«نحن أَحَقُّ بالشك من إبراهيم -صلَّى الله عليه وسلَّم- إذ قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} البقرة: 260، قال: ويَرحم الله لوطًا، لقد كان يَأْوِي إلى رُكن شديد، ولو لبِثتُ في السَّجن طول لَبْثِ يوسف لأَجَبْتُ الدَّاعيَ».
رواه البخاري برقم: (3372)، ومسلم برقم: (151)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«بالشَّكِّ»:
الشك: الارتياب، ويُستعمل الفعل لازمًا ومتعديًا بالحرف، فيقال: شكَّ الأمر يشكُّ شكًّا إذا الْتَبَسَ، وشَكَكْتُ فيه.
قال أئمة اللغة: الشك خلاف اليقين، فقولهم: خلاف اليقين هو التردد بين شيئين سواء استوى طرفاه أو رُجِّح أحدهما على الآخر. المصباح المنير، للفيومي(1/ 320).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
الشكُّ: نقيض اليقين، وجمعه شُكُوك، وقد شككت في كذا وتشكَّكت، وشكَّ في الأمر يشك شكًّا وشكَّكَه فيه غيره. لسان العرب (10/ 451).
«يَأْوِي»:
أويتُ منزلي وإلى منزلي أَوْيًا وإِوْيًا وأَوَيتُ وتَأَوَّيتُ وأْتَوَيتُ، كله: عُدْتُ. لسان العرب، لابن منظور (14/ 51)
قال الفيومي -رحمه الله-:
أوى إلى منزله يأوي، من باب ضرب، أَوْيًا أقام، وربما عُدِّي بنفسه. المصباح المنير (1/ 32).
«رُكْن شديد»:
رُكْنُ الإنسان: قُوَّته وشِدته، وكذلك ركْنُ الجبل والقصر، وهو جانبه، وركن الرجل: قومه وعَدَدُه ومَادَّتُه، وفي التنزيل العزيز: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} هود: 80. لسان العرب، لابن منظور(13/ 185).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
أراد عِزَّ العشيرة الذين يَستند إليهم كما يَستند إلى الركن من الحائط. النهاية (2/ 260).
«لَبِثْتُ»:
لَبِثَ يَلْبَث لبْثًا، بسكون الباء، وقد تُفتح قليلًا على القياس، وقيل: اللَّبْث: الاسم، واللُّبث بالضم: المصدر. النهاية لابن الأثير (4/ 224).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
اللَّبْثُ واللَّبَاثُ: الْمُكْثُ، قال الله تعالى: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} النبأ: 23. لسان العرب (2/ 182).
شرح الحديث
قوله: «نحن أحق بالشَّكِّ من إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
ضمير «نحن» للرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- وأمَّته، أو له -صلى الله عليه وسلم- وللأنبياء مِن قبله، أي: نحن معشر الأنبياء، ويبعد أن يكون له -صلى الله عليه وسلم- على جهة تعظيم نفسه. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (1/ 480).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«نحن أحق بالشَّك من إبراهيم» أي: بالشك في كيفية الإحياء لا في نفسه. منحة الباري بشرح صحيح البخاري (6/ 455).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
هذا نفي للشيء بتعليق إثباته على إثبات منفي آخر، والمعنى: أننا لا نشك في إحياء الموتى، فإبراهيم -عليه السلام- أولى ألا يشك، فكان سؤاله ربه أن يريه كيفية إحياء الموتى من غير شك منه في القدرة. منة المنعم في شرح صحيح مسلم (4/ 63).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
مذهب هذا الحديث التواضع، والهضم من النفس، وليس في قوله: «نحن أحق بالشَّكِّ من إبراهيم» اعتراف بالشَّك على نفسه، ولا على إبراهيم -عليه السلام-، لكن فيه نفي الشَّك عن كل واحد منهما، يقول: إذا لم أشك أنا ولم أَرْتَبْ في قُدرة الله تعالى على إحياء الموتى فإبراهيم أولى بألا يشُك فيه، وألا يرتاب، وفيه الإعلام أن المسألة مِن قِبل إبراهيم لم تعرض من جهة الشك، لكن مِن قِبل طلب زيادة العلم، واستفادة معرفة كيفية الإحياء، والنفس تجد من الطمأنينة بعلم الكيفية ما لا تجده بعلم الآنيَّة، والعلم في الوجهين حاصل، والشك مرفوع، وقد قيل: إنما طلب الإيمان بذلك حسًا وعيانًا؛ لأنه فوق ما كان عليه من الاستدلال، والمستدِلُّ لا يزول عنه الوساوس والخواطر، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس الخبر كالمعاينة»، وحكي لنا عن ابن المبارك في قوله: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} البقرة: 260 قال: ليرى مَن أَدْعُوهم إلى طاعتك منزلتي منك ومكاني فيجيبوني إلى طاعتك. أعلام الحديث (3/ 1545).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
يريد به تعظيم أمره، وتفخيم شأنه، وأن سؤاله هذا لم يكن لنقصان في عقيدته، بل لكمال فكرته، وعلو همته، الطالبة لحصول الاطمئنان بالوصول إلى درجة العيان والترقي من علم اليقين إلى عين اليقين. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (3/ 444).
وقال ابن حبان -رحمه الله-:
لم يُرد به إحياء الموتى، إنما أراد به في استجابة الدعاء له، وذلك أن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} البقرة: 260، ولم يتيقن أنه يُستجاب له فيه، يريد: في دعائه وسؤاله ربه عما سأل، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» به في الدعاء؛ لأنا إذا دعونا ربما يُستجاب لنا، وربما لا يستجاب، ومحصول هذا الكلام: أنه لفظةُ إخبار مرادها التعليم للمخاطب له. صحيح ابن حبان (14/ 89).
وقال أبو عوانه -رحمه الله-:
سمعت أبا حاتم الرازي يقول: يعني: نحن أحق بالمسألة.
وسمعت القاضي إسماعيل يقول: كان يَعْلَمَ بقلبه أن الله يحيي الموتى، ولكنه أحبَّ أن يَرى معاينة. مستخرج أبي عوانة (1/ 78).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
أما قوله: «أنا أحق بالشك من أبي إبراهيم -عليه السلام-»، فإنه لما نزل عليه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} البقرة: 260، قال قوم: سمعوا الآية: شكَّ إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، ولم يشكَّ نبينا -صلى الله عليه وسلم-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أنا أحق بالشك من أبي إبراهيم -عليه السلام-» تواضعًا منه، وتقديمًا لإبراهيم على نفسه، يريد: أنَّا لم نشك، ونحن دونه، فكيف يشك هو؟ تأويل مختلف الحديث (ص: 159-160).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وقال غير ابن قتيبة: لم يشك إبراهيم -عليه السلام- أن الله يحي الموتى وإنما قال: أرني كيف، والجهل بالكيفية لا يقدح في اليقين بالقدرة؛ إذ ليس من المؤمنين أحد يؤمن بالغيوب وبخلق السموات والأرض إلا وقد يجهل الكيفية، وذلك لا يقدح في إيمانه، فضرب الله تعالى مثلًا لإبراهيم من نفسه، فقال له: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ} الآية البقرة: 260، فكما أُحيي هذه الطير عن دعوتك، فكذلك أحيي أهل السموات والأرض عن نفحة الصور. شرح صحيح البخاري (9/ 525).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
ليس في هذا إثبات شك نبينا -صلى الله عليه وسلم- ولا لإبراهيم -عليه السلام-، بل هو متضمِّن نفي الشك عنهما؛ لأن المعنى: إذا لم أَشُك بما في قدرة الله تعالى عليه إحياء الموتى فإبراهيم أولى أن لا يشك؛ فكأنه نبه بهذا على أن إبراهيم ما سأل لأجل الشك نطق يفيده اليقين، ومشاهدة كيفية الإحياء، والدليل على ذلك: أن الله تعالى قال له: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى} البقرة: 260، فكيف يَظنُّ ظانٌّ أن إبراهيم يقول لربه: {بَلَى} البقرة: 260، إلا جوابًا لقوله: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} البقرة: 260، وإبراهيم يعلم أن الله يعلم من إبراهيم صدقه في قوله: {بَلَى} البقرة: 260. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 133-134).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في معنى «نحن أحق بالشك من إبراهيم» على أقوال كثيرة، أحسنها وأصحها ما قاله الإمام أبو إبراهيم المزني صاحب الشافعي، وجماعات من العلماء: معناه: أن الشك مستحيل في حق إبراهيم، فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقًا إلى الأنبياء لكنتُ أنا أحق به من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشك، فاعلموا أن إبراهيم -عليه السلام- لم يشك، وإنما خص إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لكون الآية قد يَسبق إلى بعض الأذهان الفاسدة منها احتمال الشك، وإنما رجَّح إبراهيمَ على نفسه -صلى الله عليه وسلم- تواضعًا وأدبًا، أو قَبل أن يَعلم -صلى الله عليه وسلم- أنه خير ولد آدم.
قال صاحب التحرير: قال جماعة من العلماء: لما نزل قول الله تعالى: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} البقرة: 260 قالت طائفة: شكَّ إبراهيم، ولم يشكَّ نبينا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- نحن أحق بالشك منه، فذكر نحو ما قدمته، ثم قال: ويقع لي فيه معنيان:
أحدهما: أنه خرج مخرج العادة في الخطاب، فإن من أراد المدافعة عن إنسان قال للمتكلَّم فيه: ما كنتَ قائلًا لفلان أو فاعلًا معه من مكروه فقله لي، وافعله معي، ومقصوده: لا تقل ذلك فيه.
والثاني: أن معناه: أن هذا الذي تظنونه شكًّا أنا أولى به، فإنه ليس بشك، وإنما هو طلب لمزيد اليقين، وقيل: غير هذا من الأقوال، فنقتصر على هذه؛ لكونها أصحها وأوضحها، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (2/ 183).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في هذا السؤال، هل صدر عن شك وقع أم لا؟
فهم فرقتان: المثبِتة للشك، والنافية له، فالمثبِتون اختلفوا فيمن وقع له هذا الشك، فمنهم من قال: إنما وقع الشك لأمَّة إبراهيم، بدليل أول القصة، وهو قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ}... الآية البقرة: 258، فسأل إبراهيم ربه تعالى أن يريه وأمَّته كيفية إحياء الموتى؛ ليطمئن قلبه بظهور حجته عليهم، وبإزالة الشك عنهم، قاله الضحاك، وابن إسحاق.
ومنهم من قال: الشك من إبراهيم، لكن في ماذا اختلفوا فيه، فمنهم من قال: في الإحياء، حكي عن ابن عباس أنه قال: "دخل قلبَه بعضُ ما يدخل على القلوب"، وهذا لا يصح نقله ولا معناه؛ لأن الله تعالى قد أخبر عنه في أول القصة بأنه قال للمحتجِّ عليهم: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} البقرة: 158، وكيف يجوز على الأنبياء مثل هذا الشك، وهو كفر؟ فإن الأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث.
ومنهم من قال: وقع له الشك في كونه خليلًا، أو في كونه مجاب الدعوة، فسأل الله تعالى ودعاه بأن يريه إحياء الموتى؛ حتى يطمئن قلبه بذلك.
ومنهم من قال: وقع له شك في كيفية الإحياء، لا في أصل الإحياء، قال الحسن: رأى جيفة نصفها في البر توزعها السباع، ونصفها في البحر توزعها دواب الماء، فلما رأى تفرُّقها أحب أن يرى انضمامها، فسأل ليطمئن قلبه برؤية كيفية الجمع، كما رأى كيفية التفريق، ويتنزل قول نبينا -صلى الله عليه وسلم-: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» على هذه الأقوال واحدًا واحدًا، بحسب ما يليق به.
وأما النافون للشك فاختلفوا، فمنهم من قال: أُري من نفسه الشك، وما شكَّ، ولكن ليجاب فيزداد قُربه، قال القاضي (عياض): وهذا تكلُّف في اللفظ والمعنى.
ومنهم من قال: لم يشكَّ إبراهيم، وقول نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» نفي للشك عنه، لا إثبات له، فكأنه قال: نحن موقنون بالبعث وإحياء الموتى، فلو شك إبراهيم لكنا نحن أولى بذلك منه، على طريق الأدب، وإكبار حال إبراهيم -عليه السلام- لا على جهة أنه وقع شك لواحد منهما.
ومنهم من قال: إنما جاوب نبينا -صلى الله عليه وسلم- بقوله: نحن أحق بالشك مَن سَمِعَه يقول: شكَّ إبراهيم، ولم يشك نبينا، فقال ذلك.
قلتُ: هذه جملة ما سمعناه من شيوخنا، ووقفنا عليه في كتب أئمتنا، وكلها محتمل يرتفع به الإشكال، إلا ما حكي عن ابن عباس؛ فإنه قول فاسد، وليس في الآية ما يدل على أن إبراهيم شك، بل الذي تضمنته أن إبراهيم -عليه السلام- سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها، واتصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها، فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، بقوله: {أَرِنِي كَيْفَ} البقرة: 260 طلب مشاهدة الكيفية. المفهم (7/ 316-317).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
ومثل هذا مِن تواضعه -عليه السلام- قوله: «لا تفضلوني على يونس ابن متى» فخصَّ يونس وليس كغيره من أولي العزم من الرسل، فإذا كان لا يحب أن يُفضَّل على يونس فغيره من الأنبياء بأن لا يحب أن يُفضل عليهم. شرح صحيح البخاري (9/ 525).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
معلوم أن إبراهيم كان مؤمنًا كما أخبر الله عنه بقوله: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى} البقرة: 260 ولكن طلب طمأنينة قلبه كما قال: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} البقرة: 260 فالتفاوت بين الإيمان والاطمئنان سماه النبي -صلى الله عليه وسلم- شكًّا. مجموع الفتاوى (15/ 178).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فطلب إبراهيم أن يكون اليقين عيانًا، والمعلوم مشاهَدًا، وهذا هو المعنى الذي عبر عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشك في قوله: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» حيث قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} البقرة: 260، وهو -صلى الله عليه وسلم- لم يشك ولا إبراهيم، حاشاهما من ذلك، وإنما عبر عن هذا المعنى بهذه العبارة.
هذا أحد الأقوال في الحديث.
وفيه قول ثان: أنه على وجه النفي، أي لم يشك إبراهيم حيث قال ما قال، ولم نشكَّ نحن، وهذا القول صحيح أيضًا، أي لو كان ما طلبه للشك لكنَّا نحن أحق به منه، لكن لم يطلب ما طلب شكًّا، وإنما طلب ما طلبه طمأنينة. مدارج السالكين (1/ 469)
قوله: «إذ قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} البقرة: 260»:
قال الماوردي-رحمه الله-:
اختلفوا لِمَ سأله عن ذلك؟ على قولين:
أحدهما: أنه رأى جيفة تمزقها السباع فقال ذلك، وهذا قول الحسن، وقتادة، والضحاك.
والثاني: لمنازعة النمرود له في الإحياء، قاله ابن إسحاق. ولأيِّ الأمرين كان فإنه أحبَّ أن يَعلم ذلك علم عيان بعد علم الاستدلال. تفسير الماوردي (1/ 333).
وقال الواحدي –رحمه الله-:
قال أكثر المفسرين: رأى إبراهيم جيفة بساحل البحر تتناولها السباع والطير ودواب البحر، ففكر كيف يجتمع ما قد تفرق من تلك الجيفة، وتطلَّعت نفسه إلى مشاهدة ميِّت يحييه ربه، فقال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} البقرة: 260 فقال الله عز وجل: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} البقرة: 260 وهذه الألف للإيجاب والتقرير، يعني: أولست قد آمنت؟. التفسير الوسيط (1/ 374)
قوله: «{قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} البقرة: 260»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
{أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} البقرة:260 معمول {تُؤْمِنْ} محذوف، أي: أولم تؤمن بالإحياء؟ أو أولم تؤمن بكيفية الإحياء؟ والأول هو الظاهر. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (1/ 480).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«{قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} البقرة: 260» بأني قادر على جمع الأجزاء المتفرقة، أو على الإحياء بإعادة التركيب والروح إلى الجسد. إرشاد الساري (5/ 362).
وقال القسطلاني -رحمه الله- أيضًا:
قال له ذلك وقد عَلم أنه أثبت الناس إيمانًا؛ ليجيب بما أجاب، فيعلم السامعون غرضه. إرشاد الساري (7/ 44).
وقال البغوي -رحمه الله-:
{أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} البقرة: 260 معناه قد آمنتَ فلِمَ تسأل؟ شهد له بالإيمان. تفسير البغوي (1/ 323).
قوله: «{قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} البقرة: 260».
قال الواحدي-رحمه الله-:
{قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} البقرة: 260 برؤية ما أُحب وأشتهي مشاهدته، قال الحسن: كان إبراهيم موقنًا بأن الله عز وجل يحيي الموتى، ولكن لا يكون الخبر عند ابن آدم كالمعاينة.
وقال سعيد بن جبير: {لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} البقرة: 260: لأزداد إيمانًا. التفسير الوسيط (1/ 374)
وقال الماوردي -رحمه الله-:
فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يعني ليزداد يقينًا إلى يقينه، هكذا قال الحسن، وقتادة، وسعيد بن جبير، والربيع، ولا يجوز: ليطمئن قلبي بالعلم بعد الشك؛ لأن الشك في ذلك كفر لا يجوز على نبي.
والثاني: أراد: ليطمئن قلبي أنك أجبت مسألتي، واتخذتني خليلاً كما وعدتني، وهذا قول ابن السائب.
والثالث: أنه لم يُرد رؤية القلب، وإنما أراد رؤية العين، قاله الأخفش. تفسير الماوردي (1/ 333).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«{قَالَ بَلَى} البقرة: 260» التقدير: بلى آمنت، وما سألتُ غير مؤمنٍ، ولكن سألتُ ليطمئن قلبي، أي: لأزيد بصيرة وسكون قلب بمُضامَّةِ (الانضمام) العيان إلى الوحي والاستدلال. إرشاد الساري (7/ 44).
وقال البغوي -رحمه الله-:
قوله: {لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} البقرة: 260 أي: بيقين النظر.
وحكي عن سعيد بن جبير أنه قال: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} البقرة: 260 أي: بالخُلَّة، يقول: إني أعلم أنك اتخذتني خليلًا. ومثله عن ابن المبارك.
ويحكى عن ابن المبارك أيضًا في قوله: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} البقرة: 260 أي: ليرى من أَدْعُوه إليك منزلتي ومكاني منك، فيجيبوني إلى طاعتك. شرح السنة (1/ 116).
وقال ابن جرير الطبري -رحمه الله-:
ومعنى قوله: {لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} البقرة: 260 ليسكن ويهدأ باليقين الذي يستيقنه. جامع البيان (5/ 492).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: {لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} البقرة: 260 أي: بحصول الفَرق بين المعلوم برهانًا والمعلوم عيانًا. المفهم (7/ 318).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
أو ليطمئن قلبي بقوة حُجَّتي، إذا قيل لي: أنت عاينتَ؟ أقول: نعم، أو ليطمئن قلبي بأني خليل لك. إرشاد الساري (5/ 362).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
تأويل قول إبراهيم -عليه السلام-: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} البقرة: 260، أي: يطمئن بيقين النظر، واليقين جنسان:
أحدهما: يقين السمع، والآخر يقين البصر، ويقين البصر أعلى اليقينَين؛ ولذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس الْمُخْبَرُ كالْمُعَايِنِ» حين ذكر قوم موسى وعكوفهم على العجل. تأويل مختلف الحديث (ص: 160).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} البقرة: 260 أي: ليزيد سكونًا بالمشاهدة المنضمَّة إلى اعتقاد القلب؛ لأن تظاهر الأدلة أسكن للقلوب، وكأنه قال: أنا مصدِّق، ولكن للعيان لطيف معنى. فتح الباري (6/ 413).
قوله: «قال: ويرحم الله لوطًا»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ويرحم الله لوطًا» جملة خبرية لفظًا، إنشائية معنى؛ لأن المراد بها الدعاء له بالرحمة. البحر المحيط الثجاج (4/ 205).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
هو ابنُ أخي إبراهيم الخليل، وكان ممن آمن، وهاجر معه إلى مصر. إرشاد الساري (7/ 181).
قوله: «لقد كان يَأْوِي إلى ركن شديد»:
قال المازري -رحمه الله-:
«لقد كان يأوي إلى رُكن شديد» يريد الباري سبحانه؛ لأنه الكافي في الحقيقة. المعلم بفوائد مسلم (1/ 319).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
كأن النبي -صلى الله عليه وسلم- انتقد عليه قوله هذا، وطلب رحمة الله له من هذا القول؛ إذ أراد لوط بالركن عشيرته؛ ليمنعوه من قومه، ويحموا أضيافه عن مرادهم السوء بهم، وأنَّ ضيق صدره بذلك وحرجه لِمَا لقي منهم أنساه اللَّجَأ إلى ربه، والاعتصام به، وحمله على سنة الله في خلقه، وعادته من اعتصام بعضهم ببعض، والله تعالى أشد الأركان وأقواها وأمنعها. إكمال المعلم (1/ 466).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
يُقال: إن قوم لوطٍ لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه؛ لأنهم مِن سَدُوم وهي من الشام وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق فلما هاجر إبراهيم إلى الشام هاجر معه لوط، فبعث الله لوطًا إلى أهل سدوم فقال: لو أن لي منعة وأقارب وعشيرة لكنت أستنصر بهم عليكم ليدفعوا عن ضيفاني ...
وقيل: معنى قوله: «لقد كان يأوي إلى ركن شديد» أي: إلى عشيرته لكنه لم يأوِ إليهم، وأوى إلى الله. انتهى، والأول أظهر لما بيناه. فتح الباري (6/ 415 -416).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
أما قوله: «رحم الله لوطًا؛ إنْ كان ليأوي إلى ركن شديد» فإنه أراد قوله لقومه: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} هود: 80 يريد: سَهْوَهُ في هذا الوقت الذي ضاق فيه صدْرهُ، واشتد جزعه، بما دهمه من قومه، حتى قال: {أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} هود: 80، وهو يأوي إلى الله تعالى، أشد الأركان. تأويل مختلف الحديث (ص: 160).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال غير ابن قتيبة: ولا يُخرج هذا لوطًا من صفات المتوكلين على الله الواثقين تأييده ونصره، لكن لوطًا -عليه السلام- أثار منه الغضب في ذات الله ما يثير من البشر، فكان ظاهر قول لوط كأنه خارج عن التوكل، وإن كان مقصده مقصد المتوكلين فنبه النبي (-صلى الله عليه وسلم-) على ظاهر قول لوط تنبيهه على ظاهر قول إبراهيم، وإن كان مقصده غير الشك؛ لأنهم كانوا صفوة الله المخصوصين بغاية الكرامة ونهاية القربة، لا يقنع منهم إلا بظاهر مطابق للباطن بعيد عن الشبهة؛ إذ العتاب والحجة من الله على قدْرِ ما يصنع فيهم، وفي كتاب مسلم عن بعض رواه الحديث قال: «إنما شك إبراهيم هل يجيبه الله -عزَّ وجلَّ- أم لا؟». شرح صحيح البخاري (9/ 526-527).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
الذي أراه فيه: أن لوطًا لم يعنِ بذلك إلا أنه لم يكن يأوي إلى غيره، فكأنَّ الذي انتقده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واعتبره في النطق أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحب للوطٍ أن يأتي بنطق لا يتناول هذا الاحتمال؛ لأنه كان يأوي إلى ركن شديد، وهو الله -عزَّ وجلَّ-. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 134).
وقال النووي -رحمه الله-:
ومعنى الحديث -والله أعلم-: أن لوطًا -صلى الله عليه وسلم- لما خاف على أضيافه ولم يكن له عشيرة تمنعهم من الظالمين، ضاق ذرعه، واشتد حزنه عليهم، فغَلَبَ ذلك عليه، فقال في ذلك الحال: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} هود: 80 في الدفع بنفسي، أو آوي إلى عشيرة تمنع لَمَنَعْتُكُم، وقصد لوط -صلى الله عليه وسلم- إظهار العذر عند أضيافه، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريقٍ ما لَفَعَله، وأنه بذل وسعه في إكرامهم والمدافعة عنهم، ولم يكن ذلك إعراضًا منه -صلى الله عليه وسلم- عن الاعتماد على الله تعالى، وإنما كان لما ذكرناه من تطييب قلوب الأضياف، ويجوز أن يكون نسي الالتجاء إلى الله تعالى في حمايتهم، ويجوز أن يكون التجأ فيما بينه وبين الله تعالى، وأظهر للأضياف التألم وضيق الصدر، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (2/ 185).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
عندي أن ما قاله النووي -رحمه الله- أقرب التوجيهات لهذه الآية الكريمة.
وحاصله: أن لوطًا قال هذا الكلام من باب إظهار العذر لأضيافه في عدم معاقبة قومه لَمَّا أرادوا بهم سوءًا، فهو في الحقيقة آوٍ إلى ربه في كل حال، ولكنه أراد إظهار ضعف مقاومته لقومه لَمَّا أرادوا الاعتداء على أضيافه؛ لعدم عشيرته الذين يستنصر بهم عادة إذا نابه مثل هذا الاعتداء، فأظهر للأضياف ذلك العذر حتى يعذروه، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (4/ 207).
قوله: «ولو لبثتُ في السجن طول لَبْثِ يوسف لأجبتُ الداعي»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ولو لبثتُ في السجن لَبْثَ يوسف» أي: لو مكثتُ وأقمتُ، يقال: لَبِثَ يَلْبَثُ، بالكسر في الماضي والفتح في المضارع، لُبثًا، بضم اللام وسكون الباء، ولِبَاثًا.المفهم (7/ 320).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولو لبثتُ في السجن طول ما لَبِثَ يوسف» أي: مقدار طول زمن لُبْثِهِ وجاءني داع بالطلب أو ساع إلى الخروج «لأجبتُ الداعي». مرقاة المفاتيح (9/ 3641).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «لأجبت الداعي»، يريد بذلك قوله: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} يوسف: 50، فلم يسرع الإجابة إلى الخروج حين أُذن له في ذلك؛ لئلا يكون سبيله سبيل المذنب يُمَنُّ عليه بالعفو، وأراد أن يقيم الحجة عليهم في حبسهم إياه ظلمًا، فأراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تفضيله بذلك، والثناء عليه بحسن الصبر وقوة العزم، والتواضع لا يصغِّر كبيرًا، ولا يضع رفيعًا، ولا يُبْطِل لذي حق حقًّا، ولكنه يوجب لصاحبه فضلًا، ويُكسبه جلالًا وقدرًا. أعلام الحديث (3/ 1546-1547).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
يعني: حين دعي للإطلاق من الحبس، بعد الغم الطويل، فقال للرسول: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} يوسف: 50، ولم يخرج من الحبس في وقته، يصفُه بالأناة والصبر...، وهذا أيضًا جنسٌ من تواضعه، لا أنه كان عليه لو كان مكان يوسف فبادر وخرج، أو على يوسف لو خرج من الحبس مع الرسول، نقصٌ ولا إثم، وإنما أراد أنه لم يكن يستثقل محنة الله -عزَّ وجلَّ- له فيبادر ويتعجل، ولكنه كان صابرًا محتسبًا. تأويل مختلف الحديث (ص: 161).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: فيه تفضيل يوسف على نفسه -صلى الله عليه وسلم-.
قلتُ: لا بل قاله تواضعًا أو بيانًا للمصلحة؛ إذ لعل في الخروج مصالح الإسراع بها أولى. الكواكب الدراري (24/ 105).
وقال المازري -رحمه الله-:
(هذا) تنبيه على فضل يوسف -عليه السلام- وصبره على المصائب. المعلم بفوائد مسلم (1/ 318).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وذِكْرُ يوسف بما ذَكَرَه به تفضيل له وثناء عليه؛ من جهة أن يوسف أراد أن يخرج خروج مَن قد ثبتت له الحجة، لا خروج من عُفِيَ عنه. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 134).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
يصف يوسف -عليه السلام- بالتثبت والصبر على المحنة، وأنه أقام في السجن والتضييق عليه مدة طويلة، والنفوس متشوقة إلى الخروج من الضيق، والحبس الطويل، لا سيما إذا بُشِّر بالتخلص، ودُعي إليه، فمقتضى الطبع المبادرة إلى أول دعوة، والانفلات بمرَّة، لكنه لما جاءه الداعي لم يبادر لإجابته، ولا استخفَّه الفرح بالتخلص من محنته، لكنه سكَن وثبت إلى أن ظهرت براءته وعُلمت منزلته، ثم إن نبينا -صلى الله عليه وسلم- تأدَّب معه غاية الأدب، واعترف له بأنه من التثبت والصبر في أعلى الرُّتب، وحمده على ذلك، وقدَّر أنه لو امتحن بذلك لبادر إلى التخلص من ذلك لأول داعٍ، هذا مع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أعطي من التثبت في الأمور، والصبر على المكاره الحظ الأوفر، والنصيب الأكبر، لكنه تواضعَ لله، وتأدبَ مع أخيه نبي الله. المفهم (7/ 318-319).
وقال النووي -رحمه الله-:
هو ثناء على يوسف -عليه السلام- وبيان لصبره وتأنِّيه، والمراد بالداعي: رسول الملك الذي أخبر الله -سبحانه وتعالى- أنه قال: {فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} يوسف: 50 فلم يخرج يوسف -صلى الله عليه وسلم- مبادرًا إلى الراحة ومفارقة السجن الطويل، بل تثبَّت وتوقَّر، وراسل الملك في كشف أمره الذي سُجن بسببه، ولتظهر براءته عند الملك وغيره، ويلقاه مع اعتقاده براءته مما نُسب إليه، ولا خجل من يوسف ولا غيره، فبين نبينا -صلى الله عليه وسلم- فضيلة يوسف في هذا، وقوة نفسه في الخير، وكمال صبره، وحسن نظره، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن نفسه ما قاله تواضعًا، وإيثارًا للإبلاغ في بيان كمال فضيلة يوسف -صلى الله عليه وسلم-، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (2/ 185).
وقال الكوراني -رحمه الله- متعقبًا:
مَدَحَهُ بكمال الصبر، ولا يلزم منه أن يكون أفضل منه حتى يحتاج إلى أن يقال: قاله تواضعًا؛ فإن زيادته في أمر لا يَقدح في أفضلية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى سائر إخوانه. الكوثر الجاري (10/ 475).
قال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«لأجبتُ الداعي» أي: لأسرعت الإجابة في الخروج من السجن، ولما قدَّمت طلب البراءة، ففيه وصف ليوسف -عليه السلام- بشدة الصبر، حيث لم يبادر بالخروج. منة المنعم في شرح صحيح مسلم (4/ 63).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
الداعي ها هنا: رسول الملك ليأتيه به، فقال له يوسف: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} الآية يوسف: 50، ولم يَخِفَّ للخروج من السجن الطويل، والراحة من البلية العظيمة لأول ما أمكنه حتى تثبَّت وتوقَّر، وراسل الملك في كشف الأمر الذى سُجن بسببه، ومكاشفة النسوة الحاضرات له، وتَظهر براءته، ويَلقى الملك غير مرتاب ولا خَجِلٍ مما عساه يقع بقلبه مما رُفع عنه، فنَبَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- على فضيلة يوسف -عليه السلام- وقوة نفسه وتوقره، وصدق نظره للعواقب، وجودة صبره، وأخبر عن نفسه هو بما أخبر على طريق التواضع والأنافة بمنزلة يوسف، وأنه -عليه السلام- كان يغلِّب الراحة من المحنة أولًا على غير ذلك. ولا يُظن أن إجابة الداعي هنا هي مراودة المرأة ودعاؤها يوسف لما دعته له. إكمال المعلم (1/ 465-466).
وقال البغوي -رحمه الله-:
وصف يوسف بالأناة والصبر؛ حيث لم يبادر إلى الخروج حين جاءه رسول الملك، فِعْلُ المذنب يُعفى عنه مع طول لبثه في السجن، بل قال: { فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} يوسف: 50 أراد أن يقيم عليهم الحجة في حبسهم إياه ظلمًا، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك أيضًا على سبيل التواضع، لا أنه كان في الأمر منه مبادرة وعجلة لو كان مكان يوسف، والتواضع لا يصغِّر كبيرًا، ولا يضع رفيعًا، ولا يُبطل لذي حق حقًّا، ولكنه يوجِب لصاحبه فضلًا، ويُكسبه جلالًا وقدرًا. شرح السنة (1/ 116-117).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة؛ إذ العيان يفيد من المعرفة ما لا يفيده الاستدلال، فإبراهيم طلب عين اليقين بعد أن تحقق له علم اليقين، فإن العلم ثلاث مراتب:
1 - علم اليقين، وهو ما يحصل بالاستدلال.
2 - وعين اليقين، وهو ما يحصل بالمعاينة والمشاهدة.
3 - وحق اليقين، وهو ما يحصل باللقاء والملامسة.
ومنها: بيان زيادة الإيمان ونقصه.
ومنها: مشروعية الدفاع عن المسلم؛ فإن النبي -صلي الله عليه وسلم- دافع عن تطرق الشك إلى إبراهيم -عليه السلام-؛ حيث إن بعضهم قال: «شكَّ إبراهيم، ولم يشك نبينا -صلى الله عليه وسلم-»، على ما قيل.
ومنها: إظهار وصف فضل أهل الفضل للناس، فإن النبي -صلي الله عليه وسلم- وصف يوسف -عليه السلام- بالصبر والأناة، حيث لم يبادر بالخروج من السجن الطويل، بل قال لرسول الملك: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} يوسف: 50.
ومنها: بيان تواضع النبي -صلي الله عليه وسلم-، وهضم نفسه، حيث قال: «لأجبتُ الداعي»، فإن هذا إنما قاله تواضعًا، لا أنه كان فيه مبادرة وعجلة لو كان مكان يوسف -عليه السلام-، والتواضع لا يصغِّر كبيرًا، ولا يضع رفيعًا، ولا يُبطل لذي حق حقًّا، بل يوجِب لصاحبه فضلًا، ويُكسبه جلالة وقدرًا.
ومنها: أنه إذا اتُّهم المسلم بشيء ما ثم ظهرت براءته منه، ينبغي له أن يُظهر للناس تلك البراءة، كما طلب يوسف -عليه السلام- ذلك، وفضَّله على راحة نفسه بالخروج من السجن مع مشقته، ولكنه فضَّل إظهار نزاهته لدى جماهير الناس؛ لأنه قد أُشيع بينهم اتهامه بما هو بريء منه، فأراد أن يَعلم الجميع براءته، كما وقر في نفوسهم ضدها، فهكذا ينبغي للعبد أن يُبرئ ساحته، ويزيل الشكوك من قلوب الناس؛ اقتداء بهذا النبي الكريم -عليه السلام-، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (4/ 209-210).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
وفيه: دليل على أن أصل الإيمان -وهو التصديق بالقلب- له أيضًا درجات بعضها فوق بعض؛ لأن إبراهيم -عليه السلام- كان يؤمن بإحياء الموتى، إذ سأله الله تعالى: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى} البقرة: 260، ولكن طلب رؤية ذلك ليطمئن قلبه، فالاطمئنان الحاصل للقلب بالرؤية درجة زائدة على أصل الإيمان والتصديق. منة المنعم في شرح صحيح مسلم (1/ 133).