الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«لو أنَّ رجلًا اطَّلَعَ عليكَ بغيرِ إذنٍ، فخَذَفْتَهُ بحصاةٍ، ففَقَأْتَ عينَهُ ما كانَ عليكَ من جُناحٍ».


رواه البخاري برقم: (6902)، ومسلم برقم: (2158) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (6888): «لو اطَّلع في بيتك أحد، ولم تأذن له».
وفي لفظ لمسلم برقم:(2158): «من اطَّلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد حل لهم أن يَفْقُؤوا عينه».
وفي لفظ عند أحمد برقم: (8997)، والنسائي برقم: (4860): «فلا دِيَةَ له، ولا قِصَاصَ».
صحيح الجامع برقم: (6046)، صحيح سنن النسائي برقم (4516).  


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«فخَذَفْتَهُ»:
الخَذْفُ: رميك بحصاة أو نواةٍ تأخذها بين سبابَتَيك وتَخْذِفُ بها أي: ترمي. العين، للخيل بن أحمد (4/ 245).

«ففَقَأْتَ»:
والفَقْءُ: الشَّقُّ والبَخْصُ. النهاية، لابن الأثير (3/ 461).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
الفاء والقاف والهمزة يدل على فتح الشيء وتفتُّحِه. مقاييس اللغة (4/ 442).

«جُناحٍ»:
الجُنَاحُ: الإثْم والمَيْلُ. النهاية، لابن الأثير (1/ 305).
وقال إسماعيل بن عباد -رحمه الله-:
والجُنَاحُ: ‌الإِثْمُ والتَّضْيِيقُ والمَيْلُ عن الحَقِّ. المحيط في اللغة (1/ 181).


شرح الحديث


قوله: «لو أنَّ رجلًا اطَّلَعَ عليكَ بغيرِ إذنٍ»:
قال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«‌لو ‌أن ‌رجلًا ‌اطلع عليك» ونظر في بيتك «‌بغير ‌إذن» منك. الكوكب الوهاج (22/ 84).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «لو ‌اطّلع» بتشديد الطاء، وقوله: «أحد» فاعله، قوله: «ولم يأذن» لم قيد به؟ لأنه لو أذِن له بذلك ففقأ عينَه بحصاة أو نواة ونحوهما؛ يلزمه القصاص.عمدة القاري (24/ 49).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
قال: «لو ‌اطّلع» بتشديد الطاء «في بيتك أحد ولم تأذن له» أن يطلع فيه. إرشاد الساري (10/ 56).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لو ‌اطّلع» بتشديد الطاء أي: أشرف ونظر مِن شقّ باب أو كُوَّة، وكان الباب غير مفتوح، «في بيتك أحد، ولم تأذن له» أي: والحال أنه ما وقع منك إذن له قبل ذلك بالدخول. مرقاة المفاتيح (6/ 2298).

قوله: «فخَذَفْتَهُ بحصاةٍ»:
قال النووي -رحمه الله-:
وأما ‌«خذفتَه» فبالخاء المعجمة أي: رميته بها من بين أصبعيك. المنهاج شرح مسلم (14/ 138).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «‌خذفتَه بحصاة...» الخذف بالخاء المنقوطة: رميك حصاة أو نواة... والحذف بالحاء المهملة: رميك زيدًا بالعصا. المفاتيح (4/ 220).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«‌فخذفته» بالمعجمتين من الخذف وهو الرمي بالأصبعين أي: رميته «‌بحصاة» أي: مثلًا، فإنّ الخذف أن ترمي ‌بحصاة أو نواة أو نحوهما بأن تأخذ بين سبابتيك، وقيل: أن تَضُمَّ طرف الإبهام على طرف السبابة، وفعله من باب ضرب. مرقاة المفاتيح (6/ 2298).

قوله: «ففَقَأْتَ عينَهُ ما كانَ عليكَ من جُناحٍ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ففقأتَ عينه» أي: فقلعتها، وقال ابن القطاع: فقأ عينه: أطفأ ضوءَها، قوله: «مِن جناح» بالضم أي: مِن إثم أو مؤاخذة، وفي رواية لابن أبي عاصم: «مِن حرجٍ» بدل جناح، ويروى: ما كان عليه في ذلك من شيء، وفي رواية أخرى: يحل لهم فقء عينه، ويروى من حديث ثوبان مرفوعًا: «لا يحل لامرئ من المسلمين أن ينظر في جوف بيتٍ حتى يستأذن، فإنْ فعل فقد دخل». عمدة القاري (24/ 49).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«ففقأتَ» بسكون الهمز: شققتَ عينه. التوشيح (9/ 4032).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«ففقأتَ عينه» أي: عورتها بخذفك «لم يكن عليك جناح» أي: إثم ولوم. فتح العلام (ص:600).
وقال عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«ففقأتَ عينه» أي: فشققت عينه وأتلفتها وأطفأت ضوءها، «لم يكن عليك جُنَاح» أي: لم يكن عليك حرج ولا مؤاخذة فيما فعلتَ. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (8/ 243).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: محمول على ما إذا نظر في بيت الرجل فرماه بحصاة ففقأ عينه، وهل يجوز رميه قبل إنذاره؟ فيه وجهان لأصحابنا؛ أصحهما: جوازه؛ لظاهر هذا الحديث، والله أعلم. المنهاج شرح مسلم (14/ 138).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفيه ردّ ‌على مَن ‌حمل ‌الجُناح هنا على الإثم ورتَّب على ذلك وجوب الدية؛ إذ لا يلزم من رفع الإثم رفعها؛ لأن وجوب الدية من خطاب الوضع، ووجه الدلالة: أن إثبات الحِلِّ يمنع ثبوت القصاص والدية، وورد من وجه آخر عن أبي هريرة أصرح من هذا عند أحمد وابن أبي عاصم والنسائي وصححه ابن حبان والبيهقي كلهم من رواية بشير بن نهيك عنه بلفظ: «مَن اطَّلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينه فلا دية ولا قصاص»، وفي رواية من هذا الوجه: «فهو هدر». فتح الباري (12/ 244).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
وتُهدر عين الناظر فلا دية ولا قصاص عند الشافعي والجمهور، والله أعلم. الفتح الرباني (17/ 343).

قوله: «فلا دِيَةَ له، ولا قِصَاصَ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«‌فلا ‌دية له ولا ‌قصاص» يعني: بدلًا من قوله: «لم يكن عليك جناح»، «لا دية» ومعروف أن دية العين نصف الدية كاملة؛ لأنه بِفَقْئِهَا أذهب بصره وهي منفعة مستقلة، وقوله: «ولا ‌قصاص» كذلك أيضًا لا يُقتص منه؛ لأنه لم يتعمد إثمًا. فتح ذي الجلال والإكرام (5/ 312).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
لا نعلم عن أبي حنيفة وأصحابه في ذلك (أي: فيمَن اطلع في بيت غيره ففُقِئت عينه) شيئًا منصوصًا، غير أن أصلهم: مَن فعل شيئًا دافعًا به عن نفسه فيما له فعله أنه لا يضمن ما تلف به، من ذلك ‌المعضوض ‌إذا ‌انتزع ‌يدَه من فم العاضِّ فسقطت ثَنِيَّتَاه أنه لا شيء عليه؛ لأنه دفع به عن نفسه عضَّة، فلما كان من حق صاحب البيت ألا يطلع أحد في بيته قاصدًا لذلك أن له منعه ودفعه عنه كان ذهاب عينِه يمنعه من ذلك هدرًا، على هذا يدل مذهبهم.
قال أبو بكر (الرازي الجصاص): هذا ليس بشيء، ومذهبهم أنه يضمن؛ لأنه يمكنه أن يمنعه من الاطلاع في بيته من غير فقءِ عينه؛ بأن يزجره بالقول أو ينحيه عن الموضع، ولو أمكن المعضوض أن ينتزع يده من غير كسر سن العاضّ فكسرها ضَمِنَ، وقال ابن عبد الحكم عن مالك: مَن اطلع على رجل في بيته ففقأ عينه بحصاة فإنه عليه القَود، قال المزني عن الشافعي: لو تَطَلَّعَ إليه رجل في بيته فطعنه بعُود أو رماه بحصاة ففُقئت عينه فهذا هدر، وقال الربيع عن الشافعي: ما كان مقيمًا على الاطلاع فحذفه بحصاة أو بعود، أما يعمل عليه (لعلها: فلا يؤاخذ عليه) مما لا يكون له جراح يخاف قتله وإن كان قد يذهب البصر فهو هدر، ولو مات المطَّلِع من ذلك لم تكن عليه الكفارة ولا إثم، فإنْ نزع عن الاطلاع لم يكن له أن يناله بشيء، ومَن ناله بشيء فعليه القَود. اختلاف العلماء - اختصار الجصاص (5/ 195).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
إذا نظر إلى إنسان في داره من كُوَّة أو ثُقب أو صِيرَ باب، فنهاه صاحب الدار، فلم ينتهِ، فرماه بحصاة ونحوها، فأصابت عينيه، فأعماه، أو أصاب قريبًا من عينه فجرحه، فلا ضمان، وإن سرى إلى النفس، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا يجوز ذلك ويجب الضمان. وفي كتاب القاضي ابن كَجٍ عن مالك مثله. العزيز شرح الوجيز (11/ 322).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله: «فقد حلّ لهم أن يفقؤوا عينه» نصٌّ في الإباحة والتحليل، وعلى هذا: فلا يلزم ضمان، ‌ولا ‌دية ‌إذا ‌وقع ‌ذلك، ‌ولا ‌يستبعد هذا من الشرع؛ فإنه عقوبة على جناية سابقة، غير أن هذا خَرج مخرج التعزيرات، لا مخرج الحدود، ألا ترى قوله: «فقد حلّ» ولم يقل: فقد وجب؟ وإنما مقصود هذا الحديث إسقاط القود، والمؤاخذة بذلك إن وقع ذلك.
وقوله: «لو أن رجلًا اطَّلع عليك بغير إذن، وفقأت عينه ما كان عليك من حرج» ظاهر قوي في الذي قررناه، ويفيد أيضًا أن هذا الحُكم جارٍ فيمَن اطلع على عورة الإنسان، وإن لم يكن من باب، فإن قوله: «اطلع عليك»، يتناول كل مطَّلع كيفما كان، ومن أي جهة كان، بل يتعين أن يقال: إن الشرع إذا علق هذا الحكم على الاطلاع في البيت؛ لأنه مظنة الاطلاع على العورة، فلَأَنْ يعلق على نفس الاطلاع على العورة أحرى وأولى، وهذا نظر راجح، غير أن أصحابنا حكوا الإجماع على أن مَن اطلع على عورة رجل بغير إذنه ففقأ عينه أنه لا يسقط عنه الضمان، كما ذكرناه، فإن صح هذا الإجماع، فهو واجب الاتباع، وإن وجد خلاف فما ذكرناه هو الإنصاف. المفهم (5/ 481- 482).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
والمعنى: فيه المنع من النظر وإن كانت حُرمه مستورة أو منعطفة؛ لعموم الأخبار ولأنه لا يدري متى تستتر وتنكشف فيحسم باب النظر، وخرج بالدار المسجد والشارع ونحوهما، وبالثقب الباب والكوة الواسعة، والشباك الواسع العيون ويقرب عينه ما لو أصاب موضعًا بعيدًا عنها فلا يهدر في الجميع، وقال المالكية: الحديث خرج مخرج التغليظ. إرشاد الساري (10/ 56).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
مسألة مَن اطلع من باب بيت ففقئت عينه لذلك؛ فاختلف أصحابنا في ذلك؛ فأكثر منهم على الضمان، وبه قال أبو حنيفة، وبعضهم قال بنفيه، وبه قال الشافعي، قلتُ: وهو الظاهر من قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة، ففقأت عينه لم يكن عليك جناح»، وأيضًا: فقد رام النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يطعن بالمدراة في عين مَن أراد أن يطلع من حجر في باب بيته، وقال: «لو أعلم أنك تطلع لطعنتُ به في عينك»، وما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- بالذي يريد أن يفعل ما لا يجوز، أو ما يؤدي إلى دية، وأيضًا: فقد جاء عنه أنه قال: «مَن اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه»، وأما مَن زعم: أنه يضمن، فمن حجته: أنه لو نظر إنسان إلى عورة آخر لما أباح ذلك منه فقء عينه، ولما سقط عنه الضمان بالاتفاق، فهذا أول بنفي الضمان، وحملوا قوله: «لا جناح عليك» أي: لا إثم، ومنهم مَن قال: يحمل الحديث على أنه رماه بحصاة، ولم يرد فقء عينه، فانتفى عنه الإثم لذلك.
قلتُ: وهذا تحريف وتبديل، لا تأويل، ولا قياس مع النصوص.. المفهم (5/ 33- 34).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ومَن اطلع في بيت إنسان من ثقب، أو شق باب، أو نحوه، فرماه صاحب البيت بحصاة، أو طعنه بعود فقلع عينه لم يضمنها، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يضمنها؛ لأنه لو دخل منزله، ونظر فيه، أو نال من امرأته ما دون الفرج، لم يجز قلع عينه، فمجرد النظر أولى، ولنا: ما روى أبو هريرة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فحذفته ‌بحصاة، ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح»، وعن سهل بن سعد، أن رجلًا اطلع في جُحرٍ من باب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحك رأسه بِمِدْرًى (عود يُدْخَلُ في الرأس ليضم بعض الشعر إلى بعض) في يده، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لو علمتُ أنك تنظرني، لطمستُ، أو لطعنتُ بها في عينك» متفق عليهما، ويفارق ما قاسوا عليه؛ لأن مَن دخل المنزل يعلم به، فيستتر منه، بخلاف الناظر من ثقب، فإنه يرى من غير علم به، ثم الخبر أولى من القياس، وظاهر كلام أحمد أنه لا يعتبر في هذا أنه لا يمكنه دفعه إلا بذلك؛ لظاهر الخبر، وقال ابن حامد: يدفعه بأسهل ما يمكنه دفعه به، يقول له أولًا: انصرف، فإن لم يفعل أشار إليه يوهمه أنه يحذفه، فإن لم ينصرف فله حذفه حينئذٍ، واتباع السُّنة أولى، فأما إن ترك الاطلاع ومضى، لم يجُز رميه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يطعن الذي اطلع ثم انصرف، ولأنه ترك الجناية، فأشبه مَن عضّ ثم ترك العضّ، لم يجز قلع أسنانه، وسواء كان المطَّلَع منه صغيرًا كثقب أو شق، أو واسعًا كثقب كبير، وذكر بعض أصحابنا أن الباب المفتوح كذلك، والأولى أنه لا يجوز حذف مَن نظر من باب مفتوح؛ لأن التفريط من تارك الباب مفتوحًا، والظاهر أن مَن ترك بابه مفتوحًا أنه يستتر؛ لعلمه أن الناس ينظرون منه، ويعلم بالناظر فيه، والواقف عليه، فلم يجز رميه، كداخل الدار، وإن اطلع فرماه صاحب الدار، فقال المطَّلِع: ما تعمَّدتُ الاطلاع لم يضمنه على ظاهر كلام أحمد؛ لأن الاطلاع قد وجد، والرامي لا يَعلم ما في قلبه، وعلى قول ابن حامد يضمنه؛ لأنه لم يدفعه بما هو أسهل، وكذلك لو قال: لم أرَ شيئًا حين اطَّلَعت، وإن كان المطلع أعمى لم يجز رميه؛ لأنه لا يرى شيئًا، ولو كان إنسان عريانًا في طريق لم يكن له رمي مَن نظر إليه؛ لأنه المفرط، وإن كان المطَّلع في الدار من محارم النساء اللائي فيها، فقال بعض أصحابنا: ليس لصاحب الدار رميه، إلا أن يكنَّ متجردات، فيصرن كالأجانب، وظاهر الخبر أن لصاحب الدار رميُه، سواء كان فيها نساء أو لم يكن؛ لأنه لم يذكر أنه كان في الدار التي اطلع فيها على النبي -صلى الله عليه وسلم- نساء. وقوله: «لو أن امرأ اطلع عليك، بغير إذن، فحذفته» عام في الدار التي فيها نساء وغيرها. المغني (12/ 539- 540).
وقال الشوكانيُّ -رحمه الله-:
وقد استدلَّ بأحاديثِ الباب مَن قال: إنَّ مَن قصد النظرَ إلى مكانٍ لا يجوز له الدخولُ إليه بغير إذنٍ جاز للمنظورِ إلى مكانه أن يفقأَ عينَه، ولا قصاصَ عليه ولا ديةَ؛ للتصريح بذلك في الحديث الآخر، ولقوله: «فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينَه»، ومقتضى الحلِّ أنَّه لا يضمن ولا يُقتصُّ منه، ولقوله: «ما كان عليك من جناح».
وإيجابُ القصاص أو الدية جناحٌ، ولأن قوله -صلى الله عليه وسلم- المذكور: «لو أعلمُ أنك تنظرُ طعنتُ به في عينك» يدلُّ على الجواز، وقد ذهب إلى مقتضى هذه الأحاديث جماعةٌ من العلماء، منهم الشافعيُّ، وخالفت المالكيةُ هذه الأحاديث فقالت: إذا فعل صاحبُ المكان بمن اطَّلع عليه ما أَذِن به النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وجب عليه القصاصُ أو الديةُ، وساعدهم على ذلك جماعةٌ من العلماء.
وغايةُ ما عوَّلوا عليه قولُهم: إنَّ المعاصيَ لا تُدفَع بمثلها، وهذا من الغرائب التي يتعجَّب المصنِّفُ من الإقدام على التمسُّك بمثلها في مقابلة تلك الأحاديث الصحيحة؛ فإنَّ كلَّ عالمٍ يعلم أنَّ ما أَذِن فيه الشارعُ ليس بمعصية، فكيف يُجعل فقءُ عين المطلع من باب مقابلة المعاصي بمثلها؟ ومن جملة ما عوَّلوا عليه قولُهم: إنَّ الحديث واردٌ على سبيل التغليظ والإرهاب، ويُجاب عنه بالمنع، والسندُ أنَّ ظاهرَ ما بلغنا عنه -صلى الله عليه وسلم- محمولٌ على التشريع إلا لقرينةٍ تدلُّ على إرادة المبالغة.
وقد تخلَّص بعضُهم عن الحديث بأنَّه مؤوَّلٌ بالإجماع، على أنَّ مَن قصد النظرَ إلى عورة غيره لم يكن ذلك مبيحًا لفقء عينِه ولا سقوطِ ضمانها. ويُجاب أوَّلًا بمنع الإجماع، وقد نازع القرطبيُّ في ثبوته، وقال: إنَّ الحديث يتناول كلَّ مُطَّلِع. قال: لأنَّ الحديث المذكور إنما هو لمظنَّة الاطلاع على العورة، فبالأولى نظرُها المحقَّق. ولو سُلِّم الإجماعُ المذكور لم يكن معارضًا لما ورد به الدليل؛ لأنَّه في أمرٍ آخر، فإنَّ النظرَ إلى البيت ربما كان مفضيًا إلى النظر إلى الحَرَم وسائر ما يقصد صاحبُ البيت ستره عن أعين الناس.
وفرَّق بعضُ الفقهاء بين مَن كان من الناظرين في الشارع وفي خالص ملك المنظور إليه، وبعضُهم فرَّق بين مَن رمى الناظر قبل الإنذار وبعده، وظاهرُ أحاديثِ الباب عدمُ الفرق. والحاصل أنَّ لأهل العلم في هذه الأحاديث تفاصيلَ وشروطًا واعتباراتٍ يطول استيفاؤها، وغالبُها مخالفٌ لظاهر الحديث، وعاطلٌ عن دليلٍ خارجٍ عنه، وما كان هذا سبيله فليس في الاشتغال ببسطه وردِّه كثيرُ فائدة. وبعضُها مأخوذٌ من فهم المعنى المقصود بالأحاديث المذكورة، ولا بدَّ أن يكون ظاهرُ الإرادة واضحَ الاستفادة، وبعضُها مأخوذٌ من القياس، وشرطُ تقييد الدليل به أن يكون صحيحًا معتبرًا على سنن القواعد المعتبرة في الأصول. نيل الأوطار (7/ 34–35).
وقال الشيخ محمد بن عليّ الإتيوبي -رحمه الله-:
في اختلافِ أهلِ العلم فيمَن رمى إنسانًا يتجسَّسُ على بيته فقتلَه:
ذهب الجمهورُ إلى أنَّه لا شيء عليه، وذهبت المالكيةُ إلى وجوب القصاص، وأنَّه لا يجوز قصدُ العين ولا غيرها، واعتلُّوا بأنَّ المعصيةَ لا تُدفَع بالمعصية. وأجاب الجمهورُ بأنَّ المأذونَ فيه، إذا ثبت الإذنُ، لا يُسمَّى معصية، وإن كان الفعلُ، لو تجرَّد عن هذا السبب، يُعَدُّ معصية. وقد اتفقوا على جواز دفع الصائل، ولو أتى على نفس المدفوع، وهو بغير السبب المذكور معصية، فهذا مُلحَقٌ به مع ثبوت النص فيه. وأجابوا عن الحديث بأنَّه ورد على سبيل التغليظ والإرهاب، ووافق الجمهورَ منهم ابنُ نافع، وقال يحيى بنُ عمر منهم: لعلَّ مالكًا لم يبلغه الخبر…
عندي أنَّ الذي ذهب إليه الجمهورُ من جواز رمي مَن تجسَّس في بيت غيره، وأنَّه لو هلك من ذلك، أو بعضُ أعضائه، يكون هدرًا؛ لظاهر النص: «مَن اطَّلع في بيت قوم بغير إذنهم، ففقؤوا عينَه، فلا ديةَ له، ولا قصاص».ذخيرة العقبى (36/ 321).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
وفيه: أنه إذا فقأ عينه فيما ذكر لم يلزمه دية ولا قصاص ولا إثم وهو قول الشافعي، وحكمته: الاحتياط للحريم والعورات بالستر وعدم الاطلاع عليها.
وفيه: أنه يجوز رميه قبل نهيه وإنذاره وهو الأصح عند أئمتنا بقَيدَين يأتيان، وأنه لا يُرمى الناظر إلا بخفيف كحصاة وبُنْدُقَةٍ، فلو رماه بثقيل كنُشَّاب (أي: نَبْل) ضمن، ولا يلحق بالنظر السمع على الأصح عن أئمتنا؛ لأن السمع ليس كالبصر في الاطلاع على العورات، ومحل جواز الرمي أن لا يقصِّر صاحب الدار، فإن قصَّر كأن جعل بابه مفتوحًا أو كانت كوة واسعة في الدار أو نحوها ولم يسدَّها لم يجز رميه وإن تعمد النظر، ومحله أيضًا أن لا يكون للناظر ثَمّ مَحرم أو زوجة أو متاع، فإن كان ثَمّ شيء منها لم يجز رميه؛ لأن له شبهة في النظر، فلو كان مَحرمًا لِحرم صاحب الدار لم يرمه إلا أن تكون متجردة، ولو لم يكن في الدار إلا صاحبها فله الرمي إن كان متجردًا وإلا فلا على الأصح، ولو كانت الحُرم في الدار مستترات ولو ببيت جاز رميه في الأصح؛ لإطلاق الأحاديث؛ ولأن أوقات الستر والتكشف لا تنضبط، فالاحتياط حسم الباب. فتح العلام (ص:600).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
هذا يفيد تحريم النظر إلى بيوت الناس، وأنه لا يجوز النظر إلى عورات الناس، لا من الأحذية، ولا من خلال الباب، ولا من الطاقات، التي تكون على البيوت، ولا من المانورات، ولا من أي ناحية، لا يجوز للناس أن ينظروا إلى عورات الناس في بيوتهم، وأنَّ مَن تعمد ذلك، ونظر من خلال الباب أو الخُرم، أو غير ذلك..، فلهم أن يرجموه، وإن أصابوا عينه، فهي هدر؛ لظلمه وعدوانه.. الإفهام (ص:703).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يؤخذ من الحديث:
-هذا التأديب الإسلامي كله؛ محافظة على حرية الإنسان المباحة في بيته، فإن الإنسان يتبذل ويتبسط، ويكون في حالة لا يرغب أن يطلع عليه أحد وهو فيها، فإذا أراد معتدٍ أن يكشف حاله بدون إذنه، فجزاؤه ردعه بما يناسبه.
-من هذا نأخذ وجوب أخذ احتياط الجيران عند البناء، بألا يَكشف جار جاره، وأنه يجب على الجهة المسؤولة عن تنظيم العمران -وهي البلدية- أن تلاحظ بأن يكون بناء المنطقة على سَمْتٍ واحد في الارتفاع، أو تعمل عملًا وتصميمًا خاصًّا حتى لا يكشف جار جاره. توضيح الأحكام (6/ 199- 200).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
ويؤخذ من الحديث:
-إباحة الدفاع عن المحارم ولو أدى إلى فقء العين.
-وفيه مشروعية الاستئذان. المنهل الحديث (4/ 232).
وقال عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
-صيانة البيوت في الإسلام. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (8/ 244).

ولمزيد من الفائدة، يُنظَر إلى شدَّة النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- حين رأى رجلًا يطَّلع على حُجرت.


إبلاغ عن خطأ