الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

سُئلَ رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عنِ الماءِ، وما يَنُوبُهُ مِن الدَّوابِّ والسِّبَاعِ، فقال -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إذا كان الماءُ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِلِ الخَبَثَ».


رواه أحمد برقم: (4605) وأبو داود برقم: (63) والنسائي برقم: (52) ورقم: (328) واللفظ لهما، والترمذي برقم: (67)، من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ عند أحمد برقم: (4803): «إذا كانَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لم يُنَجِّسْهُ شيءٌ».
وفي لفظ عند أبي داود برقم: (65): «إذا كان الماءُ قُلَّتَيْنِ فإنَّهُ لا يَنْجُسُ».
وفي لفظ عند ابن ماجه برقم: (517): «إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لم يُنَجِّسْهُ شيءٌ».
صحيح الجامع برقم: (417، 758)، صحيح أبي داود برقم: (56، 58)، صحيح في إرواء الغليل برقم: (23).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«يَنُوبُهُ»:
نَابَهُ يَنُوبُهُ نَوْبًا، وانْتَابَهُ، إذا قصده مرة بعد مرة. النهاية، لابن الأثير (5/ 123).

«الدَّوابِّ»
(جمع دابة) وأصلُ الدّابَّةِ: ما يَدبُّ على الأرضِ، قال الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} النور 45، وأمّا الدَّاَّبةُ التي تُركبُ، فإنَّ هذا الاسم وقع اصطلاحًا وعادَةً، لا حقيقَةً. النظم المستعذب، للركبي (2/ 101).

«والسِّبَاعِ»:
(جمْع) السَّبُع، (وهو) يقع على ما له نابٌ من السِّباع، ويَعْدُو على النَّاس والدوابّ فيفترسها؛ مثل الأسد والذّئب والنَّمِر والفهد، وما أشبهها، والثعلب وإن كان له ناب، فإنه ليس بسبُع؛ لأنه لا يعدو على صغار المواشي، ولا ينيب في شيء من الحيوان، وكذلك الضَّبُع لا يُعدُّ من السباع العادِيَة؛ ولذلك وردت السنة بإباحة لحمها، وبأنها تُجْزَى إذا أُصيبت في الحَرَم، أو أَصَابَهَا المحْرِم. تهذيب اللغة، للأزهري (2/ 71).

«قُلَّتَيْنِ»:
القُلَّة: إناء للعرب، كالجَرَّة الكبيرة، وقد تُجْمَع على قُلَلٍ. الصحاح، للجوهري (5/ 1804).

«الخَبَثَ»:
بِفَتْحَتَيْنِ: النَّجَسُ. النهاية، لابن الأثير (2/ 4).


شرح الحديث


قال ابن العربي -رحمه الله-:
حديث القُلتين مداره على مطعونٍ عليه، أو مضطرب في الرواية، أو موقوف، وحَسْبُكَهُ: أنَّ الشافعي رواه عن الوليد بن كثير، وهو إباضي (قال أبو داود: ثقة إلا أنَّه إباضي) واختلفت رواياته، فقيل: قُلتين أو ثلاثًا، رواه يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة، وروي «أربعون قُلة» وروي «أربعون غَرْبًا» (دلوًا) ووُقِف على أبي هريرة وعلى عبد الله بن عمر، ولقد رام الدارقطني أنْ يتخلَّص من رواية هذا الحديث بجُرَيْعَة الذقن (أي: أنَّ نفسه قد صارت في فيه وجريعة: تصغير جرعة) فاغتص بها، وعلى كثرة طرقه لم يخرجه مَن شَرَطَ الصحة. عارضة الأحوذي (1/74).
وقال ابن سيد الناس -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
فأمَّا قول ابن العربي: وحسبك أنَّ الشافعي رواه عن الوليد بن كثير وهو إباضي، يريد طائفة من الخوارج، ينسبون إلى عبد الله بن إباض، فالشافعي لم يُشافِهِ الوليد بن كثير به، وإنَّما هو عن الشافعي عن الثقة عنده عن الوليد؛ كذا روى عنه، وقد تبيَّن من طريق آخر أنَّه عنده عن عبد الله بن الحارث المخزومي، عن الوليد، ومن طريق آخر أنه عنده عن أبي أسامة، عن الوليد، فهذه ثلاثة وجوه وهو اضطراب في طريق الشافعي؛ فاتَ ابن العربي أنْ يعلَّه به، ولكنه ليس بعلةٍ على ما قررنا، فأبو أسامة متفقٌ عليه. النفح الشذي (2/ 134-135).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله- بعد أنْ ذَكَرَ للحديث وجوهًا:
وهذه الوجوه التي ذكرناها يمكنُ على طريقة الفقهاء أنْ يُسلَكَ فيها طريقٌ يُفضي إلى التصحيح، وهو أنْ يُنْظَر إلى هذه الاختلافات الواقعة فيه إسنادًا ومتنًا، فيُسقَطَ منها ما كان ضعيفًا؛ إذ لا يُعَلَّلُ القويّ بالضعيف، وينظرَ فيما رجالُهُ ثقاتٌ، فما وقع في بعضه شكٌّ طُرِح، وأُخِذَ ما لم يقع فيه شك من راويه، وما وقع فيه من اختلاف يمكن الجمع فيه جُمع. شرح الإلمام (1/ 183).
وقال ابن القيم -رحمه الله- بعد ذكر أقوال المصحِّحين لهذا الحديث:
أما قولكم: إنه قد صح سنده، فلا يفيد الحُكْم بصحته...، فلا يلزم من مجرد صحة السند صحة الحديث، ما لم ينتفِ عنه الشذوذ والعلة، ولم ينتفيا عن هذا الحديث، أما الشذوذ: فإنَّ هذا حديث فاصل بين الحلال والحرام، والطاهر والنجس، وهو في المياه كالأَوْسُقِ في الزكاة، والنُّصب في الزكاة، فكيف لا يكون مشهورًا شائعًا بين الصحابة ينقله مَن سلف؛ لشدة حاجة الأمَّة إليه أعظم من حاجتهم إلى نصب الزكاة؟! فإنَّ أكثر الناس لا تجب عليهم زكاة، والوضوء بالماء الطاهر فرض على كل مسلم، فيكون الواجب نقل هذا الحديث كنقل نجاسة البول، ووجوب غسله...، ومن المعلوم أنَّ هذا لم يروه غير ابن عمر، ولا عن ابن عمر غير عبيد الله وعبد الله (ابناه)، فأين نافع وسالم وأيوب وسعيد بن جبير؟! وأين أهل المدينة وعلماؤهم عن هذه السُّنة التي مخرجها من عندهم، وهم إليها أحوج الخلق؛ لعِزَّة الماء عندهم؟! ومن البعيد جدًّا أنَّ هذه السُّنة عند ابن عمر وتخفى على علماء أصحابه وأهل بلدته، ولا يذهب إليها أحد منهم، ولا يروونها ويديرونها بينهم، ومَن أنصف لم يخفَ عليه امتناع هذا...، فأيّ شذوذ أبلغ من هذا؟ وحيث لم يقل بهذا التحديد أحد من أصحاب ابن عمر عُلم أنه لم يكن فيه عنده سُنة من النبي -صلى الله عليه وسلم، فهذا وجه شذوذه.
وأما علته: فمِن ثلاثة أوجه:
أحدها: وقْفُ مجاهد له على ابن عمر، واختُلف فيه عليه، واختُلف فيه على عبيد الله أيضًا رفعًا ووقفًا، ورجح شيخا الإسلام -أبو الحجاج المزي وأبو العباس ابن تيمية- وقفه، ورجَّح البيهقي في سُننه وقفه من طريق مجاهد، وجعله هو الصواب، قال شيخنا أبو العباس (ابن تيمية): وهذا كله يدل على أنَّ ابن عمر لم يكن يحدِّث به عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن سُئل عن ذلك، فأجاب بحضرة ابنه، فنَقل ابنه ذلك عنه...، وأما تصحيح مَن صححه من الحفاظ فمُعَارَض بتضعيف مَن ضَعفه، وممن ضَعفه حافظ المغرب أبو عمر ابن عبد البر وغيره؛ ولهذا أعرض عنه أصحاب الصحيح جملةً. تهذيب سنن أبي داود (1/ 41-43).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
إنَّ ما حاول به العلامة ابن القيم لتضعيف هذا المتن غير واضح لمن تأمله؛ لأن صحة الحديث لا يشترط فيه أن ينقله جماعة، بل إذا كان منقولًا عن صحابي واحد، واتصل السند إليه، بالعدول الضابطين فهو صحيح، فانفراد صحابي بنقله لا يكون علة، وكذلك كونه موقوفًا عليه لا ينافي ما رواه مرفوعًا؛ لصحة أن يروي المرفوع في وقت، ويُسأل عن الحكم فيفتي في وقت آخر، وأيضًا إذا تعارض الرفع والوقف قُدِّم الرفع على الأرجح، لا سيما وقد رفعه اثنان عبيد الله وعبد الله، والواقف مجاهد فقط، والحاصل: أنَّ المذهب الراجح هو مذهب مَن يرى العمل بحديث القُلتين؛ لصحته، والله أعلم. ذخيرة العقبى (2/ 27).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قد تكلَّم بعضُ أهل العلم في إسناده مِن قِبل أنَّ بعض رواته قال: عن عبد الله بن عبد الله، وقال بعضهم: عبيد الله بن عبد الله، وليس هذا باختلاف يوجب توهينه؛ لأنَّ الحديث قد رواه عبيد الله وعبد الله معًا، وذكروا أنَّ الرواة قد اضطربوا فيه، فقالوا مرة: عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة عن محمد بن عباد بن جعفر، وهذا اختلاف مِن قِبل أبي أسامة حمَّاد بن أسامة القرشي.
ورواه محمد بن إسحاق بن يسار عن محمد بن جعفر بن الزبير، فالخطأ من إحدى روايتيه متروك، والصواب معمول به، وليس في ذلك ما يوجب توهين الحديث، وكفى شاهدًا على صحته: أنَّ نجوم الأرض مِن أهل الحديث قد صححوه، وقالوا به، وهم القدوة، وعليهم المعَوَّل في هذا الباب. معالم السنن (1/ 36).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
أما حديث القُلَّتين فأكثر أهل العلم بالحديث على أنَّه حديث حسن، يُحتج به، وقد أجابوا عن كلام مَن طعن فيه، وصنف أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي جزءًا ردَّ فيه ما ذكره ابن عبد البر وغيره. مجموع الفتاوى (21/ 41-42).

قوله: «سُئلَ رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عنِ الماءِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«عنِ الماءِ يكون في الفلاة من الأرض»، كذا للترمذي. شرح سنن أبي داود (1/ 510).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الماء» أي: عن حُكمه، هل هو طاهر أم نجس؟ ذخيرة العقبى (2/ 7).
وقال الشنقيطي -رحمه الله-:
والتقدير: سُئل عن حكم الماء الذي تَرِدُه الدواب والسباع، فكأنَّ الحكم مشترَك بين الماء والذي ينوبه؛ لأنه المسؤول عن حكمه بعد إصابة المذكورات له. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (1/ 229).

قوله: «وما يَنُوبُهُ مِن الدَّوابِّ والسِّبَاعِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ما» اسم موصول، أي: الشيء الذي «ينوبه». ذخيرة العقبى (2/ 7).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «ما ينوبه» هو بالنون، أي: يَرِدُ عليه نوبةً بعد أخرى. نيل الأوطار (1/ 48).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«يَنُوبهُ» يتردّد إِليه من دابةٍ وسَبُعٍ. التحبير (7/ 48).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«والدواب» جمع دابة، وهو كل ما دبَّ على الأرض من الحيوانات والإنسان والوحش والطير والحشرات داخلة فيه، إلا أنَّ العُرْف والاستعمال خَصَّصا هذه اللفظة بما يُرْكَبُ.
«والسباعُ» جمع سَبُعٍ، وهو: كل ما له ناب، كالأسد والكلب، وإنَّما ذكر السباع بعد قوله: «الدواب» لأنه لما ذكر الأهم وهو الدواب، وكان العرْف قد خصص الدواب بالمركوب، أتبعه ذكر السباع؛ لئلا يُظَنَّ أنَّ السؤال إنما كان عن الدواب المركوبة خاصة دون السباع؛ فزادها بذلك بيانًا وإيضاحًا؛ ولأنَّ السائل إذا سأل عن الدواب -ولعل أكثرها حلال وسؤرها طاهر- فبالأَولى أنْ يسأل عن السباع التي هي حرام، وسؤرها مجهول الحكم عنده، فلذلك خَصَّ بعد أنْ عَمَّ.
وكذلك في الرواية الأخرى التي قَدَّمَ فيها السباع على الدواب: أنَّه لما ذكر الخاص، أتبعه ذكر العام؛ لتحصل المسألة عن الأمرين، ويسمع الجواب عنهما؛ لأنَّ الدواب قد صارت خاصة في العرْف كما قدمنا. الشافي (1/ 84-85).

قوله: «فقال -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إذا كان الماءُ قُلَّتَيْنِ» وفي رواية: «إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقال» -صلى الله عليه وسلم- مجيبًا عن السؤال. ذخيرة العقبى (2/ 9).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قلتُ: قد تكون القُلَّة الإناء الصغير الذي تُقِلُّه الأيدي، ويُتعاطى فيه الشرب كالكيزان ونحوها، وقد تكون القُلَّة الجرة الكبيرة التي يُقِلُّها القوي من الرجال، إلا أنَّ مخرج الخبر قد دل على أنَّ المراد به ليس النوع الأول؛ لأنه إنَّما سُئل عن الماء الذي يكون بالفلاة من الأرض في المصانع والوِهَاد والغدرَان ونحوها، ومثل هذه المياه لا تُحمل بالكوز والكوزين في العرف والعادة؛ لأن أدنى النجس إذا أصابه نجَّسه، فعُلم أنه ليس معنى الحديث.
وقد روي من غير طريق أبي داود من رواية ابن جريج «إذا كان الماء قلتين بقلال هَجَر» أخبرناه محمد بن هاشم، حدثنا الدبري عن عبد الرزاق عن ابن جريج، وذكر الحديث مرسلًا، وقال في حديثه «بقِلال هَجَر» قال: «وقِلال هجر» مشهورة الصنيعة، معلومة المقدار، لا تختلف كما لا تختلف المكائل والصِّيعان والقِرَب المنسوبة إلى البلدان المحدودة على مثال واحد، وهي أكبر ما يكون من القلال وأشهرها؛ لأن الحد لا يقع بالمجهول؛ ولذلك قيل: قُلَّتين على لفظ التثنية، ولو كان وراءها قُلَّة في الكِبَر لأشكلت دلالته، فلما ثنَّاها دل على أنه أكبر القِلال؛ لأن التثنية لا بد لها من فائدة، وليست فائدتها إلا ما ذكرناه.
وقد قدَّر العلماء القُلتين بخمس قِرَب، ومنهم مَن قدرها بخمسمائة رطل. معالم السنن (1/ 35).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
اختلفوا في قدر القلتين:
(فالقول الأول): ففي الحديث الذي ذكره ابن جريج قال: "رأيتُ قِلال هجر، فإذا القُلة تسع قِربتين أو قربتين وشيئًا".
وفيه قول ثانٍ: قاله الشافعي قال: والاحتياط أنْ تكون القُلة قِربتين ونصفًا، فإذا كان الماء خمسَ قِرب لم يَحمل نَجسًا في جرٍّ كان أو غيره، وقِرب الحجاز كبار، ولا يكون الماء الذي لا يحمل النجاسة إلا بقِرب كبار.
وفيه قول ثالث: حُكي عن أحمد بن حنبل قولان:
أحدهما: أنَّ القُلة قِربتان.
والآخر: أن القُلتين خمس قِرب، ولم يقل بأي قِرب.
وفيه قول رابع: قاله إسحاق بن راهويه قال: أما الذي نعتمد عليه إذا كان الماء قُلتين، وهما نحو سِتّ قِرب؛ لأن القلة نحو الخابية.
وفيه قول خامس: وهو أنَّ القلتين خمس قِرب ليس بأكبر القِرْب، ولا بأصغرها، هذا قول أبي ثور.
وفيه قول سادس: وهو أنها الحُبَاب، وهي قِلال هَجَر معروفة مستفيضة، وسمعنا ذلك في أشعارهم، ولم يجعل لذلك حدًّا، هذا قول أبي عبيد.
وفيه قول سابع: وهو أنَّ القُلة الجَرَّة، وكذلك قال عبد الرحمن بن مهدي ووكيع ويحيى بن آدم، ولم يجعلوا ذلك حدًّا يوقف عليه.
وفيه قول ثامن: وهو أنَّ القُلة قد يقال للكوز، حكى قبيصة أنَّ سفيان الثوري صلَّى خلفه في شهر رمضان، ثم أخذ نعله وقُلَّة معه، ثم خرج بها.
وفيه قول تاسع: قاله بعض أهل اللغة، قال: والقلة التي جُعلت مقدارًا بين ما ينجس من الماء وما لا ينجس هي مأخوذة مِن استقَلَّ فلان بحمله وأقَلَّه إذا أطاقه وحمله، وإنما سُميت الكيزان قِلالًا؛ لأنها تُقَلُّ بالأيدي، وتُحمل فيُشرب فيها، قال: والقُلة تقع على الكوز الصغير، والجرَّة اللطيفة والعظيمة، والجَرُّ اللطيف إذا كان القوي من الرجال يستطيع أن يُقِلَّه، قال جميل بن معمر:
فظللنا بنعمة واتكأنا *** وشربنا الحلال من قُلَلِه.
قال أبو بكر (ابن المنذر): وقد روينا عن الأوائل ممن قال بالتحديد في الماء أربعة أقوال سوى ما ذكرناه:
أحدها: عن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إذا بلغ الماء أربعين قُلة فلا ينجسه شيء"...
والقول الثاني: إذا كان الماء كثيرًا لا ينجسه شيء، روينا ذلك عن مسروق، وقال محمد بن سيرين: "إذا كان الماء قدر كُرّ (ستون قفيزًا، والقفيز ثمانية مكاكيك والمكوك صاع ونصف) فإنه لا يحمل الخبث"...، وروينا عن ابن عباس أنه قال: "إذا كان الماء ذَنُوبَين لم يحمل الخبث"...، وقال عكرمة: «ذَنُوبًا أو ذَنُوبين» وقد روي عن أبي هريرة قول رابع، وهو أنَّ الماء إذا كان أربعين دلوًا لم ينجِّسه شيء...
وقالت فرقة خلاف كل ما ذكرناه، فقالت في الماء الراكد: إذا كان في الموضع إذا حُرِّك منه جانب اضطرب الماء، وخلص اضطرابه إلى الجانب الآخر، فما وقع فيه مِن نجاسة نجس لوقوعها فيه، وإن لم تتبين النجاسة فيه، وإن كان الماء في غدير واسع، أو مصنعة واسعة وعظيمة إذا حُرِّك طرفه لم يتحرك الطرف الآخر، ولم يخلص بعض الماء إلى بعض لم ينجِّسه ما وقع فيه من النجاسات إلا أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، حكي هذا القول عن أصحاب الرأي.
وقالت طائفة: قليل الماء وكثيره لا ينجسه شيء إلا أنْ يغلب عليه النجاسة بطعم أو لون أو ريح، هذا قول يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي. الأوسط (1/ 225-228).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
هذا الحديث هو دليل الشافعية في جعلهم الكثير ما بلغ قُلتين، وسبق اعتذار الهادوية والحنفية عن العمل به؛ للاضطراب في متنه؛ إذ في رواية «إذا بلغ ثلاث قلال» وفي رواية «قلة» وبجهالة قدر القلة، وباحتمال معناه، فإنَّ قوله: «لم يحمل الخبث» يحتمل أنه يتلاشى فيه الخبث، وقد أجاب الشافعية عن هذا كله.سبل السلام (1/ 26).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين، فمذهب ضعيف من جهة النظر، غير ثابت في الأثر؛ لأنه حديث قد تَكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل؛ ولأن القلتين لم يُوقَف على حقيقة مَبْلَغهما في أثر ثابت، ولا إجماع، ولو كان ذلك حدًّا لازمًا لوجب على العلماء البحث عنه؛ ليقفوا على حد ما حرمه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وما أحله من الماء؛ لأنه مِن أصل دِينهم وفرضهم، ولو كان ذلك كذلك ما ضيعوه، فلقد بحثوا عما هو أدق من ذلك وألطف، ومحال في العقول أنْ يكون ماءان أحدهما يزيد على الآخر بقدح أو رطل، والنجاسة غير قائمة، ولا موجودة في واحد منهما، أحدهما نجس، والآخر طاهر، وكذلك كل من قال: بأن قليل الماء يفسده قليل النجاسة دون كثيره، وإن لم تظهر فيه ولم تغيِّر شيئًا منه وجد في ذلك الماء المستجد بغير أثر يشهد له، فقوله مدفوع بما ذكرنا من الآثار المرفوعة في هذا الباب، وأقاويل علماء أهل الحجاز فيه، وأما ما ذهب إليه المصريون من أصحاب مالك في أن قليل الماء يفسد بقليل النجاسة، من غير حَدٍّ حَدَّدُوهُ في ذلك في ذلك، وما قالوه من أجوبة مسائلهم في البئر تقع فيها الميتة من استحبابِ نَزْحِ بعضها، وتطهير ما مسه ماؤها، وفي إناء الوضوء يسقط فيه مثل رؤوس الإبر من البول، وفي سؤر النصراني...، وغير ذلك من مسائلهم في هذا الباب فذلك كله على التنزه والاستحباب، هكذا ذكره إسماعيل بن إسحاق، وهو الصواب عندنا. التمهيد (1/ 335).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
أما حديث القُلتين فلا حجة لهم فيه أصلًا، أول ذلك: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يحدَّ مقدار القلتين، ولا شك في أنه -عليه السلام- لو أراد أن يجعلهما حدًّا بين ما يقبل النجاسة وبين ما لا يقبلها لما أهمل أنْ يحدَّها لنا بحدٍّ ظاهر لا يحيل، وليس هذا مما يوجب على المرء ويوكَل فيه إلى اختياره، ولو كان ذلك لكانت كل قُلتين -صغرتا أو كبرتا- حدًّا في ذلك.
فأما أبو حنيفة وأصحابه فقالوا: القُلة القامة، ومع ذلك فقد خالفوا هذا الخبر -على أنْ لا نسلِّم لهم تأويلهم الفاسد-؛ لأنَّ البئر وإنْ كان فيها قامتان أو ثلاث فإنها عندهم تنجس.
وأما الشافعي فليس حده في القلتين بأولى من حد غيره ممن فسَّر القلتين بغير تفسيره، وكل قول لا برهان له فهو باطل.
وأما نحن فنقول بهذا الخبر حقًّا، ونقول: إن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجس، ولم يقبل الخبث، والقلتان ما وقع عليه في اللغة اسم قلتين، صغرتا أو كبرتا، ولا خلاف في أن القلة التي تسع عشرة أرطال ماءٍ تسمى عند العرب قُلة، وليس في هذا الخبر ذكرٌ لقلال هجر أصلًا، ولا شك في أن بهجر قلالًا صغارًا وكبارًا، فإن قيل: إنه -صلى الله عليه وسلم- قد ذكر قلال هجر في حديث الإسراء، قلنا: نعم، وليس ذلك يوجب أنه -صلى الله عليه وسلم- متى ما ذكر قُلة فإنما أراد من قلال هجر، وليس تفسير ابن جريج للقلتين بأولى من تفسير مجاهد الذي قال: هما جرتان، وتفسير الحسن (البصري) كذلك: إنها أي جرة كانت، وليس في قوله -صلى الله عليه وسلم- هذا دليل ولا نص على أنَّ ما دون القلتين ينجس، ويحمل الخبث، ومن زاد هذا في الخبر فقد قوَّله -صلى الله عليه وسلم- ما لم يقل، فوجب طلب حكم ما دون القلتين من غير هذا الخبر، فنظرنا فوجدنا ما حدثنا... عن سهل بن سعد الساعدي قال: «قالوا: يا رسول الله، إنا نتوضأ من بئر بُضاعة وفيها ما ينجي الناس والحائض والجيف، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الماء لا ينجسه شيء».
(و) حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور... عن حذيفة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فُضِّلنا على الناس بثلاث، وذكر -صلى الله عليه وسلم- فيها: وجُعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجُعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء» فعم -عليه السلام- كل ماء، ولم يخص ماء من ماء، فقالوا: فإنكم تقولون: إن الماء إذا ظهرت فيه النجاسة، فغيرت لونه وطعمه وريحه فإنه ينجس، فقد خالفتم هذين الخبرين.
قلنا: معاذ الله من هذا أن نقوله، بل الماء لا ينجس أصلًا، ولكنه طاهر بحسبه، لو أمكننا تخليصه من جملة المحرَّم علينا لاستعملناه، ولكنا لما لم نقدر على الوصول إلى استعماله كما أُمرنا سقط عنا حكمه، وهكذا كل شيء كثوب طاهر صُبَّ عليه خمر أو دم أو بول، فالثوب طاهر كما كان، إن أمكننا إزالة النجس عنه صلينا فيه، وإن لم يمكنا الصلاة فيه إلا باستعمال النجس المحرم سقط عنا حكمه. المحلى (1/ 157-158).

قوله: «لم يَحْمِلِ الخَبَثَ» وفي رواية: «فإنَّهُ لا يَنْجُسُ» وفي رواية: «لم يُنَجِّسْهُ شيءٌ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
معنى قوله: «لم يحمل الخَبَث» أي: يدفعه عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحتمل الضيم؛ إذ كان يأباه، ويدفعه عن نفسه، فأما من قال: معناه: أنَّه يضعف عن حمله فينجس، فقد أحال؛ لأنه لو كان كما قال لم يكن إذًا فرق بين ما بلغ من الماء قُلتين، وبين ما لم يبلغهما، وإنَّما ورد هذا مورد الفصل والتحديد بين المقدار الذي ينجس والذي لا ينجس، ويؤكد ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإنه لا ينجس» من رواية عاصم بن المنذر. معالم السنن (1/ 35-36).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
أما جواب النبي -صلى الله عليه وسلم- السائل بقوله: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثًا» ففيه نوع مما ذكره في جوابه عن ماء البحر من البلاغة والفائدة؛ لأنَّه ذكر الجواب مُعَلَّلًا بذكر السبب المانع من نجاسته، وهو: بلوغ القلتين، وتَحَدُّدُ الحَدِّ ظاهر عند السائل، لا يحتاج مع سماعه إلى استفسار وإيضاح، وهو معرفة مقدار القلة، ولو لم تكن عنده ظاهرة معروفة لم يحده بها، ولو أنه أجابه فقال: إنه طاهر، وأنه ليس بنجس؛ لكان قد حصل غرض السائل، ولكنه عدل عنه إلى هذا الجواب المعلل المحدَّد؛ لما فيه من زيادة البيان، وتأكيد الإيضاح؛ ولأنه لو لم يحده بذلك لكان الكثير والقليل في الحكم سواء؛ وذلك في محل الإبهام. الشافي (1/ 86).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قوله: «فإنَّه لا يَنْجُسُ» بضم الجيم، بوقوع النجاسة فيه، إلا أن يغيره تغيُّرًا كثيرًا، أو يسيرًا بمخالِط أو مجاور. شرح سنن أبي داود (1/ 515).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
الحديث بمنطوقه يدل على أنَّ الماء إذا بلغ قُلتين لم ينجس بملاقاة النجاسة، فإن قوله: «لم يحمل» معناه: لم يقبل، كما يقال: فلان لا يحتمل ضيمًا، إذا امتنع عن قبوله، ودفع عن نفسه؛ وذلك إذا لم يتغير بها، فإنْ تغيَّر بها كان نجسًا؛ لقوله -عليه السلام-: «خُلِق الماء طهورًا، لا ينجسه شيء، إلا ما غيَّر طعمه أو ريحه».
وبمفهومه: على أنَّ ما دونه ينجس بملاقاة النجاسة وإنْ لم يتغير؛ لأنه -عليه السلام- علَّق عدم التنجُّس ببلوغه قُلتين، والمعلَّق بشرط عدم عند عدمه، فيلزم تغاير الحالين في التنجس وعدمه، والمفارقة بين الصورتين حال التغير منتفية إجماعًا، فتعيَّن أنْ يكون حين ما لم يتغير؛ وذلك ينافي عموم الحديث المذكور، فمَن قال بالمفهوم وجوَّز تخصيص المنطوق به، كالشافعي خصَّص عمومه به، فيكون كل واحد من الحديثين مخصِّصًا للآخر، ومَن لم يُجوِّز ذلك لم يَلتفت إليه، وأجرى الحديث الثاني على عمومه كمالِكٍ، فإنَّه قال: لا يتنجس الماء إلا بالتغير قلَّ أو كثر. تحفة الأبرار (1/ 209-210).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وممن ذهب إلى هذا في تحديد الماء: الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وأبو ثور، وجماعة من أهل الحديث، منهم محمد بن إسحاق بن خزيمة...، وقد يستدل بهذا الحديث مَن يرى سؤر السباع نجسًا؛ لقوله: «وما ينوبه من الدواب والسباع»، فلولا أنَّ شرب السباع منه ينجسه لم يكن لمسألتهم عنه، ولا لجوابه إياهم بهذا الكلام معنى، وقد يحتمل أنْ يكون ذلك من أجل أن السباع إذا وردت المياه خاضتها وبالت فيها، وتلك عادتها وطباعها، وقلَّ ما تخلو أعضاؤها من لوث أبوالها ورجيعها، وقد ينتابها أيضًا في جملة السباع الكلاب وأسْآرها نجسة ببيان السُّنة. معالم السنن (1/36- 37).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
وما قاله ممنوع، وإنَّما الذي دل عليه الحديث: أنَّه إنْ تحقق خَبَث فإن كان الماء قلتين لم ينجس به، أي: إلا إنْ تغير، أو دونها تنجس بمجرد وصوله إليه، وإن لم يتحقق خَبَثٌ فلا نجاسة أصلًا هذا مؤداه، فأي وجه لدلالته على نجاسة سؤر السباع؟ وكون الغالب فيها ذلك لا نظر إليه، للقاعدة المقررة: أنَّه لا عبرة بغلبة النجاسة، بل بأصل الطهارة، وإنْ ضعف ذلك الأصل، وقوي ذلك الغالب. فتح الإله (2/346).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا الحديث اختلف العلماء في متنه وفي سنده...
قوله: «إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمل الخبث» يعني: لم ينجس، فهل هذا على عمومه؟
لا شك أنه ليس على عُمومه بالإجماع؛ لأننا لو أخذنا بعمومه لكان ظاهره أنه لا ينجس سواء تغير أم لم يتغير وهذا خلاف الإجماع، فإن العلماء مجمعون على أن الماء إذا تغير بالنجاسة فهو نجس، وعلى هذا فلا يصح الأخذ بعمومه، فـ «لم ينجس» لنا مفهومه وهو أنه إذا لم يبلغ قُلتين صار نجسًا، وظاهره - ظاهر المفهوم- أنه سواء تغير أم لم يتغير، وحينئذ يكون مخالفًا لحديث أبي أمامة السابق الدال على أنه لا ينجس الماء إلا بالتغير، ودلالة حديث أبي أمامة على أن الماء لا ينجس إلا بالتغير دلالة منطوق، ودلالة حديث ابن عمر هذا دلالة مفهوم، والعلماء يقولون: إذا تعارضت الدلالتان المنطوقية والمفهومية فإنه يقدَّم (أي المنطوق)، على أن المفهوم يكتفى بالعمل به في صورة واحدة: إذا صدق المفهوم في صورة واحدة كفى، فمثلا نقول: مفهومه إذا لم يبلغ قلتين لم يحمل الخبث؛ أي: إذا بلغ قلتين صار نجسًا. فنقول: هذا يعمُّ ما تغير وما لم يتغير، ويكفي أن نقول: إنه محمول على المتغير، وحينئذ نكون قد عملنا بالمفهوم، والمفهوم كما قال أهل الأصول: يكفي في العمل به صورة واحدة.
على كل حال: ما دام الحديث ضعيفًا وعندنا حديث سابق أثري ويؤيده الدليل النظري؛ فإنه لا يعمل به، ويقال: إنه إذا بلغ قلتين وحدثت فيه نجاسة، فإن غيَّرَته فهو نجس مطلقًا، وإن لم تغيره فهو طهور إذا لم يبلغ قلتين، فالحكم كذلك إذا حدثت فيه نجاسة: إن غيَّرته فهو نجس، وإن لم تغيره فهو طهور، ولكن لا شك أنه كلما قلَّ الماء وكبرت النجاسة كان تغير الماء بها أقرب، وحينئذ لا بد أن تسلك سبيل الاحتياط؛ لأنه لا شك أنه لو نزلت نقطة صغيرة بقدر عين الجرادة في ماء يبلغ مثلًا قِربة كاملة فهذا لا يغير على مقتضى هذا الحديث، إذا أخذنا بعموم المفهوم يكون نجسًا، ولكنه لا يكون نجسًا (إذا أخذنا بمنطوق حديث أبي أمامة)، ولو سقطت نجاسة كبيرة فيما دون ذلك لكان تغير الماء بها قويًا.
فأنت أيها المسلم احتط لنفسك، الذي يغلب على ظنك أن النجاسة تكثر فيه لا تستعمله إلا لحاجة، وأما الذي يغلب على ظنك أن النجاسة لا تؤثر فيه أو تأكدت أنها لم تؤثر فيه فلا يهمك أن يكون قليلًا أو كثيرًا، هذا هو الذي تدل عليه الأدلة والقواعد العامة في الشريعة، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. فتح ذي الجلال والإكرام(1/٦٨).
وقال النووي -رحمه الله-:
فإنْ قالوا: يُحمل (هذا الحديث) على (الماء) الجاري، فالجواب: أنَّ الحديث عام، يتناول الجاري والراكد، فلا يصح تخصيصه بلا دليل؛ ولأن توقيته بقلتين يمنع حمله على الجاري عندهم، فإن قالوا: لا يصح التمسك به؛ لأنه متروك بالإجماع في المتغيِّر بنجاسة، فالجواب: أنه عام خُص في بعضه، فبقي الباقي على عمومه، كما هو المختار في الأصول، فإن قالوا: قد روى ابن علية هذا الحديث موقوفًا على ابن عمر، فالجواب: أنه صح موصولًا مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- من طرق الثقات، فلا يضر تفرُّد واحدٍ لم يحفظ، فوَقَفَه. المجموع (1/ 115).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الحديث يدل على أنَّ قدر القلتين لا ينجُس بملاقاة النجاسة، وكذا ما هو أكثر من ذلك بالأولى، ولكنه مخصص أو مقيد بحديث: «إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه» وهو وإن كان ضعيفًا فقد وقع الإجماع على معناه. نيل الأوطار (1/ 48).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- حديث: «الماءُ طهورٌ، لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ»

- فتوى الشيخ ابن باز -رحمه الله- في حكم الماء إذا كان دون القلتين وخالطته نجاسة ولم يتغير.


إبلاغ عن خطأ