لما جاء نَعي جعفر حين قُتِل، قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: «اصنعوا لآلِ جعفر طعامًا، فقد أَتاهُم مَا يَشْغَلُهُمْ».
رواه أحمد برقم: (1751)، وأبو داود برقم: (3132)، والترمذي برقم: (998)، وابن ماجه برقم: (1610)، من حديث عبد الله بن جعفر -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (1015)، أحكام الجنائز ص: 167.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«نَعْيُ»:
يُقَالُ: نَعى الميت يَنْعاه نَعْيًا ونَعِيًّا إِذا أذاعَ موتَه وأخبر به، وإذا ندَبه. النهاية، لابن الأثير (5/ 85).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «لمَّا جاءَ نَعْيُ جعفر حِينَ قُتِلَ، قال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«نعي جعفر» بفتح النون وكسر العين وتشديد الياء، أي: خبر موته بمؤتة، وهي موقع عند تبوك، سنة ثمان. مرقاة المفاتيح (3/ 1241).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«حِينَ قتِلَ» في غزْوة مؤتة، وهي موضع بالشَّام عند الكَرْك. فتح العلام (ص: 317).
قوله: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«اصنعوا» أمر، وقوله: «لآل جعفر» أي: أهل بيته. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 623).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«اصنعوا لآل جعفر» لأهل بيته، أي: أهله وأقاربه لما جاء نعي جعفر الصادق، وفي قوله: «اصنعوا لآل جعفر» إشارة إلى أن المخاطَب بذلك جيران أهل الميت وأقاربه لا جيران الميت، حتى لو كان الميت في بلد وأهله في بلد استحب أن يصنع ذلك لأهله؛ لأنهم المصابون المشغولون، لا جيران الميت، كما اتفق لجعفر -رضي الله عنه- حين مات في غزوة مؤتة. شرح سنن أبي داود (13/ 361).
قوله: «فقد أتاهم ما يشغلهم»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «فقد أتاهم» هذا تعليل للأمر وهو: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا». فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 623).
قال النفراوي –رحمه الله-:
يستحب أن يُصنع لهم طعام، أو يبعث إلى محلهم؛ لاشتغالهم بميتهم. الفواكه الدواني (1/ 285).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
جاءهم ما يمنعهم من الحزن عن تهيئة الطعام لأنفسهم، فيحصل لهم الضرر وهم لا يشعرون...، والمراد طعام يُشبِعهم يومَهم وليلتهم، فإن الغالب أن الحزن الشاغل عن تناول الطعام لا يستمر أكثر من يوم، وقيل: يحمل لهم طعام إلى ثلاثة أيام مدة التعزية، ثم إذا صنع لهم ما ذُكِر يُلِح عليهم في الأكل؛ لئلا يضعفوا بتركه؛ استحياء، أو لفرط جزع.
واصطناعه من بعيد أو قريب للنائحات شديدُ التحريم؛ لأنه إعانة على المعصية، واصطناع أهل البيت له؛ لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهة، بل صح عن جرير -رضي الله عنه-: «كُنَّا نُعِده من النياحة» وهو ظاهر في التحريم. مرقاة المفاتيح (3/ 1241).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فإنه قد أتاهم ما يشغلهم» عن صنع الطعام لأنفسهم في ذلك اليوم؛ لذهولهم عن حالهم بحزنهم على ميتهم، وهذا قاله لنسائه لما قتل جعفر وجاء الخبر بموته؛ فطحنت سلمى مولاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شعيرًا، ثم أدمته بزيت وجعلت عليه فلفلًا، ثم أرسلوه إليهم...
قال في المطامح: وجرت العادة بالمكافأة فيه، وربما وقع التحاكم فيه بين الأجلاف، قال ابن الحاج: وينبغي لأهل الميت التصدق بالفاضل أو إهداؤه. فيض القدير (1/ 534).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
وقد كان بعض أهل العلم يستحب أن يوجه إلى أهل الميت شيء لشغلهم بالمصيبة، وهو قول الشافعي. سنن الترمذي (3/ 314).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
وأمّا الطّعام يُصنع لأهل الميِّتِ فإنّه جائزٌ، وذكر الترمذي حديثَ عبد الله بن جعفر في أمرِ النّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بصُنعِ الطعامِ لآل جعفر لشُغْلِهِم، قال علماؤنا: وهذا أصلٌ في المشاركات عند الحاجة، وصحح الترمذي هذا الحديث، والسُّنَّةُ فيه: أنّ يُصنع في اليوم الّذي مات فيه، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «قَد جَاءَهُم مَا يشغلهم عَنْهُ» بذهولهم عن حالهم؛ لحزن موت وَلِيِّهمْ، فحضَّ أنّ يتكفل لهم عيشهم. المسالك في شرح موطأ مالك (3/ 561).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: أنه يستحب لأقرباء الميت وجيران أهله الذين لا يشتغلون بالمصيبة أن يهيِّئوا طعامًا، وفي قوله: «يصنعوا طعامًا» إشارة إلى أن يكون مصنوعًا بالطبخ وغيره، ومما يستحب منه الخزيرة (لحم يقطع صغَارًا، ويُصب عليه ماء كثير، فاذا نضج ذُرَّ عليه الدَّقِيق) لما في الحديث: «إنها تَذهب ببعض الحزن»؛ إذ هي من أسرع ما يطبخ، وأقل كلفة وأنفعه للمحزونين.
قال أصحابنا (الشافعية) وغيرهم: ويستحب أن يكون الطعام يشبعهم يومهم وليلتهم، وهذا من البر والمعروف الذي أمر الله تعالى به.
وأما إصلاح أهل الميت طعامًا وجمع الناس عليه فبدعة غير مستحبة.
روى جرير بن عبد الله قال: «كنا نَعُد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة» رواه أحمد وابن ماجة بإسنادٍ صحيح، ونص على ذلك صاحب (الشامل) والشافعي قال: وأكره المأتم، وهي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء؛ فإن ذلك يكلف الجزيل، ويجدد المؤنة والكلفة لأهل الميت مع اشتغالهم بحزنهم، قال: وأكره الأكل من طعام المأتم، قال: وأما الذبح والعقر عنه فمذموم.
قال أبو البختري: بيتوتة الناس عند أهل الميت ليست إلا من فعل الجاهلية
قال القرطبي في (التذكرة): وهذِه الأمور قد صارت عند الناس اليوم سنة الآن، وتركها بدعة! فانقلب الحال وتغيرت الأحوال.
قال ابن عباس: لا يأتي على الناس زمان إلا أماتوا سنة وأحيوا بدعة. شرح سنن أبي داود (13/ 363).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
ويكره اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت؛ لأنه شُرِع في السرور لا في الشرور، وهي بدعة مستقبحة، روى الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح عن جرير بن عبد الله قال: «كنَّا نَعُد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة»، ويستحب لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام لهم يُشبِعهم يومهم وليلتهم؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد جاءهم ما يشغلهم» حسّنه الترمذي، وصححه الحاكم، ولأنه بِر ومعروف، ويُلَحُّ عليهم في الأكل؛ لأن الحزن يمنعهم من ذلك فيضعفون، والله أعلم. فتح القدير (2/ 142).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
وكذلك الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام (مِن قِبَل أهل الميت)، والمبيت عندهم، كل ذلك من أمر الجاهلية ونحو منه الطعام الذي يصنعه أهل الميت اليوم في يوم السابع، فيجتمع له الناس يريدون بذلك القربة للميت والترحم عليه، وهذا مُحْدث لم يكن فيما تقدم، ولا هو مما يحمده العلماء، قالوا: وليس ينبغي للمسلمين أن يقتدوا بأهل الكفر، ويَنهى كلُّ إنسان أهله عن الحضور لمثل هذا وشبهه من لطم الخدود، ونشر الشعور، وشق الجيوب، واستماع النوح.التذكرة (ص: 336).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه دليل على شرعية إيناس أهل الميت بصنع الطعام لهم؛ لما هم فيه من الشغل بالموت، ولكن أخرج أحمد من حديث جرير بن عبد الله البجلي: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة» فيحمل حديث جرير بن عبد الله البجلي على أن المراد صنعة أهل الميت الطعام لمن يدفن معهم، ويحضر لديهم، كما هو عُرف بعض أهل الجهات، وأما الإحسان إليهم بحمل الطعام لهم فلا بأس به، وهو الذي أفاده حديث جعفر.
ومما يُحرم بعد الموت العقر عند القبر؛ لورود النهي عنه؛ فإنه أخرج أحمد، وأبو داود من حديث أنس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا عقر في الإسلام»، قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. سبل السلام (3/ 331).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يستفاد من هذا الحديث: أولًا: حُسن رعاية النبي -صلى الله عليه وسلم- وتقديره للأمور وانتباهه لها، وأنه ينزل كل شيء منزلته، وهذا من حكمته التي أعطاه الله إياها، ومن رحمته التي وهبه الله إياها.
ومنها: أنه يُسن بعث الطعام إلى أهل الميت في اليوم الذي يموت فيه؛ لأنه يقول: «لـمَّا جاء نعيه»، وقد سبق لنا أن نعيهم كان في اليوم الذي ماتوا فيه.
ومنها أيضًا: أن هذا الطعام يُسن صنعه لأهل الميت إذا علمنا أنه أتاهم شيء يشغلهم، أما إذا علمنا أنهم لا يهتمون بذلك، مثل: أن يكونوا في فندق أو في شيء يُجهز لهم الطعام، يعني: ليس هم الذين يصنعونه؛ فإن ظاهر التعليل: أنه لا يسن.
ومن فوائد الحديث أيضًا: أن فيه تطبيقًا للأصل الأصيل، وهو: تعاون المؤمنين بعضهم ببعض، فإن «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» فهؤلاء الذين اشتغلوا بما حلّ بهم من المصيبة كان ينبغي أن يعينهم إخوانُهم على مصالحهم بصنع الطعام...
هل يستفاد من هذا الحديث: أنه لا يَصنع الطعامَ إلا مَن كان قريبًا من أهل الميت؟ أو نقول: إن هذه وقعت اتفاقًا، وأن العبرة بعموم العلة؟ الظاهر: أنه حتى الأصحاب إذا كان هناك أصحاب لأهل الميت ورأوا أن يصنعوا لهم الطعام ويبعثوا به إليهم فإن هذا مشروع. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 623-624).
ويُنظر فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم صنع الطعام لأهل الميت والمدة المشروعة لذلك.