاة، «فاغفر لي» ذنوبي، وتقصيري، «إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» المغفرة والغفران، معناهما: الستر والتغطية، ونقل ابن الجوزي عن بعض أهل اللغة: أنها مأخوذة من الغَفْرِ، وهو نبت تُداوى به الجراح إذا ذُرَّ عليها دَمَلَها وأبرأها، وقوله: «لا يغفر الذنوب إلا أنت » إقرار بوحدانية الله، واستجلابٌ لمغفرته، كما قال تعالى: «عَلِمَ أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب» وقال تعالى: {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} آل عمران: 135. شرح سنن أبي داود (11/314، 315).
قوله: «ثم ضحك فقيل: يا أمير المؤمنين، مِن أيِّ شيء ضحكتَ؟»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ثم ضحك» يعني: عليًّا -رضي الله عنه- شرح سنن أبي داود (11/ 315).
قوله: «قال: رأيتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل كما فعلتُ، ثم ضحك، فقلتُ: يا رسول الله، مِن أيِّ شيء ضحكتَ؟»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قال: فقال: رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعل كما فعلتُ» من الركوب والدعاء والذكر «ثم ضحك» ولم أعلم سبب ضحكه... «فقلتُ: يا رسول الله، من أي شيء ضحكتَ؟» ولم يظهر لنا ما يوجب الضحك. شرح سنن أبي داود (11/314، 315).
قوله: «قال: إن ربك يَعْجَبُ مِن عبده»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يعجب» بفتح الجيم. مرقاة المفاتيح (4/ 1690).
وقال أبو يعلى الفراء -رحمه الله-:
إثبات صفة العُجب لربنا -تبارك وتعالى-... وأنَّه لا يمتنع إطلاق ذلك عليه، وحمله على ظاهره؛ إذ ليس في ذلك ما يحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه؛ لأنَّا لا نثبت عجبًا هو تعظيم لأمرٍ دهمه استعظمه لم يكن عالمًا به؛ لأنَّه مما لا يليق بصفاته، بل نثبت ذلك صفةً كما أثبتنا غيرها من صفاته. إبطال التأويلات (ص: 244-245).
وقال الشيخ محمد خليل هراس -رحمه الله-:
وليس عجَبُه سبحانه ناشئًا عن خفاء في الأسباب، أو جهل بحقائق الأمور؛ كما هو الحال في عجب المخلوقين، بل هو معنى يحدث له سبحانه على مقتضى مشيئته وحكمته، وعند وجود مقتضيه، وهو الشيء الذي يستحق أن يتعجب منه. شرح العقيدة الواسطية (ص: 170).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أجمع السلف على ثبوت العجب لله، فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهو عجب حقيقي يليق بالله، وفسَّره أهل التعطيل بالمجازاة...، والعجب نوعان:
أحدهما: أنْ يكون صادرًا عن خفاء الأسباب على المتعجِّب، فيندهش له ويستعظمه، ويتعجب منه، وهذا النوع مستحيل على الله؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء.
الثاني: أنْ يكون سببه خروج الشيء عن نظائره، أو عما ينبغي أن يكون عليه مع عِلم المتعجِّب، وهذا هو الثابت لله تعالى. شرح لمعة الاعتقاد (ص: 15-16).
وقال ابن المحب -رحمه الله-:
لا يلزمه -سبحانه وتعالى- شيء مما يلزم تعجُّب المخلوقين؛ لأن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، سبحانه وتعالى عما يقول المشبِّهة والمعطِّلة علوًّا كبيرًا، فلا يجمع بين صفاته وصفات خلقه إلا مجرد التسمية، فنحن لنا عِلم وقدرة، وسمع وبصر، ورضا وغضب، وتعجبٌ حقيقةً، وهي أعراض كما تناسب ذواتنا، والله -عز وجل- له عِلم وقدرة، وسمع وبصر، ورضا وغضب، وتعجب حقيقة غير أعراض كما تناسب ذاته، لكنا لا نعلم حقيقتها وكيفيتها وماهيتها؛ لأنا إذا كنا لا نعلم حقيقة الموصوف وكيفيته وكُنهه، فكيف نعلم صفاته؟ فإذا كان إثبات ذاته إثبات وجودٍ حقيقة لا إثبات كيفية وماهيته، فكذلك إثبات جميع ما وَصف به نفسه إثبات وجود حقيقة لا إثبات كيفية وتحديد، وقد ورد في السنة غير حديث أنَّ الله يعجب. صفات رب العالمين (3/ 1172).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
قد يكون مقرونًا بجهل؛ بسبب التعجب، وقد يكون لمَّا خرج عن نظائره، والله تعالى بكل شيء عليم، فلا يجوز عليه أن لا يعلم سببَ ما تَعَجَّبَ منه، بل يتعجب لخروجه عن نظائره؛ تعظيمًا له، والله تعالى يُعَظِّم ما هو عظيم؛ إما لعظمة سببه أو لعظمته. مجموع الفتاوى (6/ 123).
قوله: «إذا قال: اغفر لي ذنوبي»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إذا قال:» رب «اغفر لي ذنوبي» إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. شرح سنن أبي داود (11/ 316).
قوله: «يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«يعلم» أي: عَلِمَ أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، و«أنه لا يغفر الذنوب غيري» أي: ليس أحد يغفر المعصية غيري، ولا يزيل عقوبتها إلا أنا. شرح سنن أبي داود (11/ 316).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: خدمة العالِم بتقديم الدابة إليه، وإعانته في الركوب...
وفيه: دليل على جواز الرِّكاب والاستعانة به...
(و) فيه: استحباب حمد الله عند كل نعمة متجددة...
وفيه: الجمع بين حمد الله والآية...
وفيه: استحباب التثليث في الأقوال والأفعال...
(و) فيه: سؤال العالِم إذا فعل ما لا يتضح معناه عنه سببه؛ ليُقتدى به فيه...
وفيه: أن الإنسان يفعل الفعل الحسن وإن لم يكن له داعية من نفسه؛ تشبُّهًا بأهله، كما قال -عليه السلام-: «إن لم تبكوا فتباكوا». (ضعيف). شرح سنن أبي داود (11/312- 315).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- دعاء السفر عند الركوب والرجوع.
- فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في التوقيت الصحيح لقول دعاء السفر وهل يشرع عند ركوب الدابة أم الخروج من البنيان.