الجمعة 28 ذو القعدة 1447 | 2026-05-15

A a

أنّه سمع النبيَّ -صلى الله عليه وسلمَ- وعطسَ رجلٌ عندَه فقالَ له: يرحَمُكَ اللهُ، ‌ثمّ ‌عطسَ ‌أخرى فقالَ له رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلمَ-: «الرجلُ مزكومٌ».


رواه مسلم برقم: (2994)، وفي لفظ لابن ماجه برقم: (3714): «يُشمَّتُ العاطس ثلاثًا، فما زادَ فهو مزكومٌ»، من حديث سلمةَ بنِ الأكوعِ -رضي الله عنه -.
وفي رواية لأبي داود برقم: (5034)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- بلفظ: «شَمِّتْ أخاكَ ثلاثًا فما زاد فهو زُكَامٌ».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«يُشَمَّت»:
التَّشميت: الدُّعَاء والتبريك... واشتقاق التشميت من الشوامت، وَهِي القوائم يُقَال: لَا ترك الله لَهُ شامتةً أَي: قَائِمَة؛ لِأَن مَعْنَاهُ التبريك، وَهُوَ الدُّعَاء بالثبات والاستقامة، وَهُوَ بِالسِّين من السمت. الفائق، للزمخشري (2/ 261).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
التشميت بالشين والسين: الدعاء بالخير والبركة، والمعجمة أعلاهما، يقال: شمَّت فلانًا، وشمت عليه تشميتًا، فهو مشمَّت، واشتقاقه من الشوامت، وهي القوائم، كأنه دعا للعاطس بالثبات على طاعة الله تعالى، وقيل معناه: أبعدك الله عن الشماتة، وجنبك ما يشمت به عليك. النهاية (2/ 499- 500).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «عن سلمةَ بنِ الأكوعِ أنّه سمع النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وعطسَ رجلٌ عندَه فقالَ له: يرحَمُكَ الله».
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أنه» أي: أن أبا إياس «سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- و» قد «عطس رجل» لم أر من ذكر اسمه «عنده» صلى الله عليه وسلم «فقال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «له» أي: لذلك الرجل «يرحمك الله». الكوكب الوهاج (26/ 422).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أنه» أي: سلمة «سمع النبي -صلى الله عليه وسلم» و» الحال أنه «عطس رجل» لم يُسمَّ، «عنده» -صلى الله عليه وسلم- «فقال له» النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يرحمك الله» دعا له بأن يرحمه الله تعالى. البحر المحيط الثجاج (45/ 239).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وعطس ‌رجل ‌عنده» الجملة حال من مفعول سمع. مرقاة المفاتيح (7/ 2987).

قوله: ‌ثمّ ‌عطسَ ‌أخرى فقالَ له رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلمَ-: «الرَّجلُ مزكومٌ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم ‌عطس أخرى» أي: مرة أخرى «فقال» أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- «الرَّجل ‌مزكوم» أي: مريض، فربما يكثر تعطسه وحمده، وفي الجواب كُل مرة حرج، لا سيما مع عدم تجويز التداخل في المجلس، ويؤيده ما ذكرته ما سيأتي في الحديث مرفوعًا: «فما زاد أي: على ثلاث مرات، فإن شئتَ فشمته، وإن شئتَ فلا» حيث صرَّح بالتخيير. مرقاة المفاتيح (7/ 2987).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم ‌عطس» ذلك ‌الرجل مرة «أخرى فقال له» أي: لذلك ‌الرجل العاطس «رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ‌الرجل ‌مزكوم» أي: لعل هذا ‌الرجل مأخوذ بالزكام.الكوكب الوهاج (26/ 422).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ثم ‌عطس» ‌الرجل «أخرى» أي: عطسة ثانية «فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ‌الرجل ‌مزكوم» ظاهره أنه ما شمته في المرة الثانية، لكن أكثر الأحاديث على أنه يشمّت على الثالثة، فترجح على هذه الرواية. البحر المحيط الثجاج (45/ 238).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هكذا وقع هذا الحديث في كتاب مسلم: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال للرجل: «إنك ‌مزكوم» وهو الصحيح في الثانية، وقد خرجه الترمذي: وقال في الثالثة: «أنت ‌مزكوم» والصحيح في الرواية، وقد جاء في كتاب أبي داود وغيره الأمر بذلك مبينًا: «شمِّت أخاك ثلاثًا فما زاد فهو ‌مزكوم» وبذلك قال مالك، وإن كان قد روى في موطئه الشك في الثالثة أو الرابعة. المفهم (6/ 624).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «‌الرجل ‌مزكوم» يعني أنه مريض، والتشميت إنما هو لصحيح، وأما المريض فيدعى له بالعافية بوجه آخر، والتشميت دعاء خاص لمن لا يكون مريضًا، والزُّكام بالزاي المضمومة والزكمة: تجلُّبُ فضولِ رطبةٍ من بطني الدماغ المقدمين إلى المنخرين. لمعات التنقيح (8/ 83).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فإن قيل: ‌إذا ‌كان ‌به ‌زكام، ‌فهو ‌أولى أن يُدعى له ممن لا علة به؟ قيل: يدعى له كما يدعى للمريض، ومَن به داء ووجع.
وأما سنة العطاس الذي يحبه الله، وهو نعمة، ويدل على خفة البدن، وخروج الأبخرة المحتقنة، فإنما يكون إلى تمام الثلاث، وما زاد عليها يُدعى لصاحبه بالعافية.
وقوله في هذا الحديث: «الرجل مزكوم» تنبيه على الدعاء له بالعافية؛ لأن الزكمة علة، وفيه اعتذار من ترك تشميته بعد الثلاث، وفيه تنبيه له على هذه العلة؛ ليتداركها ولا يهملها، فيصعب أمرها، فكلامه -صلى الله عليه وسلم- كله حكمة ورحمة، وعلم وهدى. زاد المعاد (2/ 403).

قوله في الروايتين الأُخريين: «يُشمَّتُ العاطس ثلاثًا، فما زادَ فهو مزكومٌ»، و«شَمِّتْ أخاكَ ثلاثًا فما زاد فهو زكامٌ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«يُشمّت العاطس» ندبًا على الكفاية، لو قاله بعض الحاضرين أجزأ عنهم... «ثلاثًا» أي: ثلاث مرات في ثلاث عطسات كل واحدة عقب الحمد... «فما زاد» عن العطسات الثلاث فهو مزكوم من الزكام «فلا ‌يشمت» بعد هذا؛ لأن الذي به مرض، لا يقال إذا كان مريضًا فهو أحق بالدعاء من غيره؛ لأنا نقول: يندب أن يدعى له لكن غير دعاء العاطس بل الدعاء للمريض بنحو عافية وسلامة وشفاء ونحوه مما يناسب حال المريض ولا يكون من باب التشميت. فيض القدير (6/ 462).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«يشمّت العاطس» يدعى له بحسن السمت إن قُرئ بالمهملة، أو بإزالة الشماتة إن قرأ بالمعجمة؛ لأن فيه ضبطين، والمراد: يدعى له عقيب عطاسه إن حمد الله بالدعاء المأثور «ثلاثًا» من مرات عُطاسه إن حمِد الله كما قيَّده غيره. «فما زاد» على الثلاث «فهو مزكوم» لا يُشرع له التَّشميت بل يدعى له بالعافية. التنوير شرح الجامع الصغير (11/ 201).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«شمّت أخاك ثلاثًا» يعني إذا عطس ثلاث مرات أو زاد عليهما فشمت إلى ثلاث مرات، «فما زاد» أي: على الثلاث «فهو زكام» أي: مرض دماغي فلا حاجة إلى التشميت. بذل المجهود (13/ 428- 429).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«سَمِّتْ» بالسين المهملة والشين المعجمة، فقيل: هما بمعنى واحد... وقيل: بالمهملة دعاء له بتحسين السمت، فإن الأعضاء عند ذلك يحصل فيها تغيير، وبالشين المعجمة دعاء له بأن يصرف الله عنه ما يشمت به، وقيل: دعاء له بالتثبت على طاعة، مأخوذ من الشوامت، وهي: القوائم «أخاك» إذا عطس وحمد الله تعالى «ثلاثًا» فيه العطاس إذا تكرر من إنسان متتابعًا فالسنة أن يشمته لكل مرة عقبها، إلى أن يبلغ ثلاثًا، هذا هو الصحيح، وقال مجاهد: يشمته مرة إذا عطس مرات كما إذا قرأ سجدة وكررها في ساعة واحدة، فإنه يسجد لها سجدة واحدة، وقال الشاشي: يشمته في كل مرة إلا أن يعلم أنه مزكوم فيدعو له، ووافقه الرافعي، «فما زاد فهو زكام»... والصحيح أن العطاس إذا تكرر يدعى له بالشفاء بعد الثلاث التي هي أقل عدد الجمع، فيقال: شفاك الله تعالى، أو: عافاك الله تعالى، وما في معناه، ولا يكون هذا من التشميت، فإن العطسة الأولى والثانية تدل على خفة البدن والدماغ، واستفراغ الفضلات وصفاء الروح، وبعد الثالثة تدل على أن به هذه العلة وهي الداء المعروف بالزكمة، والزكام بضم الزاي فيهما، وهذا يدل على معرفة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالطب، وأنه بلغ الغاية القصوى منه ما لم يبلغه الحكماء المتقدمون والمتأخرون، وفيه العلل التي تحدث للبدن تعرف بأسباب وعلامات، والعطاس إذا جاوز الثلاث دل على علة الزكام، وما كان دون الثلاث فليس بزكام إلا أن يدل سبب آخر، والله أعلم. شرح سنن أبي داود (19/ 226).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في حديث سلمة بن الأكوع: أن يُشمّت مرة، أو مرتين، ويقال له في الثالثة: إنه مزكوم، أو: هذا زكام، وفي حديث أبي هريرة وحديث الزرقي: أنه يشمّت ثلاثًا، ويقال له ذلك في الرابعة، وهي زيادة يجب قبولها، والقول بها أولى، وبالله توفيقنا.
وأحسن ما رُوي في كيفية تشميت العاطس، حديث من حديث أهل المدينة، وحديث آخر من رواية أهل الكوفة.
فأما حديث أهل المدينة... عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إذا عطس أحدكم، فليقل: الحمد لله، وإذا قال: الحمد لله، فليقل له أخوه: يرحمكَ الله، فإذا قيل له ذلك، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم».
وأما حديث الكوفيين: ... عن هلال بن يساف، قال: كان سالم بن عبيد جالسًا، فعطس رجل من القوم، فقال: السلام عليكم، فقال: السلام عليك وعلى أمك، ثم قال بعد: لعلك وجدتَ مما قلتُ لك؟ قال: لوددتُ أنك لم تذكر أمي بخير ولا بشرّ، قال: إنما قلتُ لك، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إنا بينا نحن عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ عطس رجل من القوم، فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «وعليك، وعلى أمك»، ثم قال: «إذا عطس أحدكم فلْيحمد الله -قال: فذكر بعض المحامد- وليقلْ له مَن عنده: يرحمُك الله، وليردّ -يعني عليهم-: يغفر الله لنا ولكم». التمهيد (11/ 166).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ثم إن التشميت بقول: يرحمك الله مقيد بثلاث؛ إذا شمته ثلاث مرات يعني ‌عطس فحمد الله، فقلتَ: يرحمك الله ثم ‌عطس فحمد الله فقلتَ: يرحمك الله، ثم ‌عطس فحمد الله فقلتَ: يرحمك الله، ثم ‌عطس الرابعة فقلْ: عافاك الله، إنك ‌مزكوم، تدعو له بالعافية. شرح رياض الصالحين (2/ 605).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
على هذا الناس في تشميت العاطس، قول: يرحمك الله، واختلفوا في كيفية ردِّه؛ فقال مالك: لا بأس أن يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، أو: يغفر الله لكم، كل ذلك جائز، وهو قول الشافعي، قال: أيَّ ذلك قالَ فَحَسَنٌ، وقال أصحاب أبي حنيفة: يقول: يغفر الله لكم، ولا يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: يهديكم الله ويصلح بالكم، شيء قالته الخوارج؛ لأنهم لا يستغفرون للناس.
واختار الطحاوي قول: يهديكم الله ويصلح بالكم؛ لأنها أَحسن من تحيته، قال: وحال مَن هُدي وأُصلِح باله، فوق المغفور له، وروى مالك عن نافع عن ابن عمر من قوله مثله.
وأما تشميت أهل الذِّمة، ففيه حديث حكيم بن الديلم... عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، رجاء أن يقول: يرحمكم الله، فكان يقول: «يهديكم الله ويصلح بالكم» انفرد به حكيم بن الديلم، وهو عندهم ثقة مأمون.
وأما العاطس إذا لم يحمد الله، فلا يجب تشميته. التمهيد (11/ 169).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وإنما تقول: عافاك الله وتقول: إنك مزكوم؛ لئلا يتوهم أنك دعوت له بأن يعافيه الله تعالى من معصية فعلها أو ذَنب فعله، فتقول: إنك مزكوم، تخبره أنك إنما سألت له العافية من أجل هذا فقط. لقاء الباب المفتوح، لقاء رقم (127)
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختلف العلماء في تشميت العاطس، بعد اجتماعهم على أنَّ تشميته إذا حمد الله مشروع؛ فمنهم مَن أوجبه على كل مَن يسمع حمده، وإلى هذا ذهب أهل الظاهر؛ لقوله -عليه السلام-: «إذا عطس فحمد الله فحقٌّ على كل مسلم سمعه أن يُشمَّته» وهو الذى ذكره ابن مزين عن مالك، وهو مشهور مذهب مالك ومَنْ اتبعه في جماعة من العلماء، إلى أنه فرض لكن على الكفاية يجزئ فيه دعاء بعض عن بعض، كردّ السلام، وحكى الشيخ أبو محمد بن أبي زيد هذين القولين، وذهبت فرقة إلى أنه على الندب والاستحباب، وإليه ذهب القاضي أبو محمد بن نصر، وأنّ قوله: «حقٌّ» أي: في حكم الأدب وكرم الأخلاق، كقوله: «حق الإبل أن يحلب على الماء».
ثم اختلف العلماء في كيفية الحمد والرد، واختلفت في ذلك الآثار، فقيل: يقول: الحمد لله، وقيل: الحمد لله رب العالمين، وقيل: الحمد لله على كل حال، وخيّره الطبري فيما شاء من ذلك.
ولا خلاف أنه مأمور بالحمد، وأما المشمِّت فيقول: يرحمك الله، وقيل: يقول: الحمد لله، يرحمك الله، وقيل: يرحمنا الله وإياكم.
واختلفوا أيضًا في رد العاطس على المشمِّت، فقيل: يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، وقيل: يقول: يرحمنا الله وإياكم، يغفر الله لنا ولكم.
وقال مالك والشافعي: إن شاء قال: يغفر الله لنا ولكم، أو يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم.
ومَنْ تكرر منه العطاس فالذي يأخذ به مالك أن يشمته ثلاثًا ثم يمسك، للحديث الذي رواه في الموطأ، لكنه في الموطأ على الشك: «لا أدري في الثانية أو الثالثة»، وجاء في كتاب أبي داود وغيره مبيَّنًا: «شمِّت أخاك ثلاثًا، فما زاد فهو زكام»، ووقع في كتاب مسلم: ثم عطس أخرى، فقال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الرجل مزكوم»، وهذا لم يذكر أنه تكرر منه، وظاهره أنه مَنْ عرف أن عطاسه من زكام فلا يرد عليه، أو يكون قد تكرر العطاس من هذا الرجل، وقيل: وكانت هذه بعد الثالثة، فتتفق الأحاديث، ولعل الراوي لم يحضر إلا بعد الثالثة، أو لم يجعل باله إلا حينئذٍ، والله أعلم. إكمال المعلم (8/ 541- 542).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال أصحابنا: والتَّشميت وهو قوله: يرحمك الله، سُنة على الكفاية، لو قاله بعض الحاضرين أجزأ عنهم، ولكن ‌الأفضل ‌أن ‌يقوله ‌كل واحد منهم؛ لظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح الذي قدَّمناه: «كان حقًّا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله» وهذا الذي ذكرناه من استحباب التشميت هو مذهبنا.
واختلف أصحاب مالك في وجوبه، فقال القاضي عبد الوهاب: هو سُنة، ويجزئ تشميت واحد من الجماعة كمذهبنا، وقال ابن مزين: يلزم كل واحد منهم، واختاره ابن العربي المالكي. الأذكار (ص: 271).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -رحمه الله-:
وقد اختلف العلماء في حكم تشميت العاطس -بعد إجماعهم على أن تشميته إذا حمد الله مشروع- على ثلاثة أقوال:
الأول: ذهبت بعض الظاهرية إلى أن تشميت العاطس فرض -كما نقل ذلك ابن عابدين- على كل مَن يسمع حمده، وذكره ابن المزين من المالكية...
الثاني: أنه مستحب.
الثالث: أن تشميت العاطس فرض كفاية، كرد السلام، فإذا شمَّته البعض كفى وسقط عن الباقين، وإلى هذا ذهب الإمام مالك -رحمه الله- في المشهور عنه، وهو الراجح، كرد السلام. توفيق الرب المنعم(8/ 428).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
فإن تكرر (أي: العطاس) في المجلس الواحد، تكرر القول في الحمد والرد كما تقدم، واختلفت الروايات فيه اختلافًا كثيرًا؛ فقيل: يقال له في الثانية: إنك ‌مزكوم، وقيل: يقال له في الثالثة، وقيل: في الرابعة، والصحيح أن ذلك في الثالثة. المسالك(7/ 518).
وقال النووي -رحمه الله-:
إذا تكرر العطاس من إنسان متتابعًا، فالسنة أن يشمته لكل مرة إلى أن يبلغ ثلاث مرات...، فإن قيل: فإذا كان مرضًا، فكان ينبغي أن يُدعى له ويُشمَّت؛ لأنه أحق بالدعاء من غيره؟ فالجواب أنه يستحب أن يدعى له لكن غير دعاء العطاس المشروع، بل دعاء المسلم للمسلم بالعافية والسلامة ونحو ذلك، ولا يكون من باب التشميت. الأذكار (ص: 272- 274).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معقبًا:
فقول النووي: يستحب أن يُدعى له، لكن غير دعائه للعاطس، وقع في غير محله؛ إذ حاصل الحديث أن التشميت واجب أو سنة مؤكدة على الخلاف في ثلاث مرات، وما زاد فهو مخير بين السكوت وهو رخصة، وبين التشميت وهو مستحب، والله أعلم. مرقاة المفاتيح (7/ 2987).
وقال النووي -رحمه الله-:
ويكرر التشميت ‌إذا ‌تكرر ‌العطاس إلا أن يعلم أنه مزكوم، فيدعو له بالشفاء، ويسن للعاطس أن يجيب المشمت، فيقول: يهديكم الله، أو يغفر الله لكم، ولا يجب ذلك. روضة الطالبين وعمدة المفتين (10/ 233).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله- معلقًا:
وظاهرُ هذا الكلام الَّذي حكيناه عن هذا المصنف (أي: النووي): أنّ التشميتَ يسقطُ الأمرُ به عند العلم بالزكام، ولا يعتبرُ تكرارَ العطاسِ ثلاثًا، وسنذكر الآن ما يُورَدُ عليه... لو سأل سائل فقال: التعليل بالزُّكام يقتضي أن لا يُشمِّتَ من عُلِمَ زكامَه ولا مرةً واحدة؛ عملًا بعموم الحكم؛ لعموم علته، فيقال عليه: المذكور هو العلة دون المعلّل، فلا نسلِّمُ أنَّ المعلَّلَ هو مطلق التَّرك، ليعمّ الحكمُ بعموم علته، بل المعلَّلُ هو التَّركُ بعد التكرير، فكأنَّه قيل: لا يلزم تكرار التّشميت؛ لأنه مزكومٌ، ويؤيد ذلك مناسبة المشقة الناشئة عن التكرار. شرح الإلمام (2/ 91- 92).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
يستفاد منه (أي: الحديث) مشروعية تشميت العاطس ما لم يزد على ثلاث، إذا حمد الله سواء ‌تتابع ‌عطاسه أم لا؛ فلو تتابع ولم يحمد لغلبة العطاس عليه ثم كرر الحمد بعدد العطاس فهل يشمت بعدد الحمد؟ فيه نظر، وظاهر الخبر نعم. فتح الباري (10/ 605).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
ظاهر حديث سلمة -رضي الله عنه- هذا أنه لا يشرع التشميت في الثانية، بل يقال: الرجل مزكوم، لكن الصحيح أنه يشمت إلى الثالثة. البحر المحيط الثجاج (45/ 240- 241).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- من حقوق المسلم: تشميت العاطس.
- فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في السنة في تشميت العاطس بعد المرة الثالثة وعلة الدعاء له بالعافية.


إبلاغ عن خطأ