الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«أربعٌ إذا كُنّ فيكَ فلا عليكَ ما فَاتَكَ مِن الدُّنيا: حفظُ أمانةٍ، وصدقُ حديثٍ، وحسنُ خلِيقةٍ، ‌وَعِفَّةٌ ‌في ‌طُعْمَةٍ»


رواه أحمد برقم: (6652)، والحاكم في المستدرك برقم: (7876)، والبيهقي في شُعب الإيمان برقم: (4463)، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (733)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1718).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«فاتَك»:
فاتني ...أي سَبِقَني ... وفاتني الأمر فَوتًا وفواتًا: ذهب عني. لسان العرب، لابن منظور (2/ 69).

«خَلِيقَةٍ»:
الخليقةُ: الطبيعة، والجمعُ الخلائق. مختار الصحاح، للرازي (ص: 95).
قال ابن سيده -رحمه الله-:
الطبيعة التي يُخلقُ بها الإنسان. المحكم والمحيط الأعظم (4/ 536).

«عِفةً»:
العِفَّة: الكفُّ عَمَّا لَا يحل وَلَا يَجْمُل. المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده (1/ 102).
قال ابن السكيت -رحمه الله-:
يقالُ: عفَّت تعفُّ عِفةً وعَفافًا وعفافةً، وهو ترك كل قبيحٍ أو حرامٍ. كتاب الألفاظ (ص220).

«طُعمَة»:
بِضَم ‌الطَّاء وكسرها، ومعنى ‌الضَّم: ‌أَي: ‌أَكْلَة، وأمَّا الكسر فَوجْهُ الكسْب وهيئته، يُقَال: فلَان طيّب الطِّعْمَة، وخبيث الطِّعْمَة. مشارق الأنوار، للقاضي عياض. (1/ 320).
قال ابن دريد -رحمه الله-:
يقال: هذا الشيء طُعمةً لك، أي: مَأْكَلَةً، وفلانٌ خبيث الطِّعْمَة، أي: رديء المكسب. جمهرة اللغة (2/ 916).


شرح الحديث


قوله «أربعٌ إذا كُنّ فيكَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أربع» أي: من الخصال «إذا كنَّ فيك» أي: وُجدن في وجودك ظاهرًا وباطنًا. مرقاة المفاتيح (8/ 3268).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أربعٌ» التأنيث باعتبار موصوفٍ مقدر، أي: خلالٍ أو صفات. التنوير (2/ 250).

قوله «فلا عليكَ ما فاتكَ مِن الدُّنيا»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
أي: إذا اتصفتَ بهذه الخصال فلا فائت عليك الذي فاتك، «من الدنيا» أو من خلال الكمال، أو نحو ذلك، أي: ليس فاتك حقيقةً، وإن كان فائتًا صورة؛ لأنه بإحرازه هذه الصفات يكمل له الدين والدنيا، ‌فلا ‌يفوته ‌إلّا ‌ما ‌لا ‌يعدّ ‌فائتًا. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 250).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فلا عليك» أي: لا بأس... «ما فاتك من الدنيا». مرقاة المفاتيح (8/ 3268).
وقال الدِّهْلوي رحمه الله-:
«ما فاتك من الدنيا» «ما»: مصدرية، أي: ما ضرَّك فوتُ الدنيا، وقيل: نافية، أي: ما فاتك إذا كنّ حاصلة. لعمات التنقيح (8/ 448).
وقال العَزِيزي -رحمه الله-:
«فلا عليك ما فاتك من الدنيا» أي: فلا يشقّ عليك ما فاتكَ منها. السراج المنير شرح الجامع الصغير (1/ 186).

قوله: «حفْظُ أمانةٍ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
أطلق الأمانة لتشيع في جنسها، فيراعي أمانة الله تعالى من التكاليف، وأمانة الخلق في الحفظ والأداء. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3306).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حِفْظُ أمانة»: يشمل أمانة الأموال والأعمال. مرقاة المفاتيح (8/ 3268).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «حِفْظُ أمانة» في حقوق الله والعباد. لمعات التنقيح (8/ 448).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وحِفظ الأمانة: بأن يحفظ جوارحه وما اؤتمن عليه، فإن الكذوب والخائن لا قَدْرَ لهما عند لله. فيض القدير (1/ 461).

قوله: «وصِدْقُ حَدِيثٍ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
صِدق الحَدِيث: أَي: ضبط اللِّسَان عن البُهْتَان. فيض القدير (1/ 461).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«صدقُ الحديث» إضافة إلى المفعول مع حذف الفاعل، أي: صدقك الحديث، أي: ما حَدَّثت به غيركَ، والمراد في كل حديث، كما يفيده إضافة المصدر وتعريف الحديث؛ ولأنه لا كمال إلا في ذلك، لا في غيره، فإنه قد يصدقُ الكذوب. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 250).
وقال الشيخ أحمد حطيبة -حفظه الله-:
«صِدْقُ حديثٍ» والصدق لا يأتي إلا بخير، ومهما يصاب الإنسان بضرر بسببِ صدقه إلا أن نهاية الصدق الخير... فإذا كان الإنسان صادقًا أحبّه الله -عز وجل-، ووضع له المحبة في قلوب العباد، وكُتب عند الله من الصدِّيقين ولهذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يزالُ العبد يصدقُ ويتحرى الصدق، حتى يكتبَ عند الله صدِّيقًا». شرح الترغيب والترهيب (24/ 3.

قوله: «وحُسْن خَلِيقةٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وحُسن خليقةٍ» أي: خُلُق، والتعبير بها إشارة إلى الحُسن الجِبلِّي لا التكلّفي والتصنُّعي في الأحوال. مرقاة المفاتيح (8/ 3268).
وقال المناوي -رحمه الله-:
حُسن الخُلُق: بِالضَّمِّ بِأَن يكون حَسَنَ العِشْرَة مع الخلق. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 136).
وقال الشيخ أحمد حطيبة -حفظه الله-:
فإذا كان الإنسانُ المؤمنُ حَسَنَ الخُلُق أحبّه الخلق، وقَدَر أن يتعامل معهم، فيأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، فيستجيبون له، ويرتفع العبد أعلى الدرجات يوم القيامة؛ بحسن خلقه، فالإنسان لن يسعَ الناس بماله مهما أوتي من كنوزٍ، ولكن يسعُ الناس بحُسن الخلق. شرح الترغيب والترهيب (24/ 3.

قوله: «وعِفّةٌ في طُعْمَةٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وعِفّةٌ في طُعْمَةٍ» بضم الطاء مع تنوين التاء، أي: احتراز من الحرام، واحتفاظ على الحلال. مرقاة المفاتيح (8/ 3268).
وقال مرتضى الزبيدي -رحمه الله-:
«وعِفة طُعمة» بأن لا يطعمَ حرامًا، ولا ‌ما ‌قويت ‌الشبهةُ فيه، ولا يزيد على الكفاية حتى من الحلال، ولا يكثر الأكل. تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (4/ 1718).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
خصّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- المطعم لأنه أعظم ما يطلبُه الناس، وحاجتهم إليه دائمةٌ متصلة، وإلا فالعفّة مطلوبة في كل شيء. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 250 - 251).
وقال الشيخ أحمد حطيبة -حفظه الله-:
«وعفّة في طُعمةٍ» فلا ينظر إلى أرزاق الناسِ، ولا يكون في قلبه حقدٌ على الناس، وكذلك مكسبُه من حلال، فلا يطعم ولا يتذوق إلا الطعام الطيِّب. شرح الترغيب والترهيب (24/ 3.
وقال الشيخ أحمد حطيبة -حفظه الله-:
فهذه هي الخصال الأربع، وإذا اجتمعت في أحدٍ فـ«لا عليه ما فاته من الدنيا» ... فله عند الله ما هو أعظم بكثير من هذه الدُّنيا. شرح الترغيب والترهيب (24/ 3).
وقال الشيخ سعيد بن وهف القحطاني -رحمه الله-:
أسلوب ذكر العدد إجمالًا ثم تفصيلًا مهم في الدعوة إلى الله -تعالى- ... ومِن المعلوم أن الإخبار بالإجمال يحصل به للنفس المعرفة بغاية المذكور، ثم تبقى متشوِّقة إلى معرفة معناه، فيكون ذلك أوقع في النفس وأعظم في الفائدة، فعلى الداعية أن يستخدمَ أسلوب ذكر العدد إجمالًا ثم تفصيلًا في دعوته؛ لأنه إذا فعل ذلك يشدُّ أذهان المدعوِّين إلى حديثه؛ ليتمكنوا من معرفة نتيجة العدد وتفسيره،؛ فإذا سمع المدعُو قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أربعٌ إذا كنَّ فيك فلا عليكَ ما فاتكَ من الدنيا» فإنه حينئذٍ ينتبه وينتظر ذكر هذه الأربع برغبة واشتياق: «حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة»، ويحتمل: أن يدلَّ العددُ المبهَم المجمَل على التعظيم والتفخيم، وهذا يبيّن أهمية ذكر الداعية العدد إجمالًا ثم تفصيلًا في أساليبه الدعوية، والله -تعالى- أعلم. فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري (1/ 132 - 133)


إبلاغ عن خطأ