«شكَونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مُتَوسِّد بُرْدَة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يُحْفَر له في الأرض، فيُجعل فيه، فيُجَاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيُشَقُّ باثنتين، وما يَصُدَّه ذلك عن دِينه، ويُمْشَط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظمٍ أو عَصَبٍ، وما يَصُدَّه ذلك عن دِينه، والله ليُتِمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، أو الذِّئب على غنمِه، ولكنكم تستعجلون».
رواه البخاري برقم: (3612)، من حديث خباب بن الأرت -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«شَكونا»:
الشكوى: هو أن تُخبر عن مكروه أصابك. النهاية، لابن الأثير (2/ 497).
«مُتَوسِّد»:
يقال: توسد فلان ذراعه إذا نام عليه، وجُعل كالوسادة له. الغريبين في القرآن والحديث، للهروي (6/ 1997).
«بُرْدَة»:
البردة: هي الشَّمْلة المخططة، وجمعها: بُرُد، وهي النَّمِرة. الغريبين في القرآن والحديث، للهروي (1/ 166).
وقال المديني -رحمه الله-:
البردة: كساء تلتحف به العرب. المجموع المغيث (1/ 147).
«الراكب»:
الراكب في الأصل: هو راكب الإبل خاصة، ثم اتُّسِع فيه فأُطلق على كل من ركب دابة. النهاية، لابن الأثير (2/ 256).
شرح الحديث
قوله: «شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
أي: شكونا إليه ما نلقى من أذى المشركين. الكوثر الجاري (6/ 405).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«شكونا إلى رسول الله» أي: ما بنا من أذى الكفار وعذابهم، بدليل قوله في الرواية الثانية: «وقد لقينا من المشركين شدة». دليل الفالحين (1/ 182).
قوله: «وهو مُتَوسِّد بُرْدَة له في ظل الكعبة»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وهو متوسد» أي: متكئ. ذخيرة العقبى (39/ 74).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
البُردة بالضم: كساء مخطط، أي: جعلها كالوسادة تحت رأسه. لمعات التنقيح (9/ 363).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
والمعنى: جاعلٌ البردة وسادة له، مِن توسَّدَ الشيء: جَعَلَه تحت رأسه. مرقاة المفاتيح (9/ 3747).
قوله: «قلنا له: ألا تستنصر لنا؟»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ألا» بفتح الهمزة، وتخفيف اللام: هي هنا للعرض، وهو طلب الشيء بلين، بخلاف التحضيض، فإنه طلبه بحثٍّ، وتختص «ألا» هذه بالجملة الفعلية، نحو قوله -عز وجل-: {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} الآية النور: 22، وقوله: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} الآية التوبة: 13. ذخيرة العقبى (39/ 75).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«تستنصر» تطلب «لنا» من الله -عزَّ وجلَّ- النصر على الكفار. إرشاد الساري (6/ 60).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ألا تستنصر» أي: ألا تطلب النصرة من الله لنا على الكفار؟ وهذا بيان لقوله: «شكونا»، وكلمة: «أَلَا» في الموضعين للحث والتحريض. عمدة القاري (16/ 144).
قوله: «ألا تدعو الله لنا؟»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«ألا تدعو الله لنا؟» أي: على المشركين فإنهم يؤذوننا. شرح المصابيح (6/ 269).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وليس في الحديث تصريح بأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يدعُ لهم، بل يحتمل أنه دعا، وإنما قال: «قد كان مَن قَبلكم يؤخذ» إلخ تسلية لهم، وإشارة إلى الصبر حتى تتقضى المدة المقدورة، وإلى ذلك الإشارة بقوله في آخر الحديث: «ولكنكم تستعجلون». فتح الباري (12/ 316-317).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وذلك أنهم كانوا في شدة مِن أذية الكفار لهم، وكان خباب ممن أسلم قديمًا قبل دخول النبي -صلى الله عليه وسلم- دار الأرقم، وهو ممن عُذِّب في الله على إسلامه فصبر، وهو مهاجري، شهد بدرًا وما بعدها. التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 376).
قوله: «قال: كان الرجل فيمن قبلكم»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«كان الرجل فيمن قبلكم» من الأنبياء وأممهم. إرشاد الساري (6/ 60).
قوله: «يُحْفَر له في الأرض فيُجعل فيه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يُحفر له» بصيغة المجهول، أي: يجعل له حُفرة «في الأرض» قيد واقعي اتفاقًا. مرقاة المفاتيح (9/ 3747).
قوله: «فيُجَاء بالمنشار»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
المنشار: بالنون آلة النجار للنَّشر، وفي بعضها: «الميشار» مِن وَشْرِ الخشبة غير مهموز مِن أنشرها بالمهموز إذا نشرها. الكواكب الدراري (24/ 64).
قوله: «فيوضع على رأسه فيشق باثنتين»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: فينقطع نصفين. مرقاة المفاتيح (9/ 3747).
قوله: «وما يَصُدَّه ذلك عن دينه»:
قال المظهري -رحمه الله-:
الصَّد: جعل أحدٍ معرِضًا عن شيء، يعني: ما كان العذاب الشديد يصرفه عن دينه. المفاتيح في شرح المصابيح (6/ 181).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وما يصده ذلك» وضع المنشار على مفرق رأسه «عن دِينه». إرشاد الساري (6/ 60).
قوله: «ويُمْشَط بأمشاط الحديد»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ويمشط» بصيغة المجهول مخففًا والمعنى يشوك. مرقاة المفاتيح (9/ 3747).
قوله: «ما دون لحمِه من عظم أو عَصَب، وما يَصُدَّه ذلك عن دينه»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
«ما دون لحمه» أي: ما تحته من العظم. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (6/ 405).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «من عَظم وعَصب» بيان «ما» في «ما دون لحمه» وفيه من المبالغة: أن الأمشاط تَنْفُذُ من اللحم إلى العظم والعَصَب لحِدَّتِها وقوتها. الكاشف عن حقائق السنن (12/ 3734).
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
وهؤلاء الذين امتشطوا بأمشاط الحديد يجوز أن يكونوا أنبياء وأتباعهم، وكان في الصحابة مَن لو فُعل به ذلك لصبر، قال الصدِّيق حين توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لو لم أجد إلا نفسي لقاتلتهم"، يعني: أهل الردة، ومَن تعرَّض لمثل هذا لا يقعد عما هو أعظم منه.
قال الفاروق في شيء: والله لأنْ تُضرب عنقي -إلا أن تتغير لي نفسي عند الموت- أحب إليَّ من كذا.
واحتسب عثمان نفسه، وكان علي يقاتل أول النهار ثم يخرج آخره في إزار ورداء، فيقال له: أنت تقاتل وتغفل عن هذا، فيقول: "والله ما أبالي سقطت على الموت أو سقط عليَّ"، يعني: إذا كان في الله، وأعتق الصديق سبعة عُذبوا في الله، وقيل لابن عمر: أيّ بني الزبير أشجع؟ فقال: كلهم شجاع مشى للموت وهو يراه، وكان عبد الله يصلي بجانب البيت وحجارة المنجنيق تمر على يمينه وعن شماله ولا يتحرك، وما زال من الصحابة فمَن بعدهم يُؤذَون في الله، ولو أخذوا بالرخصة لساغ لهم. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (20/ 478).
قوله: «والله ليُتِمَّنَّ هذا الأمر»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ليُتِمَّنَّ» بضم التحتية وكسر الفوقية من الإتمام والإكمال، واللام للتوكيد...، أي: ليكملن الله أمر الإسلام. إرشاد الساري (6/ 60).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«الأمر» أي: أمر الإسلام. الكواكب الدراري (14/ 175).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «والله ليُتِمَّنَّ الله هذا الأمر» يعني: أن الغاية التي تريدونها والأمر الذي تريدونه سيحصل، وهذا من دلائل نبوته -عليه الصلاة والسلام-، وهو أنه يخبر بالأمور المستقبَلة والأمور المغيَّبة فتقع كما أخبر. شرح سنن أبي داود (313/ 10).
قوله: «حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«حتى يسير» بالنصب؛ لأنه مستقبَل بالنسبة لما قبل زمن التكلم به. دليل الفالحين (1/ 183).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى يسير الراكب» أي: رجل أو امرأة وحده. مرقاة المفاتيح (9/ 3748).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«الراكب» التقييد به جرى على الغالب من أن المسافر يكون راكبًا فلا مفهوم له، والمراد: الجنس فيشمل ما فوق الواحد، أو يفهم ما فوقه من باب أولى؛ لأنه إذا أمن الواحد مع انفراده فالعدد الأولى. دليل الفالحين (1/ 183).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«صنعاء» بفتح المهملة، وسكون النون، وبالمد قاعدة اليمن ومدينته العظمى، و«حضرموت» بفتح المهملة، وسكون المعجمة، وفتح الراء والميم: بلدة أيضًا باليمن، وجاز في مثله بناء الاسمين وبناء الأول وإعراب الثاني.
فإن قلتَ: لا مبالغة فيه لأنهما بلدان متقاربان.
قلتُ: الغرض بيان انتفاء الخوف من الكفار. الكواكب الدراري (14/ 175).
قوله: «لا يَخاف إلا اللهَ أو الذئبَ على غنمه»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
أشار به -صلى الله عليه وسلم- إلى خلو الطريق والأماكن عن الأعداء؛ فإنها إذا خلت عن الأعداء ربما ظهر فيها الذئب، يعني: سيزول أذى المشركين عن المسلمين بظهور الدين على الأديان الباطلة. شرح المصابيح (6/ 269).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «والذئبَ» هو بالنصب عطفًا على المستثنى منه، لا المستثنى، كذا جزم به الكرماني، ولا يمتنع أن يكون عطفًا على المستثنى، والتقدير: ولا يخاف إلا الذئب على غنمه؛ لأن مساق الحديث إنما هو للأمن من عدوان بعض الناس على بعض، كما كانوا في الجاهلية، لا للأمن من عدوان الذئب، فإن ذلك إنما يكون في آخر الزمان عند نزول عيسى. فتح الباري (7/ 167).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بظهور الدين على الأديان الباطلة، وظهوره عن فتن الكفرة المتمردين، بحيث لو سار راكب من المسلمين من صنعاء إلى حضرموت لكان آمنًا غير خائف سوى الله تعالى، أو الذئب على غنمه، ولو كان بينهما مسافة بعيدة، يعني: سيزول أذى المشركين عن المسلمين؛ لنكبتهم وقوة المسلمين. المفاتيح في شرح المصابيح (6/ 182).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: سيزول عذاب المشركين، فاصبروا على أمر الدين كما صبر مَن سبقكم من المؤمنين على أشد مِن عذابكم لقوة اليقين. مرقاة المفاتيح (9/ 3747).
وقال العيني -رحمه الله-:
وحاصل المعنى: لا تستعجلوا فإنَّ من كان قبلكم قاسوا ما ذكرنا فصبروا، وأخبرهم الشارع بذلك؛ ليقوى صبرهم على الأذى. عمدة القاري (16/ 145).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
والمعنى: أن الإسلام يعمُّ النواحي، فيسير المسافر لا يخشى أحدًا يعذبه على إيمانه، ولا يفتنه في دِينه، فلا يخاف إلا الله سبحانه، ولا يخاف إلا من الأسباب العادية على أموره الدنيوية. دليل الفالحين (1/ 183).
قوله: «ولكنكم تستعجلون»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«ولكنكم تستعجلون» أي: النصر. منحة الباري (6/ 643).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«لكنكم تستعجلون» أي: تطلبون العجلة في الأمور، ولكل شيء في علم الله أوان، وإذا جاء الأوان يجيء.
وقد وقع ما أخبر به المصطفى كما أخبر، فعم الإسلامُ وظهر وصار الراكب لا يخشى من يفْتِنه ويصده عن دينه: إنما يخشى بوائق الحدثان وبالله المستعان، فهو من جملة علامات نبوّته. دليل الفالحين (1/ 184).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «ولكنكم تعجلون» (كما في لفظ) أي: تستعجلون فتريدون أن تحصل الأمور بدون تعب، وتريدون أن يحصل لكم شيء بدون مقابل، وبدون نَصَب، والأمر هو كما قال -عليه الصلاة والسلام-: «حُفَّت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات». شرح سنن أبي داود (313/ 10).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أجمع العلماء أن مَن أُكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة، واختلفوا فيمن أُكره على غير الكفر مِن فعل ما لا يحل له، فقال أصحاب مالك: الأخذ بالشدة في ذلك، واختيار القتل والضرب أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة، ذكره ابن حبيب وسحنون، وذكر ابن سحنون عن أهل العراق أنه إذا تُهدِّد بقتل أو بقطع أو ضرب يخاف منه التلف حتى يشرب الخمر أو يأكل الخنزير فذلك له، فإن لم يفعل حتى قُتل لن يكون آثمًا، وهو كالمضطر إلى أكل الميتة وشرب الخمر غير باغ ولا عاد، فإن خاف على نفسه الموت فلم يأكل ولم يشرب أثم، وقال مسروق: من اضطر إلى شيء مما حرم الله عليه فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار، قالوا: ولا يشبه هذا الكفر وقتل المسلم؛ لأن في هذا رخصة وتركه أفضل، ولم يجعل في الضرورة حلالًا، قال سحنون: إذا لم يشرب الخمر ولم يأكل الخنزير حتى قُتل كان أعظم لأجره كالكفر؛ لأن الله تعالى أباح له الكفر ضرورة الإكراه، وأباح له الميتة والدم بضرورة الحاجة إليهما، وأجمعا أن له ترك الرخصة في قول الكفر، فكذلك يلزم مخالِفنا أن يقول في ترك الرخصة في الميتة ولحم الخنزير، ولا يكون معينًا على نفسه، وقد تناقض الكوفيون في هذا، فقالوا كقولنا في المكرَه تُوعِّد بقطع عضو أو قتل على أن يأخذ مالًا لفلان فيدفعه إلى فلان أنه في سَعة من ذلك؛ لأنه كالمضطر ويضمن الآمر، ولا ضمان على المأمور، فإن أبى أن يأخذ حتى قتله كان عندنا في سعة. شرح صحيح البخاري (8/ 295).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وفيه من الفقه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يترك الدعاء في ذلك على أن الله أمرهم بالدعاء أمرًا عامًا بقوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر: 60، وبقوله: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} الأنعام: 43 إلا لأنه -صلى الله عليه وسلم- علم من الله أنه قد سبق من قَدَرِه وعلمه أنه يُجرى عليهم ما جرى من البلوى والمحن؛ ليؤجروا عليها على ما جرت عادته في سائر أتباع الأنبياء من الصبر على الشدة في ذات الله، ثم يعقبهم بالنصر والتأييد، والظَّفَر وجزيل الأجر، وأما غير الأنبياء فواجب عليهم الدعاء عند كل نازلة تنزل بهم؛ لأنهم لا يعلمون الغيب فيها، والدعاء من أفضل العبادة، ولا يخلو الداعي من إحدى الثلاث التي وعد النبي -صلى الله عليه وسلم- بها.
وفيه: علامات النبوة، وذلك خروج ما قال -صلى الله عليه وسلم- من تمام الدين، وانتشار الأمر، وإنجاز الله ما وعد نبيه -صلى الله عليه وسلم- من ذلك. شرح صحيح البخاري (8/ 297).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وهذا تسلية وتأسية لأتباعه -صلى الله عليه وسلم- الذين عُذِّبوا في ذات الله، وتصبير لهم على ذلك، ثم بشَّر خبابًا بقوله: «والله ليُتِمَّنَّ الله هذا الأمر» وهو ظهور دِين الله على الدِّين كُلِّه، ويأمن المؤمنون. التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 376).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وفيه: تحريض على الصبر على الأذى، والتحمل على المشاق، وعدم الاستعجال في الأمور. المفاتيح في شرح المصابيح (6/ 182).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
وفيه: مدح الصبر على العذاب على الدين، وعدم إقرار عين الكافر باللفظ بكلمة الكفر، وإن كانت جائزة حينئذٍ للإكراه.
(و) فيه: الحلف من غير استحلاف، وهو مندوب لتأكيد ما يحتاج لتأكيده. دليل الفالحين، باختصار (1/ 183).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث: آية من آيات الله، حيث وقع الأمر مطابقًا لما أخبر به النبي -عليه الصلاة والسلام-.
وآية من آيات الرسول -عليه الصلاة والسلام- حيث صدَّقه الله بما أخبر به، وهذه شهادة له من الله بالرسالة، كما قال الله: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} النساء: 166.
وفيه أيضًا: دليل على وجوب الصبر على أذية أعداء المسلمين، وإذا صبر الإنسان ظفر!. شرح رياض الصالحين (1/ 252).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وهذا من الأسباب العاديَّة التي جعلها الله -عزَّ وجلَّ- من أسباب إلحاق الضرر بالشخص، وهي بقضاء الله وقدره، وفي ذلك بيان أن الأسباب تُخشى، ولكن لا تكون خشيتها على اعتبار أن الأمر حاصل منها ومتعلق بها، بل ذلك بقضاء الله وقدره؛ لأنه لا يكون شيء من الأسباب ضارًّا إلا وقد جعله الله ضارًّا، ولا يكون سبب نافعًا إلا وقد جعله الله نافعًا، وقد يوجد السبب ولا يوجد المسبب، فقد يوجد الذئب، ولكن الله تعالى يعصم ويحفظ الغنم من أن يصل إليها الذئب، وقد يقدِّر الله -عزَّ وجلَّ- أن الذئب يصيبها. شرح سنن أبي داود (313/ 10).