عن عبد الوهاب بن عطاء في قوله -عزَّ وجلَّ-: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} ق: 30 فأخبرنا عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا تزال جهنم يُلقى فيها، وتقول: هل من مزيد، حتى يضع ربُّ العِزة فيها قدمَه، فيَنْزَوِي بعضها إلى بعض، وتقول: قَطْ قَطْ بعزَّتِك وكرمِك، ولا يزال في الجنة فَضْل حتى يُنْشِئ الله لها خلقًا فيسكنهم فَضْلَ الجنة».
رواه البخاري برقم: (6661)، ومسلم برقم: (2848) واللفظ له، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
ورواه البخاري برقم: (7384) بلفظ: ثم تقول: «قَدْ، قَدْ».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«قَطْ قَطْ»:
بمعنى: حَسْب، وتكرارها للتأكيد، وهي ساكنة الطاء مخففة. النهاية، لابن الأثير (4/ 78).
«قَدْ قَدْ»:
حسبي حسبي. ويروى بالطاء بدل الدال، وهو بمعناه. النهاية، لابن الأثير (4/ 19).
«يُنْشِئ»:
نَشَأَ يَنْشَأُ نَشْأً ونُشُوْءًا ونَشَاءً ونَشْأَةً ونَشَاءَة: حَيِيَ، وأَنْشَأَ الله الخلق أي: ابتدأ خلقهم. لسان العرب، لابن منظور (1/ 170).
شرح الحديث
قوله: «عن عبد الوهاب بن عطاء»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«عبد الوهاب بن عطاء» الخفاف العجلي مولاهم البصري، صدوق. الكوكب الوهاج (25/ 527).
قوله: «في قوله -عزَّ وجلَّ-»:
قال البغوي -رحمه الله-:
أي: يقول الله. تفسير البغوي (4/ 274).
قوله: «{يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ} ق: 30»:
قال البغوي -رحمه الله-:
وذلك لِمَا سبق لها من وعده إياها أنه يملؤها من الجِنَّة والناس، وهذا السؤال من الله -عزَّ وجلَّ- لتصديق خبره وتحقيق وعده. تفسير البغوي (4/ 274-275).
قوله: «{وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} ق: 30»:
قال البغوي -رحمه الله-:
{تَقُول} جهنم: {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} ق: 30، قيل: معناه: قد امتلأتُ، فلم يبقَ فيَّ موضع لم يمتلئ، فهو استفهام إنكار، هذا قول عطاء، ومجاهد، ومقاتل بن سليمان، وقيل: هذا استفهام بمعنى الاستزادة، وهو قول ابن عباس في رواية أبي صالح، وعلى هذا يكون السؤال بقوله: {هَلِ امْتَلَأْتِ} ق: 30، قبل دخول جميع أهلها فيها. تفسير البغوي (4/ 275).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة: {هَلِ امْتَلَأْتِ} ق: 30، وذلك أنه تبارك وعَدَها أن سيملؤها من الجِنَّة والناس أجمعين، فهو -سبحانه وتعالى- يأمر بمن يأمر به إليها ويُلقى، وهي تقول: هل من مزيد؟ أي: هل بقي شيء تزيدوني؟ هذا هو الظاهر في سياق الآية، وعليه تدل الأحاديث (ثم ذكر الأحاديث الدالة على ذلك). تفسير ابن كثير (7/ 377).
وقال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-:
يقول تعالى مخوفًا لعباده: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ} ق: 30، وذلك من كثرة ما أُلقي فيها، {وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} ق: 30 أي: لا تزال تطلب الزيادة، من المجرمين العاصين؛ غضبًا لربها، وغيظًا على الكافرين، وقد وعدها الله مِلْأَها، كما قال تعالى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} السجدة: 13. تيسير الكريم الرحمن (ص: 806).
قوله: «فأخبرنا عن سعيد»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«سعيد» بن أبي عروبة. الكوكب الوهاج (25/ 527).
قوله: «عن قتادة»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«عن قتادة» بن دعامة السدوسي. البحر المحيط الثجاج (43/ 679).
قوله: «لا تزال جهنم يُلقى فيها»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا تزال جهنم يُلقى» أي: يُقذف ويرمي «فيها». الكوكب الوهاج (25/ 527).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا تزال جهنم يُلقى» أي: يُطرح «فيها» أي: من الكفار والفجار. مرقاة المفاتيح (9/ 3629).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «يُلقى في النار» أي: يُلقى فيها أهلها. عمدة القاري (19/ 187).
قوله: «وتقول: هل من مزيد»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
هذا الكلام محمول على الحقيقة، وله شواهد قال تعالى: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} الفرقان: 12، وقال: «تحاجَّت النار». الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (11/ 204).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
...فالله تعالى يُنطقها بكلام مسموع منها، كما يُنطق-جلَّ وعلا- الجوارح وغيرها، والله على كل شيء قدير، وأمور الآخرة أعظمها على خلاف ما يعرفه الناس في الدنيا. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 161).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
تقوله قولًا حقيقيًا بلسان مقالها لا مجازيًا، خلافًا للزمخشري ومَن تبعه، هذا الذي رجحه ابن عطية وغيره. الفجر الساطع (6/ 86).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
سؤال جهنم وجوابها حقيقة، كما ورد: «تحاجَّت الجنة والنار»، و«اشتكت النار إلى ربها»، ولا مانع من ذلك، فقد سبَّح الحصى، وسلَّم الحجر على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولو فُتح باب المجاز فيه لاتسع الخَرْقُ...، وقلتُ: هذا هو الحق الذي لا محيد عنه. فتوح الغيب (14/ 549).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
اختلف النقل عن قول جهنم: {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} ق: 30 فظاهر أحاديث الباب أن هذا القول منها لطلب المزيد، وجاء عن بعض السلف أنه استفهام إنكار، كأنها تقول: ما بقي فيَّ موضع للزيادة. فتح الباري (8/ 595).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«هل»: للطلب، يعني: زيدوا، وأَبْعَدَ النُّجْعَة من قال: إن الاستفهام هنا للنفي، والمعنى على زعمه: لا مزيد على ما فيَّ، والدليل على بطلان هذا التأويل: قوله: «حتى يضع رب العزة فيها رِجْلَه» وفي رواية: «عليها قدمه»؛ لأن هذا يدل على أنها تطلب زيادة، وإلا لما وضع الله عليها رجله حتى ينزوي بعضها إلى بعض، فكأنها تطلب بشوق إلى من يُلقى فيها زيادة على ما فيها. شرح العقيدة الواسطية (2/ 31).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
في هذه الآية بيان سعة جهنم، وأنها تستوعب كلَّ ما يُلقى فيها، وهذا أبلغ ما يكون في وصف سعة النار، يُذكر أنَّ رجلًا جمع مجموعة من الأدباء، وطلب منهم المبالغة في وصف سعة جهنم، فبذل كل منهم ما استطاع من المبالغة في بيان سعتها، كلٌّ بما تجود به قَرِيْحَتُه، فلما انتهوا قال: ما رأيكم في قول الله تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} ق: 30، فذهلوا وأذعنوا لهذا الوصف الباهر، فمهما يلقى فيها تستوعبه وتطلب الزيادة، وقد وعدها الله بملئها فقال سبحانه: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} السجدة: 13. تذكرة المؤتسي (ص: 233).
قوله: «حتى يضع ربُّ العزة فيها قَدَمَهُ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «حتى يضع رب العزة» عَبَّر برب العزة؛ لأن المقام مقام عزَّة وغلبة وقهر، وهنا «رب» بمعنى: صاحب، وليست بمعنى خالق؛ لأن العزة صفة من صفات الله، وصفات الله تعالى غير مخلوقة. شرح العقيدة الواسطية (2/ 31).
وقال الشيخ خليل هراس -رحمه الله-:
في هذا الحديث إثبات الرِّجل والقَدَم لله -عزَّ وجلَّ-، وهذه الصفة تُجرى مجرى بقية الصفات، فتثبت لله على الوجه اللائق بعظمته سبحانه. شرح العقيدة الواسطية (ص: 171-172).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «فيها رِجله» وفي رواية: «عليها قَدَمَه» (في) و (على): معناهما واحد هنا، والظاهر: أن (في) بمعنى (على)، كقوله: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} طه: 71، أي: عليها. شرح العقيدة الواسطية (2/ 31).
وقال البغوي -رحمه الله-:
القدم والرِّجلان المذكوران في هذا الحديث من صفات الله -سبحانه وتعالى-، المنزَّه عن التكييف والتشبيه، وكذلك كل ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السنة كاليد، والإصبع، والعين، والمجيء، والإتيان، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجب، فالمهتدي مَن سَلَكَ فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغ، والمنكِر مُعَطِّلٌ، والمكيِّف مُشَبِّه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11، سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وآله أجمعين. شرح السنة (15/ 257-258).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أما الرِّجْل والقدم فمعناهما واحد، وسميت رِجل الإنسان قَدمًا؛ لأنها تتقدم في المشي، فإن الإنسان لا يستطيع أن يمشي برجله إلا إذا قدمها. شرح العقيدة الواسطية (2/ 31).
وقال الشيخ حسن أبو الأشبال -حفظه الله-:
وهذه من صفات الله -عزَّ وجلَّ-، مسألة القدم أو الرِّجل صفة ذاتية لله -عزَّ وجلَّ-، وإثبات الرِّجل والقدم لله -عزَّ وجلَّ- من صفات ذاته، ومنهج أهل السنة والجماعة في صفات المولى -عزَّ وجلَّ- ليس إقرارًا فقط، إنما إيمان جازم يكون باللسان والجَنَان والجوارح. شرح صحيح مسلم (10/ 6).
وقال الشيخ خليل هراس -رحمه الله-:
والحكمة من وضع رِجله سبحانه في النار: أنه قد وعد أن يملأها، كما في قوله تعالى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} السجدة: 13.
ولما كان مقتضى رحمته وعدله ألا يُعذِّب أحدًا بغير ذنب، وكانت النار في غاية العُمق والسعة، حقَّق وعده تعالى، فوضع فيها قدمه، فحينئذ يتلاقى طرفاها، ولا يبقى فيها فضل عن أهلها.
وأما الجنة فإنه يبقى فيها فضل عن أهلها مع كثرة ما أعطاهم وأوسع لهم، فينشئ الله لها خلقًا آخرين، كما ثبت بذلك الحديث. شرح العقيدة الواسطية (ص: 172).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وقد غلط في هذا الحديث المعطلة الذين أولوا قوله: «قَدَمَهُ» بنوع من الخلق، كما قالوا: الذين تقدم في علمه أنهم أهل النار حتى قالوا في قوله: «رِجْله» يقال رِجْلٌ من جراد، وغَلَطهم من وجوه:
(الأول:) فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «حتى يضع» ولم يقل: حتى يُلقى، كما قال في قوله: «لا يزال يُلقى فيها».
الثاني: أن قوله: «قدمه» لا يُفهم منه هذا لا حقيقة ولا مجازًا كما تدل عليه الإضافة.
الثالث: أن أولئك المؤخَّرين إن كانوا من أصاغر المعذَّبين فلا وجه لانزوائها واكتفائها بهم، فإن ذلك إنما يكون بأمر عظيم، وإن كان من أكابر المجرمين فهم في الدرك الأسفل، وفي أول المعذبين لا في أواخرهم.
الرابع: أن قوله: «فينزوي بعضها إلى بعض» دليل على أنها تنضم على من فيها فتضيق بهم من غير أن يُلقى فيها شيء.
الخامس: أن قوله: «لا يزال يُلقى فيها، وتقول: هل من مزيد حتى يضع فيها قدمه» جَعَلَ الوضع الغاية التي إليها ينتهي الإلقاء، ويكون عندها الانزواء، فيقتضي ذلك أن تكون الغاية أعظم مما قبلها.
وليس في قول المعطِّلة معنى للفظ: «قَدَمه» إلا وقد اشترك فيه الأول والآخر، والأول أحق به من الآخر.
وقد يغلط في الحديث قوم آخرون مُمَثِّلَةٌ أو غيرهم، فيتوهمون أنَّ قَدَمَ الرب تدخل جهنم، وقد توهم ذلك على أهل الإثبات قوم من المعطلة حتى قالوا: كيف يَدخل بعض الرب النار، والله تعالى يقول: {لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا} الأنبياء: 99، وهذا جهل ممن توهمه أو نقله عن أهل السنة والحديث، فإن الحديث «حتى يضع رب العزة عليها» وفي رواية: «فيها فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قطْ قطْ، وعزتك» فدل ذلك على أنها تضايقت على من كان فيها فامتلأت بهم، كما أقسم على نفسه أنه ليملأنها من الجِنَّة والناس أجمعين، فكيف تمتلئ بشيء غير ذلك من خالق أو مخلوق، وإنما المعنى: أنه توضع القدم المضاف إلى الرب تعالى فتنزوي وتضيق بمن فيها، والواحد من الخلق قد يركض متحركًا من الأجسام فيَسْكُن، أو ساكنًا فيتحرك، ويركض جبلًا فينفجر منه ماء كما قال تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} ص: 42، وقد يضع يده على المريض فيبرأ، وعلى الغضبان فيرضى. مختصر الفتاوى المصرية (ص: 647-648).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله- معلقًا:
يضاف إلى ذلك: أن هذا الكلام الواضح البين الذي إذا سمعه السامع لم يتبادر إلى ذهنه إلا ظاهره اللائق بجلال الله تعالى، فلو كان ظاهره غير مراد للمتكلم، وأن المراد منه ما ذكره هؤلاء المحرفون، لصار إلى الألغاز والتعمية أقرب، ولا يكون المتكلِّم بذلك قد أدَّى ما وجب عليه من البلاغ والبيان، وهذا من أبطل الباطل.
وقد عُلم أن المتكلم بهذا الكلام أفصح الناس، وأقدرهم على الإيضاح والبيان لما يريد، وهو أيضًا أنصحهم لأمَّته، وأعلمهم بالله وبما يجب له، وما يمتنع عليه، وهو أيضًا أحرصهم على إيصال الخير والنفع إلى الخلق، ودفع الشر عنهم، فيستحيل مع هذه الأمور أن يكون ظاهر كلامه باطلًا يدل على الكفر والتشبيه، كما زعم المعطلة المؤولة، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} النور: 5، فظهر بذلك بطلان قول المعطلة، والحمد لله رب العالمين. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 157-158).
قوله: «فيَنْزَوِي بعضها إلى بعض»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فينزوي» بالنون والزاي، فيجتمع وينقبض. إرشاد الساري (10/ 368).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أي: يُضم بعضها إلى بعض ويُجمع. الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3597).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «فينزوي بعضها إلى بعض» أي: تَنْضَمُّ وتختلف. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (33/ 216).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
قوله: «فينزوي بعضها إلى بعض» أي: يلتئم بعضها على بعض، وتتضايق على من فيها، فلا يبقى فيها متسع لغير من فيها. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 160).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «فينزوي بعضها إلى بعض» يعني: ينضم بعضها إلى بعض من عظمة قدم الباري -عزَّ وجلَّ-. شرح العقيدة الواسطية (2/ 31).
قوله: «وتقول: قَطُّ قَطُّ» وفي لفظ: «قَدْ، قَدْ».
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «قطْ قطْ» أي: حسبي. الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3597).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «فتقول: قطْ قطْ»، بمعنى: حسبي حسبي، يعني: لا أريد أحدًا. شرح العقيدة الواسطية (2/ 31-32).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفيه ثلاث لغات: قطْ قطْ بإسكان الطاء فيهما، وبكسرها منوَّنة، وغير منوَّنة. شرح صحيح مسلم (17/ 182).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
(قَدْ) هو اسمٌ مرادف لـ«قَطْ»؛ أي: حَسْب، ورُوي بسكون الدال، وبكسرها. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح(17/ 329).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«قَدْ، قَدْ»...أي: حسبي حسبي قد اكتفيت. إرشاد الساري (10/ 369).
قوله: «بعزَّتِك وكرمِك»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
«بعزتك» أي: بقهرك، وغلبتك. البحر المحيط الثجاج (43/ 684).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف العلماء في اليمين بصفات الله، فقال مالك في المدونة: الحلف بأسماء الله وصفاته لازم كقوله: والعزيز، والسميع، والبصير، والعليم، والخبير، واللطيف، أو قال: وعزة الله وكبريائه، وعظمة الله وقدرته، وأمانته، وحقه، فهي أيمان كلها تكفَّر.
وذكر ابن المنذر مثله عن الكوفيين أنه إذا قال: وعظمة الله، وعزة الله، وجلال الله، وكبرياء الله، وأمانة الله، وجبت عليه الكفارة، وكذلك في كل اسم من أسمائه تعالى.
وقال الشافعي في جلال الله، وعظمة الله، وقدرة الله، وحق الله، وأمانة الله: إن نوى بها اليمين فهي أيمان، وإن لم ينو اليمين فليست بيمين؛ لأنه يُحتمل: وحق الله واجب، وقدرة الله ماضية.
وقال أبو بكر الرازي: عن أبي حنيفة أن قول الرجل: وحق الله، وأمانة الله، ليست بيمين.
قال أبو حنيفة: قال الله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا} الآية الأحزاب: 72، المراد بذلك: الإيمان والشرائع، وهو قول سعيد بن جبير، وقال مجاهد: الصلاة، وقال أبو يوسف: وحق الله يمين، وفيها الكفارة، وحجة القول الأول: أن أهل السنة أجمعوا على أن صفات الله أسماء له، ولا يجوز أن تكون صفاته غيره، فالحلف بها كالحلف بأسمائه تجب فيها الكفارة، ألا ترى أن النبي -عليه السلام- كثيرًا ما كان يحلف: «لا ومقلب القلوب» وتقليبه لقلوب عباده صفة من صفاته، ولا يجوز على النبي أن يحلف بما ليس بيمين؛ لأنه قال: «من كان حالفًا فليحلف بالله»؟.
قال أشهب: من حلف بأمانة الله التي هي صفة من صفاته فهي يمين، وإن حلف بأمانة الله التي بين العباد فلا شيء عليه، وكذلك عزة الله التي هي صفة ذاته، وأما العزة التي خلقها في خلقه فلا شيء عليه. شرح صحيح البخاري (6/ 118-119).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
القول بأن الحلف بعزة الله يمين هو الحق، كما دل عليه هذا الحديث، فتنبه، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (43/ 682).
قوله: «ولا يزال في الجنة فَضْل»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ولا يزال في الجنة فضل» أي: مكان فاضل ليس فيه أحد. الكوكب الوهاج (25/ 528).
قوله: «حتى يُنْشِئ الله لها خَلقًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«حتى يُنْشئ الله» سبحانه أي: حتى يَخلق «لها» أي: للجنة «خَلقًا» جديدًا ليس لهم عمل خير. الكوكب الوهاج (25/ 527).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«يُنْشِئ الله» أي: يَخلق خَلقًا فيسكنهم الموضع الذي فَضَلَ منها، وبقي عنهم، وفي بعضهًا: «أفضل» بصيغة أفعل التفضيل. الكواكب الدراري (25/ 106).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «يُنْشِئ لها خلقًا» أي: لم يعملوا عملًا، وهذا فضل من الله لا يدخل النار بغير معصية، ويدخل الجنة بلا طاعة، ولو شاء أدخل النار بالطاعة، ولكنه لا يفعل فضلًا ولا ظلمًا، لأن الكل ملكه، والمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة. لمعات التنقيح (9/ 166).
قال البرماوي -رحمه الله-:
«ينشئ» أي: يخلق خلقًا، فيسكنهم الموضع الذي فضل منها. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (17/ 329).
قوله: «فيُسكنهم فَضْلَ الجنة»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فيسكنهم» أي: أولئك المستجَدِّين «فضل الجنة» أي: المكان الفاضل منها. الكوكب الوهاج (25/ 528).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان -حفظه الله-:
«فيسكنهم فضل الجنة» أي: أن أهل الجنة الذين يدخلونها ينتهون، وفيها فضل مساكن لم يُصبها أحد؛ لِعِظَم سعتها، قال الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} آل عمران: 133، وقال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} الحديد: 21. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 161-162).
قوله: «يبقى من الجنة ما شاء الله أن يبقى»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يبقى من الجنة ما شاء الله» سبحانه «أن يبقى» من الأمكنة الفاضلة بلا سكان. الكوكب الوهاج (25/ 528).
وقال الشيخ حسن أبو الأشبال -حفظه الله-:
يعني: يفضل في الجنة فضلة، ثم ينشئ الله تعالى لها خلقًا مما يشاء، وهذا يدل على عِظم الجنة، إذا كان أدنى أهل الجنة منزلة من كان له في الجنة مثل الدنيا وعشرة أمثالها، فكيف بأعظمهم منزلة؟. شرح صحيح مسلم (10/ 8).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: دليل على عِظَم سعة الجنة، فقد جاء في الصحيح أن للواحد فيها مثل الدنيا وعشرة أمثالها، ثم يبقى فيها شيء لخلقٍ ينشئهم الله تعالى.شرح صحيح مسلم (17/ 184).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفى هذا الحديث: حجة لأهل السنة أن الثواب والعقاب غير مستحَق بالأعمال، وقمعٌ للمعتزلة والقدرية في إثباتهم الثواب والعقاب على جهة العقل، وأنه بحسب الأعمال ولا يصح إلا عليها، وانظر كيف قال هنا للجنة: «فينشئ الله لها خلقًا مما يشاء» يدل أنهم ممن لم يوجد، وكان هذا ظاهره، وعلى هذا يحمل أمر أولاد المؤمنين، وإيلام الأطفال والبهائم، وغير ذلك مما يفعل منه ما شاء، ولهم في هذا اختلاط واختلاف ورَوَغَان لم يخلصهم، والكلام فيه تطويل. إكمال المعلم (8/ 380).
وقال العيني -رحمه الله-:
ومثله أمر الأطفال والمجانين الذين لم يعملوا طاعة قط، وكلهم في الجنة برحمة الله تعالى وفضله. عمدة القاري (19/ 188).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفوائد:
أولًا: إثبات القول من الجماد؛ لقوله: «وهي تقول»، وكذلك: «فتقول: قطْ قطْ»، وهو دليل على قدرة الله الذي أنطق كل شيء.
ثانيًا: التحذير من النار؛ لقوله: «لا تزال جهنم يُلْقَى فيها، وهي تقول: هل من مزيد؟».
ثالثًا: إثبات فضل الله -عزَّ وجلَّ-؛ فإن الله تعالى تكفَّل للنار بأن يملأها كما قال: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} السجدة: 13، فإذا دخلها أهلها، وبقي فيها فضل، وقالت: هل من مزيد؟ وضع الله عليها رِجله، فانزوى بعضها إلى بعض، وامتلأت بهذا الانزواء.
وهذا من فضل الله -عزَّ وجلَّ-، وإلا فإن الله قادر على أن يخلق أقوامًا ويكمل مِلْأَهَا بهم، ولكنه -عزَّ وجلَّ- لا يعذِّب أحدًا بغير ذنب، بخلاف الجنة، فيبقى فيها فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فيخلق الله أقوامًا يوم القيامة ويدخلهم الجنة بفضله ورحمته.
رابعًا: أن لله تعالى رِجلًا وقَدمًا حقيقية، لا تماثل أرجل المخلوقين، ويسمي أهل السنة مثل هذه الصفة: الصفة الذاتية الخبرية؛ لأنها لم تُعلم إلا بالخبر، ولأن مسماها أبعاض لنا وأجزاء، لكن لا نقول بالنسبة لله: إنها أبعاض وأجزاء؛ لأن هذا ممتنع على الله -عزَّ وجلَّ-. شرح العقيدة الواسطية (2/ 33-34).
وينظر فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في بيان الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الخبرية لله عز وجل.