الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مسلمٍ يشهد أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسولُ اللهِ، إلا بإحدى ثلاث: الثيِّب الزَّاني، والنَّفسُ بالنفسِ، ‌والتارِكُ ‌لدينِهِ ‌المفارقُ ‌للجماعة».


رواه البخاري برقم: (6878)، ومسلم برقم: (1676)، من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.
ولفظ البخاري: «والمَارق من الدِّين».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الثيِّب»:
رجل ‌ثَيِّبٌ، وامرأةٌ ‌ثيِّبٌ: الذَّكَر والأنثى فيه سواء، قال ابن السكيت: وذلك إذا كانت المرأة قد دُخِلَ بها، أو كان الرجل قد دَخَل بامرأته. الصحاح، للجوهري (1/ 95).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الثيِّب: مَن ليس ببكر، ويقع على الذَّكر والأنثى، رجل ‌ثيِّب وامرأة ‌ثيِّب، وقد يُطلق على المرأة البالغة وإن كانت بكرًا؛ مجازًا واتساعًا...، وأصل الكلمة الواو؛ لأنه من ثاب يثوب إذا رجع، كأنَّ الثيب بصدد العود والرجوع. النهاية (1/ 231).

«الْمَارِقُ»:
الْمُرُوق: سرعة الخروج من الشيء، مَرَقَ الرَّجل من دِينه ومَرق من بيته. لسان العرب، لابن منظور (10/ 341)


شرح الحديث


قوله: «لا يَحِلُّ»:
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«لا يحل» أي: لا يجوز. الفتح المبين (ص310).
قال الشيخ حمزة بن محمد قاسم -رحمه الله-:
أي لا يجوز قتل مسلم يُقِرُّ بالأمرين، وينطق بالشهادتين. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (5/ 342)

قوله: «دَمُ امْرِئٍ مسلمٍ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «دم امرئ مسلم» في رواية الثوري: «دم رجل» والمراد: لا يحل إراقة دمه، أي: كلّه، وهو كناية عن قتله، ولو لم يُرَق دَمُه. فتح الباري (12/ 201).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «امرِئٍ مُسْلِمٍ» التعبير بذلك لا يعني أن المرأة يحل دمها، ولكن التعبير بالمذكَّر في القرآن والسنة أكثر من التعبير بالمؤنث؛ لأن الرجال هم الذين تتوجه إليهم الخطابات، وهم المعنيّون بأنفسهم وبالنساء، وقوله: «مُسْلِمٍ» أي داخل في الإسلام. شرح الأربعين النووية (ص165).

قوله: «يشهد أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسولُ اللهِ»:
قال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وقوله -عليه السلام-: «يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله» كالتفسير لقوله: «مسلم». إحكام الأحكام (2/ 217).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «يشهد أن لا إله إلا الله» هي صفة ثانية؛ ذُكرت لبيان أن المراد بالمسلم هو الآتي بالشهادتين، أو هي حال مقيِّدة للموصوف؛ إشعارًا بأن الشهادة هي العُمدة في حقن الدم. فتح الباري (12/ 201).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «يشهد…» إلخ، إشارة إلى أن المدار على الشهادة الظاهرية، لا تحقق إسلامه في الواقع. الحاشية على سنن الترمذي (2/ 379).

قوله: «إلا بإحدى ثلاث»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إلا ‌بإحدى ‌ثلاث» أي: خصال ثلاث، ووقع في رواية الثوري: «إلا ثلاثة نفر». فتح الباري (12/ 201).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«‌إلا ‌بإحدى ‌ثلاث» أي: عِلَلٍ ثلاث. شرح المصابيح (4/ 117).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «‌إلا ‌بإحدى ‌ثلاث» مفهوم هذا يدل على أنه لا يحلُّ بغير هذه الثلاث، وسيأتي ما يدل على أنه يحل بغيرها، فيكون عموم هذا المفهوم مخصَّصًا بما ورد من الأدلة الدالة على أنه يحل دم المسلم بغير الأمور المذكورة. نيل الأوطار (13/ 10).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «لا يحل دم أمرئ مسلم ‌إلا ‌بإحدى ‌ثلاث» وهو مُشْكِل بما ثبت من قتل البُغاة وشارب الخمر بعد ثلاث إذا رأى الإمام أن يقتله، إلى غير ذلك، والجواب: تعميم بعض هذه الأقسام الثلاثة المذكورة، كـ«التارك لدِينه الْمُفَارِق للجماعة» فإنه كما يصْدُق على المرتد يصدق على الباغي وقاطع الطريق وغيرهما، وليس هذا التعميم وتعدية الحكم في غير المرتد مبنيًا على مجرد القياس حتى يجب كون المعدَّى إليه مساويًا للأصل حتى يصح التعدية، ولا فوقه حتى يثبت الحكم فيه بدلالة النص، بل الحكم في الغير ثابت بنصوص أُخَر مؤيَّدة بالأصول، ومفاد التعميم ههنا ليس إلا التوفيق بين الروايات. الكوكب الدري (2/367، 368).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«لا يحلُّ دم امرئ مسلم ‌إلا ‌بإحدى ‌ثلاث...» وهذا لا يعارض القول بأن الإمام إذا رأى أن يعزِّر أحدًا بالقتل فإن له أن يقتله؛ لأن الإمام لا يقتله إلا إذا كان مستحقًا؛ بأن حصل منه جرم أو ذنب يقتضي ذلك، أما إذا لم يحصل منه شيء، فإنه ليس له أن يقتله، وليس عنده ما يوجب القتل. شرح سنن أبي داود (492/ 7).

قوله: «الثيِّبُ الزَّاني»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
«الثيِّب ‌الزاني» لا يدخل فيه العبيد، وقد اتفق الكوفيون مع مالك أن من شروط الإحصان الموجب للرجم عندهم: الحرية والبلوغ والإسلام؛ فإذا زنى العبد وإن كان ذا زوجة فحدُّه الجلد عندهم. شرح صحيح البخاري (8/ 505).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «الثيب الزاني» إشارة إلى ما أجمع عليه المسلمون من الرجم. إكمال المعلم (5/ 476).
وقال النووي -رحمه الله-:
المراد: رجمه بالحجارة حتى يموت، وهذا بإجماع المسلمين. شرح صحيح مسلم (11/ 165).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «الثيب الزاني» أي: فيحل قتله بالرجم، وقد وقع في حديث عثمان عند النسائي بلفظ: «رجل زنى بعد إحصانه، فعليه الرجم». فتح الباري (12/ 201).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الثيب هنا: المحصَن، وهو اسم جنس يدخل فيه الذكر والأنثى. المفهم (5/ 38).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«والثيب الزاني» يريد به: الزاني المحصن، وهو المكلف الحُرُّ الذي أصاب في نكاح صحيح ثم زنى، فإن للإمام رجمه، وليس لآحاد الناس ذلك، لكن لو قتله مسلم، ففي وجوب القصاص عليه خلاف. تحفة الأبرار (2/ 454).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جماعةٌ من العلماء، وأوجبوا جلدَ الثيب مئة، ثم رجمه، كما فعل عليٌّ بشُراحة الهمدانيةِ، وقال: "جلدتُها بكتاب الله، ورجمتُها بسُنَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، يشير إلى أنَّ كتاب الله فيه جلدُ الزَّانيين من غير تفصيلٍ بيْن ثيِّب وبكر، وجاءت السُّنةُ برجم الثيب خاصة، مع استنباطه من القرآن أيضًا، وهذا القول هو المشهور عن الإمام أحمد -رحمه الله- وإسحاق، وهو قول الحسن وطائفة من السَّلف.
وقالت طائفة منهم: إنْ كان الثَّيِّبان شيخين رُجما وجُلِدا، وإنْ كانا شابَّين رُجِما بغيرِ جلدٍ؛ لأنَّ ذنبَ الشيخِ أقبحُ، لا سيما بالزنى، وهذا قول أبيِّ بن كعبٍ، وروي عنه مرفوعًا، ولا يصحُّ رفعه، وهو رواية عن أحمد وإسحاق أيضًا. جامع العلوم (ص294).

قوله: «والنَّفسُ بالنفسِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«النفس» أي: اقتصاص النفس «بالنفس». شرح المصابيح (4/ 117).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «النفس بالنفس» أي: مَن قتل عمدًا بغير حق قُتل بشرطه، ووقع في حديث عثمان: «قتل عمدًا فعليه القود» وفي حديث جابر عند البزار: «ومَن قتل نفسًا ظلمًا». فتح الباري (12/ 201).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«والنفس» يجوز تذكيرها وتأنيثها «بالنفس» بشروطه المقررة في محلها، منها: أن يكون القتل عمدًا محضًا...، ومنها: أن يكون القتيل معصومًا بإسلامٍ أو بأمان بذمةٍ أو غيرها، أو بضربِ رِقٍّ على كافر، ومنها: أن يكون القاتل مكلفًا، ملتزمًا لأحكام الإسلام، ومنها: مكافأة المجني عليه للجاني من أول أجزاء الجناية رميًا أو جرحًا إلى الموت، فلا يُقتل فاضلٌ بمفضول، بخلاف عكسه. الفتح المبين (ص312).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«النفس بالنفس» أي: يحلُّ قتل النفس قصاصًا بالنفس الذي قتله عدوانًا، وهو مخصوص بولي الدم، لا يحل قتله لأحد سواه، حتى لو قتله غيره لزمه القصاص. تحفة الأبرار (2/ 454).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «النفس بالنفس» موافق لقوله تعالى: {وَكَتَبنَا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ} المائدة: 45، ويعني به: النفوس المتكافئة في الإسلام، والحرية؛ بدليل قوله: «لا يُقتل مسلم بكافر» خرَّجه البخاري عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وهو حجة للجمهور من الصحابة، والتابعين على مَن خالفهم وقال: يقتل المسلم بالذمي، وهم أصحاب الرأي، والشعبي، والنخعي، ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قتَل يوم خيبر مسلمًا بكافر»؛ لأنه منقطع، ومن حديث ابن البيلماني، وهو ضعيف...، وأما الحرية فشرط في التكافؤ، فلا يُقتل حر بعبد عند مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو قول الحسن، وعطاء، وعمرو بن دينار، وعمر بن عبد العزيز...، وذهبت طائفة أخرى: إلى أنه يُقتل به، وإليه ذهب سعيد بن المسيب، والنخعي، والشعبي، وقتادة، والثوري، وأصحاب الرأي...، وذهب النخعي، والثوري في أحد قوليه: إلى أنه يقتل به وإن كان عبدَه. المفهم (5/38، 39).

قوله: «‌والتارِكُ ‌لدينِهِ ‌المفارقُ ‌للجماعة»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «التارك لدِينه المفارق للجماعة» عامٌّ في كل مفارق للإسلام بأي ردة كانت بيِّنة. إكمال المعلم (5/476، 477).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
والمراد بالجماعة: جماعة المسلمين، أي: فارقهم، أو تركهم بالارتداد، فهي صفة للتارك أو المفارق لا صفة مستقلة، وإلَّا لكانت الخصال أربعًا. فتح الباري (12/200، 202).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«التارك للجماعة» أي: الإجماع. شرح المصابيح (4/ 118).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«والتارك لدينه» وهو الإسلام؛ لأن الكلام في المسلم، على أنَّ في رواية لمسلم: «التارك للإسلام» بأن يقطعه عمدًا، أو استهزاءً بالدين، ويحصل باطنًا باعتقاده ما يوجب الكفر وإن لم يُظهره، وظاهرًا إما بفعلٍ كالسجود لمخلوقٍ، أو ذبحٍ على اسمه؛ تقربًا إليه، وطرح نحو قرآنٍ، أو حديثٍ، أو علمٍ شرعي على مستقذَرٍ، ولو طاهرًا كبُزَاقٍ، أو طَرَحَ المستقذَر عليه، وطرح فتوى علمٍ على أرضٍ مع قوله: أي شيءٍ هذا الشرع؟! وإما بقولٍ مع اعتقادٍ أو عنادٍ أو استهزاءٍ، وتفصيل ذلك في كتب الفروع. الفتح المبين (ص313).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «التارك لدِينه» يعني به: المرتد؛ الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من بدل دينه فاقتلوه»، وهذا الحديث يدل: على أن المرتد الذي يُقتل هو الذي يبدِّل بدين الإسلام دين الكفر؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- استثناه من قوله: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، ثم ذكرهم، وذكر منهم: «التارك لدينه»، وقوله: «المفارق للجماعة» ظاهره: أنه أتى به نعتًا جاريًا على «التارك لدينه»؛ لأنه إذا ارتد عن دين الإسلام فقد خرج عن جماعتهم، غير أنه يَلحق بهم في هذا الوصف كلُّ مَن خرج عن جماعة المسلمين، وإن لم يكن مرتدًا، كالخوارج، وأهل البدع إذا منعوا أنفسهم من إقامة الحد عليهم، وقاتلوا عليه، وأهل البغي، والمحاربون، ومن أشبههم؛ فيتناولهم لفظ: «المفارق للجماعة» بحكم العموم، وإن لم يكن كذلك لم يصح الحصر المذكور في أول الحديث الذي قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، فلو كان «المفارق للجماعة» إنما يعني به: المفارقة بالردة فقط لبَقي مَن ذكرناه من المفارِقين للجماعة بغير الردة لم يدخلوا في الحديث، ودماؤهم حلال بالاتفاق، وحينئذ لا يصح الحصر، ولا يصدق، وكلام الشارع منزَّه عن ذلك؛ فدلَّ على أن ذلك الوصف يعم جميع ذلك النوع -والله تعالى أعلم-، وتحقيقه: أن كل من فارق الجماعة يصدق عليه: أنه بدَّل دِينه، غير أن المرتد بدَّل كلَّ الدِّين، وغيره من المفارقين بدل بعضه. المفهم (5/ 40).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا:
وفيه مناقشة؛ لأن أصل الخصلة الثالثة الارتداد، فلا بد من وجوده، والمفارق بغير ردة لا يسمى مرتدًا؛ فيلزم الخلف في الحصر، والتحقيق في جواب ذلك: أن الحصر فيمن يجب قتله عينًا، وأما مَن ذكرهم فإن قتْل الواحد منهم إنما يباح إذا وقع حال المحاربة والمقاتلة، بدليل أنه لو أُسِر لم يجز قتله صبرًا، اتفاقًا في غير المحاربين، وعلى الراجح في المحاربين أيضًا. فتح الباري (12/ 202).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «المفارق للجماعة» حُجة على قتل الخوارج، وأهل البدع وغيرهم، وقتلهم إذا منعوا أنفسهم من إقامة الحق عليهم، وقاتلوا على ذلك، وفي قتال أهل البغي وقتلهم، وفي كل خارج على الجماعة، كان خروجه كفرًا أو غيره. قال القابسي: يحتمل أن يكون خروجه خروجًا يترك به الجماعة أو يبغي عليها، فيُقاتَل على ذلك حتى يفيء إلى دينه وإلى الجماعة، وليس بكافر. ويمكن أن يكون خروجه كفرًا أو ردة. إكمال المعلم (5/ 477).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «والتارك لدينه المفارق للجماعة»...، قال العلماء ويتناول أيضًا كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي أو غيرهما، وكذا الخوارج، والله أعلم.
واعلم أن هذا عام يُخَصُّ منه الصائل ونحوه، فيباح قتله في الدفع، وقد يجاب عن هذا: بأنه داخل في المفارق للجماعة، أو يكون المراد لا يحل تعمد قتله قصدًا إلا في هذه الثلاثة، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (11/ 165)
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«والمارق لدينه» (كما في رواية) يريد به: التارك الخارج عنه، من المروق: وهو الخروج، ومنه: المَرَق، وهو الماء الذي يخرج من اللحم عند الطبخ، وهو مهدر في حق المسلمين، لا قصاص على من قتله، وفيما إذا قتله ذِمِّيٌّ خلاف. تحفة الأبرار (2/ 454).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
والمرادُ بـ(مفارقةِ الجماعةِ) مفارقةُ جماعةِ الإسلام، ولا يكون ذلك إلا بالكفر، لا بالبغي، والابتداع، ونحوهما؛ فإنَّه وإن كان في ذلك مخالفةٌ للجماعة، فليس فيه تركٌ للدين؛ إذ المرادُ التركُ الكُلِّي، ولا يكون إلا بالكفر، لا مجرَّدَ ما يصدق عليه اسمُ الترك، وإن كان لخصلةٍ من خصالِ الدين؛ للإجماع على أنَّه لا يجوز قتلُ العاصي بترك أيِّ خصلةٍ من خصالِ الإسلام، اللهمَّ إلا أن يُراد أنَّه يجوز قتلُ الباغي ونحوه؛ دفعًا لا قصدًا، ولكن ذلك ثابتٌ في كلِّ فردٍ من الأفراد، فيجوز لكلِّ فردٍ من أفراد المسلمين أن يقتل مَن بغى عليه مريدًا لقتله، أو أخذَ مالِه.
ولا يخفى أنَّ هذا غيرُ مرادٍ من حديثِ الباب، بل المرادُ بالتركِ للدينِ والمفارقةِ للجماعةِ الكفرُ فقط، كما يدلُّ على ذلك قوله في الحديث الآخر: «أو كفرَ بعدما أسلم»، وكذلك قوله: «أو رجلٌ يخرج من الإسلام». نيل الأوطار (13/ 11).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
المراد بالجماعة: جماعة المسلمين، وإنما فراقهم بالردة عن الدين؛ وهو سبب لإباحة دمه بالإجماع في حق الرجل، واختلف الفقهاء في المرأة: هل تُقتل بالردة، أم لا؟ ومذهب أبي حنيفة: لا تُقتل ومذهب غيره: تُقتل، وقد يؤخذ من قوله: «المفارق للجماعة» بمعنى: المخالف لأهل الإجماع، فيكون مُتمسَّكًا لمن يقول: مخالف الإجماع كافر، وقد نُسب ذلك لبعض الناس، وليس ذلك بالهين...، فالمسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع، كوجوب الصلاة مثلًا، وتارة لا يصحبها التواتر، فالقسم الأول: يكفر جاحده؛ لمخالفته المتواتر، لا لمخالفته الإجماع، والقسم الثاني: لا يكفر به. إحكام الأحكام (2/ 218).
وقال الطوفي -رحمه الله-:
فإن قيل: النبي -صلى الله عليه وسلم- استثنى الزاني والقاتل والمرتد من المسلم، واستثناء الزاني والقاتل منه ظاهر؛ لأن الزنا والقتل لا يخرجهما عن الإسلام، أما المرتد فاستثناؤه من المسلم مُشْكل؛ لأنه بالردة يصير كافرًا، واستثناء الكافر من المسلم لا يجوز.
فالجواب: أنه استُثني من المسلم باعتبار ما كان قبل ردته مسلمًا خصوصًا وعلاقة الإسلام مرتبطة به، بدليل أنه لا يُقتل حتى يستتاب ثلاثًا؛ ولهذا قال بعضهم: لا يجوز أن يشتري الكافر مرتدًا؛ لبقاء عُلقة الإسلام، وأكثر ما في هذا الجواب الجمع بين حقيقة المسلم وبين مجازه في جملة واحدة، وهي مسألة خلاف، والظاهر جوازه خصوصًا إذا اقتضاه دليل. التعيين (1/ 129).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
اختلف الفقهاء -أيضًا- في المرتدة؛ فقال مالك، والأوزاعي، وعثمان البتي، والشافعي، والليث بن سعد: تُقتل المرتدة كما يقتل المرتد سواء، وهو قول إبراهيم النخعي، وحجتهم ظاهر هذا الحديث؛ لأنه لم يخص ذكرًا من أنثى، و«مَن» تصلح للواحد والاثنين والجمع، والذكر والأنثى، وقال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ كفر بعد إيمان» فعَمَّ كلَّ مَن كفر بعد إيمانه.
وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا تُقتل المرتدة، وهو قول ابن شبرمة، وإليه ذهب ابن عُلية، وقال ابن شبرمة: إن تنصَّرت المسلمة فتزوَّجها نصراني جاز، وحُجة من قال: لا تُقتل المرتدة: أن ابن عباس روى هذا الحديث وقال: لا تُقتل المرتدة، ومن روى حديثًا كان أعلم بتأويله، وقول ابن عباس في ذلك رواه الثوري، وأبو حنيفة، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس. التمهيد (3/ 711).
قال ابن العربي -رحمه الله-:
قال علماؤنا: إن أسباب القتل عشرة بما ورد من الأدلة؛ إذ النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما يخبر عما وصل إليه من العلم عن الباري -سبحانه وتعالى-، وهو يمحو ما يشاء ويُثبت، وينسخ ويقدِّر. القبس (ص622).
وقال ابن رجب -رحمه الله- عادًّا الصور المستثناة:
ويستثنى من عموم قوله تعالى: {النَّفسَ بِالنَّفسِ} المائدة: 45، صور:

منها: أن يَقتل الوالد ولده، فالجمهور على أنه لا يقتل به...
ومنها: أن يَقتل الحرُّ عبدًا، فالأكثرون على أنه لا يقتل به...
ومنها: أن يَقتل المسلمُ كافرًا، فإن كان حربيًّا لم يقتل به بغير خلاف؛ لأن قتل الحربي مباح بلا ريب، وإن كان ذميًّا أو معاهدًا، فالجمهور على أنه لا يُقتل به أيضًا...
ومنها: من أتى ذات مَحْرَمٍ، وقد روي الأمر بقتله...
ومنها الساحر: ففي الترمذي مرفوعًا: «حَدُّ الساحر ضربة بالسيف»، وذكر أن الصحيح وقفه على جندب...
ومنها: قتل من وقع على بهيمة، وقد ورد فيه حديث مرفوع، وقال به طائفة من العلماء.
ومنها: مَن ترك الصلاة، فإنه يُقتل عند كثير من العلماء مع قولهم: إنه ليس بكافر.
ومنها: قتلُ شارب الخمر في المرة الرابعة، وقد ورد الأمر به عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من وجوه متعددة، وأخذ بذلك عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره، وأكثر العلماء على أن القتل انتسخ...
ومنها: ما رُوي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إذا بُويع لخَليفتين، فاقتلوا الآخر منهما» خرجه مسلم من حديث أبي سعيد، وقد ضعف العقيلي أحاديث هذا الباب كلها، ومنها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، فأراد أن يشقَّ عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه»، وفي رواية: «فاضربوا رأسه بالسيف كائنًا من كان» وقد خرَّجه مسلم أيضًا من رواية عرفجة.
ومنها: مَن شهر السلاح، فخرَّج النسائي من حديث ابن الزبير، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن شهر السلاح ثم وضعه، فدمه هدر»، وقد روي عن ابن الزبير مرفوعًا وموقوفًا، وقال البخاري: إنما هو موقوف، وسئل أحمد عن معنى هذا الحديث، فقال: ما أدري ما هذا...، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه قال: «من قُتل دون ماله فهو شهيد»...
ومنها: قَتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للكفار على المسلمين، وقد توقف فيه أحمد، وأباح قتله طائفة من أصحاب مالك، وابن عقيل من أصحابنا (الشافعية)، ومن المالكية من قال: إنْ تكرَّر ذلك منه، أبيح قتله...
ومنها: ما خرجه أبو داود في المراسيل من رواية ابن المسيب: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن ضَرب أباه فاقتلوه»، ورُوي مسندًا من وجه آخر لا يصح، وأعلم أنَّ مِن هذه الأحاديث المذكورة ما لا يصح ولا يعرف به قائل معتبر، كحديث: «من ضَرب أباه فاقتلوه»، وحديث: «قتل السارق في المرة الخامسة»، وباقي النصوص كلها يمكن ردها إلى حديث ابن مسعود؛ وذلك أن حديث ابن مسعود تضمن أنه لا يُستباح دم المسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: إما أن يَترك دِينه ويفارق جماعة المسلمين، وإما أن يزني وهو محصَن، وإما أن يَقتل نفسًا بغير حق، فيؤخذ منه أنَّ قتل المسلم لا يستباح إلا بأحد ثلاثة أنواع: ترك الدين، وإراقة الدم المحرَّم، وانتهاك الفَرْجِ المحرَّم، فهذه الأنواع الثلاثة هي التي تبيح دم المسلم دون غيرها. جامع العلوم (295-307).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وفي الحديثِ أحكامٌ: منها: أنَّ المسلمَ لا يصير مسلمًا إلا بالتلفُّظ بالشهادتين؛ فإنَّه -صلى الله عليه وسلم- جعلهما كالتفسير والوصف للمسلم، وذلك لا يُعرف إلا بالتلفُّظ والاتِّصاف.
ومنها: عِصمةُ دمِ المسلم، إلا فيما ذُكر.
ومنها: وجوبُ القصاص في النَّفس بشرطه.
ومنها: إباحةُ دمِ الزاني المُحصَن بصفته المعروفة في الأحاديث الصحيحة، وهو الرجمُ بالحجارة.
ومنها: إباحةُ دمِ المرتدِّ بشرطه في الرجل، واختلف في المرأة...
ومنها: استدلالُ أصحابِ أبي حنيفة على أنَّ المسلمَ يُقتل بالذمي، ويُقتل الحرُّ بالعبد؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «والنفسُ بالنفس...».
ومنها: أنَّ مخالفَ الإجماع يكفر، فيُقتل، وهو قولُ العلماء المتقدِّمين، ومعناه: إذا خالفه معتقدًا جوازَ مخالفته...
ومنها: ما استدلَّ به شيخُ والدِ شيخِنا الإِمامِ أبي الفتح الإِمامِ الحافظ، أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي -رحمه الله تعالى-، على أنَّ تاركَ الصلاة لا يُقتل بتركها.العدة في شرح العمدة(3/ 1401–1403).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فيه: دليل على إطلاق العِصمة لكل مَن شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فأما الاستثناء بعد هذا الإطلاق لمن ذُكر: بأن يزني الإنسان بعد إحصانه، ويَقتل نفسًا معصومة فيهتك عصمة الله، فأبيح منه ما كان معصومًا. الإفصاح (2/ 30).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
في الحديث: دليل لمن زعم أنه لا يُقتل أحد دخل في الإسلام بشيء سوى ما عدد كترك الصلاة. تحفة الأبرار (2/ 455).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وفيه: دليل على أنه لا يُقتل الكافر الأصلي؛ لطلب إيمانه، بل لدفع شره. سبل السلام (7/ 6).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:... أن الخروج على الإمام بعد بيعته ونبذ الطاعة؛ يجعل الإمام بالخيار في قتل الخارج أو صَلبه أو نفيه، إلا إذا قَتَل أو ارتد، فإنه يُقتل. فقه الإسلام (8/ 129).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ومن فوائد الحديث: الحث التام على الالتئام، يؤخذ مِن كون مفارقة الجماعة سببًا للقتل، ولا شك أن التئام الأمَّة واجتماع كلمتها يوجب التآلف في القلوب والاتحاد، ويوجب الهيبة في قلوب الأعداء، وإذا تغلغل التفرق بين الأمَّة اختلت الأمة ونزعت هيبتها من الأمم ولم تساوي فلسًا. فتح ذي الجلال والإكرام (5/ 222).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

- حديث: «أُمرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ ...»

-فتوى اللجنة الدائمة في بيان الحكمة الشرعية من عقوبة قتل المرتد والرد على دعاوى التشدد.


إبلاغ عن خطأ