الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

أنَّ ناسًا مِن عُرَيْنَةَ قَدِمُوا على رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- المدينةَ، فاجْتَوَوْهَا، فقال لهم رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إنْ شئتم أنْ تَخرُجُوا إلى إبلِ الصَّدقةِ، فتشربوا مِن ألبانِها وأبوالِها» ففعلوا، فَصَحُّوا، ثم مَالُوا على الرِّعَاءِ، فقتلوهم، وارتدُّوا عنِ الإسلامِ، وساقُوا ذَوْدَ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فبلَغ ذلك النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فَبَعَثَ في أَثرِهِم، فأُتِيَ بهم، فقطعَ أيديَهم وأرجلَهم، وسَمَلَ أعينَهم، وتركَهُم في الحَرَّةِ، حتَّى ماتوا».


رواه البخاري برقم: (6805) ومسلم برقم: (1671) واللفظ له، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند مسلم برقم: (1671)، قال أنس -رضي الله عنه-: «إنما سَمَل النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- أَعين أولئك؛ لأنهم سَمَلُوا أَعين الرُّعاء».
وفي لفظ عند البخاري برقم: (6805)، ومسلم برقم:(1671) «‌وَسُمِرَ ‌أَعيُنهم..»  


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«عُرَيْنَةَ»:
موضع ببلاد فزارة، وقيل: قُرى بالمدينة، وعُرينة: قبيلة من العرب. معجم البلدان، لياقوت الحموي (4/ 115).

«فَاجْتَوَوْهَا»:
«فاجْتَوَوُا المدِينة» أي: أصابهم الجَوَى وهو: المَرض وداء الجَوْف إذا تطاولَ؛ وذلك إذا لم يُوافِقْهم هواؤها واسْتَوْخَمُوها، ويُقالُ: اجْتَوَيْتَ البلدَ إذا كرِهْتَ المُقام فيه، وإنْ كُنتَ في نِعمة. النهاية، لابن الأثير (1/ 318).

«الرِّعَاءِ»:
بالكسر والمَدِّ، جمعُ راعٍ...، وقد يُجمعُ على رُعاة بالضم. النهاية، لابن الأثير (2/ 235).

«ذَوْدَ»:
الذَّوْد من الإِبِل: من الثلاث إلى العشر. العين (8/ 55).
بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو، وفي آخره دال مهملة، وهي: الإبل ما بين الثِّنْتَيْنِ إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العَشر، واللفظة مؤنثة، ولا واحد لها مِن لفظها كالنَّعم. نخب الأفكار، للعيني (2/ 374).

«وسَمَلَ»:
سَمْل العين: فقؤها بحديدة مُحماة. مختار الصحاح (ص: 154)

«سَمَر»:
السَّمرُ: شَدُّك شيئًا بالمِسُمار. العين (7/ 255)
وفي نسخة: «وسمر» بالراء والميم المخففة، أي: كَحَّل بالمسمار. الديباج، للسيوطي (4/ 273).

«الحَرَّةِ»:
أرض ذاتُ حِجارة سُودٍ نَخِرة، كأنَّما أُحرِقَتْ بالنار، وجمعه حِرار وإحَرِّين وحَرّات. العين، للخليل (3/ 24).
وقال العيني -رحمه الله-:
«الحَرَّة» بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء...، أرض بظاهر المدينة، بها حجارة سود كثيرة. نخب الأفكار (2/ 376).


شرح الحديث


قوله: «أنَّ ناسًا مِن عُرَيْنَةَ»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
الأناسُ... مشتقٌّ مِن الأُنسِ، لكن يجوزُ حذفُ الهمزةِ؛ تَخْفِيفًا على غيرِ قياسٍ، فيبقَى النَّاسُ، وعن الكسائِيّ: أنَّ الأُنَاسَ والنَّاسَ لغتانِ بمعنًى واحدٍ. المصباح المنير (1/ 26).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «من عُرَيْنَةَ» تقدّم في رواية أنَّهم: «مِن عُكْل» وفي رواية أنَّهم «من عُكْل وعُرينة»، ويُجمع: بأنَّ بعضهم من عُرينة، وبعضهم من عُكْل. البحر المحيط الثجاج (29/ 189).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أنَّ ناسًا» زاد بهز في روايته: «من أهل الحجاز» وقد تقدَّم في الطهارة أنهم «من عُكْل أو عُرينة» بالشك، وثبت أنهم كانوا ثمانية، وأنَّ أربعة منهم كانوا من عُكْل، وثلاثة من عُرينة، والرابع كان تبعًا لهم. فتح الباري (10/ 141).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
(روى) أبو عوانة والطبري من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس قال: «كانوا أربعة من عُرينة، وثلاثة من عُكْل» ولا يُخالف هذا ما عند المصنف (البخاري) في الجهاد، من طريق وهيب عن أيوب، وفي الديات من طريق حَجَّاج الصواف عن أبي رجاء كلاهما عن أبي قلابة عن أنس: «أنَّ رهطًا من عُكْل ثمانية»؛ لاحتمال أنْ يكون الثامن من غير القبيلتين، وكان مِن أتباعهم، فلم يُنسب، وغفل مَن نسب عدتهم ثمانية لرواية أبي يعلى وهي عند البخاري، وكذا عند مسلم، وزعم ابن التين تبعًا للداودي أنَّ عُرينة هم عُكْل، وهو غلط، بل هما قبيلتان متغايرتان، عُكل من عدنان، وعرينة من قحطان، وعُكل بضم المهملة، وإسكان الكاف قبيلة مِن تيم الرباب، وعرينة بالعين والراء المهملتين والنون مصغرًا، حي من قضاعة، وحيٌّ من بَجِيْلَة. فتح الباري (1/ 337).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
«أنَّ ناسًا من عُرينة» الحديث، كان عددهم ثمانية، فقطع اثنين، وصلب اثنين، وسمر اثنين، وسمل اثنين، رواه الحسن بن سفيان من طريق ابن عقيل عن أنس. فتح الباري (1/ 273).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
ذُكِرَ في رواية أخرى عن جرير: «قدم على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قومٌ من عُرينة، حفاةً مَضْرُورِين» وروى ابن أبي حاتم بسنده عن أنس: «كان رهطٌ مِن عُرينة أتوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبهم جَهد، مُصْفرَّة ألوانهم، عظيمة بطونهم». شرح سنن أبي داود (17/ 255).

قوله: «قَدِمُوا على رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- المدينةَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: أَقْبَلوا عليه، وأتوه بالمدينة. ذخيرة العقبى (5/ 120).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ذكر ابن إسحاق في المغازي أنَّ قدومهم كان بعد غزوة ذي قَرَد، وكانت في جمادى الآخرة، سنة ستٍّ، وذكرها المصنف (البخاري) بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة منها، وذكر الواقدي أنها كانت في شوال منها، وتبعه ابن سعد وابن حبان، وغيرهما، والله أعلم. فتح الباري (1/ 337).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قدموا على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-» من البحرين. شرح سنن أبي داود (17/ 255).

قوله: «فَاجْتَوَوْهَا»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فاجتووا المدينة» زاد في رواية يحيى بن أبي كثير قبل هذا «فأسلموا» وفي رواية أبي رجاء قبل هذا: «فبايعوه على الإسلام».فتح الباري (1/ 337).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فاجْتَوَوْها» أي: كَرِهُوا المقام بها، وفي رواية أبي رجاء: «فاستوخموا الأرض، وسَقُمَت أجسامهم»...، وفي رواية للبخاريّ من طريق سعيد عن قتادة في هذه القصّة: «فقالوا: يا نبي الله، إنَّا كنا أهل ضَرْع، ولم نكن أهل رِيفٍ»، وله من رواية ثابت عن أنس: «أنَّ ناسًا كان بهم سُقْم، قالوا: يا رسول الله، آوِنَا وأَطْعِمْنَا، فلما صَحُّوا، قالوا: إنَّ المدينة وَخْمَة». البحر المحيط الثجاج (29/ 158).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الظاهر: أنَّهم قدموا سِقامًا، فلما صحُّوا من السقم، كرهوا الإقامة بالمدينة؛ لِوَخَمها، فأما السقم الذي كان بهم فهو الهزال الشديد، والجهد من الجوع. فتح الباري (1/ 337).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
الدليل على أنَّ هذا المرض كان الاستسقاء، ما رواه مسلم في صحيحه (كذا قال وهو في أحمد) في هذا الحديث أنهم قالوا: «إنا اجتوينا المدينة، فعَظُمَت بطوننا، وانتهشت أعضاؤنا» وذكر تمام الحديث...، والجوى: داء من أدواء الجوف، والاستسقاء: مرض مادي سببه مادة غريبة باردة، تتخلل الأعضاء، فتربو لها، إما الأعضاء الظاهرة كلها، وإما المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط. زاد المعاد (4/ 43).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فاجتووا المدينة» أي: كرهوا هواءها، لم توافقهم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (20/ 354).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «اجتووا المدينة» يريد أنَّهم لم يستوفِقُوا المقام بها لمرض أصابهم، أو عارض من سَقَم. أعلام الحديث (1/ 285).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وللمصنف (البخاري) في المحاربين من طريق وهيب عن أيوب: «أنهم كانوا في الصُّفة قبل أنْ يطلبوا الخروج إلى الإبل». فتح الباري (1/ 337).

قوله: «فقال لهم رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إنْ شئتم أنْ تَخرُجُوا إلى إبلِ الصَّدقةِ» وفي رواية «فأمر لهم النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بِلِقَاحٍ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
الجمع بينهما: أنَّ إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعْث النبي -صلى الله عليه وسلم- بلقاحه إلى المرعى، فطلب هؤلاء النفر الخروج إلى الصحراء؛ لشُرْب ألبان الإبل، فأمرهم أنْ يخرجوا مع راعيه، فخرجوا معه إلى الإبل، ففعلوا ما فعلوا، وظهر بذلك مصداق قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن المدينة تنفي خَبَثها». فتح الباري (1/ 338).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وكانت ترعى (هذه اللقاح) بذي الجَدْر: ناحية قُباء، قريبًا من (جبل) عَير، على ستة أميال من المدينة. التوضيح (4/ 450).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث أنَّها إبل الصدقة، وفي غير مسلم أنها لقاح النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكلاهما صحيح، فكان بعض الإبل للصدقة، وبعضها للنبي -صلى الله عليه وسلم-. المنهاج شرح مسلم (11/ 154).

قوله: «فتشربوا مِن ألبانِها وأبوالِها»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
فأما شربهم ألبان الصدقة؛ فلأنهم من أبناء السبيل، وأما شُربهم لبن لقاح النبي -صلى الله عليه وسلم-، فبإذنه المذكور. فتح الباري (1/ 338).
وقال النووي -رحمه الله-:
استدل أصحاب مالك وأحمد بهذا الحديث أنَّ بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهران، وأجاب أصحابنا (الشافعية) وغيرهم من القائلين بنجاستهما: بأنَّ شربهم الأبوال كان للتداوي، وهو جائز بكل النجاسات، سوى الخمر والمسْكِرات.
فإنْ قيل: كيف أَذِنَ لهم في شرب لبن الصدقة؟
فالجواب: أنَّ ألبانها للمحتاجين من المسلمين، وهؤلاء إذ ذاك منهم. شرح مسلم (11/ 154).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
أمّا بولُ ما يُؤكَلُ لحمُه، وروثُ ذلك، فإنَّ أكثرَ السَّلفِ على أنَّ ذلك ليس بنجسٍ، وهو مذهبُ مالكٍ وأحمد وغيرِهما، ويُقال: إنَّه لم يذهبْ أحدٌ من الصَّحابةِ إلى تنجيسِ ذلك، بل القولُ بنجاسةِ ذلك قولٌ مُحدَثٌ لا سَلَفَ له من الصَّحابةِ.
وقد بَسطنا القولَ في هذه المسألةِ في كتابٍ مُفرَدٍ، وبيَّنَّا فيه بضعةَ عشرَ دليلًا شرعيًّا، وأنَّ ذلك ليس بنجسٍ، والقائلُ بتنجيسِ ذلك ليس معه دليلٌ شرعيٌّ على نجاسته أصلًا.
فإن غايةَ ما اعتمدوا عليه قولُه -صلى الله عليه وسلم-: «تَنَزَّهوا من البول»، وظنُّوا أنَّ هذا عامٌّ في جميع الأحوال، وليس كذلك؛ فإنَّ اللامَ لتعريفِ العهد، والبولُ المعهودُ هو بولُ الآدمي، ودليله قولُه: «تنزَّهوا من البول، فإنَّ عامَّةَ عذابِ القبرِ منه»، ومعلوم أنَّ عامَّةَ عذابِ القبرِ إنما هو من بولِ الآدميِّ نفسِه الذي يُصيبُه كثيرًا، لا من بولِ البهائمِ الذي لا يُصيبُه إلا نادرًا.
وقد ثبت في الصحيحين عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه أمر العُرَنِيِّين الذين كانوا حديثي عهدٍ بالإسلام أن يلحقوا بإبلِ الصَّدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالِها وألبانِها، ولم يأمرهم مع ذلك بغسلِ ما يُصيبُ أفواهَهم وأيديَهم، ولا بغسلِ الأوعيةِ التي فيها الأبوال، مع حداثةِ عهدِهم بالإسلام، ولو كان بولُ الأنعام كبولِ الإنسان لكان بيانُ ذلك واجبًا، ولم يَجُز تأخيرُ البيان عن وقتِ الحاجة، لا سيَّما مع أنَّه قرنها بالألبان التي هي حلالٌ طاهرة، مع أنَّ التداوي بالخبائث قد ثبت فيه النهيُ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- من وجوهٍ كثيرة.
وأيضًا: فقد ثبت في الصحيح أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يُصلِّي في مرابضِ الغنم، وأنَّه أذِن في الصلاةِ في مرابضِ الغنم من غير اشتراطِ حائل، ولو كانت أبعارُها نجسةً لكانت مرابضُها كحُشوشِ بني آدم، وكان ينهى عن الصلاةِ فيها مطلقًا، أو لا يُصلِّي فيها إلا مع الحائلِ المانع، فلمّا جاءت السُّنَّةُ بالرُّخصة في ذلك كان من سوَّى بين أبوالِ الآدميِّين وأبوالِ الغنم مخالفًا للسُّنَّة.
وأيضًا: فقد طاف النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بالبيت على بعيره.
وأيضًا: فما زال المسلمون يدوسون حبوبَهم بالبقر مع كثرةِ ما يقع في الحبِّ من البول وأخباثِ البقر.
وأيضًا: فإنَّ الأصل في الأعيانِ الطهارة، فلا يجوز التنجيسُ إلا بدليل، ولا دليلَ على النَّجاسة؛ إذ ليس في ذلك نصٌّ، ولا إجماعٌ، ولا قياسٌ صحيحٌ.مجموع الفتاوى (21/ 613-615).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
احتجَّ مَن جعل الأبوالَ كلَّها نجسةً بأنَّ أبوالَ بني آدم لما كانت نجسةً، فأبوالَ البهائمِ أولى بذلك؛ لأنَّ مأكولَ الآدميين ومشروبَهم يدخلُ حلالًا، ثم يتغيَّر في الجوف حتى يخرج نجسًا، فكان ما كانت تعتلفُه البهائمُ وتأكلُه السِّباعُ أولى بهذا؛ لأنَّها لا تتوقَّى ما تأكل.
قال أبو بكرٍ (ابن المنذر): ويلزمُ مَن جعل أبوالَ البهائمِ قياسًا على أبوالِ بني آدم أن يجعل شعرَ بني آدم قياسًا على أصوافِ الغنم، وأوبارِ الإبل، وأشعارِ الأنعام، هذا إذا جاز أن يجعل أحدُ الصنفين قياسًا على الآخر، فإذا فرَّق مُفرِّقٌ في غير هذا الباب بين بني آدم والأنعام بفروقٍ كثيرة، ومنع أن يجعل أحدَهما قياسًا على الآخر، وجب كذلك في هذا الباب أن لا يجعل أحدُ الصنفين قياسًا على الآخر، والأخبارُ الثابتةُ عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- دالَّةٌ على طهارةِ أبوالِ الإبل، ولا فرقَ بين أبوالِ الإبل وبين أبوالِ البقر والغنم (ثم ذكر حديثَ الباب).
قال أبو بكرٍ (ابن المنذر): وهذا يدلُّ على طهارةِ أبوالِ الإبل، ولا فرقَ بين أبوالِها وأبوالِ سائرِ الأنعام، ومع أنَّ الأشياءَ على الطهارة حتى تثبتَ نجاسةُ شيءٍ منها بكتابٍ أو سُنَّةٍ أو إجماع، فإن قال قائلٌ: إنَّ ذلك للعرنيين خاصَّة، قيل له: لو جاز أن يقال في شيءٍ من الأشياء خاصٌّ بغير حجَّة، لجاز لكلِّ مَن أراد فيما لا يوافق من السُّنن مذاهبَ أصحابِه أن يقول: ذلك خاصٌّ، وظاهرُ خبرِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب مستغنًى به عن كلِّ قول.
واستعمالُ الخاصَّةِ والعامَّةِ أبوالَ الإبل في الأدوية، وبيعُ الناس ذلك في أسواقهم، وكذلك الأبعارُ تُباع في الأسواق، ومرابضُ الغنم يُصلَّى فيها، والسُّننُ الثابتةُ دليلٌ على طهارةِ ذلك، ولو كان بيعُ ذلك محرَّمًا لأنكر ذلك أهلُ العلم، وفي تركِ أهلِ العلم إنكارَ بيعِ ذلك في القديم والحديث، واستعمالِ ذلك معتمدين فيه على السُّنَّة الثابتة، بيانٌ لما ذكرناه.
وقد يجب على مَن منع أن يجعل الأصولَ بعضُها قياسًا على بعض أن يمنع أن يجعل ما قد ثبتت له الطهارة بالسُّنَّة الثابتة عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- قياسًا على بولِ بني آدم؛ لأنَّ الذي أمر بغسلِ بولِ بني آدم هو الذي أباح شربَ أبوالِ الإبل، وهذا غلطٌ من غير وجه:
أحدُها: تحريمُ ما أباحته السُّنَّة بغير حجَّة.
والثاني: دعوى الخصوص في شيءٍ ليس مع مدَّعيه حجَّةٌ بذلك.
والثالث: تشبيهُ أبوالِ بني آدم بالبهائم، وصاحبُ هذه المقالة يقول: لا يُقاسُ أصلٌ على أصل، ولو جاز القياسُ في هذا الباب لكان أقربَ إلى القياس أن يجعل بولَ ما يُؤكَلُ لحمُه قياسًا على أبوالِ الإبل، ويجعل ما لا يُؤكَلُ لحمُه قياسًا على بولِ بني آدم، فيكون ذلك أقربَ إلى القياس من غيره. الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (2/ 195-199).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
هذا الذي حقَّق الإمام ابن المنذر -رحمه الله- بحثٌ نفيس، خُلاصته أن الأرجح كون الأبوال والأبعار، والأخثاء طاهرة مطلقًا، من جميع الحيوانات، مأكولة اللحم، وغير مأكولته، إلا بول الآدمي؛ لقوة حُجته، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (7/ 323).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أما شُربهم البول فاحتج به من قال بطهارته، أما من الإبل فبهذا الحديث، وأما من مأكول اللحم فبالقياس عليه، وهذا قول مالك وأحمد وطائفة من السلف، ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والاصطخري والروياني، وذهب الشافعي والجمهور إلى القول بنجاسة الأبوال والأرواث كلها من مأكول اللحم وغيره، واحتج ابن المنذر لقوله: بأن الأشياء على الطهارة حتى تثبت النجاسة، قال: ومَن زعم أنَّ هذا خاص بأولئك الأقوام فلم يصب؛ إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل، قال: وفي ترك أهل العلم بيع الناس أبعار الغنم في أسواقهم، واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم قديمًا وحديثًا من غير نكير، دليل على طهارتها.
قلتُ: وهو استدلال ضعيف؛ لأن المختلف فيه لا يجب إنكاره، فلا يدل ترك إنكاره على جوازه، فضلًا عن طهارته...، ولا يَرِدُ قوله -صلى الله عليه وسلم- في الخمر: «إنَّها ليست بدواء، إنها داء» في جواب مَن سأله عن التداوي بها، فيما رواه مسلم؛ فإنَّ ذلك خاص بالخمر، ويلتحق به غيرها من المسكر، والفَرْقُ بين المسكِر وبين غيره من النجاسات: أنَّ الحدَّ يثبت باستعماله في حالة الاختيار دون غيره؛ ولأنَّ شُربه يجر إلى مفاسد كثيرة؛ ولأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء، فجاء الشرع بخلاف معتقدهم، قاله الطحاوي بمعناه، وأما أبوال الإبل فقد روى ابن المنذر عن ابن عباس مرفوعًا: «أنَّ في أبوال الإبل شفاء ‌لِذِرْبَةِ ‌بُطُونِهِمْ» والذِّرْبُ: فساد المعدة، فلا يقاس ما ثبت أنَّ فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه، والله أعلم، وبهذه الطريق يحصل الجمع بين الأدلة، والعمل بمقتضاها كلها. فتح الباري (1/ 338-339).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وقد استُدلَّ بهذا الحديث من قال بطهارة بول ما يُؤكل لحمه، وهو مذهب العترة، والنخعي، والأوزاعي، والزهري، ومالك، وأحمد، ومحمد، وزفر، وطائفة من السلف، ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، والإصطخري، والروياني.
أمَّا في الإبل فبالنص، وأما في غيرها مما يُؤكل لحمه فبالقياس. قال ابن المنذر: ومن زعم أن هذا خاصٌّ بأولئك الأقوام فلم يُصب؛ إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل، ويؤيد ذلك تقرير أهل العلم لمن يبيع أبعار الغنم في أسواقهم، واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم. ويؤيده أيضًا: أن الأشياء على الطهارة حتى تثبت النجاسة...
ومن أدلة القائلين بالطهارة حديث الإذن بالصلاة في مرابض الغنم السابق.
وأُجيب عنه: بأنه معلل بأنها لا تؤذي كالإبل، ولا دلالة فيه على جواز المباشرة، وإلا لزم نجاسة أبوال الإبل وبعرها للنهي عن الصلاة في مباركها.
ويرد هذا الجواب: بأن الصلاة في مرابِض الغنم تستلزم المباشرة لآثار الخارج منها، والتعليل بكونها لا تؤذي أمر وراء ذلك، والتعليل للنهي عن الصلاة في معاطن الإبل بأنها تؤذي المصلي يدل على أن ذلك هو المانع، لا ما كان في المعاطن من الأبوال والبعر...
واحتجوا أيضًا بحديث: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم»، عند مسلم، والترمذي، وأبي داود، من حديث وائل بن حجر، وابن حبان، والبيهقي من حديث أم سلمة، وعند الترمذي وأبي داود من حديث أبي هريرة بلفظ: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن كل دواء خبيث»، والتحريم يستلزم النجاسة، والتحليل يستلزم الطهارة، فتحليل التداوي بها دليل على طهارتها، فأبوال الإبل وما يلحق بها طاهرة...
واحتج القائلون بنجاسة جميع الأبوال والأزبال، وهم الشافعية والحنفية، ونسبه في الفتح إلى الجمهور، ورواه ابن حزم في المحلى عن جماعة من السلف، بالحديث المتفق عليه أنه -صلى الله عليه وسلم- مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان لا يستنزه عن البول» الحديث.
قالوا: يعم جنس البول، ولم يخصه ببول الإنسان، ولا أخرج عنه بول المأكول، وهذا الحديث غاية ما تمسكوا به.
وأُجيب عنه: بأن المراد بول الإنسان؛ لما في صحيح البخاري بلفظ: «كان لا يستنزه من بوله»...، فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان. نيل الأوطار (1/ 69-71).
وقال الشوكاني -رحمه الله- أيضًا:
والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه تمسكًا بالأصل، واستصحابًا للبراءة الأصلية، والنجاسة حكم شرعي ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة، فلا يقبل قول مدعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلًا كذلك، وغاية ما جاءوا به حديث صاحب القبر، وهو مع كونه مرادًا به الخصوص كما سلف عموم ظني الدلالة لا ينتهض على معارضة تلك الأدلة المعتضدة بما سلف... فالمتوجه البقاء على الأصل والبراءة كما عرفت. نيل الأوطار (1/ 71).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قد تبين مما أسلفته من بيان هذه الأقوال، والنظر في أدلتها، أن أرجح المذاهب هو القول بأن الأبوال والأزبال طاهرة مطلقًا، من مأكول اللحم وغيره إلا الآدمي، وكذلك الروثة؛ لحديث: «إنها ركس»، وذلك للأدلة التي سبقت، وتمسكًا بالبراءة الأصلية؛ إذ لم يرد نص قاطع ينقل عنها، فالبقاء عليها هو الحق، فتبصر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (7/ 325).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
فيه دليل... على جواز التداوي بالمُحرَّم عند الضرورة، وقاس بعضٌ التداويَ بالخَمر عليه، ومنعَه الأكثر؛ لميل الطِّبَاع إليها دونَ غيرها من النجاسات. شرح المصابيح (4/ 173).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الحاصل: أنَّ الأصحّ طهارة الأبوال والأرواث؛ لقوّة حُجته. البحر المحيط الثجاج (29/ 162).

قوله: «ففعلوا، فَصَحُّوا»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ففعلوا» أي: ما أمرهم به، من شرب أبوالها وألبانها. البحر المحيط الثجاج (29/ 162).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فلمَّا صحوا» في السياق حذف، تقديره: فشربوا من أبوالها وألبانها، فلما صحوا، وقد ثبت ذلك في رواية أبي رجاء، وزاد في رواية وهيب: «وسمنوا» وللإسماعيلي من رواية ثابت: «ورجعت إليهم ألوانهم». فتح الباري (1/ 339).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«ففعلوا» الشرب المذكور «فصحُّوا» من ذلك الداء. إرشاد الساري (10/ 3).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فصحُّوا» أي: فحصلت لهم الصحة والعافية من مرضهم. الكوكب الوهاج (18/ 326).

قوله: «ثم مَالُوا على الرِّعاءِ، فقتلوهم»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم» بصيغة الجمع، ونحوه لابن حبان من رواية يحيى بن سعيد عن أنس، فيحتمل أنَّ إبل الصدقة كان لها رعاة، فقُتل بعضهم مع راعي اللقاح، فاقتصر بعض الرواة على راعي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وذكر بعضهم معه غيره.
ويحتمل أنْ يكون بعض الرواة ذكره بالمعنى، فتجوَّز في الإتيان بصيغة الجمع، وهذا أرجح؛ لأنَّ أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يَسَار، والله أعلم. فتح الباري (1/ 339).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
اسم هذا الراعي يَسَار، بمثنَّاة تحت في أوله، وهو مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان نوبيًّا، فأعتقه. التوضيح (4/ 450).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:

قوله: «فقتلوهم» وذكر ابن سعد في طبقاته: أنَّ يسارًا مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاتلهم في نفرٍ، فقطعوا يده ورِجله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه، حتى مات -رحمه الله تعالى ورضي عنه-. الكوكب الوهاج (18/ 330).
وقال العيني -رحمه الله-:
وحُمِل يسارُ مَيْتًا، ودفنوه بقُباء. نخب الأفكار (2/ 374).

قوله: «وارتدُّوا عنِ الإسلامِ»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
أما العُرَنِيُّون: فإنهم غدروا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وارتدوا عن الإسلام، وذهبوا بإبله، فجمعوا بين الكفر والغدر والغصب، فلذلك قطع أيديهم في جزاء السرقة، وسمر أعينهم قصاصًا؛ لأنهم سمروا أعين الرعاء؛ لئلا يَدُلُّوا على حُوبِهِم (إثمهم) الذي ذهبوا فيه، وقتلهم في جزاء شركهم بالله. الإفصاح (5/ 160).

قوله: «وساقُوا ذَوْدَ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
من السَّوق، وهو السير العنيف. فتح الباري (1/ 339).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«وساقوا ذود رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: استولوا عليها، وفروا بها. منة المنعم (3/ 123).

قوله: «فَبَلَغَ ذلك النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فبلغ ذلك» الأمر الذي فعلوه مِن قَتْلِ الرعاء، وسَوق الإبل. الكوكب الوهاج (18/ 326).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فبلغَ ذلك النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم-» وفي رواية للبخاريّ: «فجاء الخبر في أول النهار» وفي رواية: «فجاء الصريخ» بالخاء المعجمة، وهو فعيل بمعنى فاعل؛ أي: صرخ بالإعلام بما وقع منهم، وهذا الصارخ أحد الراعيَين، كما ثبت في صحيح أبي عوانة من رواية معاوية بن قُرّة، عن أنس، وقد أخرج مسلم إسناده، ولفظه: «فقتلوا أحد الراعيَين، وجاء الآخر قد جَزِعَ، فقال: قد قتلوا صاحبي، وذهبوا بالإبل». البحر المحيط الثجاج (29/ 162-163).

قوله: «فَبَعَثَ في أَثَرِهِم»:
قال ابن سعد -رحمه الله-:
بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الخبر، فبعث في أثرهم عشرين فارسًا، واستعمل عليهم كُرْز بن جابر الفِهْري، فأدركوهم، فأحاطوا بهم، وأسروهم، وربطوهم، وأردفوهم على الخيل، حتى قدموا بهم المدينة...، وأمر بهم (-صلى الله عليه وسلم-) فقُطِّعت أيديهم وأرجلهم، وسَمَل أعينهم، فصُلبوا هناك، وأُنزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَونَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا} المائدة: 33. الطبقات الكبرى (2/ 71).

قوله: «فأُتِيَ بهم»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فأُتي بهم» أي: إلى النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أُسارى، وفي رواية للبخاريّ: «فلما ارتفع النهار جيء بهم» أي: فأُدركوا في ذلك اليوم، فأُخذوا، فلما ارتفع النهار جيء بهم أسارى. البحر المحيط الثجاج (29/ 164).

قوله: «فقطعَ أيديَهم وأرجلَهم»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقطع» النبي -صلى الله عليه وسلم-، أي: أَمَرَ بقطع «أيديهم وأرجلهم» على الخلاف، أي: قطعوا أيدي اليمنى، وأرجل اليسرى؛ لحدِّ المحاربة وللقصاص. الكوكب الوهاج (18/ 332).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فأَمَرَ بقطع» كذا للأصيلي والمستملي والسرخسي، وللباقين: «فقطع أيديهم وأرجلهم» قال الداودي: يعني: قطع يدَي كل واحد ورجليه.
قلتُ: تردُّه رواية الترمذي: «مِن خلاف» وكذا ذكره الإسماعيلي عن الفريابي عن الأوزاعي بسنده، وللمصنف (أي: البخاري) من رواية الأوزاعي أيضًا: «ولم ‌يَحْسِمْهُمْ» أي: لم يَكْوِ ما قَطَع منهم بالنار؛ لينقطع الدم، بل تركه ينزف. فتح الباري (1/ 340).

قوله: «وسَمَلَ أعينَهم» وفي لفظ: «وسَمَر»:
قال النووي -رحمه الله-:
هكذا هو في معظم النسخ «سمل» باللام، وفي بعضها «سمَر» بالراء والميم مخففة، وضبطناه في بعض المواضع في البخاري «سمَّر» بتشديد الميم، ومعنى «سمل» باللام: فقأها، وأذهب ما فيها، ومعنى «سمر» بالراء كَحَلَها بمسامير محميَّة، وقيل: هما بمعنى. المنهاج شرح مسلم (11/ 155).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «سَمَلَ أعينهم» قيل: فقأها بالشوك، وقيل: هو أن يُؤْتى بحديدة مُحْمَاة وتُقرَّب من العين حتَّى يذهب نظرها، وعلى هذا تتفق مع رواية من قال: «سَمَرَ» بالراء؛ إذ قد تكون هذه الحديدة مسمارًا، وكذلك أيضًا على الوجه الأول، وقد يكون فَقْؤُها بالمسمار، وسَمْلُها به، كما فعل ذلك بالشوك. مشارق الأنوار (2/ 220).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قد اختلف الناس في معنى هذا الصنيع، وتأويل ما كان من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أمرهم، فروي عن ابن سيرين أنه قال: كان ذلك قبل تحريم الْمُثْلة، وروي في بعض الأخبار: أنهم كانوا قد سَمَلوا أعينَ الرعاة، وقطعوا أيديهم وأرجلهم، فكان ما فُعل بهم مجازاة على محاذاة أفعالهم، فيكون فيه على هذا الوجه دلالة على جواز امتثال القصاص على حسب الجناية. أعلام الحديث (1/ 286-287).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا الحديث أصل في عقوبة المحاربين، وهو موافق لقول الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} المائدة: 33.
واختلف العلماء في المراد بهذه الآية الكريمة، فقال مالك: هي على التخيير، فيُخيَّر الإمام بين هذه الأمور، إلا أن يكون المحارب قد قتل فيتحتم قتله.
وقال أبو حنيفة وأبو مصعب المالكي: الإمام بالخيار، وإن قتلوا.
وقال الشافعي وآخرون: هي على التقسيم؛ فإن قتلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا، وإن قتلوا وأخذوا المال قُتلوا وصُلبوا، فإن أخذوا المال ولم يقتلوا قُطعت أيديهم وأرجُلهم من خلاف، فإن أخافوا السَّبيل ولم يأخذوا شيئًا ولم يقتلوا طُلبوا حتى يُعزَّروا، وهو المراد بالنفي عندنا.
قال أصحابنا: لأن ضرر هذه الأفعال مختلف، فكانت عقوباتها مختلفة، ولم تكن للتخيير.. شرح صحيح مسلم (11/ 153).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
اختلفوا في حكمِ المحارب، فقالت طائفةٌ: يُقامُ عليه بقدرِ فعله؛ فمن أخافَ السبيلَ وأخذَ المالَ قُطعت يدُه ورجلُه من خلاف، وإن أخذَ المالَ وقتل قُطعت يدُه ورجلُه، ثم صُلب، فإذا قتل ولم يأخذِ المالَ قُتل، وإن هو لم يأخذِ المالَ ولم يقتل نُفي. قاله ابن عباس، ورُوي عن أبي مجلز، والنخعي، وعطاء الخراساني، وغيرهم.
وقال أبو يوسف: إذا أخذَ المالَ وقتل صُلب وقُتل على الخشبة. قال الليث: بالحربة مصلوبًا. وقال أبو حنيفة: إذا قتل قُتل، وإذا أخذَ المالَ ولم يقتل قُطعت يدُه ورجلُه من خلاف، وإذا أخذَ المالَ وقتل فالسلطانُ مخيَّرٌ فيه؛ إن شاء قطع يدَه ورجلَه، وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه.
قال أبو يوسف: القتلُ يأتي على كلِّ شيء، ونحوُه قولُ الأوزاعي.
وقال الشافعي: إذا أخذَ المالَ قُطعت يدُه اليمنى وحُسمت، ثم قُطعت رجلُه اليسرى وحُسمت، وخُلِّي؛ لأن هذه الجنايةَ زادت على السرقة بالحرابة، وإذا قتل قُتل، وإذا أخذَ المالَ وقتل قُتل وصُلب، ورُوي عنه أنه قال: يُصلب ثلاثةَ أيام. قال: وإن حَضَر وكَثُر وهيب، وكان رَدْءًا للعدوِّ حُبس.
وقال أحمد: إن قتل قُتل، وإن أخذَ المالَ قُطعت يدُه ورجلُه، كقول الشافعي. وقال قومٌ: لا ينبغي أن يُصلب قبل القتل، فيُحال بينه وبين الصلاةِ والأكلِ والشرب.
وحُكي عن الشافعي: أكره أن يُقتل مصلوبًا؛ لنهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن المُثلة. وقال أبو ثور: الإمامُ مخيَّرٌ على ظاهر الآية، وكذلك قال مالك، وهو مرويٌّ عن ابن عباس، وهو قولُ سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، والنخعي؛ كلهم قال: الإمامُ مخيَّرٌ في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم بأيِّ الأحكام التي أوجبها الله تعالى: من القتل والصلب، أو القطع، أو النفي، بظاهر الآية. قال ابن عباس: ما كان في القرآن {أو} فصاحبُه بالخيار.
قال القرطبي: وهذا القولُ أسعدُ بظاهر الآية؛ فإن أهلَ القول الأول الذين قالوا: إن {أو} للترتيب، وإن اختلفوا، فإنك تجد أقوالَهم أنهم يجمعون عليه حدَّين، فيقولون: يُقتل ويُصلب، ويقول بعضُهم: يُصلب ويُقتل، ويقول بعضُهم: تُقطع يدُه ورجلُه ويُنفى، وليس كذلك الآية، ولا معنى {أو} في اللغة. قاله النحاس.
قال الجامع – عفا الله تعالى عنه –: عندي القولُ بتخيير الإمام أرجح؛ لظاهر الآية، والله تعالى أعلم بالصواب.. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (31/ 335-336).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
والذي أرى: أنَّ هذه العقوبة من باب التعزير، والتعزير: هو التأديب، ومرجعه إلى اجتهاد الإمام ونَظَره، فقد يكون خفيفًا، وقد يكون شديدًا، فيؤدَّب بالعقاب والتأنيب، ويؤدب بالحبس، ويؤدَّب بما يراه من الجَلْدِ، ويؤدَّب بالقتل، ويؤدب بأخذ المال، وكلها لها سند من السنة الحكيمة، وهؤلاء الأعراب عملوا أعمالًا شنيعة، دلت على فساد قلوبهم، وخُبْثِ طَوِيتهم، فقد ارتدوا عن الإسلام، وجزاء المرتد القتل، وقتلوا الراعي القائم بخدمتهم، وسَمَلُوا عينيه بغير حق، وسرقوا الإبل التي هي لعامة المسلمين، فهذا غُلولٌ وسرقة وخيانة، وحاربوا الله ورسوله، بقطع الطريق، والإفساد في الأرض، وكفروا نعمة الله تعالى وهي العافية بعد المرض، والسِّمَن بعد الهزال، فكانوا بهذا مستحقين لعذابٍ يقابل فعلهم؛ ليردع من لم يدخل الإيمان قلبه من الجُفَاةِ. تيسير العلام (ص: 656).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
وقد اختُلف عن مالك في هذه المسألة (من يستحق اسم المحاربة)، فأثبت المحاربة في المِصر مرة، ونفي ذلك مرة.
وقالت طائفة: حُكم ذلك في الصحراء، والمنازل، والطريق، وديار أهل البادية، والقُرى سواء، إن لم يكن من كان في المِصر أعظم ذنبًا فحدودهم واحدة هذا قول الشافعي، وأبي ثور.
قال أبو بكر (ابن المنذر): كذلك هو، لأن كلًا يقع عليه اسم المحاربة، والكتاب على العموم، وليس لأحد أن يُخرج من جملة الآية قومًا بغير حجة. الإشراف على مذاهب العلماء (7/ 245).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الأرجح عندي ما ذهب إليه الشافعي، وأبو ثور، ورجحه ابن المنذر، من أن المحارب يعم كل من حمل السلاح على المسلمين مطلقا، في المصر، أو المنازل، والطرق، أو البرية؛ لعموم الآية الكريمة. والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (31/ 335).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-أيضًا:
والمغتال كالمحارب، وهو الذي يحتال في قتل إنسان على أخذ ماله، وإن لم يشهر السلاح، لكن دخل عليه بيته، أو صحبه في سفر فأطعمه سمًا فقتله، فيقتل حدًا، لا قودًا. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (31/ 334-335).

قوله: «وتركَهُم في الحَرَّةِ، حتَّى ماتوا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وتَرَكَهم» أي: أمر بتركهم. الكوكب الوهاج (18/ 332).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وترَكَهم في الحَرَّةِ» بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء: أرض ذات حجارة سُود، معروفة بالمدينة، وإنَّما أُلقوا فيها؛ لأنها قُرْبَ المكان الذي فَعَلوا فيه ما فعلوا «حتَّى ماتُوا»، وفي رواية حجاج عن أبي رجاء: «ثم نُبِذوا في الشمس حتى ماتوا» وفي رواية أيوب عن أبي رجاء: «وأُلقوا في الحرّة، يَسْتَسقُون، فلا يُسقَون» وفي رواية شعبة عن قتادة عند البخاريّ: «يَعَضُّون الحجارة» وعنده من رواية ثابت: «قال أنس: فرأيتُ الرجل منهم يَكْدُم الأرض بلسانه حتى يموت» ولأبي عوانة: «يَعَضُّ الأرض؛ ليجد بَرْدَها، مما يجد من الحرِّ والشدّة»...، زاد في رواية البخاريّ: قال أبو قلابة: "فهؤلاء سَرَقُوا وقَتَلُوا وكَفَرُوا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله"، فقوله: قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا، أي: لأنهم أخذوا اللقاح من حِرز مثلها، وهذا قاله أبو قلابة استنباطًا. البحر المحيط الثجاج (29/ 165-167).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وزعم الواقدي أنهم صُلبوا، والروايات الصحيحة تردُّه، لكن عند أبي عوانة من رواية أبي عقيل عن أنس: «فصَلَب اثنين، وقطع اثنين، وسَمَل اثنين» كذا ذكر ستة فقط، فإن كان محفوظًا، فعقوبتهم كانت موزَّعة، ومال جماعة منهم ابن الجوزي إلى أن ذلك وقع عليهم على سبيل القصاص؛ لما عند مسلم من حديث سليمان التيمي عن أنس: «إنما سَمَلَ النبي -صلى الله عليه وسلم- أعينهم؛ لأنهم سَمَلُوا أعين الرعاة» وقصَّر من اقتصر في عزوه للترمذي والنسائي، وتعقبه ابن دقيق العيد: بأنَّ الْمُثْلة في حقهم وقعت من جهات، وليس في الحديث إلا السَّمل، فيحتاج إلى ثبوت البقية.
قلتُ: كأنهم تمسكوا بما نقله أهل المغازي أنهم مثَّلوا بالراعي...، واستشكل القاضي عياض عدم سقيهم الماء للإجماع على أنَّ مَن وجب عليه القتل فاستسقى لا يُمنع، وأجاب بأنَّ ذلك لم يقع عن أمر النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا وقع منه نهي عن سقيهم، انتهى، وهو ضعيف جدًّا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- اطلع على ذلك، وسكوته كافٍ في ثبوت الحكم، وأجاب النووي: بأن المحارِب المرتد لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره، ويدل عليه أن مَن ليس معه ماء إلا لطهارته ليس له أن يسقيه للمرتد ويتيمم، بل يستعمله، ولو مات المرتدُّ عطشًا، وقال الخطابي: إنما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- بهم ذلك؛ لأنه أراد بهم الموت بذلك، وقيل: إن الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والموخم؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا بالعطش على من عطَّش آل بيته في قصة رواها النسائي، فيحتمل أن يكونوا في تلك الليلة مَنعوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يُراح به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن لقاحه في كل ليلة، كما ذكر ذلك ابن سعد، والله أعلم. فتح الباري (1/ 340-341).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فأما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص. مجموع الفتاوى (28/ 314).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وفي الحديث أبواب من الفقه:
منها: جواز التطبُّب، وأن يطبَّ كل جسم بما اعتاد، فإن هؤلاء القوم أعراب البادية، عادتهم شرب أبوال الإبل وألبانها، وملازمتهم الصحاري، فلمَّا دخلوا القرى، وفارقوا أغذيتهم وعادتهم مرضوا، فأرشدهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك، فلمَّا رجعوا إلى عادتهم من ذلك، صحُّوا وسمنوا.
وفيه: دليل لمالك على طهارة بول ما يؤكل لحمه...
وفيه: جواز قتل المرتدين من غير استتابةٍ.
وفيه: القصاص من العين بمثل ما فُقِئَت به. المفهم (15/ 102).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم:
قدوم الوفود على الإمام، ونظره في مصالحهم.
وفيه: قتل الجماعة بالواحد، سواء قتلوه غيلة أو حرابة، إنْ قلنا: إن قتلهم كان قصاصًا.
وفيه: المماثلة في القصاص وليس ذلك من الْمُثلة المنهي عنها.
وثبوت حكم المحاربة في الصحراء، وأما في القرى ففيه خلاف.
وفيه: جواز استعمال أبناء السبيل إبل الصدقة في الشرب، وفي غيره قياسًا عليه بإذن الإمام.
وفيه: العمل بقول القائف، وللعرب في ذلك المعرفة التامة. فتح الباري (1/ 341).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):...
منها: جواز عقوبة المحاربين، وهو موافق؛ لقوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية المائدة: 33، وهل كلمة "أو" فيها للتخيير أو للتنويع؟ قولان. البحر المحيط الثجاج (29/ 169).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وفيه من الفقه: ما يدل على أنَّ التداوي جائز.
وفيه: دليل على أنَّ الرجل إذا استوخَم أرضًا له الخروج عنها.
وفيه: دليل على جواز التداوي بأبوال الإبل على ما فيه من الخلاف في نجاسته أو طهارته. الإفصاح (5/ 161).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: قدوم القبائل والغرباء على العلماء والكبار.
ومنها: دلالة لمالك وأحمد في أن بولَ ما يؤكل وروثَه طاهران، وأجاب المخالفون من الشافعية وغيرهم القائلون بنجاستها: بأن شربهم الأبوال كان للتداوي، وهو جائز بكل النجاسات، سوى شربِ الخمر والمسكرات، واعترض عليهم بأنها لو كانت نجسة محرَّمة للشرب ما جاز التداوي بها؛ لأن الله -عَزَّ وَجَلَّ- لم يجعل شفاء هذه الأمَّة فيما حرم عليها...
ومنها: أنَّ فعل الإِمام بالمحارِبين وأهل الفساد ما يفعله في المثلة والقطع وسمر الأعين ونحو ذلك، ليس هو من عدم الرحمة؛ لما فيه من كفِّ العادية عن الخلق، فيكون فعله حينئذٍ رحمة بهذا الاعتبار، ولا شك أنَّ مِن صفة الأئمة الرحمة برعاياهم، فإذا فعلوا مثل ذلك فلا يُظن أنه مخالف لوصف الرحمة الذي هو مشروط في حقهم على الرعايا. العدة في شرح العمدة(3/ 1449-1449).


إبلاغ عن خطأ