«إذا رَمَيْتُمْ وحَلَقْتُمْ، فقدْ حَلَّ لكم الطِّيبُ والثِّيابُ، وكلُّ شيءٍ إلَّا النِّساءَ».
رواه أحمد برقم (25103) واللفظ له، وابن خزيمة برقم: (2937)، والبيهقي في السنن الكبرى برقم: (9597) والدارقطني برقم: (2687)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
ضعفه الشيخ الألباني بزيادة: (وحلقتم)، إرواء الغليل برقم :(1046).
مختصر شرح الحديث
.
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «إذا رَمَيْتُمْ وحَلَقْتُمْ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
وهو (هذا الحديث) يدل على أنه بمجموع الأمرين: رمي جمرة العقبة، والحلق، يحِلُّ كل محرَّم على المحرِم إلا النساء، فلا يَحلُّ وطؤهن إلا بعد طواف الإفاضة، والظاهر: أنَّه مجمَع على حِلِّ الطيب وغيره إلا الوطء بعد الرمي، وإنْ لم يحلق. سبل السلام (1/ 652).
وقال الشيرازي الشافعي -رحمه الله-:
فإنْ قلنا: إنَّ الحلق نسك حصل له التحلل الأول باثنين من ثلاثة، وهي: الرمي والحلق والطواف، وحصل له التحلل الثاني بالثالث، وإنْ قلنا: إنَّ الحلق ليس بنسك حصل له التحلل الأول بواحد من الاثنين: الرمي والطواف، وحصل له التحلل الثاني بالثاني. التنبيه (ص: 78).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:
اعلم أنهم اختلفوا في الحلق، هل هو نسك كما قدمنا في سورة البقرة؟ فمَن قال: هو نسك، قال: إنَّ التحلل الأول لا يكون إلا بعد الرمي والحلق معًا، ومن قال: إنَّ الحلق غير نسك، قال: يتحلل التحلل الأول بمجرد انتهائه من رمي جمرة العقبة يوم النحر، وأظهر القولين عندي: أنَّ الحلق نسك. أضواء البيان (4/ 459).
وقال النووي -رحمه الله-:
في الحج تحلُّلان يحصلان بثلاثة أشياء: رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة مع سعيه إنْ لم يكن سعى عقب طواف القدوم، فإذا فعل الثلاثة حصل التحلُّلان، وإذا فعل اثنين منهما حصل التحلل الأول، أي اثنين كانا. شرح صحيح مسلم (8/ 99).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
اتفقوا على أنَّ للمحرم تحلُّلَين:
أولهما: رمي جمرة العقبة.
وآخرهما: طواف الإفاضة، ويسمى طواف الفرض، وطواف الزيارة، وطواف النساء؛ لأنهن يُبَحْنَ بعده، واتفقوا على أنَّ التحلل الأول يحصل بشيئين من ثلاثة، هي: الرمي والحلق والطواف، فهو يحصل بالرمي والحلق، أو بالرمي والطواف، أو بالطواف والحلق، والتحلل الثاني يحصل بما بقي من الثلاثة التي ذكرناها، فالأول: يقع باثنين منها، والثاني: يقع بما بقي من الثلاثة. اختلاف الأئمة العلماء (1/ 318 - 320).
قوله: «فقدْ حَلَّ لكم الطِّيبُ والثِّيابُ، وكلُّ شيءٍ»:
قال ابن العربي -رحمه الله-:
هذه مسألة مشكلة قديمًا، اختلف السلف فيها على أربعة أقوال:
الأول: أنَّ المحْرِم إذا رمى جمرة العقبة حلّ له كل شيء إلا النساء والطيب.
الثاني: زاد مالك: والصيد؛ لقوله تعالى: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} المائدة: 95، وهذا بعدُ حرام.
الثالث: قال عطاء: إلا النساء والصيد؛ لأنَّ الطِّيب حل بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبقي النساء والصيد على تحريمه.
الرابع: النساء خاصة، وهو قول الشافعي، وهو حديث عائشة، وهو الصحيح، وبه قال ابن عباس وطاوس وعلقمة. عارضة الأحوذي (4/149).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
وكذلك لا بأس عليهما (أي: الحاج والحاجة) أنْ يفعلا (أي: أنْ يتطيَّبا) بعد ما يرميان جمرة العقبة، ويحلق الرجل، وتقصر المرأة قبل الطواف بالبيت، والحُجة فيه: ما وصفنا من تطيُّب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحالين. الأم (2/ 165).
وقال الباجي -رحمه الله-:
أول التحلل رمي جمرة العقبة، فمن رماها استحل بها إلقاء التفث، ولبس الثياب، وغير ذلك من محظورات الإحرام، إلا النساء والطيب، فأما النساء فلا خلاف في بقاء تحريمهن حتى يطوف طواف الإفاضة، وأما الطيب فاختلف العلماء في إباحته، فمنع من ذلك مالك، وأجازه غيره. المنتقى (3/ 56).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
ثم رجعنا إلى قول الذين قالوا: يحل له إذا رمى وحلق كل شيء إلا النساء والطيب، وإلى قول الذين قالوا: يحل له كل شيء إلا النساء خاصة، فوجدناهم لا يختلفون أنه بعد رميه وحلقه في بقية يوم النحر حلال له اللباس، وحرام عليه النساء، وإنما يختلفون في حُرمة الطيب هل هي باقية عليه كما كانت أو مرتفعة عنه؟
فأردنا أنْ ننظر في حكم الطيب هل يشبه حكم النساء فيقطعه عليه؟ أو يشبه حكم اللباس فيقطعه عليه؟ فوجدنا الحاج إذا جامع قبل وقوفه بعرفة كان عليه دم، وكان حجه فاسدًا، وكان عليه قضاء الحج من قابل، وإذا لبس حينئذٍ كان عليه دم، ولم يكن حجه فاسدًا، وإذا تطيب حينئذٍ كان عليه دم، ولم يكن حجه فاسدًا، فثبت بذلك أن حكم الطيب بحكم اللباس فيما ذكرنا أشبه منه بحكم النساء، فثبت بذلك قول الذين قالوا: يحل له مع اللباس الطيب كما حل له اللباس. أحكام القرآن (2/ 199، 200).
قوله: «إلَّا النِّساءَ»:
قال الشرقاوي الشافعي -رحمه الله-:
قوله: «إلا النساء» أي: ما يتعلَّق بهن عقدًا أو وطأً أو استمتاعًا (سيأتي ذِكْر الخلاف على ما دون الوطء). حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب (2/460).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
ثبت عن عائشة أنها قالت: «كنتُ أطيِّب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لإحرامه قبل أن يُحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت»، وقد اختلف أهل العلم فيما أُبيح للحاج بعد رمي جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت، فقال عبد الله بن الزبير وعائشة وعلقمة وسالم بن عبد الله وطاوس والنخعي وعبد الله بن الحسن وخارجة بن زيد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي: يحل له كل شيء إلا النساء، روينا ذلك عن ابن عباس، وقال عمر بن الخطاب وابن عمر: يحل له كل شيء إلا النساء والطيب، وقال مالك: يحل له كل شيء إلا النساء والطيب والصيد، وقد اختلف فيه عن إسحاق (ابن راهويه) فذكر إسحاق بن منصور (الكوسج) عنه ما ذكرناه عنه (أنه يحلّ له كل شيء إلا النساء)، وذكر أبو داود الخفاف عنه أنه قال: يحل له كل شيء إلا النساء والصيد، وفيه قول خامس: وهو أنَّ المحرم إذا رمى الجمرة يكون في ثوبيه (أي: إحرامه) حتى يطوف بالبيت، كذلك قال أبو قلابة، وقال عروة بن الزبير: إنْ أخَّر الطواف بالبيت يوم النحر إلى يوم الصدر فإنه لا يلبس القميص ولا العمامة ولا يتطيب، وقد اختُلف فيه عن الحسن البصري وعطاء والثوري.
قال أبو بكر (ابن المنذر): بظاهر خبر عائشة نقول (أي: يحل بعد رمي الجمرة كل شيء إلا النساء). الإشراف (3/ 360، 361).
وقال القنازعي -رحمه الله-:
لم يرخِّص مالك بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر أنْ يتطيب حتى يطوف طواف الإفاضة، كما قال سالم بن عبد الله بن عمر، ورخص في ذلك خارجة بن زيد بن ثابت للوليد بن عبد الملك، فإنْ تَطَيب الرجل بعد رميه وحلاقه قبل أن يطوف للإفاضة لم يكن عليه شيء؛ لفُتيا خارجة بذلك. تفسير الموطأ (2/ 607).
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي -رحمه الله-:
للحج تحللان: تحلل أصغر، وهو رمي جمرة العقبة بمنى يوم النحر، وهذا التحلل يبيح لبس المخيط وإماطة الأذى، وغير ذلك، ما عدا قتل الصيد والنساء، ويُكره الطيب، ولا شيء فيه، والتحلل الأكبر هو طواف الإفاضة، يباح معه الصيد والنساء وجميع محظورات الإحرام. التلقين (1/ 88).
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي -رحمه الله- أيضًا:
إذا رمى وحلق حل له كل شيء، إلا النساء والصيد، وكُره له الطيب، ووافق الشافعي في الوطء في الفرج، وله في الوطء دون الفرج والقُبلة للشهوة، وقتل الصيد، وعقد النكاح قولان:
قول مثل قولنا: إنَّ جميعه لا يحل إلا بالتحلل الثاني، الذي هو طواف الإفاضة، والثاني: إنه يحل بالتحلل الأول قبل الطواف.
ووافق أبو حنيفة الشافعي في أنه يحل كل شيء إلا النساء، لكنه لم يفصل الصيد والوطء كما قال الشافعي. عيون المسائل (ص:276، 277).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أما الطيب للحل بعد رمي جمرة العقبة، فرخص فيه ابن عباس وابن الزبير وعائشة والنخعي وخارجة بن زيد، وهو قول الكوفيين والشافعي وأحمد وأبي ثور؛ على ظاهر حديث عائشة، وكرهه سالم، وهو قول مالك، قيل لابن القاسم: فإنْ فعل أَفَتَرى عليه الفدية؟ قال: لا أرى عليه شيئًا؛ لما جاء في ذلك، رواها أبو ثابت عنه (محمد بن عبيد الله المدني). شرح صحيح البخاري (4/ 209).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
أما قولنا: أنْ يرمي الجمرة، وبدخول وقتها يحل للمحرم بالحج أو القِران كل ما كان عليه حرامًا، من اللباس والطيب والتصيد في الحل، وعقد النكاح لنفسه ولغيره، حاشا الجماع فقط، فإنه حرام عليه بعد حتى يطوف بالبيت، فهو قول أبي حنيفة والشافعي وأبي سليمان (داود بن علي الظاهري) وأصحابهم، وقال مالك وسفيان: إذا رمى الجمرة حل له كل شيء إلا النساء والتصيد والطيب، قال: فإن تطيَّب فلا شيء عليه؛ لما جاء في ذلك، وإنْ تصيد فعليه الجزاء، وذكروا في ذلك رواية عن عمر وابنه عبد الله: أنه حلَّ له كل شيء إلا النساء والطيب، وعن سالم وعروة مثل هذا.
قال أبو محمد (ابن حزم): أما ابن عمر فقد روي عنه الرجوع، وقد خالف في ذلك عمرُ عائشةَ وغيرَها، كما روينا من طريق سعيد بن منصور، نا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: قال عمر: «إذا رميتم الجمرة بسبع حصيات وذبحتم وحلقتم، فقد حل لكم كل شيء إلا الطيب والنساء»، فقالت عائشة: «أنا طيبتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» فسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحق أن تتبع.
قال أبو محمد (ابن حزم): هذا قول ابن عمر الذي لو اتبعوه لوُفِّقوا، ومن طريق وكيع: عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس قال: «إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء»، فقال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: «أمَّا أنا فقد رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضمخ رأسه بالمسك، أَطِيْبٌ ذلك أم لا؟» ومن طريق وكيع: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «إذا رميتَ الجمرة فقد حل لك كل شيء إلا النساء»، وعن سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، سمعتُ ابن الزبير يقول: «إذا رميتَ الجمرة فقد حل لك كل شيء ما وراء النساء» وهو قول عطاء وطاوس وعلقمة وخارجة بن زيد بن ثابت.
قال أبو محمد (ابن حزم): قال الله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} المائدة: 96، وقال تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} المائدة: 2، وجاء النص وإجماع المخالفين معنا: على أنَّ المحرم حرام عليه لباس القُمُص والعمائم والبرانس والخفين والسراويل وحلق الرأس، ووافقونا مع مجيء النص على جواز لباس كل ذلك إذا رمى ونحر، وصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- على ما نذكر بعد هذا -إن شاء الله تعالى- جواز تقديم الطواف والذبح والرمي والحلق، بعضها على بعض، فصح أنَّ الإحرام قد بطل بدخول وقت الرمي والحلق والنحر، رمى أو لم يرمِ، حَلَق أو لم يحلق، نحر أو لم ينحر، طاف أو لم يطف، وإذا حل له الحلق الذي كان حرامًا في الإحرام، فبلا شك أنه قد بطل الإحرام، وبطل حكمه، وإذا كان ذلك فقد حل، فحلَّ له الصيد الذي لم يحرم عليه إلا بالإحرام، وحل له بالإحلال، وكذلك الزواج والتزويج؛ لأن النص إنما جاء بأن لا يَنْكِح المحرم، ولا يُنْكِح، ولا يخطب، فصح أنَّ هذا حرام على المحرم، ومن حل له لباس القمص والبرانس وحلق الرأس لغير ضرورة، فهو حلال لا محرم، فالنكاح والإنكاح والخطبة حلال له؛ إذ ليس محرمًا، وأما الجماع فبخلاف هذا؛ لأن الله تعالى قال: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} البقرة: 197، فحرَّم الرفث: وهو الجماع في الحج جملة لا على المحرم خاصة، وما دام يبقى من فرائض الحج شيء، فهو بعد في الحج وإن لم يكن محرمًا، والوطء حرام عليه ما دام في الحج. المحلى (5/ 137 - 139).
وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي -رحمه الله-:
يباح له بعد التحلل الأول كل شيء إلا النساء، فلا يجوز له الوطء في الفرج ولا القُبلة ولا اللمس بشهوة، ولا عقد النكاح، ويباح له ما عدا ذلك من الطيب وقتل الصيد، وغير ذلك، وهو ظاهر كلام أصحابنا (الحنابلة) فقال الخرقي: حل له كل شيء إلا النساء، وقال أبو بكر (المرُّوذي): يتطيب ويصيد، ولا يقرب النساء حتى يطوف، وروى أبو طالب (أحمد بن حميد المشكاني) عن أحمد: أنه سأله عن الرجل يُقبِّل بعد رمي الجمرة قبل أن يزور البيت، فقال: ليس عليه شيء، قد حل له كل شيء إلا النساء، وقد قضى المناسك، وعطاء يرخص فيه، وظاهر هذا: أنَّ اللمس لشهوة مباح، وإنما يحرم الوطء في الفرج، وقد حكينا اختلاف المذهب بماذا يحصل التحلل الأول، فروي عنه (أحمد): برمي الجمرة، وروي عنه: بالرمي والحِلَاقِ، وقال أبو حنيفة: يباح كل شيء إلا النساء في الفرج ودون الفرج والقُبلة، وقال الشافعي: يحل له اللباس وترجيل الشعر والحلق وتقليم الأظفار قولًا واحدًا، فأما عقد النكاح واللمس والوطء فيما دون الفرج والاصطياد، فعلى قولين:
أحدهما: يحل، والثاني: لا يحل، واختلف أصحابه في الطيب على طريقتين: منهم من قال: على قولين، ومنهم من قال: يحل قولًا واحدًا، دليلنا: ما روى أحمد في المسند بإسناده: عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كل شيء إلا النساء» فقال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: «أما أنا فقد رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُضَمِّخُ رأسه بالمسك، أَفَطِيْبٌ ذاك أم لا؟!» وروى أبو بكر (ابن أبي شيبة) بإسناده: عن عائشة قالت: «طيَّبتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل إحرامه، وطيَّبته بمنى قبل أن يزور البيت»؛ ولأن الاصطياد والطيب ليس من جنس ما يفسد الحج، ولا من توابعه، فلا تقف استباحته على التحلل الثاني كاللبس، ولا تلزم عليه القُبْلة؛ لأنها من توابع ما يفسد الحج، وهو الوطء، وكل حالة تحلل المحرم في اللبس، تحلل في الصيد والطيب، دليله: بعد الطواف، وأما القُبْلة واللمس لشهوة فلا تحل؛ لما تقدم من حديث ابن عباس: «إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء» وروى أيضًا أحمد في المسند بإسناده: عن عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب، وكل شيء إلا النساء»؛ ولأنه استمتاع بالنساء، فوجب أن تقف استباحته على التحلل الثاني، أصله: الجماع في الفرج؛ ولأنها حالة تمنع الحاج من الوطء في الفرج، فمنعته من القُبْلة واللمس، كقَبْل الرمي.
واحتج المخالف بقوله تعالى: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} المائدة: 95، والجواب: أنَّ هذا من إطلاق الْمُحْرِم على مَن حُظِرَ عليه جميع المحظورات، وهذا لا نسلمه بعد التحلل الأول؛ ولأن مِن أصلهم أنه بالتحلل الأول يخرج من الإحرام، فكيف يصح هذا الاستدلال؟
واحتج بما روي عن عمر: أنه خطب فقال: «إذا ذبحتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب» ولم ينكر ذلك أحد، والجواب: أنهم لم ينكروه؛ لأنهم لم يعرفوا خبر ابن عباس وعائشة، وقد روي عن ابن عمر: أنه ذكر هذا عن عمر، ثم ذكر حديث عائشة، وقال: «سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحق أن يؤخذ بها من سنة عمر».
واحتج بأنَّ الطيب من توابع الوطء ودواعيه، فهو كالقُبْلة، والجواب: أنه لو كان كذلك لحرم في الاعتكاف، كما تحرم دواعي الجماع. التعليقة الكبيرة (2/ 237 - 240).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
اختلفوا فيما يبيح التحلل الأول؟
فقال أبو حنيفة: التحلل الأول يبيح جميع المحظورات إلا الوطء في الفرج، وقال مالك: التحلل الأول يبيح جميع المحظورات إلا النساء وقتل الصيد، ويُكره له الطيب، إلا أنه إنْ تطيب فلا شيء عليه، بخلاف النساء والصيد، فإنهما يوجبان عليه ما تقدم وصفًا له من مذهبه، وقال الشافعي: التحلل الأول يبيح المحظورات إلا الوطء في الفرج قولًا واحدًا، فإنه لا يبيحه، وعنه في دواعي الوطء وعقد النكاح وقتل الصيد والطيب قولان، وقال أحمد: التحلل الأول يبيح المحظورات جميعها إلا الوطء، وعقد النكاح، ودواعي الوطء: كالقُبْلة واللمس بشهوة.
واتفقوا على أنَّ التحلل الثاني يبيح جميع المحظورات للإحرام، ويعيد المحرم حلالًا. اختلاف الأئمة العلماء (1/ 318 - 320).
وقال ابن الصلاح -رحمه الله-:
القول الصحيح: أنه يحلُّ بالتحلل الأول جميع محظورات الإحرام، إلا الجماع وحده، والله أعلم. شرح مشكل الوسيط (3/ 400).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
بظاهر هذه الأحاديث أخذ عامة العلماء، فأجازوا الطيب بعد التحلل الأصغر وقبل الطواف، وكرهه مالك. المفهم (3/ 275).
وقال النووي -رحمه الله-:
يحل بالتحلل الأول جميع المحرمات إلا الاستمتاع بالنساء، فإنه لا يحل إلا بالثاني، وقيل: يباح منهن غير الجماع بالتحلل الأول، وهو قول بعض أصحابنا، وللشافعي قول: إنه لا يحل بالأول إلا اللبس والحلق وقَلم الأظفار، والصواب ما سبق، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (8/ 99).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
لا يختلف المذهب (الحنبلي) أنه إذا رمى الجمرة ونحر وحلق أو قصَّر فقد حل له اللباس والطيب والصيد وعقد النكاح، ولا يحل له النساء، وهذا يسمى التحلل الأول؛ وذلك لما رُوي عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء» فقال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: «أما أنا فرأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُضَمِّخُ رأسه بالمسك، أَفَطِيْبٌ ذلك أم لا؟» هكذا رواه أحمد. شرح عمدة الفقه (5/ 264).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
ظاهر الأحاديث المرفوعة أنَّ بعد رمي الجمرة يحل له كل شيء إلا النساء، وهو قول ابن عباس. التحبير (3/ 395).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «فقد حل لكم كل شيء إلا النساء» استدلت به العِترة والحنفية والشافعية على أنه يحل بالرمي لجمرة العقبة كل محظور من محظورات الإحرام إلا الوطء للنساء، فإنه لا يحل به بالإجماع، قال مالك: والطيب، وروي نحوه عن عمر وابن عمر وغيرهما، وقال الليث: إلا النساء والصيد، وأحاديث الباب ترد عليهم، وقد استدل المانعون من الطيب بعد الرمي بما أخرجه الحاكم: عن ابن الزبير أنه قال: «إذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور البيت» وقال: إن ذلك من سنة الحج، وبما أخرجه النسائي: عن ابن عمر أنه قال: «إذا رمى وحلق حل له كل شيء إلا النساء والطيب».
ولا يخفى أن هذين الأثرين لا يصلحان لمعارضة أحاديث الباب، وعلى فرض أن الأول منهما مرفوع فهو أيضًا لا يعتد به بجنب الأحاديث المذكورة، ولا سيما وهي مُثْبِتَة لحِلِّ الطيب. نيل الأوطار (5/ 85).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:
التحقيق: أنَّ الطيب يحل له بالتحلل الأول؛ لحديث عائشة المتفق عليه الذي هو صريح في ذلك، وكذلك لبس الثياب، وقضاء التفث، وأنَّ الجماع لا يحل إلا بالتحلل الأخير. أضواء البيان (4/ 462).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
اختلفوا فيما على مَن أتى أهله بعد رمي الجمرة يوم النحر قبل الإفاضة؛ فقال الحسن البصري والزهري وحماد بن أبي سليمان: عليه حجّ، وروينا ذلك عن ابن عمر، وقال النخعي والزهري وحماد: عليه الهدي مع حجّ قابل، وقال عكرمة وربيعة ومالك: يعتمر من التنعيم ويهدي، وقال إسحاق (ابن راهويه): يعتمر من التنعيم، وقال الأثرم: قال أحمد (بن حنبل): يعتمر وعليه دم، وقال ابن عباس وعطاء والشعبي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: عليه بدنة وحجُّه تامّ.
واختلفوا فيمَن قبّل زوجته بعد الرمي في الإفاضة؛ فقال عمرو بن أبي دينار: لا شيء عليه، وقال عطاء: لا أحب أن يقبّل، وقال مرة: عليه شاة إن قبَّل. الإشراف (3/ 210).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- حديث: «إذا رميتُمُ الجَمْرَةَ فقدْ حَلَّ لكم كلُّ شيءٍ إلا النساءَ».