«ما من ثلاثة في قَرْيَة ولا بَدْو لا تُقام فيهم الصلاة إلا قد اسْتَحْوَذَ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة؛ فإنما يأكل الذِّئب القَاصِيَة».
رواه أحمد برقم: (21710)، وأبو داود برقم: (547)، والنسائي برقم: (847)، واللفظ لهما، من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-.
ولفظ أحمد: «ما من ثلاثة في قرية لا يُؤذَّن ولا تُقام فيهم الصلاة... ».
صحيح الجامع برقم: (5701)، صحيح سنن النسائي برقم: (817).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«قَرْيَة»:
القَرية: كل مكان اتصلت فيه الأبنية واتُخذ قرارًا، وجمعها قُرى، ويقع ذلك على المدن وغيرها. كفاية المتحفظ، لابن الأجدابي (ص: 172).
«استحوذ»:
أي: استولى عليهم، وحواهم إليه. النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (1/ 457).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
غَلَبَهُ واستماله إلى ما يريده منه. المصباح المنير (1/ 155).
«القَاصِيَة»:
القَاصِي، والقَاصِية، والقَصِيُّ، والقَصِيَّة من الناس والمواضع: المتنحِّي البعيد. لسان العرب، لابن منظور (15/ 184).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
القاصية: المنفردة عن القطيع البعيدة منه. النهاية (4/ 75).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «ما من ثلاثة»:
قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «ما من ثلاثة» «ما» نافية، و «من» زائدة لتوكيد عموم النفي. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (5/ 1742).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
«ثلاثة» المراد: ثلاثة أشخاص، وخصصه بعضهم بالرجال دون النساء. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (5/ 1742).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ما من ثلاثة» مسلمين. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 459).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ثلاثة» مقيمين «في قرية». دليل الفالحين (6/ 555).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
لا مفهوم للعدد، بل الاثنان كذلك؛ لحديث: «الاثنان جماعة»...، وفيه مأخذ لمن أوجب الجماعة. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 459).
وقال العيني -رحمه الله-:
وإنما عنى الثلاثة؛ لأن أقل الجمع ثلاثة حتى يقام بهم الجُمعة، ويفهم من هذا: أن الاثنان في موضع إذا صلى كل واحد بذاته لا يأثمان، وقد روي أن الاثنان وما فوقهما جماعة. شرح أبي داود (3/ 18).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
تقييده بالثلاثة المفيد ما فوقهم بالأَولى نظرًا إلى أقل أهل القرية غالبًا... وأنه أكمل صور الجماعة، وإن كان يُتصور باثنين. مرقاة المفاتيح (3/ 839).
قوله: «في قرية»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «في قرية» القرية: المدينة، سميت قرية لاجتماع الناس فيها، مِن قَرَيْتُ الماء في الحوض إذا جَمَعْتُه، ويقال: قِرية -بالكسر- لغة يمانية، ومكة أم القرى.شرح أبي داود (3/ 17).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «في قرية» أي: يسكنون في قرية، وهي محل اجتماع الناس القاطنين كبيرة كانت أو صغيرة، ثم كثر استعمالها في البلد الصغير. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (5/ 1742).
قوله: «ولا بدوٍ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«ولا بدو» أي: بادية. شرح المصابيح (2/ 99).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ولا بدو» على وزن فَلْس، وهو خلاف الحضر. شرح سنن أبي داود (3/ 534).
وقال السندي -رحمه الله-:
أي: بادية، أي: صحراء وبرية. فتح الودود (1/ 358).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
والمراد: مَن يستوطن مكانًا دون آخر، بل ينتجع بالماشية فيتبع بها المرعى حيث وجده. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (5/ 1742).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وهو بإطلاقه يؤيد مذهبنا أن الجماعة سُنة للمسافرين أيضًا، لكن حال نزولهم للحرج في حال سيرهم.
وقال ابن حجر (الهيتمي): أي: بشرط سكناهم بها، وإلا لم تلزمهم الجماعة عندنا (أي: الشافعية). مرقاة المفاتيح (3/ 839).
قوله: «لا تقام فيهم الصلاة»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«لا تقام فيهم الصلاة» أي: صلاة الجماعة. شرح سنن أبي داود (3/ 534).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «لا تقام فيهم الصلاة» أي: لا يؤَذِّنُون للصلاة، ولا يجتمعون لإقامتها، وقد تقدم أن إقامتها: فعلها على الوجه الأكمل مع المواظبة على ذلك، و (أل) في «الصلاة» للعهد الذهني؛ لأن المراد الخَمس المنصوص عليها في الكتاب والسنة، وهي المختصة بالأذان لها دون غيرها من الصلاة. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (5/ 1742).
قوله: «إلا قد استحوذ عليهم الشيطان»:
قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «إلا» أداة استثناء، وقوله: «قد استحوذ» «قد» للتحقيق، و«استحوذ» أي: استولى عليهم، واستأصلهم الشيطان بصرفه إياهم عن سنة نبيهم، والإتيان بواجب إيمانهم، فهذا أقصى مراد الشيطان من الإنسان أن يطيعه في ترك فعل ما أوجبه الله عليه. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (5/ 1742).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«استحوذ الشيطان» وهو غَلَبَتُه، وإنما يكون بما يكون معصية. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 332).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«استحوذ عليهم الشيطان» أي: استولى عليهم وغلبهم؛ لأنه تَرْكُ شعارٍ من شعار الإسلام، وأمور الشريعة بغير عذر من متابعة الشيطان واستيلائه. شرح سنن أبي داود (3/ 534).
وقال السندي -رحمه الله-:
قيل: المراد: أن الشيطان يتسلط على من يخرج عن عقيدة أهل السنة والجماعة، والأوفق بالحديث أن المنفرد ما ذكره السائب أي: يتسلط على من يعتاد الصلاة بالانفراد، ولا يصلي مع الجماعة، والله تعالى أعلم. حاشية السندي على سنن النسائي (2/ 107).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
شبَّه استيلاء الشيطان بوساوسه على المنفرد، وتمكُّنه منه كيفما أراد عند بُعده عن الجماعة باستيلاء الذئب على المنفردة من الغنم عند بعدها عن جماعتهنّ، ففي الكلام استعارة مكنية تتبعها استعارة تخييلية. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (6/ 556).
قوله: «فعليك بالجماعة»:
قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «فعليكم بالجماعة» الفاء سببية. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (5/ 1742).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الفاء فصيحة، أي: إذا كان الأمر كذلك مِن تسلُّط الشيطان على من لا يؤدون الصلاة جماعة، فالزموا الجماعة، ثم علل ذلك بقوله: «فإنما يأكل الذئب القاصية».ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (10/ 534).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«فعليك بالجماعة» أي: الزم الجماعة. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 221).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «بالجماعة» أعم من أن تكون جماعة الصلاة، أو جماعة المسلمين. شرح أبي داود (3/ 17).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فعليك بالجماعة» من الخطاب العام الذي لا يختص بسامع دون آخر تفخيمًا للأمر، والفاء الأولى مسبِّبه عن قوله: «قد استحوذ عليهم الشيطان»، والثانية سببية عن المجموع، يعني: إذا عرفت هذه الحالة فاعرف مثاله في الشاهد.
ويحتمل: أن يراد بالصورة الأُولى صورة الإمامة الصغرى، وحال انفراد الرجل عنها، واستيلاء الشيطان عليه فاعرف حال الإمامة الكبرى، وقِس عليها حال المنفرد، وغلبة الشيطان عليه، كما ... في قوله: «يد الله علي الجماعة، ومن شَذَّ شَذَّ في النار» الحديث. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1133).
قوله: «فإنما يأكل الذئب القاصية»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فإنما» الفاء للتعليل. شرح أبي داود (3/ 17).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
«إنما» للحصر. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (5/ 1742).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله- أيضًا:
«الذئب» المراد به: الحيوان المفترس للغنم وغيره، فلا يخص المسمى بالذئب دون غيره مما يفترس الماشية من الغنم ويأكلها، ولا مفهوم أيضًا للغنم المذكور في بعض الروايات من سائر المواشي؛ إذ العلة في ذلك واحدة. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (5/ 1742).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«فإنما يأكل الذئب القاصية» أي: الشاة البعيدة من السّرب والراعي. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 332).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «وإنما يأكل الذِّئب القاصية» تقديره: الشاة القاصية، أي: البعيدة من الأغنام، يعني: الشيطان بعيد من الجماعة كما أن الذئب لا يأكل الغنم المجتمعة؛ لاطِّلاع الراعي عليها، ويستولي الشيطان على مَن فارق الجماعة كما أن الذئب يأكل الشاة المفردة عن الأغنام، والراعي للجماعة: نَظَرْ الله إلى الجماعة، وحِفْظُه إياهم، كقوله -عليه السلام-: «يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار». المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 221).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «القاصية» أي: الشاة المنفردة عن القطيع، البعيدة منه، من قصا المكان يَقْصُو قُصُوًّا: بَعُدَ، فهو قَصِي. شرح أبي داود (3/ 18).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وفيه: دلالة لما نقله صاحب التلخيص عن القديم أن الجمعة تصح ابتداء من ثلاثة رجال والإمام ثالثهم، قال إمام الحرمين: وقد بحث الأئمة عن كتب الشافعي في القديم فلم يجدوا هذا القول أصلًا فردوه. شرح سنن أبي داود (3/ 534).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أما في الجمعة فلا تجب إلا إذا كانوا ثلاثة فأكثر في غير البرية، أما البادية والمسافرون في البَرِّ فليس عليهم جمعة، لكن القرى والأمصار فيها جمعة، وأدنى ما يكون ثلاثة.
فإن قيل كيف يمكن أن تكون قرية أو مدينة ليس فيها إلا ثلاثة؟
فالجواب: يمكن هذا بأن يكون من في هذه المدينة مسافرون جاءوا للدراسة مثلًا كما يوجد الآن في المجتمعات في بعض البلاد الخارجية، يكون من فيها من المواطنين ثلاثة فقط، والباقون كلهم مسافرون جاءوا للدراسة، فهؤلاء تلزمهم الجمعة؛ لأن فيها ثلاثة مواطنين، وأما البادية فلا تجب عليهم الجمعة؛ لأن الجمعة لا تكون إلا في القرى والأمصار، ولهذا لم تكن البادية في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم حول المدينة يقيمون الجمعة. شرح رياض الصالحين (5/ 79).
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
(قال زائدة: قال السائب: يعني بالجماعة) أي يريد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجماعة (الصلاة في جماعة) بقرينة قوله: «لا تُقام فيهم الصلاة»؛ فإن المراد بإقامة الصلاة إقامة الصلاة بالجماعة، وإلَّا فيمكن أن يُحمل على الأمر العام من الأعمال والاعتقاد، أي الزم الجماعة العامة في جميع الأعمال والأحوال والاعتقادات، ويدخل فيه الصلاة بالأولى. بذل المجهود (3/٣٧٨).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
والحديث استُدل به على وجوب الأذان والإقامة؛ لأن الترك الذي هو نوع من استحواذ الشيطان يجب تجنُّبه، وإلى وجوبهما ذهب أكثر العترة وعطاء، وأحمد بن حنبل، ومالك والإصطخري كذا في البحر، ومجاهد والأوزاعي وداود كذا في شرح الترمذي، وقد حكى الماوردي عنهم تفصيلًا في ذلك، فحكى عن مجاهد أن الأذان والإقامة واجبان معًا لا ينوب أحدهما عن الآخر، فإنْ تركهما أو أحدهما فسدت صلاته.
وقال الأوزاعي: يعيد إن كان وقت الصلاة باقيًا، وإلا لم يُعِدْ، وقال عطاء: الإقامة واجبة دون الأذان، فإن تركها لعذر أجزأه ولغير عذر قضى.
وفي البحر أن القائل بوجوب الإقامة دون الأذان الأوزاعي، وروي عن أبي طالب أن الأذان واجب دون الإقامة.
وعند الشافعي وأبي حنيفة أنهما سنة، واختلف أصحاب الشافعي على ثلاثة أقوال: الأول: أنهما سنة.
الثاني: فرض كفاية.
الثالث: سنة في غير الجمعة، وفرض كفاية فيها، وروى ابن عبد البر عن مالك وأصحابه أنهما سنة مؤكدة واجبة على الكفاية.
وقال آخرون: الأذان فرض على الكفاية ومِن أدلة الموجبين للأذان: قوله في حديث مالك بن الحويرث...: «فليؤذِّن لكم أحدكم».
وفي لفظ للبخاري: «فأَذِّنا ثم أَقِيْمَا»، ومنها حديث أنس المتفق عليه بلفظ: «أَمَر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة» والآمر له النبي -صلى الله عليه وسلم-...
ومنها: ما في حديث عبد الله بن زيد ... من قوله: «إنها لرؤيا حق -إن شاء الله-، ثم أمر بالتأذين»، و... قوله -صلى الله عليه وسلم- لعثمان بن أبي العاص: «اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا».
ومنها: حديث أنس عند البخاري وغيره قال: «إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أغزى بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يُصبِّح وينظر، فإن سمع أَذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم».
ومنها: طول الملازمة من أول الهجرة إلى الموت لم يثبت أنه ترك ذلك في سفر ولا حضر إلا يوم المزدلفة، فقد صحح كثير من الأئمة أنه لم يؤذّن فيها، وإنما أقام، على أنه قد أخرج البخاري من حديث ابن مسعود «أنه -صلى الله عليه وسلم- صلاها في جَمْعٍ (أي: المزدلفة) بأذانين وإقامتين»، وبهذا الترك على ما فيه من الخلاف احتجَّ من قال بعدم الوجوب، وخص بعض القائلين بالوجوب الرجال بوجوبهما ولم يوجبهما على النساء؛ استدلالًا بحديث: «ليس على النساء أذان ولا إقامة» عند البيهقي من حديث ابن عمر بإسناد صحيح إلا أنه قال ابن الجوزي: لا يُعرف مرفوعًا، وقد رواه البيهقي وابن عدي من حديث أسماء مرفوعًا، وفي إسناده الحكم بن عبد الله الأيلي، وفيه ضعف جدًّا، وبحديث: «النساء عَيٌّ وعورات، فاستروا عِيَّهُنَّ بالسكوت، وعوراتهن بالبيوت». نيل الأوطار (2/ 38-39).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وقد استدل بعض أصحابنا (الشافعية) بهذا الحديث على أن الجماعة فرض كفاية على الرجال، فتجب بحيث يظهر الشعار في القرية، ولا يشترط أن يحضرها جمهور أهلها، ولا فرق في هذا الفرض بين أهل القرى والبوادي والمسافرين؛ لأن الوعيد فيه لأهل القرية والبدو، والمسافرين في معناهم، وتوقف إمام الحرمين في البوادي، ورد عليه النووي بقوله في هذا الحديث: «ولا بدو». شرح سنن أبي داود (3/ 534).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وهذا الحديث يدل على ما ترجم له المصنف (يعني: أبا داود) (التشديد في ترك الجماعة) من أهمية الجماعة، وخطورة تركها، وأن عدم الإتيان بالصلاة جماعة فيه استحواذ الشيطان على هؤلاء الذين لا يصلون جماعة، سواءٌ أكانوا أهل قرية أم في بادية، فإنه يجب عليهم أن يصلوا جماعة، فأهل القرية يصلون جماعة، وأهل البادية الذين هم في بيوت شَعْرٍ وصوف ويتنقلون من مكان إلى مكان عندما يقطنون ويكونون في مكان يجتمعون لصلاة الجماعة ويصلون جماعة، ولا يصح أن كل واحد يصلي بمفرده، بل إن صلاة الجماعة ما تُركت في حال الخوف، حيث جاء الكتاب وجاءت السنة في بيان أن الصلاة تُقام جماعة، وأن الإمام يقسم الجيش إلى مجموعتين: مجموعة تصلي أولًا مع الإمام وتكمل لنفسها، ثم تأتي المجموعة الثانية وتصلي مع الإمام آخر صلاته وتكمل لنفسها ثم تسلم. شرح سنن أبي داود (76/ 3).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «وعليكم بالجماعة» دليل على أنه لا ينبغي للمسلمين الافتراق والاختلاف، وأنه واجب عليهم الاجتماع، وأن الشرود عن الجماعة سبب في الهلاك؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- شبه ذلك بالقاصية من الغنم البعيدة يأكلها الذئب فتهلك، فهكذا الذي يشذُّ عن الجماعة حتى لو برأي ينفرد به ويظن أن النصوص معه وتدل عليه، فإن الواجب إذا رأى الإنسان في رأي أن النصوص تدل على خلاف ما يراه الجمهور، فالواجب عليه أن يعيد النظر مرة بعد أخرى؛ إذ لا يمكن أن يكون الجمهور توهموا وأنت الذي أصبت. شرح رياض الصالحين (5/ 79-80).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فعليك» رواية النسائي: «فعليكم» «بالجماعة» فيه: الحث والتحريض على الصلاة في الجماعة، ثم ذكر العلة في ذلك: «فإنما يأكل الذئب» من الغنم الشاة «القاصية». شرح سنن أبي داود (3/ 535).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
دلَّ الحديث على تأكيد أمر الصلاة في الجماعة للحاضر والبادي، وعلى التحذير من تركها...
وعلى مشروعية ضرب الأمثال تقريبًا للأفهام المنهل العذب المورود (4/ 232).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
الحديث الذي ذكره ظاهره يدل على أن الجماعة فرض عين، أو واجب على مختار مذهبنا (الأحناف)، ولا يدل على أنها فرض كفاية، وإنما قيّد بالثلاثة؛ لأنها أقل كمال الجماعة في غير الجمعة. مرقاة المفاتيح (3/ 833).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
الكلام فيه تشبيه؛ لأن المشبَّه والمشبَّه به مذكوران، شبَّه مَن فارق الجماعة التي يد الله عليهم أي: حفظه وكلاته، ثم هلاكه في أودية الضلال المؤدية إلى النار بسبب تسويل الشيطان بالشاة المنفردة عن القطيع البعيدة عن نظر الراعي، ثم يسلّط الذئب عليها، وجعلها فريسة له. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1133).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
الانفراد أو الشذوذ عن الجماعة والصلاة في حال انفراد هو من استحواذ الشيطان على الإنسان، ومِن عمل الشيطان، ومن كيد الشيطان، ومن مكر الشيطان بالإنسان، فكما أن الذئب يأكل القاصية المنفردة عن الغنم فكذلك الشيطان يستولي أو يستحوذ على مَن يشذ وينفرد عن الناس ولا يصلي مع الناس. شرح سنن أبي داود (76/ 3).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
هذا على طريق ضربِ الْمَثَل، فشبه الشيطان في بُعده واعتزاله عن جماعة المسلمين بالذئب، فإنه لا يأكل من الغنم المتجمعة التي تحت اطلاع الراعي وملاحظته، ويستولي الشيطان على من فارق الجماعة، كما أن الذئب يأكل المنفردة من الأغنام، والراعي لجماعة المصلين هو نظر الله إلى الجماعة المصلين وحفظه. شرح سنن أبي داود (3/ 535).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- التحذيرُ من ترك صلاةِ الجماعة.
- فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم من يقيم في بلد لا تُقام فيه صلاة الجمعة وكيفية صلاته.