الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«بَعث إليَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشاةٍ من الصَّدقة، فبَعثْتُ إلى عائشة منها بشيء، فلمَّا جاء رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى عائشة قال: هل عندكُم شيء؟ قالت: لا، إلَّا أنَّ نُسيبة بعثَت إلينا من الشَّاة التي بَعثتُم بها إليها، قال: ‌إنها ‌قد ‌بَلَغَتْ ‌مَحِلَّها».


رواه البخاري برقم: (1494)، ومسلم برقم: (1076)، واللفظ له، من حديث أُم عطية نُسيبة بنت كعب -رضي الله عنها-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (1446): «هَاتِ، ‌فقد ‌بَلَغَتْ ‌مَحِلَّهَا».
وفي رواية لمسلم برقم: (1073) «إن جويرية زوج النبي -صلَّى الله عليه وسلم- أخبرته أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- دخل عليها فقال: هل مِن طعام؟ قالت: لا والله يا رسول الله، ما عندنا طعام، إلا ‌عَظم ‌من ‌شاة أُعْطِيَتْه مولاتي من الصدقة، فقال: قرِّبيه فقد بلَغت محِلَّها».
وفي رواية عند البخاري برقم: (1493)، ومسلم برقم: (1075)، من حديث عائشة -رضي الله عنها- وأتي النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- بلحم، فقُلت: هذا ما ‌تُصُدِّقَ به على بريرة، فقال: «هو لها صدَقة، ولنا هدية».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«‌بلغَت مَحِلَّها»:
أي: موضعها ومستحقها. مشارق الأنوار، للقاضي عياض(1/ 195).


شرح الحديث


قولها: «بَعث إليَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشاة من الصدقة»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«بعث إليَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشاة من الصدقة» أي: من الزكاة. الكوكب الوهاج (12/ 317).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف العلماء في قدر ما يجوز أن يُعطى الإنسان من الزكاة، فذكر ابن القصار عن مالك أنه قال: يُعطى الفقير من الزكاة قدر كفايته وكفاية عياله، ولم يبيِّن مقدار ذلك لمدة معلومة، وعندي أنه يجوز أن يعطيه ما يغنيه حتى يجب عليه ما يزكى، قال المهلب: قد بين المدة في رواية علي، وابن نافع في المجموعة، قال مالك: يعطى الفقير قوت سنته، ثم يزيده للكسوة بقدر ما يرى من حاجته، وقال أبو حنيفة: أكره أن يُعطى إنسان واحد من الزكاة مائتي درهم، فإن أعطيته أجزأك، وقال المغيرة: لا بأس أن يعطيه من الزكاة أقل مما تجب فيه الزكاة، ولا يعطى ما تجب فيه الزكاة، وقال الثوري، وأحمد بن حنبل: لا يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين درهمًا إلا أن يكون غارمًا، وقال الشافعي: يعطى من الزكاة حتى يغنى ويزول عنه اسم المسكنة، ولا بأس أن يعطى الفقير الألف، وأكثر من ذلك؛ لأنه لا تجب عليه الزكاة إلا بمرور الحول، وهو قول أبي ثور، وقال ابن حبيب: لا بأس أن يعطي من زكاة غنمه للرجل شاة، ولأهل البيت الشاتين، والثلاث، وإذا كثرت الحاجة فلا بأس أن يجمع النفر في الشاة. شرح صحيح البخاري (3/443، 444).

قولها: «فبَعثْتُ إلى عائشة منها بشيء»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فبعثْتُ إلى عائشة» أم المؤمنين «منها» أي: من لحمها «بشيء» قليل. الكوكب الوهاج (12/ 317).

قولها: «فلما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى عائشة قال: هل عندكم شيء؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فلما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى» بيت «عائشة قال» لها: «هل عندكم شيء» من طعام. الكوكب الوهاج (12/ 317).

قوله: «قالت: لا، إلَّا أنَّ نسيبة بعثَت إلينا من الشاة التي بَعثتُم بها إليها»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قالت» له عائشة: «لا» أي: ليس عندنا شيء من طعام تأكله «إلا أن نسيبة» بضم النون وفتح السين المهملة مصغرًا، وبفتح النون وكسر السين مكبرًا، أي: لكن نُسيبة بنت كعب الأنصارية «بعثت إلينا من» لحم «الشَّاة التي بعثتم بها إليها» شيئًا إن كنت تأكله. الكوكب الوهاج (12/ 317).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إِلَّا أَن نسيبة بَعَثَتْ إلينا من الشاة التي بعثتم» هكذا معظم النسخ، وفي بعضها: «بَعَثتَ» بإفراد المخاطب؛ أي بعثت بها أنت «بِها» أي: بتلك الشاة «إليها» أي: إلى نُسيبة. البحر المحيط الثجاج (20/ 350).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«نُسيبة» بضم النون وفتح المهملة وسكون التحتانية على الأصح، وهي اسم أم عطية المذكورة (راوية الحديث -رضي الله عنها-). الكواكب الدراري (8/ 38).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
نقل ابن بطال اتفاق الفقهاء على عدم دخول الزوجات في ذلك (أي: في تحريم الصدقة)، وفيه نظر؛ لأن ابن قدامة ذكر أن الخلال أخرج من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة أنها قالت: «إنا آل محمد لا تحِلُّ لنا الصَّدقة» قال: وهذا يدل على تحريمها، قال الحافظ: وإسناده إلى عائشة حسن، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، وهذا يقدح فيما نقله ابن بطال، وذكر ابن المنير أنها لا تحرم الصدقة على الأزواج قولًا واحدًا.
ولا يُقال: إن قول البعض بدخولهن في الآل يستلزم تحريم الصدقة عليهن، فإن ذلك غير لازم. نيل الأوطار (8/ 187).

قوله: «قال: ‌إنها ‌قد ‌بَلَغَتْ ‌مَحِلَّها»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«الْمَحِلّ» -بكسر الحاء-: موضع الحلول والاستقرار. البحر المحيط الثجاج (20/ 336).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«قد ‌بلغت ‌محلها»...، المعنى: أنه قد حصل المقصود منها، من ثواب التصدق، ثم صارت مِلكًا لمن وصلت إليه. كشف المشكل (4/ 437).
وقال الأصبهاني -رحمه الله-:
قوله: «قد ‌بلغت ‌محلها»...أي: مكانًا تحل لنا فيه. شرح صحيح البخاري (3/ 388).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«هاتِ (كما في لفظ) فقد بَلَغَتْ مَحِلَّها» أي: قد صارت حلالًا بانتقالها من باب الصدقة إلى باب الهدية، وهو مثل قوله في لحم بريرة الذي أهدته لعائشة: «هو عليها صدقة، ولنا هدية». شرح صحيح البخاري (3/ 444).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ويحتمل أن يكون أراد: بلغَت موضعها الذي قدَّر الله أن تؤكل فيه، فهو محلها؛ وهو من الوجه الأول، أنها بلغت حالًا حل له فيها أكلها.
ويحتمل أن يكون أراد: قد بلغت الحاجة محلها، فنحن نأكل الرجل وغير الرجل لحاجتنا إلى ذلك -والله أعلم بما أراد بقوله ذلك-. التمهيد (3/ 522).
وقال الباجي -رحمه الله-:
فإذا ‌بلغت ‌محلها، وصارت بيد من تُصدِّق بها عليه، جاز أن يهديها إليه مَن قَبضَها وتصدق بها عليه، أو يبيعها منه، أو يصيرها إليه بغير وجه الصدقة.
ولو كان ما تصدق به مرة ثبت له حكم الصدقة أبدًا لما جاز للفقير إذا تُصُدِّق عليه بشيء أن يبيعه من غني، بل لا خلاف بين المسلمين أنها تنتقل عن حكم الصدقة إلى حكم البيع، والهبة، والميراث، فيرثها الغني عن مُورِّثه الفقير، وتصير إليه عنه بالهبة، وغير ذلك من أنواع التمليك، ولا يكون لشيء من ذلك حكم الصدقة، وإنما له حكم الوجه الذي نقل آخرًا -وبالله تعالى التوفيق-. المنتقى (4/ 56).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال بعض العلماء: لما كانت الصَّدقة يجوز فيها التصرف للفقير بالبيع والهبة؛ لصحة ملكه لها، وأهدتها نسيبة وبريرة إلى عائشة، حُكِم لها بحكم الهبة، وتحولت عن معنى الصدقة بملك المتصدق عليه بها، وانتقلت إلى معنى الهدية الحلال للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وإنما كان يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة؛ لِما في الهدية من تألُّف القلوب والدعاء إلى المحبة، وجائز أن يثيب عليها بمثلها وأفضل منها؛ فترتفع المنة والذلة، ولا يجوز ذلك في الصدقة، فافترق حكمهما لافتراق المعنى فيهما. شرح صحيح البخاري (3/ 546).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
«محِلَّها» بفتح الميم وكسر الحاء، اسم مكان على زِنَةِ مَفْعِل؛ لأنه مشتق من حَلَّ يحُل؛ إما بمعنى استقر في المكان، فيكون استعار بلوغ مكان الحلول لحصول المقصود من العمل بجامع انتهاء السعي في الحالين على وجه التمثيل، أي: قد تم مقصد المتصدق، وبلغت صدقته إلى المتصدق عليه، فلا أثر لها فيما بعد ذلك.
ويحتمل أنه من حَلَّ يحِل ضد حرم، ويكون المراد به: الجواز والإجزاء، أي: قد بلغت ما يتم به إجزاؤها وجوازها، فيكون فيه استعارة اسم مكان الحل إلى مصدره؛ تشبيهًا لقوة التمكن بحلول الشيء في المكان على نحو ما قيل في قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدىً} البقرة: 5، أي: قد تم إجزاء الصدقة وجوازها، والذي بعد ذلك أمر آخر. النظر الفسيح (ص48).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
تحقيق هذا: أن الأحكام الإلهية منوطة بالأشياء باعتبار أحوالها، لا بذواتها من حيث هي، كالأحكام المنوطة بالرِّق والحرية، وإن كان الكل أولاد آدم، والخمر والدبس والعصير، وإن كان الكل ماء العنب.
فإن قلت: الصدقة أوساخ، ولا شكَّ أن المعنى موجود في لحم الشاة؟ قلت: زال عنه ذلك بعد وصف الهدية، ألا ترى أن الذكاة تحلل اللحم والخنق يحرمهُ؛ مع أن الشاة بعينها، فتأمل. الكوثر الجاري (3/ 443).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إنها ‌بلغت ‌مَحِلّها» قال صاحب تكملة فتح الملهم: وهذا (الجواز) إذا دخل الشي في ملك الواهب، أما إذا لم يدخل في مِلكه فلا يسعه أن يهبه لغيره، ولا يحلّ لذلك الغير أن يأخذه منه، فبطل بذلك ما استدلّ به بعض جهلة عصرنا على جواز قبول الهدية من آكل الربا، فإن الربا لا يدخل في ملكه، فكيف يصحّ هبته؟ فليُتنبّه. البحر المحيط الثجاج (26/ 552).

قوله في الرواية الأخرى: «... والله يا رسول الله، ما عندنا طعام، إلا ‌عظم ‌من ‌شاة أُعْطِيَتْه مولاتي من الصدقة، فقال: قرِّبيه فقد بَلغَت محلها»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «والله يا رسول الله ما عندنا طعام» يؤكل «إلا ‌عظم ‌من ‌شاة أعطيته» بالبناء للمجهول، أي: أُعطيت «مولاتي» ذلك العظم، أو ما ذكرت من الشاة «من الصدقة» ولم أر من ذكر اسم مولاتها، وفيه: جواز الصدقة لموالي أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم. الكوكب الوهاج (12/ 311).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ما عندنا من طعام إلا ‌عظم ‌من ‌شاة» أي: عظم بلحمه، وليس المقصود: عظمًا بدون لحم، «أُعْطِيَتْه مولاتي من الصدقة» أي: أعطيته من الصدقة جاريتي ومعتوقتي «قرِّبيه، فقد بلغت محلها» أي: قرِّبيه لآكله: فقد زال عنه حكم الصدقة، وصار حلالاً لنا. فتح المنعم (4/ 471).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم- لجويرية: «قرِّبيه» إنما قال ذلك فيه؛ لعلمه بطيب قلب المولاة بذلك، أو تكون المولاة قد أهدت ذلك لجويرية، كما جاء في حديث بريرة. المفهم (3/ 130).
وقال الأصبهاني -رحمه الله-:
فيه (أي: الحديث): دليل أن حكم المال يتغير من انتقال الملك، فحين كانت صدقة، كانت محرَّمة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلمَّا صارت هدية حلَّت له. التحرير (ص162).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
وفيه: دليل للقول بأن للمرأة أن تعطي زكاتها زوجها، وأن ينفق عليها من ذلك؛ لأنها ‌بلغت ‌محلها.
ووجه المشهور من المذهب (المالكي) في منع ذلك: أنه إنما منعه إذا كان بشرطٍ، أو عادةٍ تنزلُ منزلة الشرط، فكأنه بالحقيقة ما أخرجَ من يده شيئًا، وحديثُ أم عطية هذا لم يكن فيه شرط، ولا يثبت فيه عادة؛ فلهذا كان الخَطْبُ فيه يسيرًا. مصابيح الجامع (5/ 455).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفيه: دليل للشافعي وموافقيه أن لحم الأضحية إذا قبضه المتصدق عليه وسائر الصدقات، يجوز لقابضها بيعها، ويحل لمن أهداها إليه أو ملكها منه بطريق آخر، وقال بعض المالكية: لا يجوز بيع لحم الأضحية لقابضها. شرح صحيح مسلم (7/ 182).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
استنبط البخاري من قصة بريرة وأم عطية: أن للهاشمي أن يأخذ من سَهم العاملين إذا عمل على الزكاة، وذلك أنه إنما يأخذ على عمله، قال: فلما حل للهاشمي أن يأخذ ما يملكه بالهدية مما كان صدقة لا بالصدقة، كذلك يحل له أخذ ما يملكه بعمله لا بالصدقة.
واستُدِلَّ به أيضًا على جواز صدقة التطوع لأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنهم فرقوا بين أنفسهم وبينه -صلى الله عليه وسلم-، ولم ينكر عليهم ذلك، بل أخبرهم أن تلك الهدية بعينها خرجت عن كونها صدقة؛ بتصرف المتصدَّق عليه فيها. فتح الباري (3/ 357).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال الطحاوي: في حديث أم عطية، وحديث بريرة: دليل على أنه يجوز للهاشمي أن يُستعمَل على الصدقة، ويأخذ جُعْلَه على ذلك، وقد كان أبو يوسف يكره ذلك إذا كانت جعالتهم منها، قال: لأن الصدقة تخرج من ملك المتصدق إلى غير الأصناف التي سماها الله، فيملك المصدق بعضها وهي لا تحل له، واحتج بحديث أبي رافع: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا، حتى أستأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأتاها فذكر ذلك له، فقال: «إن آل محمد لا تحل لهم الصَّدقة، وموالى القوم من أنفسهم». شرح صحيح البخاري (3/ 546).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ويستنبط من هذه القصة: جواز استرجاع صاحب الدَّين من الفقير ما أعطاه له من الزكاة بعينه...، وهذا كله فيما لا شرط فيه -والله أعلم-. فتح الباري (5/ 205).
وقال العيني -رحمه الله-:
وفيه: بيان أن الأشياء المُحرَّمة لعلل معلومة إذا ارتفعت عنها تلك العلل، حَلَّت، وأن التحريم في الأشياء ليس لعينها. نخب الأفكار (7/ 542).

وينظر فتوى الشيخ خالد المشيقح -حفظه الله- في حكم دفع الزكاة لبني هاشم عند منعهم من خُمس الخُمس.


إبلاغ عن خطأ