«إذا ثُوِّبَ بالصلاةِ؛ فُتِحَتْ أَبوَابُ السَّماءِ، واستُجِيبَ الدُّعاءُ».
رواه أحمد برقم: (14689)، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1413)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (260).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«ثُوِّبَ»:
التَّثويب: الدعاء للصلاة وغيرها، وأصله: أن الرجل كان إذا جاء فزِعًا أو مستصرِخًا لوَّح بِثوبِه، فكان ذلك كالدعاءِ والإنذار، ثم كثُر ذلك حتى صارَ يُسمَّى الدعاءُ تَثويبًا. جمهرة اللغة، لابن دريد (1/ 263).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وأصل التثويبِ الدعاءُ، ويَقع على الإقامةِ؛ لأنها رُجوعٌ وعَودٌ للنِّداءِ والدُّعاء إليها. مشارق الأنوار (1/ 135).
شرح الحديث
قوله: «إذا ثُوِّب بالصلاة»:
قال الطبري -رحمه الله-:
ثَوَّب: صرخَ بالإقامة مرّة بعد مرّة، ورجع، وكل مردِّدٍ صوتًا بِشَيْء فهو مُثوِّبٌ، ولذلك قيل للمرجِّع صوته في الأذان بقوله: "الصَّلاة خير من النوم" مُثوِّب، وأصله -إن شاء الله- مِن ثَابَ فلَان إلينا إِذا رَجَعَ، ومِنه قول الله تعالى ذِكره: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ} البقرة: 125 بمعنى أَنهم: إذا انصرفوا عنه رجعُوا إليه، يُقال منْه: ثوَّب فلان بِكذا فهو يُثوِّب به تثويبًا. تهذيب الآثار (ص: 70).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
التثويب:...الإقامة بعد الأذان، وأصل التثويب: رفع الصوت بالإعلام، قال الشاعر:
يأوي إلى ساحته المثوِّبُ.
يريد: المستغيث، وأصل هذه الكلمة أنْ يلوح الرجل بثوبه عند الفزع يعلم بذلك أصحابه، فسمي رفع الصوت في الأذان تثويبًا.
وقيل: إنَّ التثويب في الأذان مأخوذ من قولك: ثاب بمعنى عاد إلى الشيء بعد ذهابه عنه، فقيل للمؤذن إذا قال في أذانه: الصلاة خير من النوم، ثم عاد إليه مرة أخرى فقالها: قد ثوَّب، أي: ردد القول به مرة أخرى، وكذلك في الإقامة إذا قال: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، مرتين. أعلام الحديث (1/ 458-459).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
قوله: «إذا ثُوِّب بالصلاة» التثويب يقع على النداء للصلاة أولًا وعلى الإقامة؛ لأن أصله: الدعاء إلى الشيء، ثَوبَ به أي: دعاه، فالأذان والإقامة دعاءان، وقيل: سميت الإقامة تثويبًا لأنه عَوْدٌ للدعاء والنداء، مِن ثاب إلى كذا، إذا عاد إليه، ومنه: الثواب ما يعود على العامل من جزاء عملِه، ومنه التثويب لصلاة الصبح يقول المؤذن: الصلاة خير من النوم؛ لتكريره فيها؛ ولأنه دعاء ثانٍ إليها بعد: حي على الصلاة. مطالع الأنوار (2/ 73).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «حتى إذا ثُوِّب بالصلاة» المراد بالتثويب الإقامة، وأصله مِن ثاب إذا رجع، ومُقيم الصلاة راجع إلى الدعاء إليها؛ فإن الأذان دعاء إلى الصلاة والإقامة دعاء إليها. شرح مسلم (4/ 92).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال الجمهور: المراد بالتثويب هنا الإقامة، وبذلك جزم أبو عوانة في صحيحه والخطابي والبيهقي وغيرهم. عون المعبود(2/ 150).
وقال العيني -رحمه الله-:
والتَّثويب ها هنا الإقامة، والعامَّة لا تعرف التثويب إلا قول المؤذن في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم، حَسْب...عمدة القاري(5/ 112).
قوله: «فُتِحت أبواب السماء»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
«فُتِحت أبواب السماء» عبارة عن تنزل الرحمة، وإزالة الغَلق عن مصاعد أعمال العباد، تارة ببذل التوفيق، وأخرى بحسن القبول عنهم والمنِّ عليهم بتضعيف الثواب. الميسر (2/ 456).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فُتِحت أبواب السماء» يعني: إذا دخل الوقت الشريف فتحت أبواب السماء وأبواب الجنة؛ لتنزل الرحمة على من عظَّم الوقت الشريف، ولتصل طاعة من عظَّم هذا الوقت بالأعمال الصالحة واجتناب المعاصي إلى محل الكرامة. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 7).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فُتِحت أبواب السماء» بالتخفيف والتشديد، وفي التشديد من المبالغة ما ليس في التخفيف، وقد قُرِئت بهما في الآية، لكن التخفيف في الحديث أكثر وأشهر وأظهر؛ لأن الفتح كل الفتح إنما يكون في الآخرة للدخول والاستقرار فيها، وأما في الدنيا فشيء منها في الجملة، ثم إنهم قالوا: الفتح هنا كناية عن تنزيل الرحمة وكثرتها وتواترها. لمعات التنقيح (4/ 396).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فُتِحت أبواب السماء» يحتمل الحقيقة، ويحتمل أنه كناية. التنوير (2/ 220).
قوله: «واستجيب الدّعاء»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«واستجيب الدّعاء» أي: استجاب الله دعاء الداعي حينئذٍ؛ لكونها من ساعات الإجابة... «واستجيب الدّعاء» ما دام الأذان فادعوا الله حالتئذٍ بإخلاص فإن الدعاء لا يرد بشرطه. التيسير (1/ 131-132).
وقال الحليمي -رحمه الله-:
«واستجيب الدعاء» ومعنى هذا -والله أعلم- أنَّ الله يستجيب الذين يسمعون النداء للصلاة فيأتونها ويقيمونها، كما أمروا به إذا دعوه وسألوه، لتكون إجابته -جل ثناؤه- إياهم إلى ما سألوه ثوابًا عاجلًا بمسارعتهم إلى ما أمرهم به. المنهاج في شعب الإيمان (1/ 538).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فُتِحت أبواب السماء» فحالة النداء حالة إجابة للدعاء، وإن كان المشروع للسامع أن يقول كما يقوله المنادي، ثم يدعو عقب ذلك. التنوير (2/ 220).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
وفيه: أنَّ السماء ذات أبواب، وقيل: أراد بفتحها إزالة الحجب والموانع. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 131).
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين -رحمه الله-:
وأما الدُّعاء بعد الإقامة، فلم يرد فيه شيء، والأولى عدم فعله. رسائل وفتاوى أبا بطين (ص: 163).
وقال منصور البهوتي الحنبلي -رحمه الله-:
(و) يدعو (عند الإقامة)، فعله أحمد، ورفع يديه. كشاف القناع (1/ 248).
وقال المرداوي -رحمه الله-:
ليس بعد الإقامة وقبل التكبير دعاء مسنون، نص عليه أحمد، وعنه أنه كان يدعو بينهما ويرفع يديه. الإنصاف (2/ 41).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
أما الدعاء بعد الإقامة، فلا حرج فيه، إذا لم يتخذ عادة مُستمرة؛ لأننا لا نعلم شيئًا مأثورًا في ذلك. مجموع الفتاوى (12/ 211).