الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«إن لله -تبارك وتعالى- ملائكة سَيَّارَةً فُضْلًا يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر قعدوا معهم، وحَفَّ بعضهم بعضًا بأجنحتهم، حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عَرجُوا، وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله -عزَّ وجلَّ-، وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك، ويكبرونك، ويهللونك، ويحمدونك، ويسألونك، قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنَّتَك، قال: وهل رأوا جنَّتي؟ قالوا: لا أي ربِّ، قال: فكيف لو رأوا جنَّتي؟! قالوا: ويستجيرونك، قال: ومِمَّ يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يا رب، قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري؟! قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول: قد غَفرت لهم، فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا، قال: فيقولون: ربِّ فيهم فلان عبدٌ خطاء، إنما مرَّ فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرت، هُم القومُ لا يشقى بهم جِليسهم».


رواه البخاري برقم: (6408)، ومسلم برقم: (2689) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي رواية البخاري: «فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأَوك؟» قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟! قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدًا وتحميدًا، وأكثر لك تسبيحًا».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«سَيَّارَةً»:
السيارة: القوم يسيرون، أُنِّث على معنى الرُّفقة، أو الجماعة. لسان العرب، لابن منظور (4/ 389).

«فُضْلًا»:
أي: زيادة عن الملائكة المرتبين مع الخلائق.
يروى بسكون الضاد وضمها، قال بعضهم: والسكون أكثر وأصوب، وهما مصدر بمعنى الفضلة والزيادة. النهاية، لابن الأثير (3/ 455).

«وحَفَّ»:
حفَّ القوم بالشيء، وحَوالَيه يَحُفُّون حفًّا، وحَفُّوه وحففوه: أحدقوا به، وأطافوا به، وعكفوا، واستداروا. لسان العرب، لابن منظور (9/ 49).
وقال الهروي -رحمه الله-:
يقال: حَفَّ به القوم: أي: صاروا في أحفته، وهي جوانبه. الغريبين في القرآن والحديث (2/ 465).

«عَرجُوا»:
العروج: الارتقاء، يقال: عرج، يَعْرُج، عُروجًا ومِعْرجًا، والمعرج: المصعد. مقاييس اللغة، لابن فارس (4/ 304).
قال نشوان الحميري -رحمه الله-:
العروج: الصعود والارتفاع، قال الله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} المعارج:4. شمس العلوم (7/ 4489).

«يستجيرونك»:
استجاره: طلب منه أن يحفظه. المصباح المنير، للفيومي (1/ 114).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
الجار، والمُجِير، والمُعِيذ واحد. لسان العرب (4/ 155).


شرح الحديث


قوله: «إن لله -تبارك وتعالى- ملائكة سَيَّارَةً»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «إن لله ملائكة» أي: من المقربين غير الحفظة المرتبين مع الخلائق، بل هم سيارة سيَّاحة في الأرض، لا وظيفة لهم، وإنما مقصودهم حِلَقُ الذكر. مرعاة المفاتيح (7/ 394).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الملائكة عالم غيبي فاضل، خلقهم الله -عزَّ وجلَّ- من النور، وجعلهم صمدًا لا أجواف لهم، فلا يأكلون، ولا يشربون، ولا يحتاجون إلى هذا...، ولكن قد يُرِي الله تعالى الناس إياهم أحيانًا؛ كما جاء جبريل -عليه الصلاة والسلام- على هيئة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر. شرح رياض الصالحين (5/ 530).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«سيارة» أي: كثيرة السير. مرقاة المفاتيح (4/ 1548).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «سيارة» يعني: سائرين، كما قال في رواية أخرى: «سياحين». المفهم (7/ 11).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«سيارة» أي: سائرين في أرجاء الأرض ونواحيها، كما يدل على هذا المعنى رواية ابن حبان في صحيحه «سياحين في الأرض»، ورواية البخاري: «إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر». الكوكب الوهاج(25/ 42).

قوله: «فُضْلًا»:
قال النووي -رحمه الله-:
أما «فضلًا» فضبطوه على أوجه:
أحدها -وهو أرجحها وأشهرها في بلادنا-: فُضُلًا -بضم الفاء والضاد-.
والثانية: بضم الفاء وإسكان الضاد، ورجحها بعضهم، وادعى أنها أكثر وأصوب.
والثالثة: بفتح الفاء، وإسكان الضاد، قال القاضي (عياض): هكذا الرواية عند جمهور شيوخنا في البخاري ومسلم.
والرابعة: فُضُلٌ بضم الفاء والضاد، ورفع اللام على أنه خبر مبتدأ محذوف.
والخامسة: فضلاء بالمد: جمع فاضل. شرح صحيح مسلم (17/ 14).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
قال العلماء: معناه: على جميع الروايات: أنهم ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق، فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم وإنما مقصودهم حلق الذكر. شرح صحيح مسلم (17/ 14).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«فضلًا» أي: يزيدون على كُتَّاب الناس، ويفضلون عنهم. كشف المشكل (3/ 511).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وهؤلاء إنما هم حملة الذكر وسامعوه فقط، فكأنهم لا يكتبون إلا الذكر ولا يسمعون إلا إياه، ولا يحملون غيره، فهم على معنى المبشرين، وإذا وجدوا قوة ليذكروا الله بها ثم، وأسلموا، أي: نادى بعضهم بعضًا، فقد يجتمع على الحلقة التي تكون فيها الذكر الجم الغفير من الملائكة. الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 265).

قوله: «يتبعون مجالس الذكر»:
قال النووي -رحمه الله-:
وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «يبتغون» فضبطوه على وجهين:
أحدهما: بالعين المهملة: من التتبع، وهو البحث عن الشيء، والتفتيش.
والثاني: يبتغون بالغين المعجمة من الابتغاء، وهو الطلب، وكلاهما صحيح. شرح صحيح مسلم (17/ 14).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
أي: يطلبون مجالستهم، وقيل: أي: يطلبون من يذكر الله من بني آدم ليزوروهم، ويدعوا لهم، ويستمعوا إلى ذكرهم، وفي الرواية الآتية: «يبتغون مجالس الذكر»، وفي حديث جابر بن عبد الله عند أبي يعلى والبزار: «إن لله سرايا من الملائكة تقف وتحل بمجالس الذكر». مرعاة المفاتيح (7/ 394).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فإذا وجدوا مجلس ذكر» يعني: مجالس العلم والتذكير، وهي المجالس التي يذكر فيها كلام الله، وسنة رسوله، وأخبار السلف الصالحين، وكلام الأئمة الزهاد المتقدمين، المبرَّأة عن التصنُّع والبدع، والمنزهة عن المقاصد الردية والطمع، وهذه المجالس قد انعدمت في هذا الزمان، وعوض منها الكذب والبدع، ومزامير الشيطان -نعوذ بالله من حضورها، ونسأله العافية من شرورها-. المفهم (7/ 11-12).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
تشتمل على ذكر الله بأنواع الذكر الواردة من تسبيح وتكبير وغيرهما، وعلى تلاوة كتاب الله -سبحانه وتعالى-، وعلى الدعاء بخيري الدنيا والآخرة، وفي دخول قراءة الحديث النبوي، ومدارسة العلم الشرعي، ومذاكرته، والاجتماع على صلاة النافلة في هذه المجالس نظر، والأشبه اختصاص ذلك بمجالس التسبيح والتكبير ونحوهما، والتلاوة حسب، وإن كانت قراءة الحديث ومدارسة العلم والمناظرة فيه من جملة ما يدخل تحت مسمى ذكر الله تعالى. فتح الباري (11/ 212).
وقال العيني -رحمه الله-:
يتناول الصلاة، وقراءة القرآن، وتلاوة الحديث، وتدريس العلوم، ومناظرة العلماء، ونحوها. عمدة القاري (23/ 28).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا ابن حجر:
دخول مجالس العلم في مجالس الذكر هو الأظهر، ولو فرضنا عدم دخولها، فما ورد في فضل العلماء، وطلاب العلم لا يكون أدنى مما ورد في الذكر، فقد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إن الله وملائكته، وأهل السماوات والأرضين، حتى النملة في جُحْرِهَا، وحتى الحوت، ليصلون على مُعَلِّم الناس الخير»، رواه الترمذي، من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه-، وهو حديث صحيح (وذكر أحاديث في طلب العلم، ثم قال:) فهذه النصوص الواردة في العلماء، وطلاب العلم ليست بأنقص مما ورد في حديث الباب للذاكرين، على أنهم في الحقيقة من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات؛ لأنهم يتدارسون كتاب الله، وأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويتفقهون فيهما، وهذا هو الذكر بعينه، فتأمل بالإمعان -والله تعالى ولي التوفيق-. البحر المحيط الثجاج (42/ 121).
وقال حسن أبو الأشبال -حفظه الله-:
ليس كذكر الصوفية والدروشة والتمائم والتبختر، بل هو ذكر الله تعالى، أي: بالعلم النافع، والعمل الصالح. شرح صحيح مسلم (46/ 6).

قوله: «فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر قعدوا معهم»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر» الله تعالى «قعدوا معهم» أي: مع الذاكرين. الكوكب الوهاج (25/ 43).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قعدوا معهم» أي: مع القوم الذين وجدوهم في مجلس الذكر، وفي رواية البخاري: «فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلمُّوا إلى حاجتكم». البحر المحيط الثجاج (42/ 119).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال الأُبِّي: وتندرج فيه مجالس رواية الحديث إذا خلصت فيه النية. الكوكب الوهاج (25/ 43).

قوله: «وحَفَّ بعضهم بعضًا»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وحَفَّ بعضهم بعضًا» هكذا هو في كثير من نسخ بلادنا «حفَّ» بالفاء، وفي بعضها «حض» بالضاد المعجمة، أي: حث على الحضور والاستماع، وحكى القاضي (عياض) عن بعض رواتهم «وحط» بالطاء المهملة، واختاره القاضي. شرح صحيح مسلم (17/ 14).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وحفَّ بعضهم» أي: بعض الملائكة «بعضًا» أي: بعضًا آخر منهم. مرقاة المفاتيح (4/ 1548).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
أي: يحدقون بهم، ويطوفون حولهم، ويجتمعون في جميع جوانبهم، ويُحْدِق بعضها بعضًا، وحفاف الشيء: جانباه، كما قال: «حتى يملؤوا ما بين السماء والأرض». إكمال المعلم (8/ 189-190).

قوله: «بأجنحتهم»:
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أقول: الظاهر أن الباء للاستعانة، كما في قولك: كتبت بالقلم؛ لأن حفهم الذي ينتهي إلى السماء إنما يستقيم بواسطة الأجنحة كما في العرف. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1729).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
أي: يدورون بأجنحتهم حول جماعة الذاكرين، بأن يقف بعضهم فوق بعض. شرح المصابيح (3/ 89).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قيل: معناه: أشار بعضهم إلى بعض بالنزول، أو دعائه إلى النزول، ويدل عليه قوله بعده في البخاري: «هلموا إلى حاجتكم». إكمال المعلم (8/ 188).
وقال العيني -رحمه الله-:
أي: يطوقونهم بأجنحتهم ومنه: {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ} الزمر: 75، ومنه: {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} الكهف: 32. عمدة القاري (23/ 28).

قوله: «حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى يملؤوا» أي: الملائكة «ما بينهم» أي: بين الذاكرين «وبين السماء الدنيا». مرقاة المفاتيح (4/ 1548).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا» أي: أنهم يكثرون في مجلسه حتى يعلو بعضهم على بعض، ويملؤوا ما ذُكِرَ. دليل الفالحين (7/ 250).
قوله: «فإذا تفرقوا»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«فإذا تفرقوا» يعني: فإذا تفرق الذاكرون. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 141).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فإذا تفرقوا» أي: افترق الملائكة عن مجلس الذكر؛ لانتهائه، أو المراد: فإذا تفرق أهل المجلس عن مجلس ذكرهم. البحر المحيط الثجاج (42/ 120).

قوله: «عَرجُوا وصعدوا إلى السماء»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«عرجوا» أي: الملائكة «وصعِدوا» بكسر العين، أي: طلعوا «إلى السماء» أي: السابعة. مرقاة المفاتيح (4/ 1548).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وصعدوا إلى السماء» وهذه الجملة تفسير لما قبلها. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (25/ 43).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فإذا تفرقوا عرجوا» الضمير في فعل الشرط للقوم، وفي الجزاء للملائكة، فكما كان اجتماع القوم سببًا لنزول الملائكة وحفهم، كان تفرقهم سببًا لعروجهم وقربهم إلى الله تعالى ومكالمتهم مع الله تعالى. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1730).

قوله: «فيسألهم الله -عزَّ وجلَّ-، وهو أعلم بهم»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «فيسألهم» هذه الفاء للتعقيب، بلا مهملة، أي: يسألهم سبحانه عقيب استماعهم ذلك الذكر، وحملة (هذه الكلمة غير مفهومه)؛ ليشعروا منه أن ذلك احتفال من الله -عزَّ وجلَّ- بما تنقله الملائكة إليه منه فلا يؤخر السؤال عنه. الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 266).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فيسألهم الله -عزَّ وجلَّ- وهو» أي: والحال أنه سبحانه «أعلم بهم» أي: بشؤونهم منهم، أي يقول لهم: «من أين جئتم». الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (25/ 43).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلت: ما وجه السؤال وهو أعلم؟
قلتُ: فيه فوائد من أجملها: الإظهار على الملائكة أن في بني آدم المسبحين والمقدسين، وفيه شرف أصحاب الأذكار... وكثرة أعداد الملائكة وشهادتهم على بني آدم بالخيرات. الكواكب الدراري (22/ 187).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: ما الحكمة في سؤال الله عن حالهم مع أنه أعلم وأعلى؟
قلتُ: إظهارًا لكرامتهم عنده، وليُروى هذا الحديث ليزداد بذلك رغبة الذاكرين... ويكونوا على صدق رجاء. الكوثر الجاري (10/ 119).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا السؤال من الله تعالى للملائكة، هو على جهة التنبيه للملائكة على قولها: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} البقرة: 30، وإظهار لتحقيق قوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} البقرة: 30، وهو من نحو مباهاة الله تعالى الملائكة بأهل عرفة حين قال لهم: «ما أراد هؤلاء؟ انظروا إلى عبادي جاءوني شُعْثًا غُبرًا، أشهدكم أني قد غفرت لهم» وكذلك نص عليه في الحديث. المفهم (7/ 12).

قوله: «من أين جِئتم؟ فيقولون: جِئنا من عند عبادٍ لك في الأرض، يسبحونك، ويكبرونك ويهللونك، ويحمدونك، ويسألونك»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«جئنا من عند عبادٍ» التنوين فيه للتعظيم. دليل الفالحين (7/ 250).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يسبحونك» أي: عبادك يسبحونك «ويكبرونك». مرقاة المفاتيح (4/ 1547).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وهذا الكلام نطق يشتمل على معان جمَّة، وكل كلمة من هذه الكلمات تدل على معنى له أسلوب. الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 266).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
هذه الأنواع ليس للاشتراط، بل للتمثيل به؛ لحصول المقصود ببعضها وبغيرها، والغرض من الكل إفادة التهليل الذي هو لب التوحيد وخلاصة التفريد. مرقاة المفاتيح (4/ 1547).

قوله: «فيقول: هل رأوني؟»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«هل رأوني؟» أي: أبصروني. دليل الفالحين (7/ 247).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
«هل رأوني؟» هذا سؤال تقرير؛ لأنه -جلَّ جلاله- يقول للملائكة مع علمه سبحانه أنهم يقولون: «لا يا ربنا، ما رأوك»، فدليل الحال: أنهم سبحوا وكبروا وحمدوا ومجدوا قبل أن يروا، «فكيف لو رأوا». الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 266).

قوله: قال: فيقولون: لا والله ما رأوك؟»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فيقولون: لا والله» أقسموا زيادة في مدح الذاكرين «ما رأوك» فيه تنبيه على أن تسبيح بني آدم وتقديسهم أعلى وأشرف؛ لأنه في عالم الغيب مع وجود الموانع وتقديس الملائكة في عالم الشهادة بلا صارف. مرقاة المفاتيح (4/ 1547).

قوله: «قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟»:
قال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«فكيف لو رأوني» أي: لو رأوني ما يكون حالهم في الذكر؟ تحفة الأحوذي (10/ 43).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كيف لو رأوني؟» تعجب وتعجيب، وجواب لما دل عليه كيف؛ لأنه سؤال عن الحال. مرقاة المفاتيح (4/ 1547).

قوله: «وأَشد لك تمجيدًا وتحميدًا، وأكثر لك تسبيحًا»:
قال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«وأشد لك تمجيدًا» أي: تعظيمًا. تحفة الأحوذي (10/ 43).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وأكثر لك تسبيحًا» فيه: إيماء إلى أن تحمل مشقة الخدمة على قدر المعرفة والمحبة. مرقاة المفاتيح (4/ 1547).
قوله: «قال: وماذا يسألوني؟»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال» الله -عزَّ وجلَّ- للملائكة: «وماذا يسألوني؟» أيُّ شيء يسأل هؤلاء الذاكرون؟. البحر المحيط الثجاج (42/ 122).

قوله: «قالوا: يسألونك جنتك»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قالوا: يسألونك جئتك» أي: أن تدخلهم فيها. البحر المحيط الثجاج (42/ 122).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
يعنون: أنها منتهى رغبة كل مؤمن. الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 266).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
علمهم بأنهم يسألونها يحتمل: أن يكون لسماعهم له منهم، ويحتمل: أن ذلك لظهوره وبدوه إذ المكلف يطلب من فضل ربه النعيم وكفاية الجحيم. دليل الفالحين (7/ 248).

قوله: «قال: وهل رأوا جنتي؟»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال» الله تعالى: «وهل رأوا جنتي؟» حتى يسألوني أن أدخلهم فيها. البحر المحيط الثجاج (42/ 122).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
فيه إشعار بأن الجنة مخلوقة موجودة حسية. مرقاة المفاتيح (4/ 1547).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
المراد: أن إيمانهم بالغيب مع ذلك على يقين وثبات، بخلاف إيمان الملائكة فإنه عياني. لمعات التنقيح (5/ 39).

قوله: «قالوا: لا أي رب»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قالوا: لا أي رب» أي: لم يروها، وإنما أخبرتهم بها في كتابك، وعلى لسان رسولك، فآمنوا، وصدقوا، واشتاقوا إليها. البحر المحيط الثجاج (42/ 122).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
أتى به تلذذًا بالخطاب. دليل الفالحين (7/ 248).

قوله: «قال: فكيف لو رأوا جنتي؟»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فكيف لو رأوا جنتي؟» أي: فكيف يكون شوقهم إليها لو رأوها؟، في رواية البخاري: «لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا، وأشد لها طلبًا، وأعظم فيها رغبة».البحر المحيط الثجاج (42/ 122).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا يدل على أن للمعاينة زيادة مزية على العلم في التحقيق والوضوح؛ فإن هؤلاء القوم المتذكرين للجنة والنار كانوا عالمين بذلك، ومع ذلك فإن الله تعالى قال: «فكيف لو رأوها؟» يعني: لو رأوها لحصل من اليقين والتحقيق زيادة على ما عندهم، ولتحصيل هذه الزيادة سأل موسى الرؤية، والخليل مشاهدة إحياء الموتى. المفهم (7/ 12).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
سكت الراوي عن جوابهم عن هذا نسيانًا، وقد بينه في الرواية السابقة عند البخاري (أي: «يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا، وأشد لها طلبًا، وأعظم فيها رغبة»). دليل الفالحين (7/ 251).

قوله: «قالوا: ويستجيرونك»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله: «ويستجيرونك» أي: يطلبون الأمان منها. شرح صحيح مسلم (17/ 15).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ويستجيرونك» أي: يطلبون منك الأمان من النار، وأن تحفظهم منها. البحر المحيط الثجاج (42/ 122).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
كله من الأمان، والجوار يأتي بمعنى: الأمان. إكمال المعلم (8/ 189).

قوله: «قال: ومِمَّ يستجيرونني؟: قالوا: من نارك يا رب»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قالوا» أي: قالت الملائكة: يستعيذونك «من نارك يا رب». الكوكب الوهاج(25/ 44).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
لأنها أثر غضب الله وعقابه، ومحل أصحاب بعده وحجابه. مرقاة المفاتيح (4/ 1547).

قوله: «قال: وهل رأوا ناري؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وهل رأوا» أولئك العباد «ناري؟». الكوكب الوهاج (25/ 44).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وهل رأوا ناري؟» حتى يستجيروني منها. البحر المحيط الثجاج (42/ 123).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فكيف لو رأوا ناري» أظهر في محل الإِضمار في الجملتين؛ للتعظيم والتهويل. دليل الفالحين (7/ 251).

قوله: «قالوا: لا»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قالوا: لا» أي: لم يروها، وإنما آمنوا بها، وصدقوا بما أنزلته في كتابك، وعلى لسان رسولك -صلى الله عليه وسلم– من أغلالها، وأنكالها، وأهوالها الشداد. البحر المحيط الثجاج (42/ 123).

قوله: «قال: فكيف لو رأوا ناري؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فكيف» استعاذتُهُم منها «لو رأوا ناري» بل كانوا أشد استعاذة منها لو رأوها. الكوكب الوهاج (25/ 45).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فكيف لو رأوا ناري؟» أي: فكيف حالهم لو رأوا ناري عيانًا ومشاهدة؟، زاد في رواية البخاري: «كانوا أشد منها فرارًا، وأشد لها مخافة»، وفي رواية أبي معاوية: «كانوا أشد منها هربًا، وأشد منها تعوُّذًا وخوفًا». البحر المحيط الثجاج (42/ 123).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
في قوله: «هل رأوني»، «وهل رأوا جنتي»، «وهل رأوا ناري» تقريع للملائكة وتنبيه على أن تسبيح بني آدم وتقديسهم أعلى وأشرف من تقديسهم؛ لحصول هذا في عالم الغيب مع وجود الموانع والصوارف، وحصول ذلك في عالم المشاهدة من غير صارف. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1729).

قوله: «قالوا: ويستغفرونك»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ويستغفرونك» أي: يطلبون منك مغفرة ذنوبهم. البحر المحيط الثجاج (42/ 123).

قوله: «قال: فيقول: قد غفرت لهم»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قد غفرت لهم» ذنوبهم. البحر المحيط الثجاج (42/ 123).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
والغفر: الستر، والعرب تزيد فيه تاء فتقول: اغتفرت لك، أي: سحبت ذيل إحساني على إساءتك. الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 267).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قد غفرت لهم» أي: بذكرهم فإن الحسنات يُذْهِبنَ السيئات. مرقاة المفاتيح (4/ 1548).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
بدأ به في الجواب؛ لأنه أقرب مطلوب، وأسنى مرغوب، ولأن ما بعده مبني عليه؛ فلذا فرَّع عليه قوله: «فأعطيتهم ما سألوا». دليل الفالحين (7/ 251).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
يستدل منه على أنه -جلَّ جلاله- إذا غفر لهم أدخلهم الجنة. الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 267).

قوله: «فأعطيتهم ما سألوا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فأعطيتهم ما سألوا» لعل العدول عن الواو إلى الفاء لترتيب الإعطاء على المغفرة. مرقاة المفاتيح (4/ 1549).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فأعطيتهم ما سألوا» أي: من دخول الجنة، ومغفرة الذنوب. البحر المحيط الثجاج (42/ 123).

قوله: «وأجرتهم مما استجاروا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وأجرتهم» من أجاره يُجِيره إذا أمَّنَه من الخوف «مما استجاروا». مرقاة المفاتيح (4/ 1549).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وأجرتهم مما استجاروا» أي: من النار. البحر المحيط الثجاج (42/ 123).

قوله: «قال: فيقولون: رب فيهم فلان»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فيقولون» أي: الملائكة -عليهم السلام-، وفي رواية البخاري: «فيقول ملك من الملائكة»، ويجمع بأن الذي قال أحدهم، ونسب إليهم لرضاهم به.
«رب» بحذف حرف النداء، أي: يا رب «فيهم فلان عبد خطاء» أي: كثير الخطأ. البحر المحيط الثجاج (42/ 123).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فيهم» أي: في أولئك القوم الذاكرين، أي: معهم «فلان» هو «عبد خطَّاء». الكوكب الوهاج (25/ 45).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فلان» كناية عن اسمه ونسبه. مرقاة المفاتيح (4/ 1548).

قوله: «عبد خطَّاء»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«خطاء» بصيغة المبالغة. الكوكب الوهاج (25/ 45).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «خطَّاء» أي: كثير الخطايا. شرح صحيح مسلم (17/ 15).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«خطاء» بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الطاء المهملة، والمد، أي: كثير الخطأ والذنب، أو ملازم الخطايا غير تارك لها، وهو من أبنية المبالغة. مرعاة المفاتيح (7/ 399).

قوله: «إنما مرَّ فجلس معهم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إنما مرَّ» أي: لحاجة «فجلس معهم». مرقاة المفاتيح (4/ 1549).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: كان فيهم رجل ليس من الذاكرين، بل كان يمر لشغل، فجلس بينهم، يريد ذلك الملك بهذا اللفظ: أنه لا يستحق المغفرة؛ لأنه ليس من الذاكرين. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 140).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «إنما مرَّ فجلس» أي: إنما صدر منه المرور، ثم الجلوس، لا تسبيح، ولا تكبير، ولا تحميد. لمعات التنقيح (5/ 40).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
(فهذا) يدل على أن الملائكة لا تكتم الله حديثًا، وأنه مما يدل على أمانة الملائكة فيما يخبرون به ربهم سبحانه، فكيف لا يؤدي الأمانة من يعلم أن السائل له يعلم الأمر المسئول عنه قبل وقوعه، وإنما أثار سؤال ذلك منه؛ ليكون مما يجيبه الله به عنه مبشرًا كل من أوى إلى أهل الذكر، أو مر بهم، أو جاء لحاجة فجلس إليهم، فإن عرض جاه الذاكرين يشمله، وكفتهم تظله. الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 267-268).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
إنما استبعدت الملائكة أن يدخل هذا مع أهل المجلس في المغفرة؛ لأنه لم تكن عادته حضور مجالس الذكر، وإنما كانت عادته ملازمة الخطايا، فعرض له هذا المجلس، فجلسه، فدخل مع أهله فيما قسم لهم من المغفرة والرحمة، فيستفاد منه الترغيب العظيم في حضور مجالس الذكر، ومجالسة العلماء والصالحين وملازمتهم. المفهم (7/ 13).

قوله: «وله غفرت»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قال: «وله» أي: لفلان الخطاء «غفرت» خطاياه بسببهم؛ لأنهم «هم القوم». البحر المحيط الثجاج (42/ 123).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وله غفرت» بتقديم الظرف للاهتمام. دليل الفالحين (7/ 251).

قوله: «هُم القوم لا يشقى بهم جليسهم»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«هم القوم لا يشقى بهم جليسهم» وتعريف الخبر يدل على الكمال، أي: هم القوم كل القوم الكاملون، فيما هم فيه من السعادة، فيكون قوله: «لا يشقى بهم جليسهم» استئنافًا لبيان الموجب. إرشاد الساري (9/ 232).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«لا يشقى بهم جليسهم» أي: لا يحرم من الثواب، بل يجد من بركتهم نصيبًا. شرح المصابيح (3/ 90).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لا يشقى بهم» أي: بسببهم، وبسبب إكرام الله تعالى لهم. البحر المحيط الثجاج (42/ 123).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
«جليسهم» أي: مجالسهم، ولو لم يرد ذلك، ولا قصده، وإنما قصده غرض آخر من الأغراض الدنيوية. البحر المحيط الثجاج (42/ 123).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
«هم القوم لا يشقى جليسهم» يعني: أن هذا الجليس الذي جاء لحاجة لما رآهم جلس معهم فلم يكن عزمته الأولى لذلك، ولكنه وافقهم في الجلوس، فبورك له في الجلوس حين لم يعرض عنهم، فكان له من مجالستهم أنه لحقته بركتهم، فأخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا يشقى جليسهم»؛ ليرغب كل مؤمن في مجالسة أهل الذكر، فإن لم يكن من الذاكرين، ولا يعجز أحد في أن يجالس أهل ذكر الله، وإن بلغ به الأمر إلى أن لا يفهم ما يقولونه، ويؤمل أن يقول الله تعالى فيه: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم، ثم إن فاته الفهم في أول شيء فسيناله فيما بعد -إن شاء الله تعالى-. الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 267).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذه مبالغة في إكرامهم، وزيادة في إعلاء مكانتهم، ألا ترى أنه أكرم جليسهم بنحو ما أكرموا به لأجلهم، وإن لم يشفعوا فيه، ولا طلبوا له شيئًا، وهذه حالة شريفة، ومنزلة منيفة، لا خيبنا الله منهم، وجعلنا من أهلها. المفهم (7/ 13).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
هذه الجملة مستأنفة لبيان المقتضي؛ لكونهم أهل الكمال...، وفي هذه العبارة مبالغة في نفي الشقاء عن جليس الذاكرين، فلو قيل: لسعد بهم جليسهم لكان ذلك في غاية الفضل، لكن التصريح بنفي الشقاء أبلغ في حصول المقصود. فتح الباري (11/ 213).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وفي الحديث: فضيلة الجلوس مع أهل الذِّكر، وإن لم يشاركهم وفضل مجالسة الصالحين وبركتهم. مرعاة المفاتيح (7/ 400).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وفي هذا: ترغيب للعباد في مجالسة الصلحاء؛ لينالوا نصيبًا من بركتهم وثوابهم. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 140).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أشد الحرص، وأكمل البعث، وأعظم الندب- إلى كثرة ذكر الله -سبحانه وتعالى-، ولا سيما إذا كان ذكرًا يتعلمه الجاهل، ويستيقظ به الغافل، ويزداد به العالم، ألا تراه -صلى الله عليه وسلم- كيف قال: «يطوفون يلتمسون حلق الذكر»، فإن الذكر بالاجتماع له معنى بليغ في إصابة رضا الله -عزَّ وجلَّ-، فإن موسى -عليه السلام- قال: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي} طه: 29، إلى أن قال: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} طه: 33-34 ، أي: إني أسبحك وأذكرك في الاجتماع معه أكثر من ذكري من الانفراد عنه. الإفصاح عن معاني الصحاح، باختصار (7/ 264-265).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وفقه الباب: أن معنى أمر الله تعالى العبد بذكره وترغيبه فيه؛ ليكون ذلك سببًا لمغفرته له، ورحمته إياه؛ لقوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} البقرة: 152، وذكر الله العبد رحمة له، قال ثابت البناني: قال أبو عثمان النهدي: إني لأعلم الساعة التي يذكرني الله فيها، قيل: ومن أين تعلمها؟ قال: يقول الله: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} البقرة: 152. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (29/ 371).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
ودلَّ الحديث: على جواز الذكر الجماعي بشرط أن لا تدخله القيود المبتدعة، وبشرط أن يكون خاليًا من الرياء والسمعة والمنكرات الأخرى، كحضور النساء مع الرجال.
وفيه: فضل عظيم لذكر الله تعالى؛ سواء كان بالقلب أو باللسان أو بهما جميعًا. الكوكب الوهاج (25/ 46).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفيه: بيان كذب من ادعى من الزنادقة أنه يرى الله تعالى جهرًا في دار الدنيا، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة رفعه: «واعلموا أنكم لم تروا ربكم حتى تموتوا».
وفيه: جواز القسم في الأمر المحقق تأكيدًا له وتنويهًا به.
وفيه: أن الذي اشتملت عليه الجنة من أنواع الخيرات، والنار من أنواع المكروهات فوق ما وُصِفتا به، وأن الرغبة والطلب من الله والمبالغة في ذلك من أسباب الحصول.
وفيه: محبة الملائكة بني آدم، واعتناؤهم بهم.
وفيه: أن السؤال قد يصدر من السائل وهو أعلم بالمسئول عنه من المسئول؛ لإظهار العناية بالمسئول عنه، والتنويه بقدره، والإعلان بشرف منزلته، وقيل: إن في خصوص سؤال الله الملائكة عن أهل الذكر الإشارة إلى قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} البقرة: 30، فكأنه قيل لهم: انظروا إلى ما حصل منهم من التسبيح والتقديس مع ما سلط عليهم من الشهوات، ووساوس الشيطان، وكيف عالجوا ذلك، وضاهوكم في التسبيح والتقديس، وقيل: إنه يؤخذ من هذا الحديث: أن الذكر الحاصل من بني آدم أعلى وأشرف من الذكر الحاصل من الملائكة؛ لحصول ذكر الآدميين مع كثرة الشواغل، ووجود الصوارف، وصدوره في عالم الغيب بخلاف الملائكة في ذلك كله. فتح الباري (11/ 213).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
وفيه: شرف أصحاب الأذكار المواظبين الملازمين لها، وكثرة أعداد الملائكة، وشهادتهم لبني آدم بالخيرات.
وفيه: إثبات الجنة والنار، وأن الصحبة لها تأثير عظيم، وأن جلساء السعداء سعداء، والتحريض على صحبة أهل الخير. اللامع الصبيح، باختصار (15/ 438).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: فضيلة الذكر، وفضيلة مجالسه، والجلوس مع أهله، وإن لم يشاركهم، وفضل مجالسة الصالحين، وبركتهم -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (17/ 15).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث: دليل على فضيلة مجالسة الصالحين، وأن الجليس الصالح ربما يعم الله -سبحانه وتعالى- بجليسه رحمته، وإن لم يكن مثله. شرح رياض الصالحين (5/ 532).
وقالت حصة بنت عبد العزيز الصغير -حفظها الله-:
الفوائد:
1- كثرة الملائكة؛ حتى إن الملائكة السيارة الموكلة بمجالس الذكر تملأ ما بين الأرض والسماء الدنيا.
2- أن للعيان مزية على العلم في الوضوح والبيان؛ لأن هؤلاء الذاكرين كانوا عالمين بالجنة والنار، ومع ذلك قال: كيف لو رأوا جنتي؟ شرح الأبي (7/ 122). إفراد أحاديث أسماء الله وصفاته (3/ 385).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- فضلُ مجالسِ الذكر وبُشرى المغفرة وتبديلِ السيئاتِ حسنات.
- فتوى الشيخ ابن باز -رحمه الله- في الفرق بين الذكر المشروع والذكر المبتدع وضابط حضور الملائكة للمجالس.


إبلاغ عن خطأ