الأربعاء 5 ذو القعدة 1447 | 2026-04-22

A a

«إيَّاكم وكثرةَ الحَلِفِ في البيعِ، فإنه يُنَفِّقُ، ثم يَمْحَقُ».


رواه مسلم برقم: (1607)، من حديث أبي قتادة الأنصاري -رضي الله عنه-
وفي رواية للبخاري برقم: (2087) «الحلف ‌مَنْفَقَةٌ للسِّلعة، مَمْحقةٌ للبركة»، ومسلم برقم: (1606)، بلفظ: «مَمْحقةٌ للرِّبحِ»، وأحمد برقم: (7207): «اليمين الكاذِبة مَنْفَقَةٌ للسِّلعة...»، من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-:


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الحَلِف»:
الحلف بِفَتْح الحاء وكسر اللَّام: ‌اليمين. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 196).
وقال أبو موسى المديني -رحمه الله-:
الحلف: هو ‌اليمين، وأصلها العقد بالعزم والنية. المجموع المغيث (1/ 487).

«يُنَفِّق»:
نَفَقَ ‌البيعُ نَفَاقًا: رَاجَ، ونَفَقَت السِّلعة تَنْفُق نَفاقًا، بالفتح: غَلَتْ ورُغِبَ فيها، وأَنْفَقَها هو ونفَّقها. لسان العرب، لابن منظور (10/ 357).
وقال ابن أبي نصر -رحمه الله-:
ونَفَق ‌البيع ينْفق نَفَاقًا: إِذا كثر المشترون والراغبون. تفسير غريب ما في الصحيحين (ص: 275).

«يَمْحَق»:
المحق: النَّقص والمحو والإبطال، وقد محقه يمحَقُهُ، ومَمْحَقَة: مَفْعَلة منه أي: مَظِنَّة له ومَحْراة به. النهاية، لابن الأثير (4/ 303).
وقال ابن أبي نصر -رحمه الله-:
من ‌المحق وَهُوَ: ذهَاب البركَة واستئصالها. تفسير غريب ما في الصحيحين (ص:275).


شرح الحديث


قوله: «إياكم وكثرة الحلف في البيع»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
«إياكم» منصوب على التحذير، أي: اتقوا أنفسكم عن إكثار الحَلِف، أو إكثار الحَلِف عن أنفسكم. تحفة الأبرار (2/ 220).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«إياكم» معناه: الزجر والتحذير «وكثرةَ» منصوب على الإغراء، كما تقول: إياك والأسدَ؛ أي: احذره واتقه، وإنما حذَّر من كثرة الحلف؛ لأن الغالب ممن كَثُرت أيمانُه وقوعَه في الكذب والفجور، وإن سَلِم من ذلك على بُعْده لم يَسْلم من الحِنث، أو النَّدم؛ لأن اليمين حِنث أو مَنْدَمة، وإنْ سَلِم من ذلك لم يسلم من مدح السلعة المحلوف عليها، والإفراط في تزيينها؛ لِيُرَوِّجها على المشتري، مع ما في ذلك مِن ذِكر الله تعالى لا على جهة التعظيم، بل على جهة مدح السلعة، فاليمين على ذلك تعظيم للسلع، لا تعظيم لله تعالى، وهذه كلها أنواع من المفاسد لا يُقدِم عليها إلا مَن عقله ودينه فاسد. المفهم (4/ 523).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «إياكم وكثرة الحّلِف» «إياكم» منصوب على التحذير أي: اتقوا أنفسكم عن إكثار الحلف، وإيثار الحلف عن أنفسكم، كرَّره لم يتبيَّن لي أين التكرار، ولم أجد رواية مكررة، فإن كان كذلك فيُحذف ما تحته خط للتأكيد والتنفير، والنهي عن كثرة الحَلِف فيه لا يقتضي جواز قِلَّتها؛ لأن النهي وارد على أهل السوق، وعادتهم كثرة الحلف، كقوله تعالى: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} آل عمران: 130. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2116).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وإياكم ‌وكثرة ‌الحلف ‌في ‌البيع» أي: اتقوا كثرتها ولو كنتم صادقين؛ لأنه ربما يقع كَذِبًا، ولذا ورد: «كفى بالمرء كَذِبًا أن يُحَدِّث بكل ما سَمِع»، ويؤيده حديث: الراعي حول الحمى، فَقَيْد الكثرة؛ احترازًا عن القلة، فإنه قد يحتاج إليه فلا يدخل لعلها: يدخله التحذير، ولذا جاء في بعض الطرق: «رجل جعل اللهَ بضاعته؛ لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه»... وفيه: أن جواز قِلَّتها مع صدقها، مُجْمع عليها. مرقاة المفاتيح (5/ 1908).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أي: تَوَقُّوا إكثاره، فهو للزجر والتحذير، على حد: إياك والأسد أي: باعد نفسك عنه واحذره، وتقييده بالكثرة يؤذن بأن المراد: النهي عن إكثار الأيمان ولو صادقة؛ لأن الكثرة مَظَنة الوقوع في الكذب، كالواقع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، مع ما فيه من ذكر الله لا على جهة تعظيمه، بل تعظيم السلعة؛ فالحلف لها لا له، أما الكاذبة فحرام وإنْ قَلَّت. فيض القدير (3/ 124).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إياكم ‌وكثرة ‌الحلف ‌في ‌البيع» أي: احذروا الحلف ‌في ‌البيع عند تنفيق السلعة أو شرائها، والنهي عن الكثرة لا مفهوم له، فإن القليل أيضًا مُحرَّم، لكنه خرج على الغالب، وقيل: بل النهي عن الكثرة يؤذِن بأن المراد النهي عن إكثار الأيمان ولو صادقة؛ لأن الكثرة مظنة الوقوع في الكذب. التنوير (4/ 395).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: أهذا في مطلق الحَلِف أم مختص بالكاذبة؟ قلتُ: مقتضى اللفظ الإطلاق، لكن السياق يقيِّده بالكذب. الكواكب الدراري (9/ 208).

قوله: «فإنه يُنَفِّق، ثم يَمْحَق»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنه» أي: إكثار الحلف «ينفِّق» بتشديد الفاء المكسورة، وفي نسخة بتخفيفها، ونقل السيد جمال الدين، عن زين العرب في شرحه قال شارح: وينفِّق من التنفيق أي: الترويج، لا من الإنفاق، ونص الشارح الأول على الرواية بضم الياء وسكون النون وتخفيف الفاء، أي: يُرَوِّج المتاع ويُكَثِّر الرغبات فيه «ثم يمحق» بفتح فسكون ففتح أي: يُذهِب البركة، وثُمَّ للتراخي في الزمان، أي: يُنفِّق حالًا ويمحق مآلًا، كقول ابن مسعود في قوله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} البقرة: 276، وإن كثر أو قلّ، أو في الرُّتْبة أي: فمحْقُة أبلغ وأقوى، والمراد مِن الـمَحق عدم انتفاعه دِينًا ودنيا. مرقاة المفاتيح (5/ 1908- 1909).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
و«ثم» في «‌يمحق» يجوز أن تكون للتراخي في الزمان، يعني: وإن أنفق اليمينُ السلعة حالًا فإنه يُذهب بالبركة مآلًا، كقول ابن مسعود: "الربا وإن كَثُر إليّ قلّ"، وأن تكون للتراخي في الرتبة، يعني: أن محقه البركة حينئذٍ أبلغ من الإنفاق، والمراد من مَحْق البركة: عدم انتفاعه به دِينًا ودنيا. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2116).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
والنَّفاق: خروج الشيء، ونَفَقَت الدابة: خرج روحها، والـمَحق: النقصان، والمعنى: أن السلعة تخرج بكثرة الحَلِف، وإنما تكون هذه الأيمان على جودتها، ثم يقع فيما حصل بالكذب من الأيمان النقص والتمحيق. كشف المشكل (2/ 151).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«يُنفِّق ويمحق» ينفق: بضم الياء وسكون النون وتخفيف الفاء، أي: يُروِّج المتاع، ويُكثِّر الرغبات فيه من قولهم: نفق البيع ينفق نَفاقًا: إذا كثُر المشترون والرغبات، ويمحق، أي: يُهلك ويُذهب ببركته؛ قال الله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} البقرة: 276، أي: يفنيه، ورواية مَن يرويه على وفاق يُنْفِق من الإمحاق غير صواب؛ فإنَّ أمحقه لغة رديئة في مَحَقَه، ثم إنه بفتح حرف المضارعة هي الرواية المعتد بها، ومن الناس مَن يشدد الكلمتين وليس ذلك بشيء. الميسر (2/ 663).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
فإنه يُروِّج السلعة ويُذهب البركة، والتَّنفيق: التَّرويح، والتَّمحيق: التَّنقيص والإفناء. تحفة الأبرار (2/ 221).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«يُنفق» أي: يجعل المتاع رابحًا حلوًا في نظر المشتري، ولكن «يمحق» أي: ينفي البركة من الثمن. المفاتيح (3/ 403).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
وقوله: «فإنه» أي: الحَلِف «ينفِّق» بالتشديد، أي: يروِّج السلعة في الحال، «ثم يمحق» أي: يُنقص ويُذهب بالبركة في المآل، فـ «ثم» على حقيقتها للتراخي زمانًا، إما في الدنيا أو في الآخرة، ويجوز أن يُحمل على التراخي في الرُّتْبة. لمعات التنقيح (5/ 517).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإنه» أي: الحلف «يُنفِّق السلعة»؛ لأنه يدعو إلى الرغبة فيها «ثم يَمحق» بفتح حرف المضارعة أي: يُذهب بركة البيع، وفي هذا التعليل الاتصاف بما ترى بذكر المصلحة والمفسدة. التنوير (4/ 395).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقد يتعدى الـمَحق إلى الحالف، فيُعاقَب بإهلاكه، وبتوالي المصائب عليه، وقد يتعدى ذلك إلى خراب بيته وبلده، كما روي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «اليمين الفاجرة تَذَرُ الدِّيار بَلاقِع» أي: خالية من سكانها إذا توافقوا على التجرؤ على الأيمان الفاجرة، وأما محق الحسنات في الآخرة: فلا بد منه لمن لم يتب، وسبب هذا كله أن اليمين الكاذبة يمين غموس، يُؤكل بها مال المسلم بالباطل. المفهم (4/ 522- 523).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
والمراد بالنَّفاق والمحاق في الدنيا، وأما في الآخرة فَتَبِعَتُه وعقوبته، فإذا كان الغني بالحلال يُؤخَّر عن دخول الجنة الفقراء بخمسمائة عام، فما ظنُّك بالغني بالوجه الحرام! فكيف يكون حاله! فهذا هو النقص والمحق العظيمان. شرح سنن أبي داود (14/ 33).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
المعنى: أن اليمين الكاذبة سبب لنفاق البضاعة ورواجها، ولكنَّها ماحية للبركة، فالأموال المكتسبة من البيوع المشفوعة بالإيمان الكاذبة وإن كانت نامية في بادئ النظر فأمر البركة فيها في حين العدم. الفتح الرباني (15/ 21).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
فالحَلِف مع الكذب؛ لترويج السلعة وتَغرير المشتري يتضمن ثلاث جرائم: الكذب، وتأكيده بالحَلِف، والإضرار بالمسلم، وللحَلِف في البيع صور: أن يحلف البائع أنه أَعطى -بفتح الهمزة- أي: دفع في السلعة كذا وهو لم يدفع، أو يحلف أنه أُعطي -بضم الهمزة- أي: عُرِض عليه ثمنًا لها كذا، وهو لم يعرض عليه ذلك، أو يحلف المشتري أنه اشترى أو عُرِض عليه مثلها بأنقص، أو أحسن منها بهذا الثمن، وهو كاذب، وكل ذلك الحلف إن أدى إلى زيادة المكسب بائعًا أو مشتريًا نتيجته المحق والخسارة في الدنيا والآخرة، واللَّه أعلم. فتح المنعم (6/ 360).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفيه النهي عن كثرة الحَلِف ‌في ‌البيع، فإن الحلف من غير حاجة مكروه، وينضم إليه هنا ترويج السلعة، وربما اغتر المشتري باليمين، والله أعلم. المنهاج شرح مسلم (11/ 44).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
يُكره إكثار الحلف في البيع لشيئين: ‌كونه ‌مظنة ‌لتغرير المتعاملين، وكونه سببًا لزوال تعظيم اسم الله من القلب، والحلف الكاذب مَنْفَقَة للسلعة؛ لأن مبنى الإنفاق في تدليس المشتري، ومَمَحَقة للبركة؛ لأن مبنى البركة على توجه دعاء الملائكة إليه، وقد تباعدت بالمعصية، بل دَعَتْ عليه. حجة الله البالغة (2/ 173).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
وقد دلَّ الحديثان على كراهية الحَلِف في البيع؛ لأن الحلف إن كان كاذبًا فهو عين الحرام، وإن كان صادقًا فإن الرجل إذا اعتاد ذلك تَدرَّج إلى الكذب منه، فكُره ذلك؛ سدًّا للذريعة؛ ولأن حقيقة الحَلِف هو جَعْل الشيء في ذمة الله أو في شهادة، وكل ذلك لا يناسب في أمور دنيوية تافهة. الكوكب الوهاج (17/ 397).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
وفي هذا الحديث: أن كثرة الحلف يُروِّج السلعة، ثم يمحق البركة.
وفيه: التحذير من كثرة الحلف في البيع والشراء، وجاء في الحديث الآخر الوعيد الشديد على مَن يُكثر الحلف في البيع والشراء، وأنه من الثلاثة المتوعَّدين بالوعيد الشديد، قال -صلى الله عليه وسلم-: «ورجل جعل الله بضاعة، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه»، فالواجب الحذر من تَنْفيق السلعة بالحلف، ولو كان صادقًا؛ لأن هذا يدل على عدم توقيره لليمين؛ ولأنه قد يقع في الخطأ من كثرة الحَلِف. توفيق الرب المنعم (4/ 427).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:
وعيد المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب.
- إرشاد التجار إلى تكفير اللغو والحلف في البيع بالصدقة.
فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم الحلف بالطلاق كذباً لترويج السلع وعقوبة فاعله.


إبلاغ عن خطأ