«لَيَكُونَنَّ من أُمَّتي أقوامٌ يستحِلُّون الحِرَ والحريرَ والخمرَ والمعازفَ، ولَيَنْزِلَنَّ أقوامٌ إلى جَنب عَلَمٍ يَروحُ عليهم بِسارِحةٍ لهم، يأتيهم -يعني الفقير-؛ لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللهُ، ويَضَعُ العَلَمَ، ويَمسخُ آخرين قِردةً وخنازير إلى يوم القيامة».
رواه البخاري برقم: (5590)، من حديث أبي عامر، أو أبي مالك الأشعري.
ورواه أبو داود برقم: (4039)، بلفظ: «لَيَكُونَنَّ من أمَّتي أقوام يستحِلُّون الخَزَّ والحرير...» وذكر كلامًا بدون ذكر المعازف والخمر، وقال: "الخَز" بدل "الحر".
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«أقوام»:
(القوم) الرجال دون النساء، لا واحد له من لفظه... وجمع القوم: أقوام وجمع الجمع: أقاوم وأقائم. والقوم يذكَّر ويؤنَّث. مختار الصحاح (ص: 262).
«يستحِلُّون»:
استحلَّ الشيءَ: أي: عدَّه حلالًا. شمس العلوم، لنشوان الحميري (3/ 1303).
قال الرازي -رحمه الله-:
والتحليل: ضد التحريم، وقد حلَّله تحليلًا وتَحِلَّة، كقولك: عزَّزه تعزيزًا وتَعِزَّة، وقولهم: فَعَلَه تَحِلَّة القسم، أي: فعله بقدر ما حلَّت به يمينه، ولم يبالغ. مختار الصحاح (ص79).
«الحِرَ»
الحِرَ: بكسر حاءٍ، وخِفَّة راء، مهملتين: الفَرْج...، يريد به كثرة الزنا. مجمع بحار الأنوار، للفتني (1/ 478).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«الحِرَ» هكذا ذكره أبو موسى في حرف الحاء والراء، وقال: الحِرَ بتخفيف الراء: الفَرْج، وأصله: حِرْح بكسر الحاء وسكون الراء، وجمعه أَحْرَاح، ومنهم من يشدِّد الراء، وليس بجيد، فعلى التخفيف يكون في حرح، لا في حرر. النهاية (1/ 366).
«الخَزَّ»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
المشهور في رواية هذا الحديث على اختلاف طرقه: «يستحلون الخَزَّ» بالخاء المعجمة والزاي، وهو ضرب من ثياب الإبريسم معروف، وكذا جاء في كتابَي البخاري وأبي داود، ولعله حديث آخر ذكره أبو موسى، وهو حافظ عارف بما روى وشرح، فلا يتهم. والله أعلم.. النهاية (1/ 366).
«والمعازفَ»:
هي: عيدان الغِناء، والجاريتان تعزفان: أي تغنيان. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (2/ 80).
قال نشوان الحميري -رحمه الله-:
المِعْزَف: واحد المعازف، وهي: الملاهي، كالدف والطنبور، ونحوهما. شمس العلوم (7/ 4512).
«عَلَمٍ»:
العَلَم: المنار، والجبل، ومنه الحديث «لينزلن إلى جنب عَلَم». النهاية، لابن الأثير (3/ 292).
«يَروحُ»:
تقول: راح الرجل، يروح رواحًا، إذا خرج عِشاء. التلخيص، لأبي هلال العسكري (ص265).
قال الجوهري -رحمه الله-:
الرَّواح: نقيض الصَّباح، وهو اسمٌ للوقت من زوال الشمس إلى الليل، وقد يكون مصدر قولك: راحَ يَروح رَواحًا، وهو نقيض قولك: غدا يغدو غُدوًّا، وتقول: خرجوا بِرَواحٍ من العَشِيّ ورَياحٍ بِمعنىً، وسَرَحَتِ الماشِيَةُ بالغَداةِ، وراحَتْ بالعَشِيّ، أي رجعت. الصحاح (1/367، 368).
«بِسارِحةٍ»:
السارِحَةُ: التي تطلب بها المرعى، فحيث ما أمست باتت. الإتباع والمزاوجة، لابن فارس (ص36).
«فَيُبَيِّتُهُمُ»:
بَيَّتهم العدو، وبَيَّت الشيء، أي: غيَّره، وبيَّت أمرًا، أي: قطعه ليلًا. معجم ديوان الأدب، للفارابي (3/ 435).
قال الفيومي -رحمه الله-:
البَيَات بالفتح: الإغارة ليلًا، وهو اسم مِن بَيَّته تَبْيِيتًا، وبيَّت الأمر: دبَّره ليلًا، وبيَّت النية: إذا عزم عليها ليلًا. المصباح المنير (1/ 68).
«ويَمسخُ»:
المسخ: تبديل الخلق، مَسَخَه الله مَسْخًا فهو ممسوخ. جمهرة اللغة، لابن دريد (1/ 599).
وقال الفراهيدي -رحمه الله-:
المسخ: تحويل خلق عن صورته، وكذلك المشوَّه الخَلق، والمسيخ من الناس: الذي لا ملاحة له، ومن الطعام: الذي لا ملح فيه، ومن الفواكه: الذي لا طعم له. العين (4/ 206).
شرح الحديث
قوله: «لَيَكُونَنَّ من أُمتي أقوامٌ»:
قال الشيخ عبد الكريم الخضير -نفع الله بعلمه-:
«ليكونَنَّ» يعني في المستقبل، وهذا من أعلام نبوته -عليه الصلاة والسلام. شرح المحرر في الحديث (49/ 10)
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «من أمَّتي» قال ابن التين: قوله: «مِن أمتي» يحتمل أن يريد مَن تسمَّى بهم ويستحل ما لا يحل فهو كافر إن أظهر ذلك، ومنافق إن أسرَّه، أو يكون مرتكب المحارم تهاونًا واستخفافًا فهو يقارب الكفر، والذي يوضح في النظر أن هذا لا يكون إلا ممن يعتقد الكفر، ويتَّسم بالإسلام؛ لأن الله -عز وجل- لا يخسف من تَعُود عليه رحمته في المعاد، وقيل: كونهم من الأمَّة؛ يبعد معه أن يستحلوها بغير تأويل ولا تحريف، فإن ذلك مجاهرة بالخروج عن الأمة؛ إذ تحريم الخمر معلوم ضرورة. عمدة القاري (21/ 176).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من أمَّتي» يحتمل أحد أمرين: إما أنه سمِّي من الأمة باعتبار ما يسبق قبل استحلاله لهذه الأشياء، وهذا جائز لغةً، باعتبار ما كان؛ كقوله تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} النساء: 2، وإما أنَّه من أمَّة الدعوة فقط، وليس من أمة الإجابة. توضيح الأحكام (3/108، 110).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «من أُمَّتي» المراد بالأمة هنا: أمَّة الإجابة؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- ذكر ذلك على أنه لا ينبغي في حقهم هذا الأمر. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 472).
قوله: «يستحِلُّون»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
معنى قوله: «يستحلون ...» أي: يستحلون النهي عنه، والنهي في كتاب الله من الشارع يتوعد عليه بقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} النور: 63. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (27/133).
وقال جلال الدين السيوطي -رحمه الله-:
المراد بالاستحلال: إما اعتقاد الحِلِّ، أو الاسترسال في الوقوع فيه. التوشيح (8/ 3466).
وقال ابن حجر –رحمه الله-:
قال ابن العربي: يحتمل أن يكون المعنى: يعتقدون ذلك حلالًا، ويحتمل أن يكون ذلك مجازًا على الاسترسال، أي يسترسلون في شربها كالاسترسال في الحلال وقد سمعنا ورأينا من يفعل ذلك. فتح الباري(10/ 55).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «يستحلون الحر والحرير»...يعني: قد يكون جماعة في آخر الزمان يزنون ويعتقدون حِلَّه، ويقولون: إذا رضي الرجل والمرأة حَلَّ بينهما جميع أنواع الاستمتاعات، ويقولون: المرأة مثل بستان، فكما أن لصاحب البستان أن يبيح ثمرة بستانه لمن شاء، فكذلك يجوز للزوج أن يبيح استمتاع زوجته لمن شاء، والذين لهم هذا الاعتقاد: الجوالقيون والملاحدة. المفاتيح (5/ 323).
قال الكرماني -رحمه الله-:
لعل نظره (أي: البخاري) إلى أن لفظ «من أُمتي» فيه دليل على أنهم استحلوها بتأويل؛ إذ لو لم يكن بالتأويل لكان كفرًا وخروجًا عن أمَّته؛ لأن تحريم الخمر معلوم من الدين بالضرورة، قيل: ويحتمل أن يقال: إن الاستحلال لم يقع بعد وسيقع، وأن يقال: إنه مثل استحلال نكاح المتعة، واستحلال بعض الأنبذة المسْكِرَة، والله أعلم. الكواكب الدراري (20/ 148).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «يستحلُّون» استحلَّ الشيء بمعنى: جعله حَلَالًا، والاستحلال هنا نوعان: إما أن يُراد به الاستحلال، أي: اعتقاده حلالًا مع تحريم الله له، فيحلِّل ما حرم الله، وهذا كفرٌ، ولكنه ليس المراد، وإمَّا أن يراد بالاستحلال: أن يفعله من غير مُبالاة كالمستحِل له، وهذا هو المراد هنا، فمعنى «يستحلُّون» أي: يفعلون هذه الأشياء فعل المستحلَّ لها بلا مبالاة. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 472).
قال الكوراني -رحمه الله- معلقًا:
قال بعض الشارحين: لفظ: «أمتي» دليل على أنهم استحلُّوها بالتأويل وإلَّا لكان كفرًا. وهذا وهم؛ فإن هؤلاء كفار، ولذلك قال في آخِر الحديث: «خسف بطائفة» وجعل الآخرين قردة وخنازير، وهبْ أنه تكلَّف لهم في شرب الخمر التأويل، فكيف باستحلال الزنَا والمعازف؟ وإنما وهم من لفظ «أمَّتي». وليس معناه أنهم مؤمنون حقًّا، بل ينتسبون إلى هذه الأُمَّة. الكوثر الجاري(9/204).
قوله: «الحِرَ» وفي لفظ: «الخَزَّ»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
وأما قوله: «الحِرَ...» بالكسر، وبالمهملتين، وبتخفيف الراء: فَرْج المرأة، أي: الزنا، وأصله: حِرْح بكسر الحاء وسكون الراء، وجُمِع أَحْرَاح، ومنهم من شدَّد الراء، وليس بجيد، فعلى التخفيف يكون في حِرَحٍ لا في حِرَرٍ، وذكره أبو موسى في حرف الحاء والراء، والصواب: الحِرَ، بالحاء والراء والتخفيف. فتح القريب المجيب (9/ 208).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
قد صحَّف هذا اللفظ في كتاب المصابيح، وكذلك صحفه بعض الرواة من أصحاب الحديث، فحسبوه «الخز»، بالخاء والزاي المنقوطتين، والخز لم يحرَّم حتى يستحل. الميسر (3/ 1120).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
إذا كان هو المراد من الحديث (أي: لفظ: الخز) فهو: الخالص من الحرير، وعطْفُ الحرير عليه مِن عطف العام على الخاص؛ لأن الخَزَّ ضرب من الحرير، وقد يطلق الخزُّ على ثياب تُنسج من الحرير والصُّوف، ولكنه غير مُراد هنا؛ لما عُرف من أن هذا النوع حلال، وعليه يُحمل ما أخرجه أبو داود عن عبد الله بن سعد الدشتكي، عن أبيه سعد قال: رأيت ببخارى رجلًا على بغلة بيضاء، عليه عمامة خزٍّ سوداء، قال: «كسانيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-». سبل السلام (3/ 234).
قوله: «والحريرَ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «الحرير» معروف، هو عبارة: عن أسلاك تُنسج منها الثياب، أتدرون من أين تأتي هذه الأسلاك؟ مِن دُويدة -حشرة صغيرة- تسمى دودة القز، بإذن الله تَخرج منها هذه الأسلاك فتطويها على نفسها حتى تبلغ الكِبَر وتموت، ثم يأتون يأخذونه. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 473).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث دليل على تحريم لباس الحرير؛ لأن قوله: «يستحلون»، بمعنى يجعلون الحرام حلالًا. سبل السلام (2/ 456).
وقال العيني الحنفي -رحمه الله-:
لا يحلُّ للرجال لبس الحرير، ويحل للنساء. البناية (12/ 91).
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي -رحمه الله-:
لبس الحرير ممنوع للرجال، مباح للنساء. المعونة (3/ 1718).
وقال الشيرازي الشافعي -رحمه الله-:
يحرم على الرجل استعمال الديباج والحرير في اللبس والجلوس وغيرهما؛ لما روى حذيفة قال: «نهانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه، وقال: هو لهم في الدنيا ولكم في الآخرة»، فإنْ كان بعض الثوب إبريسم وبعضه قطنًا فإن كان الإبريسم أكثر لم يحل، وإن كان أقل كالخز، لحْمَتُهُ صُوفٌ، وسَدَاهُ إِبْرَيْسَمٌ حلَّ؛ لما روي عن ابن عباس قال: «إنما نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الثوب الْمُصْمَتِ من الحرير (أي هو الذي جميعه حرير)»، فأما العَلم وسَدَا الثوب فليس به بأس؛ ولأن السرف يظهر بالأكثر دون الأقل. المهذب (1/ 203).
وقال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله-:
ولا يجوز للرجل لبس ثياب الحرير أو ما غالبه الحرير، ولا افتراشه إِلا من ضرورة، فإِن استوى هو وما نُسج معه، فعلى وجهين...، وإِن لبس الحرير لمرض أو حكَّة في الجَرَب أو ألبسه الصَّبِيَّ فعلى روايتين، ويباح حشو الجِبَاب والفُرش به، ويحتمل أن يحرم، ويباح العَلَم الحرير في الثوب إِذا كان أربع أصابع فما دون. المقنع (ص46).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إنَّ الحرير الأصلي هذا هو الحرام، والحرير الصناعي هل هو حلال أم حرام؟ حلال؛ لدخوله في عموم قوله تعالى: {هُوَ الَّذِيْ خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِيْ الْأَرْضِ جَمِيْعًا} البقرة: 29، ولكن مع ذلك ينبغي للرجل ألا يلبسه لسببين:
السبب الأول: أنه سبب لاتهامه بلباس الحرير، والإنسان ينبغي له أن يدفع عن نفسه ما تكون به التهمة...
السبب الثاني: أنه إذا لَبِسَه وهو يشبه الحرير الطبيعي ربما يقتدي به بعض الناس خصوصًا من لا يميزون التمييز الكامل بين الطبيعي والصناعي، ومعلوم أنه ما كان سببًا للشر فإنه لا ينبغي للإنسان أن يتعرض له.
فيه أيضًا سبب ثالث: لقولنا: لا ينبغي له أن يلبسه؛ لأنه إذا لبس هذا فإنه يكون مائعًا، يوجِب له الميوعة والميول إلى النساء، وربما إذا كان شابًا وسيمًا يكون سببًا للفتنة به.
فعلى هذا نقول: إنه لا ينبغي للرجل أن يلبسه، ولكننا مع ذلك ما نتجاسر أن نقول: إنه حرام؛ لأن التحريم شديدٌ جدًا، حتى إن الإمام أحمد وغيره من السلف -رحمهم الله- ما يطلقون الحرام إلا على ما نص على تحريمه، وإلا فهم يقولون: يُنهى، وما أشبه ذلك من العبارات التي يتحرزون فيها. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 475).
قوله: «والخمر»:
قال الشيرازي -رحمه الله-:
كل شراب أَسْكَرَ كثيرُه حَرُم قليله وكثيره، والدليل عليه قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} المائدة 90. المهذب (3/ 369).
قوله: «والمعازفَ»:
قال الأصبهاني -رحمه الله-:
«المعازف» الملاهي، وأصل العزف: الصوت. شرح صحيح البخاري (5/ 240).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«المعازف» بالمهملة والزاي: أصوات الملاهي. الكواكب الدراري (20/ 147).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
ويطلق على الغناء: عَزْفٌ، وعلى كل لَعِبٍ: عزف. عمدة القاري (21/ 176).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
احتج المانعون (للمعازف المحرمون لها) بآثار لا تصح، أو يصح بعضها ولا حجة لهم فيها، وهي: (فذكر آثارًا كثيرة، ثم قال:) ومن طريق البخاري قال هشام بن عمار....حدثني أبو عامر -أو أبو مالك الأشعري- ووالله ما كذَبني: أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ليكوننَّ مِن أمَّتي قوم يستحلون الحرَ والحرير، والخمر، والمعازف».
وهذا منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد، ولا يصح في هذا الباب شيء أبدًا، وكل ما فيه فموضوع، ووالله لو أُسند جميعه أو واحد منه فأكثر من طريق الثقات إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما ترددنا في الأخذ به. المحلى بالآثار (7/564، 565).
وقال ابن القيم -رحمه الله- متعقبًا:
طَعَنَ ابن حزم وغيره في هذا الحديث، وقالوا: لا يصح؛ لأنه منقطع لم يذكر البخاري من حدّثه به، وإنما قال: وقال هشام بن عمار، وهذا القدح باطل من وجوه:
أحدها: أن البخاري قد لقي هشام بن عمار، وسمع منه، فإذا روى عنه معنعنًا حُمِل على الاتصال اتفاقًا؛ لحصول المعاصرة والسماع، فإذا قال: قال هشام، لم يكن فَرْق بينه وبين قوله: عن هشام، أصلًا.
الثاني: أن الثقات الأثبات قد رووه عن هشام موصولًا، قال الإسماعيلي في صحيحه: أخبرني الحسن، حدثنا هشام بن عمار بإسناده ومتنه، والحسن هو ابن سفيان.
الثالث: أنه قد صح من غير حديث هشام، قال الإسماعيلي في الصحيح: حدثنا الحسن، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا بِشْر، حدثنا ابن جابر، عن عطية بن قيس: قال: قام ربيعة الجُرَشي في الناس فذكر حديثًا فيه طول، قال: فإذا عبد الرحمن بن غنم، فقال: يمينًا حلفت عليها حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري، واللهِ يمينًا أخرى، حدثني أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ليكوننَّ في أمتي قوم يستحلون الخمر…»، في حديث هشام: «الخمر والحرير»، وفي حديث دُحَيم: «الخزَّ والحرير والخمر والمعازف» فذكر الحديث.
ورواه عثمان بن أبي شيبة: حدثنا زيد بن الحُباب، قال: أخبرني معاوية بن صالح، حدثني حاتم بن حُرَيث، عن مالك بن أبي مريم قال: تذاكرنا الطِّلَاء فدخل علينا عبد الرحمن بن غنم فقال: حدثني أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكر الحديث بلفظه.
الرابع: أن البخاري لو لم يلق هشامًا ولم يسمع منه فإدخاله هذا الحديث في صحيحه وجزمُه به يدل على أنه ثابت عنده عن هشام، فلم يذكر الواسطة بينه وبينه، إما لشُهرتهم وإما لكثرتهم، فهو معروف مشهور عن هشام، تغني شهرته به عن ذكر الواسطة.
الخامس: أن البخاري له عادة في صحيحه في تعليقه، وهي جزمُه بإضافته الحديث إلى مَن علّقه عنه إذا كان صحيحًا عنده، فيقول: وقال فلان، وقال رسول الله، وإن كان فيه علةٌ قال: ويُذكر عن فلان، أو ويُذكر عن رسول الله، ومن استقرى كتابه عَلِمَ ذلك، وهنا قد جزم بإضافة الحديث إلى هشام، فهو صحيح عنده.
السادس: أنه قد ذكره محتجًّا به مُدخلًا له في كتابه الصحيح أصلًا لا استشهادًا، فالحديث صحيح بلا ريب. تهذيب سنن أبي داود (2/595- 597)..
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الأصل أن جميع آلات العزف محرمة، وانظر كيف قرن النبي -عليه الصلاة والسلام- هذه الأربع بعضها ببعض؛ لأنها في الغالب إنما تكون من المترفين الذين لا يبالون، ليس لهم همُّ إلا أن يُشبعوا رغباتهم من المأكول والمشروب والملبوس والنكاح، وهي أيضًا في نفس الوقت متلازمة في الغالب، ولهذا يقال: إن الغناء رقية الزنا؛ أي: أنه مثل الْمِرْقَاة له، أو أنه رقية يعني: مثل الذي يقرأ به حتى يأتي ويحصل -نسأل الله العافية-. فتح ذي الجلال والإكرام (2/473، 474).
قوله: «ولَيَنْزِلَنَّ أقوامٌ إلى جنب عَلَمٍ»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «ولينزلن أقوام...» الحديث، إنما هو من الأخبار على الحدثان، فننظر فإن وقع ما أنذر به كان من علامات النبوة، وكان الحديث صحيحًا، وإن كان لم يقع فسيقع؛ لقوله في حديث عبادة: «لَيَسْتَحِلَّنَّ آخِرُ أُمَّتِي الخمر» فدل هذا الحديث أن كل ما أَنذر به -عليه السلام- من ذلك يكون في آخر الإسلام. شرح صحيح البخاري (6/ 52).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «عَلَم» بفتحتين: الجبل، والجمع أعلام، وقيل: العَلَم رأس الجبل. عمدة القاري (21/ 176).
قوله: «يَروحُ عليهم بِسارِحةٍ لهم»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«يروح» أي: يذهب في وقت الرواح، وهو أول الليل، «السارحة»: القطيعة من الغنم والبقر والجَمل. المفاتيح (5/ 323).
وقال الأصبهاني -رحمه الله-:
«بسارحة» الغنم تسرح. شرح صحيح البخاري (5/ 240).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«بسارحة» بزيادة الباء الجارة في الفاعل، نحو: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} الإسراء: 96، أو هو مفعول به بالواسطة، والفاعل مضمَر، وهو الراعي بقرينة المقام؛ إذ السارحة لا بد لها من الراعي، فإن قلت: ما فاعل «يأتيهم»، قلت: الآتي أو الراعي أو المحتاج أو الرجل والسياق مشعر بذلك، وفي بعضها تروح. الكواكب الدراري (20/ 147).
وقال العيني -رحمه الله-:
المعنى: أن الماشية التي تَسرح بالغداة إلى رعيها، وتروح أي: ترجع بالعَشي إلى مَأْلَفِها. عمدة القاري (21/ 176).
قوله: «يأتيهم -يعني الفقير-؛ لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللهُ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
يعني: يأتيهم راعيهم بدوابهم كل يوم وليلة، فيأتيهم يومًا لحاجة، ويطلب منهم تلك الحاجة، فيقولون له: ارجع وأْتِنَا غدًا؛ لنقضي حاجتك. المفاتيح (5/ 323).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فإن قلت: كيف يكون نزول بعضهم إلى جنب عَلَمٍ، ورواحُ سارحتهم عليهم، ودفعُهم ذا الحاجة بالْمُطْلِ والتسويف سببًا لهذا العذاب الأليم والنكال الهائل؟
قلت: إنهم لـمَّا بالغوا في الشحِّ والمنع؛ بُولغ في العذاب، وبيان ذلك: أن في إيثار ذكر العَلَم على الجبل إيذانًا بأن المكان مخصِب مُمْرِعٌ (كثير المرعى)، ومقصد لذوي الحاجات، فيلزم منه أن يكونوا ذوي ثروة وموئلًا للملهوفين، فكما دل خصوصية المكان على ذلك المعنى، دل خصوصية الزمان في قوله: «تروح عليهم سارحتهم» وتعديته بـ«على» المنبِّهة بالاستعلاء على أن ثروتهم حينئذ أوفر وأظهر، وأن احتياج الواردين أشد؛ لأنهم أحوج ما يكون حينئذ.
وفي قولهم: «ارجع إلينا غدًا» إدماج لمعنى الكذب، وخُلف الموعد، واستهزاء بالـمُطالب، فإذنْ يستأهلون أن يعذَّبوا بكل نكال، وإنما قلنا: إن العَلَم يدل على الشهرة، والمقصد قول الخنساء في مدح أخيها:
كأنه علم في رأسه نار
نبَّهت به على أن أخاها مشهور معروف في ملجأ الملهوفين، ومأمن للمضطرين؛ فإن رواح السارحة دل على وفور الثروة وظهورها كقوله تعالى: {ولَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ} النحل: 6. الكاشف (11/ 3382).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«يأتيهم» يومًا من الأيام «رجل؛ لحاجة» يلتمس منهم قُوتًا، فيمنعونه. شرح المصابيح (5/ 453).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«فيُبَيِّتهم الله» من التبيِيْتِ، وهو: هجوم العدو ليلًا، والمراد: فيُهلكهم الله. منحة الباري (8/ 648).
قوله: «ويَضَعُ العَلَمَ»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «يضع العَلَم» إن كان العَلَم بناءً فيهدمه، وإن كان جبلًا فيُدَكْدِكَه، وهكذا إن كان غيره. شرح صحيح البخاري (6/ 52).
وقال الأصبهاني -رحمه الله-:
قوله: «ويضع العَلَم» أي: يطرح الجبل عليهم فيهلكهم. شرح صحيح البخاري (5/ 240).
قوله: «ويَمسخُ آخرين قِردةً وخنازير إلى يوم القيامة »:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
«ويمسخ آخرين قِردة» يعنى: ممن لم يُهلكهم في البَيَات، والمسخ في حكم الجواز في هذه الأمَّة، إن لم يأت خبرٌ يرفع جوازه، وقد رُويت أحاديث لينة الأسانيد: «أنه يكون في أمَّتى خسفٌ ومسخٌ» عن النبي -عليه السلام- ولم يأت ما يَرفع ذلك، وقال بعض العلماء: معنى ما روي عن النبي -عليه السلام-: «أنه سيكون في هذه الأمة مسخ» فالمراد به: مسخ القلوب حتى لا تَعرف معروفًا ولا تُنكر منكرًا، وقد جاء عن النبي -عليه السلام-: «أن القرآن يُرفع من صدور الرجال، وأن الخشوع والأمانة تُنزع منهم» ولا مسخ أكبر من هذا، وقد يجوز أن يكون الحديث على ظاهره، فيمسخ الله من أراد تعجيل عقوبته، كما قد خسف بقوم وأهلكهم بالخسف والزلازل، وقد رأينا هذا عيانًا، فكذلك يكون المسخ، والله أعلم. شرح صحيح البخاري (6/ 53).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«ويَمْسَخُ» أي: يغير صور قوم منهم؛ يعني: يُهلك بعضهم، ويمسخ بعضهم، ولم يبين في هذا الحديث مكانهم ولا ذنوبهم، وإنما أفاد هذا الحديث: أنه يكون في آخر الزمان نزول الفتن ومسخ الصور، فليجتنب المؤمن المعاصي؛ كي لا يقع في العذاب ومسخ الصور. المفاتيح (5/ 324).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«ويمسخُ آخرينَ قِردةً وخنازيرَ إلى يوم القيامة» قال السفاقسي: الذي يصحُّ في النظر أن هذا لا يكون إلا فيمن يعتقدُ الكفر، ويتسمَّى بالإسلام؛ لأن الله لا يخسف بمن يعودُ عليه برحمته في المعاد. مصابيح الجامع (9/ 183).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ويمسخ آخرين قِردةً وخنازير إلى يوم القيامة» يريد ممن لم يهلك في البَيَات المذكور، أو مِن قوم آخرين غير هؤلاء الذين بُيِّتوا، ويؤيد الأول أن في رواية الإسماعيلي: «ويمسخ منهم آخرين» قال ابن العربي: يحتمل الحقيقة كما وقع للأمم السالفة، ويحتمل أن يكون كناية عن تبدل أخلاقهم، قلت: والأول أَلْيَقُ بالسياق. فتح الباري (10/ 56).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
في الحديث: دليل أن استحلال المحرم لا يُخرج فاعله من مُسمَّى الأُمَّة، كذا قيل، قلت: ولا يخفى ضعف هذا القول؛ فإن مَن استحلَّ محرمًا -أي: اعتقد حِلّه- فإنه قد كذَّب الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي أخبر أنه حرام، فقوله بحله ردٌّ لكلامه وتكذيب، وتكذيبه كفر، فلا بد من تأويل الحديث بأنه أراد أنه من الأمَّة قبل الاستحلال، فإذا استحل خرج عن مسمى الأمَّة، ولا يصح أن يراد بالأمَّة هنا أمة الدعوة؛ لأنهم مستحلون لكل ما حرمه، لا لهذا بخصوصه. سبل السلام (3/ 234).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ليت ولاة الأمور يعملون هذا العمل (أي: من لم ينته عن شرب الخمر، يُقتل في الرابعة)، ولو عملوا هذا العمل لحصل خير كثير، واندرأ شر كثير، وقلَّ شرب الناس للخمر الذي بدأ ينتشر -والعياذ بالله-، وفي بعض البلاد الإسلامية انتشر كانتشار الشراب المباح، كعصير الليمون وعصير البرتقال وما أشبه ذلك، وهذا لا شك أنه مظهَر غير مظهر المسلمين، وأنه استباحة له في الواقع...، وهذا ينطبق عليه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف». شرح رياض الصالحين (6/226، 227).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك -حفظه الله-:
وفي الحديث فوائد؛ منها:
1- تحريم هذه المذكورات، وهي: الزِّنى والحرير والخمر والمعازف، والحِرَ: الفرج، والمعازف: الغناء وآلاته.
2 - أنَّ وقوع استحلال هذه المحرَّمات في الأمَّة عَلَمٌ من أعلام نبوَّته -صلى الله عليه وسلم-، والمتدبِّر للواقع في هذا العصر يدرك أنَّ استحلال هذه المحرَّمات قد وقع في بلدانٍ كثيرةٍ من ديار الإسلام لم يسبق له نظيرٌ، ومن أعظم أسباب ذلك استيلاء النَّصارى على تلك البلدان.
3 - إخباره -صلى الله عليه وسلم- عمَّا سيكون في المستقبل.
4- التَّناسب بين هذه المذكورات، فالخمر والغناء من دواعي الزِّنى، وإن كانت متفاوتةً في الحكم، فأعظمها الزِّنى ثمَّ الخمر ثمَّ المعازف، وأمَّا الحرير فإنَّما يحرم لبسه على الذُّكور.
5- تحريم الحرير، وهذا هو الشَّاهد من الحديث، وهذا الحكم مجملٌ في الحديث، تبيِّنه الأحاديث الآتية، ومثله في الإجمال الحديث الآخر: «مَنْ لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة»، وقد جاء تقييد هذا التَّحريم بذكور الأمَّة، فجاءت الرُّخصة بقدر أربع أصابع، والرُّخصة في لبس الحرير للحاجة، كما سيأتي.
6- أنَّ استحلال هذه المحرَّمات سببٌ لعاجل العقوبات من الخسف والمسخ.
7- أنَّ عقوبة المستحلِّين لهذه المحرَّمات تقع بهم وقت البيات؛ لأنَّه وقت ممارستهم لهذه المنكرات؛ من الزِّنى والخمر والمعازف، كما يفيده قوله: «فَيُبَيِّتُهُمُ اللهُ». الجامع لفوائد بلوغ المرام (1/ 491).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- إباحة الذهب والحرير للنساء وتحريمهما على الرجال.
- حديث: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».
- فتوى الشيخ ابن باز -رحمه الله- في تفسير (لهو الحديث) وأدلة تحريم المعازف من الكتاب والسنة