قيل لِلنبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: رجلٌ يصومُ الدَّهرَ، قال: «ودِدْتُ أنَّه لم يَطْعَمِ الدَّهر» قالوا: فَثُلُثَيْهِ؟ قال: «أكثرَ» قالوا: فَنِصْفَهُ؟ قال: «أكثرَ»، ثم قال: «ألا أُخْبِرُكُمْ بما يُذْهِبُ وحَرَ الصَّدْرِ؟ صومُ ثلاثةِ أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ».
رواه النسائي برقم: (2385)، عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ورواه أحمد برقم: (20738) مختصرًا، بلفظ: «صيام ثلاثة أيام من الشَّهر يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدر».
صحيح الجامع برقم: (2608)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1036).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«وحَرَ الصَّدْرِ»:
أي: غِشَّه وبلابله ووساوسه. الغريبين، للهروي (6/ 1977).
وقال الحميدي -رحمه الله-:
«وحَر الصَّدر» وهو غِله وغِشَّه، وما يستقر فيه من العداوة. تفسير غريب ما في الصحيحين (ص:134).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «قيل للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: رجلٌ يصومُ الدهرَ، قال: «وددتُ أنَّه لم يَطعمْ الدهرَ»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «قيل للنبي -صلى الله تعالى عليه وسلم-: رجلٌ يصوم الدهر» أي: ذُكِرَ له رجلٌ يصوم الدهر، فعلى هذا «رجل» نائب الفاعل، وما بعده صفته، ويحتمل أنَّ «قيل» بمعناه، ورجل مبتدأ، وما بعده صفته، والخبر محذوف، أي: ما حكمه؟ «وددتُ أنه لم يَطعم الدهر» أي: وددتُ أنه ما أكل ليلًا ولا نهارًا حتى مات جوعًا، والمقصود بيان كراهة عمله، وأنه مذموم العمل؛ حتى يتمنى له الموت بالجوع أكثر، أي: هو أكثر من الحد الذي ينبغي. حاشيته على سنن النسائي (4/ 207، 208).
وقال النووي -رحمه الله-:
المراد بصوم الدهر سرد الصوم في جميع الأيام، إلا الأيام التي لا يصح صومها، وهي العيدان، وأيام التشريق. المجموع (6/ 388، 389).
وقال الروياني -رحمه الله-:
قال أصحابنا: لا يُكره صوم الدهر إذا أفطر في أيام النهي، ولم يترك فيه حقًّا ولم يخف ضررًا. بحر المذهب (3/ 308).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما صيام الدهر لمن أفطر الأيام التي نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لصيامها فمباح عند أكثر العلماء، إلا أنَّ الصيام عمل من أعمال البر، وفضله معلوم، وفي نهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن صيام أيام ذكرها على إباحة ما سواها، والله أعلم.
وقد كره بعض أهل العلم صيام الدهر؛ لحديث أبي قتادة وغيره عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سئل عن صيام الدهر، فقال: «من فعل ذلك فلا صام ولا أفطر» ويُروى: «لا صام ولا أفطر». الاستذكار (3/ 333).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قد سرد ابن عمر الصيام قبل موته بسنتين، وسرد الصيام أيضًا أبو الدرداء وأبو أمامة الباهلي وعبد الله بن عمرو وحمزة بن عمرو وعائشة وأم سلمة زوجا النبي وأسماء بنت أبي بكر، وعبد الله وعروة ابنا الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن وابن سيرين، وقالوا: من أفطر الأيام التي نهى رسول الله عن صيامها فليس بداخل فيما نهى عنه من صوم الدهر، وقال مالك في المجموعة: لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام منى. شرح صحيح البخاري (4/ 122، 123).
وقال النووي -رحمه الله-:
وحاصل حكمه عندنا (الشافعية): أنه إن خاف ضررًا أو فَوَّت حقًّا بصيام الدهر كُره له، وإن لم يخف ضررًا، ولم يُفَوِّت حقًّا لم يُكره، هذا هو الصحيح الذي نص عليه الشافعي، وقطع به المصنف والجمهور، وأطلق البغوي وطائفة قليلة أن صوم الدهر مكروه، وأطلق الغزالي في الوسيط أنه مسنون، وكذا قال الدارمي: مَن قدر على صوم الدهر من غير مشقة ففعل فهو فضل، وقال الشافعي في البويطي: لا بأس بسرد الصوم إذا أفطر أيام النهي الخمسة، قال صاحب الشامل (ابن الصباغ) بعد أن ذكر النص: وبهذا قال عامة العلماء. المجموع (6/ 388، 389).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
اختلف العلماء فيه: فذهب أهل الظاهر إلى منع صيام الدهر؛ نظرًا لظواهر هذه الأحاديث...، ومذهب الشافعي وأصحابه: أنَّ سرد الصيام إذا أفطر العيدين والتشريق، لا كراهة فيه، بل هو مستحب بشرط ألا يلحقه به ضرر، ولا يُفَوِّت حقًّا، فإن تضرَّر أو فوَّت حقًا فمكروه، واستدلوا بحديث حمزة بن عمرو، وقد رواه البخاري ومسلم أنه قال: يا رسول الله، إني أسرد الصوم أفأصوم في السفر؟ فقال: «إن شئت فصم» ولفظ رواية مسلم: «فأقرَّه -صلى الله عليه وسلم- على سرد الصيام»، ولو كان مكروهًا لم يُقِرّه لا سيما في السفر، وقد ثبت عن ابن عمر بن الخطاب أنه كان يسرد الصيام، وكذلك أبو طلحة وعائشة وخلائق من السلف، قد ذكرت منهم جماعة في شرح المهذب في باب صوم التطوع.
وأجابوا عن حديث: «لا صام مَن صام الأبد» بأجوبة:
أحدها: أنَّه محمول على حقيقته بأن يصوم معه العيدين والتشريق، وبهذا أجابت عائشة -رضي الله عنها-.
والثاني: أنه محمول على مَن تضرر به أو فوَّت به حقًّا، ويؤيِّده أن النهي كان خطابًا لعبد الله بن عمرو بن العاص، وقد ذكر مسلم عنه أنه عجز في آخر عمره، وندم على كونه لم يقبل الرخصة، قالوا: فنهى ابن عمرو؛ وكان لعلمه بأنه سيعجز، وأقر حمزة بن عمرو؛ لعلمه بقدرته بلا ضرر.
والثالث: أن معنى «لا صام» أنه لا يجد من مشقته ما يجدها غيره؛ فيكون خبرًا لا دعاء. المنهاج شرح صحيح مسلم(8/ 40).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
صوم الدهر ذهب جماعة إلى جوازه، منهم مالك والشافعي، ومنعه الظاهرية؛ للأحاديث التي وردت فيه، كقوله -عليه السلام-: «لا صام من صام الأبد» وغير ذلك، وتأول مخالفوهم هذا على من صام الدهر، وأدخل فيه الأيام المنهي عن صومها، كيومَي العيدين، وأيام التشريق، وكأن هذا محافظة على حقيقة صوم الأبد، فإنَّ مَن صام هذه الأيام مع غيرها هو الصائم للأبد، ومَن أفطر فيها لم يصم الأبد، إلا أن في هذا خروجًا عن الحقيقة الشرعية، وهو مدلول لفظة: «صام»؛ فإن هذه الأيام غير قابلة للصوم شرعًا؛ إذ لا يُتصور فيها حقيقة الصوم، فلا يحصل حقيقة «صام» شرعًا لمن أمسك في هذه الأيام.
فإن وقعت المحافظة على حقيقة لفظ «الأبد» فقد وقع الإخلال بحقيقة لفظ «صام» شرعًا، فيجب أن يُحمل ذلك على الصوم اللغوي، وإذا تعارض مدلول اللغة ومدلول الشرع في ألفاظ صاحب الشرع، حُمل على الحقيقة الشرعية، ووجه آخر: وهو أن تعليق الحكم بصوم الأبد يقتضي ظاهره أن «الأبد» متعلق الحكم من حيث هو أبد، فإذا وقع الصوم في هذه الأيام فعِلَّة الحكم وقوع الصوم في الوقت المنهي عنه، وعليه ترتَّب الحكم، ويبقى ترتيبه على مسمى الأبد غير واقع؛ فإنه إذا صام هذه الأيام تعلق به الذم، سواء صام غيرها أو أفطر، ولا يبقى متعلق الذم عليه صوم الأبد، بل هو صوم هذه الأيام، إلا أنه لما كان صوم الأبد يلزم منه صوم هذه الأيام تعلق به الذم؛ لتعلقه بلازمه الذي لا ينفك عنه، فمِن ها هنا نظر المتأولون بهذا التأويل،فتركوا التعليل بخصوص صوم الأبد.إحكام الأحكام(2/ 29، 30).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وقد تنازع العلماء في سرد الصوم إذا أفطر يومَي العيدين وأيام منى، فاستحب ذلك طائفة من الفقهاء والعباد، فرأوه أفضل من صوم يوم وفطر يوم، وطائفة أخرى لم يروه أفضل، بل جعلوه سائغًا بلا كراهة، وجعلوا صوم شطر الدهر أفضل منه، وحملوا ما ورد في ترك صوم الدهر على من صام أيام النهي، والقول الثالث: وهو الصواب قول من جعل ذلك تركًا للأَولى أو كره ذلك؛ فإن الأحاديث الصحيحة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كنَهْيِهِ لعبد الله بن عمرو عن ذلك وقوله: «مَن صام الدهر فلا صام ولا أفطر» وغيرها صريحة في أن هذا ليس بمشروع، ومَن حمل ذلك على أن المراد صوم الأيام الخمسة فقد غلط؛ فإن صوم الدهر لا يُراد به صوم خمسة أيام فقط، وتلك الخمسة صومها محرم ولو أفطر غيرها، فلم ينه عنها لكون ذلك صومًا للدهر، ولا يجوز أن ينهى عن صوم أكثر من ثلاثمائة يوم والمراد خمسة. مجموع الفتاوى (22/ 301، 302).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
لم يكن من هديه -صلى الله عليه وسلم- سرد الصوم وصيام الدهر، بل قد قال: «من صام الدهر لا صام ولا أفطر» وليس مراده بهذا: من صام الأيام المحرَّمة، فإنه ذكر ذلك جوابًا لمن قال: أرأيت من صام الدهر؟ ولا يقال في جواب مَن فعل المحرم: لا صام ولا أفطر، فإن هذا يُؤْذِنُ بأنه سواء فطره وصومه لا يثاب عليه، ولا يعاقب، وليس كذلك مَن فعل ما حرم الله عليه من الصيام، فليس هذا جوابًا مطابقًا للسؤال عن المحرَّم من الصوم، وأيضًا فإن هذا عند مَن استحب صوم الدهر قد فعل مستحبًا وحرامًا، وهو عندهم قد صام بالنسبة إلى أيام الاستحباب، وارتكب محرمًا بالنسبة إلى أيام التحريم، وفي كل منهما لا يقال: «لا صام ولا أفطر»، فتنزيل قوله على ذلك غلط ظاهر.
وأيضًا فإن أيام التحريم مستثناة بالشرع غير قابلة للصوم شرعًا، فهي بمنزلة الليل شرعًا، وبمنزلة أيام الحيض؛ فلم يكن الصحابة ليسألوه عن صومها، وقد علموا عدم قبولها للصوم، ولم يكن ليجيبهم لو لم يعلموا التحريم بقوله: «لا صام ولا أفطر»، فإن هذا ليس فيه بيان للتحريم، فهديه لا شك فيه أن صيام يوم وفطر يوم أفضل من صوم الدهر وأحب إلى الله.
وسرْدُ صيام الدهر مكروه، فإنه لو لم يكن مكروهًا لزم أحد ثلاثة أمور ممتنعة: أن يكون أحب إلى الله من صوم يوم وفطر يوم، وأفضل منه؛ لأنه زيادة عمل، وهذا مردود بالحديث الصحيح: «إن أحب الصيام إلى الله صيام داود»، وأنه لا أفضل منه، وإما أن يكون مساويًا في الفضل وهو ممتنع أيضًا، وإما أن يكون مباحًا متساوي الطرفين لا استحباب فيه، ولا كراهة، وهذا ممتنع؛ إذ ليس هذا شأن العبادات، بل إما أن تكون راجحة أو مرجوحة -والله أعلم-.
فإن قيل: فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من صام رمضان وأتبعه ستة أيام من شوال فكأنما صام الدهر»، وقال فيمن صام ثلاثة أيام من كل شهر: «إن ذلك يعدل صوم الدهر»، وذلك يدل على أن صوم الدهر أفضل مما عُدِلَ به، وأنه أمر مطلوب، وثوابه أكثر من ثواب الصائمين، حتى شبَّه به من صام هذا الصيام.
قيل: نفس هذا التشبيه في الأمر المقدَّر لا يقتضي جوازه فضلًا عن استحبابه، وإنما يقتضي التشبيه به في ثوابه لو كان مستحبًا، والدليل عليه من نفس الحديث، فإنه جعل صيام ثلاثة أيام من كل شهر بمنزلة صيام الدهر؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، وهذا يقتضي أن يحصل له ثواب من صام ثلاثمائة وستين يومًا، ومعلوم أنَّ هذا حرام قطعًا، فعُلم أنَّ المراد به: حصول هذا الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يومًا. زاد المعاد (2/ 76-78).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
أفضل الصوم بعد الصيام المفروض صوم يوم وإفطار يوم، ولا يحل لأحد أن يصوم أكثر من ذلك أصلًا، والزيادة عليه معصية ممن قامت عليه بها الحجة، ولا يحل صوم الدهر أصلًا. المحلى بالآثار (4/ 431).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وإلى كراهة صوم الدهر مطلقًا ذهب إسحاق وأهل الظاهر، وهي رواية عن أحمد، وشذ ابن حزم فحرمه...، وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدهر لمن قوي عليه، ولم يفوِّت به حقًّا، وإلى ذلك ذهب الجمهور. شرح سنن أبي داود (10/ 523- 525).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قد اتفق العلماء على أنَّ مَن نذر صوم الدهر فإنه يلزمه، وتركَّب على هذا فرع غريب، وهو إذا أفطر بعد ذلك فيه متعمدًا، فقال كافة الناس: ليستغفر الله ولا شيء عليه، وقال ابن نافع وعبد الملك: عليه الكفارة؛ لأنه لا يجد محلًّا فارغًا للقضاء، فتكون الكفارة عوضًا منه، وهذا ضعيف؛ لأنه ليس فيه خبر، ولا له نظير في نظر. القبس (ص:514).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
فإنْ نذر صوم الدهر لزمه، ولم يدخل في نذره رمضان، ولا أيام العيد والتشريق، فإن أفطر لعذر أو غيره لم يقضه؛ لأن الزمن مستغرق بالصوم المنذور، ولكن تلزمه كفارة لتركه، وإن لزمه قضاء من رمضان، أو كفارة قدَّمه على النذر؛ لأنه واجب بأصل الشرع، فقدَّم على ما أوجبه على نفسه، كتقديم حَجَّة الإسلام على المنذورة، فإذا لزمته كفارة لتركه صوم يوم أو أكثر، وكانت كفارته الصيام، احتمل أن لا يجب؛ لأنه لا يمكن التكفير إلا بترك الصوم المنذور، وتركه يوجب كفارة، فيفضي ذلك إلى التسلسل، وترك المنذور بالكلية، ويحتمل أن تجب الكفارة، ولا تجب بفعلها كفارة؛ لأن ترك النذر لعذر لا يوجب كفارة، فلا يفضى إلى التسلسل. المغني (13/ 659).
قوله: «قالوا: فثُلُثَيْهِ؟ قال: «أكثر»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فثُلُثَيْهِ» بالنصب مفعولًا لمقدَّر، أي: إن صام ثلثي الدهر فما حكمه؟ «قال: أكثر» يحتمل أن يكون أفعل تفضيل، مرفوعًا خبرًا لمحذوف، أي: هو أكثر من الحد المطلوب، ويحتمل أن يكون فعلًا ماضيًا، أي: أكثر الرجل من الصوم، حتى جاوز الحد الذي ينبغي ألا يتجاوزه. ذخيرة العقبى (21/ 301).
قوله: «قالوا: فنصفه؟ قال: «أكثر»:
قال السندي -رحمه الله-:
أما قوله في النصف إنه «أكثر» فهو بناء على النظر إلى أحوال غالب الناس، فإنه بالنظر إلى غالبهم يضعف، ويخل في إقامة الفرائض وغيره، وإلا فهو صوم داود، وقد جاء أنه أحب الصيام. حاشيته على سنن النسائي (4/ 208، 209).
وقال العيني -رحمه الله-:
نصف صوم الدهر، وهو أن تصوم يومًا، وتفطر يومًا. عمدة القاري (11/ 89).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قالوا: فنصفه؟» أي: إن صام نصف الدهر. ذخيرة العقبى (21/ 301).
وقال أبو طالب المكي -رحمه الله-:
قد دلت الأخبار على فضل صوم نصف الدَّهر؛ بأن يصوم يومًا، ويفطر يومًا؛ وذلك ليكون العبد بين حالين، حال صبر، وحال شُكر. قوت القلوب (1/ 134).
قوله: «ثم قال: «ألا أخبركم بما يُذهب وحَر الصدر؟»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
«يذهب وحَر الصدر» الوحر في الصدر: مثل الغِلِّ، يقال: وَحِرَ صدرُه عليَّ، أي: وَغِرَ، وفي صدره عليَّ وَحْرٌ -بالتسكين- مثل: وَغْرٌ، وهو اسم، والمصدر بالتحريك. الميسر (2/ 723).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «وحَر الصدر» أي: الغل والحقد. المفاتيح (3/ 522).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وحَر الصَّدر» بالمهملة محرّكة، وهو غِشُّه وحقده أو غيظه أو نفاقه، أو أشد الغضب، وهذه من أجلِّ فوائد الصوم، فإن ذلك يستلزم شرح الصدر الذي سأله كليم الله -عليه السلام-، وامتن به الرب تعالى على خاتم رسله، وبه صلاح دِين العبد ودنياه. التنوير (7/ 12).
وقال السندي -رحمه الله-:
«بما يُذهب وَحَرَ الصدر» بفتحتين، قيل: غِشه ووساوسه، وقيل: حقده، وقيل: ما يحصل في القلب من الكدورات والقسوة، وينبغي أنْ يُراد ها هنا الحاصلة بالاعتياد على الأكل والشرب، فإنَّ شرع الصوم لتصقيل القلب، فكأنه أشار إلى أن هذا القدر يكفي في ذلك، ويحتمل أن يقال: طالبُ العبادة لا يطمئن قلبه بلا عبادة، فأشار إلى أن القدر الكافي في الاطمئنان هذا القدر، والباقي زائد عليه، والله تعالى أعلم. حاشيته على سنن النسائي (4/ 208، 209).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قال بعضهم: وإنَّما شُرِع الصوم كسرًا لشهوات النفوس، وقطعًا لأسباب الاسترقاق، والتعبد للأشياء، فإنهم لو داموا على أغراضهم لاستعبدتهم الأشياء، وقطَعَتهم عن الله، والصوم يقطع أسباب التعبد لغيره، ويورث الحرية من الرق للمشتبهات؛ لأن المراد من الحرية أنْ يملك الأشياء، ولا تملكه؛ لأنه خليفة الله في مُلكه، فإذا مَلَكَته فقد قلب الحكمة، وصيَّر الفاضل مفضولًا، والأعلى أسفل. فيض القدير (4/ 278).
قوله: «صومُ ثلاثةِ أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ثلاثة أيام» البيض «من كل شهر» لتَمْرِين النفس على جنس الصيام؛ ليدخل في واجبه بانشراح، ويُثاب ثواب صوم الدهر بانضمام ذلك لصوم رمضان؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها. إرشاد الساري (2/ 338).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«صيام ثلاثة أيام من كل شهر» أي: سواء كانت البِيْضُ أو السُّود أو غيرها أو ذلك غير ذلك؛ ليحصل مثل ثواب الشهر كله. دليل الفالحين(7/ 63).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وتترجح البِيْضُ بكونها وسط الشهر، ووسط الشيء أعدله. فتح الباري (4/ 227).
وقال النووي -رحمه الله-:
الأفضل صومها في الأيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وقيل: الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر، والصحيح المشهور هو الأول. رياض الصالحين (ص: 351).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
اعلم أنه قد ثبت في السُّنة قولًا وفعلًا استحباب صوم ثلاثة أيام من الشهر مطلقًا، ومقيدًا بكونها ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، التي يقال لها: أيام البيض، وهو الأحب، ومقتضى أكثر الأحاديث والآثار، وقول أكثر أهل العلم، وقد ورد صوم ثلاثة: أولها يوم الاثنين مع الثلاثاء والأربعاء، وأولها الخميس مع الجمعة والسبت، وكان قد يصوم من شهر السبت والأحد والاثنين، ومن شهر آخر الثلاثاء والأربعاء والخميس. لمعات التنقيح (4/ 479).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
اختلف الناس في تعيينها من الشهر اختلافًا في تعيين الأحب والأفضل لا غير. إحكام الأحكام (2/ 30).
وقال الزيلعي -رحمه الله-:
المندوب صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ويندب فيها كونها الأيام البيض. تبيين الحقائق (1/ 313).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ولا فرق بين أنْ تكون متوالية يعني: متتابعة، أو متفرقة، كلها يحصل بها الأجر، لكن أفضل هذه الأيام الثلاثة أيام البيض: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. شرح رياض الصالحين (5/ 152).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، لا نعلم فيه خلافًا. المغني (4/ 445).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر.
- فتوى اللجنة الدائمة في حكم صيام ثلاثة أيام من الشهر في غير أيام البيض.