الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«أنَّ قومًا قالوا للنَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: إِنَّ قومًا يأتُونَا باللَّحْمِ، لا ندري: أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عليه أم لا؟ فقال: سَمُّوا عليه أنتم وَكُلُوهُ» قالت: وكانوا حديثِي عهْدٍ بالكُفْرِ.


رواه البخاري برقم: (5507) ورقم: (2057)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وعند مالك برقم: (1781): «من أَهل البادية»، وسنده مرسل. وزاد من قوله: «وذلك في أول الإسلام». الموطأ ت الأعظمي.


غريب الحديث


«حدِيْثِي عَهْد بالكفر»:
أي: قريبٌ زمان إسلامهم، ولم يعلموا أحكام الشرع. بذل المجهود، للسهارنفوري (9/ 600).


شرح الحديث


قوله: «أن قومًا قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم-»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أن قومًا قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم-» لم أقف على تعيينهم، ووقع في رواية مالك: «سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-». فتح الباري (9/ 635).

قوله: «إن قومًا يأتونا باللحم»:
قال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«إن قومًا يأتوننا باللحم» أي: إن ناسًا يجيئون إلينا بلحوم مِن حيوانات قد ذبحوها في البادية، والمراد بهم هنا أعراب من بادية المدينة المنورة، كانوا حديثي عهد بالجاهلية. فقه الإسلام (9/ 264).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إن قومًا يأتوننا بلحمٍ» في رواية أبي خالد: «يأتونا بلُحْمَان» وفي رواية النضر بن شُمَيل عن هشام عند النسائي: «إن ناسًا من الأعراب» وفي رواية مالك «من البادية». فتح الباري (9/ 635).

قوله: «لا ندري: أَذُكِرَ اسم الله عليه أم لا؟»:
قال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«لا ندرى أَذُكِرَ اسم الله عليه أم لا؟» أي: لا نعرف هل سمَّوا الله تعالى عند ذبحها أو لم يسمُّوا الله تعالى عند الذبح؛ لحداثة عهدهم بالإسلام، وقِلَّة معرفتهم للحلال والحرام، على حد قوله تعالى: {وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} التوبة: 97. فقه الإسلام (9/ 264).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «لا ندري أذُكِرَ اسم الله عليه؟» كذا هنا بضم الذال على البناء للمجهول، وفي رواية الطَّفَاوي الماضية في البيوع: «اذَكَرُوا» وفي رواية أبي خالد: «لا ندري يَذْكُرون» زاد أبو داود في روايته: «أم لم يَذْكُروا، أفنأكل منها؟». فتح الباري (9/ 635).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«لا ندري أَذَكَرُوا اسم الله عليها؟» عند الذبح. بذل المجهود (9/ 600).

قوله: «فقال: سمُّوا عليه أنتم وكُلُوه»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
وزاد ابن عيينة في روايته: «اجتهِدُوا أيمانهم، وكُلوا» أي: حلِّفُوهم على أنهم سمَّوا حين ذبحوا، وهذه الزيادة غريبة في هذا الحديث، وابن عيينة ثقة، لكن روايته هذه مرسلة، نعم أخرج الطبراني من حديث أبي سعيد نحوه، لكن قال: «اجتهدوا أيمانهم أنهم ذبحوها» ورجاله ثقات. فتح الباري (9/ 635).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله- متعقبًا ابن حجر:
أقول: بل هي -إلى ذلك- شاذة في حديث عائشة؛ لأنها لم تُذكر في شيء من الطرق الأخرى الموصولة أو المرسلة. السلسلة الضعيفة (11/854).
وقال المغربي -رحمه الله- بعد ذكره لرواية أبي سعيد:
ولعله يقال: إن ذلك على وجه الندب؛ للاحتياط في الوَرَعِ عن المشتبه.
ويدل على هذا ما أخرجه الطحاوي في المشكل: «سأل ناس من الصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: أعاريبٌ يأتوننا بلُحْمَان وجُبن وسمن، ما ندري ما كُنْه (أي: حقيقة) إسلامهم، قال: انظروا ما حرّم الله عليكم فأمسكوا عنه، وما سَكت عنه فقد عفا لكم، وما كان ربُّك نسيًّا، اذكروا اسم الله». (أخرجه الطحاوي برقم: (754)، قال صاحب كتاب أنيس الساري (تخريج أحاديث فتح الباري)» (2/ 1115): ضعيف جدًا).
ففيه: دلالة على الاحتياط بالنظر في ذلك، وأن الله -سبحانه وتعالى- قد عفا عمَّا سكت عنه، ولم ينصَّ على تحريمه مثل طعام الأعرابي الذي فيه احتمال الشبهة، والله سبحانه أعلم. البدر التمام (9/368).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «سمُّوا» أي: اذكروا اسم الله عليه. الكواكب الدراري (9/ 189).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«سمُّوا الله عليه أنتم وكلوه» أي: اذكروا اسم الله أنتم عند الأكل، ولا يلزمكم أن تبحثوا عن ذلك؛ لأن الأصل في المسلم أن يسمي الله عند الذبح، وقد نهى الإسلام عن التنطُّع والغلو. فقه الإسلام (9/ 264).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قوله: «سمُّوا أنتم» ليس يعني: أنه يجزئ عمَّا لم يسمَّ عليه، ولكن التسمية على الطعام سُنة. كشف المشكل (4/ 385).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قد أجمع العلماء على أن التسمية على الأكل إنما معناها: التبرك لا مدخل فيه للذكاة بوجه من الوجوه؛ لأن الميت لا تدركه ذكاة. التمهيد (22/ 300).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «سموا الله عليه وكلوه» ومراده: أنْ احملوا حالهم على ما يليق بالمسلمين، وأحسنوا الظن بهم، وأْتُوا أنتم بما هو سُنة لكم، وهو التسمية عند الأكل، لا أن التسمية عند الأكل تجزئ عن التسمية عند الذبح، وهذا كمال البلاغة، ومن لا يدري مخاطبات البلغاء يقع في الخَبْط. فيض الباري (3/ 402-403).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
الظاهر من المسلم والكتابي أنه يسمي، فيُحمل أمره على أحسن أحواله، ولا يلزمنا سؤاله عن هذا. كشف المشكل (4/ 385).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «سموا عليه أنتم وكلوا» في رواية الطفاوي: «سموا الله» وفي رواية النضر وأبي خالد: «اذكروا اسم الله» زاد أبو خالد: «أنتم». فتح الباري (9/ 635).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذه التسمية هي المأمور بها عند أكل كل طعام، وشرب كل شراب. شرح مسلم (13/ 74).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
«سموا الله وكلوا» المعنى: عليكم بما يتوجه عليكم من التسمية في أكلكم، ودعوا فعلهم، واكتفوا بظاهر إسلامهم؛ ولذلك جاز أكل لحوم الجزارين، وإن لم يُوْثَق بهم في التسمية؛ حملًا على ظاهر الإسلام، إلا إنْ تعيَّن منهم مَن يترك التسمية، فحينئذٍ تجتنب الأكل، كما جرى لعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة حين أمر غلامه أن يسمي، فقال: قد سميتُ، وأبى أن يُعلن بها كما أمره، فتركها تورعًا؛ لأنه لم يثق به. عارضة الأحوذي (5/40).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن التين: وأما التسمية على ذبحٍ تولاه غيرهم من غير علمهم فلا تكليف عليهم فيه، وإنما يحمل على غير الصحة إذا تبين خلافها.
ويحتمل: أن يريد أنَّ تسميتكم الآن تستبيحون بها أكل ما لم تعلموا أَذُكِرَ اسم الله عليه أم لا؟ إذا كان الذابح ممن تصح ذبيحته إذا سمى. فتح الباري (9/ 635).

قولها: «قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وكانوا حديثي عهد بكفر» أي: أسلموا قريبًا. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 40).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «بالكفر» وفي لفظ: «بكفر» وفي رواية أبي خالد: «بشرك» وفي رواية أبي داود: «بجاهلية». فتح الباري (9/ 635).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قولها: «كانوا حديثي عهد بكفر» كأنها تُبَيِّنُ سبب السؤال؛ لأنه لولا هذه الحال لكان سؤالهم: هل يأكلون اللحم أو لا؟ تَنَطُّعًا وتَعَنُّتًا، لكن إذا كانوا حديثي عهد بكفر فإنه قد يغلب على الظن أنهم لا يعرفون أن التسمية واجبة، فيكون عند الإنسان شك. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 40).

قوله: «وذلك في أول الإسلام»:
قال العيني -رحمه الله-:
قال ابن التين: وهذا القول ذكره مالك في الموطأ، وقد روي ذلك مبينًا في حديث عائشة، من أن الذابِحِين كانوا حديثي عهد بالإسلام، ممن يصح أن لا يعلموا أن مثل هذا شرع، وأما الآن فقد بان ذلك حتى لا تجد أحدًا أنه لا يعلم أن التسمية مشروعة، ولا يظن بالمسلمين تعمد تركها، وأما الساهي فليُسمِّ إذا ذكرها، ويسمِّي الآكل؛ لما يخشى من النسيان. عمدة القاري (11/ 172).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
زاد مالك في آخره: «وذلك في أول الإسلام» وقد تعلق بهذه الزيادة قوم، فزعموا أن هذا الجواب كان قبل نزول قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} الأنعام: 121. فتح الباري (9/ 635).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وقد قيل في معنى هذا الحديث: إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- إنَّما أمرهم بأكلها في أول الإسلام قبل أن ينزل عليه {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} الأنعام: 121، وهذا قول ضعيف، لا دليل على صحته، ولا يُعرف وجه ما قال قائله، وفي الحديث نفسه ما يرده؛ لأنه أمرهم فيه بتسمية الله على الأكل، فدل على أن الآية قد كانت نزلت عليه، ومما يدل أيضًا على بطلان ذلك القول: أنَّ هذا الحديث كان بالمدينة، وأن أهل باديتها إليهم أُشِيْرَ بالذكر في ذلك الحديث، ولا يختلف العلماء أن قوله -عز وجل-: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} الأنعام: 121 نزل في سورة الأنعام بمكة، وأن الأنعام مكية، فهذا يوضح لك أن الآية قد كانت نزلت عليه، بخلاف ظَنِّ مَن ظَنَّ ذلك، والله أعلم. التمهيد (22/299-300).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: هذا أصل أن التسمية في الذبح ليست بفرض، ولو كانت فرضًا لاشترطت على كل حال، والأمة مجمعة على أن التسمية على الأكل مندوب إليه، وليست بفريضة، فلما نابت عن التسمية على الذبح دل أنها سنة؛ لأن السنة لا تنوب عن فرض. شرح صحيح البخاري (5/ 413).
وقال المغربي رحمه الله- معلقًا على كلام المهلب:
الأَولى أنْ يُقال: إنَّ الحديث لا دلالة له على ذلك، وإنَّما دلالته على أنه لا عليكم أن تعلموا ذلك؛ لأنه يحمل على الصحة جميع ما يجلب إلى أسواق المسلمين، وكذا ما ذبحه أعراب المسلمين؛ لأنهم قد عرفوا التسمية. البدر التمام شرح بلوغ المرام (9/ 367).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وقد استدل جماعة من أهل العلم على أن التسمية على الذبيحة ليست بواجبة بهذا الحديث، وقالوا: لو كانت التسمية واجبة فرضًا على الذبيحة لما أمرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأكل لحم ذَبَحَتْهُ الأعراب بالبادية؛ إذ ممكن أن يسمُّوا، وممكن ألا يسموا الله لجهلهم، ولو كان الأصل ألا يؤكل من ذبائح المسلمين إلا ما صحت التسمية عليه لم يجز استباحة شيء من ذلك إلا بيقين من التسمية؛ إذ الفرائض لا تؤدى إلا بيقين، وإذ الشك والإمكان لا يستباح به المحرمات.
قالوا: وأما قول الله -عز وجل-: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} الأنعام: 121، فإنما خرج على تحريم الميتة، وتحريم ما ذُبح للنُّصب (للأصنام) وأُهل به لغير الله. التمهيد (22/300-301).
وقال الباجي -رحمه الله-:
وإقرار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهم هذا السؤال، ومجاوبته إياهم بما جاوبهم به، دليل على اعتبار التسمية في الذبح، ولو لم يكن للتسمية في ذلك حكم لقال لهم: وما عليكم من التسمية، سمَّوا أو لم يسمَّوا سواء، كما أن العجن والطبخ والزراعة لمَّا لم يكن للتسمية تأثير فيها لم يكن للسؤال عمن فعل ذلك، أو تركه وجه. المنتقى شرح الموطأ (3/ 104).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا الحديث استدل به بعض العلماء على أن التسمية ليست بشرط؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «سمُّوا أنتم وكلوا» مع أن السائلين قد شكُّوا في كون هؤلاء قد سموا أو لا، وهذا شك في شرط الحل لو كان شرطًا فلا تحل الذبيحة إذا شككنا هل الذابح قد سمى أو لا؟ ولكنه لا وجه للاستدلال بهذا الحديث على هذه المسألة لوجهين:
الوجه الأول: أن هذا الحديث يحتمل ما قبل.
ويحتمل أمرًا آخر: وهو أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أَذِنَ لهم في أكله؛ لأن الأصل في الفعل الواقع من أهله أنه واقع على السلامة والصحة، لا لأن التسمية ليست شرطًا، وعندنا أدلة أخرى صريحة في اشتراط شرط التسمية لحل الذبيحة، والقاعدة الشرعية: أنه إذا وردت نصوص فيها احتمال، ونصوص أخرى لا احتمال فيها، فالواجب حمل المحتمل على ما لا يحتمل، وهو من رد المتشابه إلى المحكم، وهذه طريقة أهل العلم والإيمان، أما اتِّبَاع المتشابه فهي طريقة أهل الزيغ، ولكن لا ينبغي أن يؤخذ من هذه العبارة أن المخالفين في وجوب التسمية المستدلين بهذا الحديث أنهم أهل زيغ؛ لأن منهم علماء أجلَّة نعلم أن عندهم من النصح للأمة والنصح لله ولكتابه ما ليس عند غيرهم، لكن نقول: هذه الطريق طريق زيغ ضالة غير صحيحة، عندك نصوص محكمة واضحة، تريد أن تحملها على المتشابه هذا عكس ما يقتضيه الشرع والعقل، بل احمل المتشابه على المحكم حتى يصير الجميع محكمًا، وحينئذٍ يترجح احتمال أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أذن لهم في أن هذا الفعل وقع مِن أهله، والأصل فيما وقع من أهله أنه على السلامة حتى يتبين الفساد. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 40).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ويستفاد منه أن كل ما يوجد في أسواق المسلمين محمول على الصحة، وكذا ما ذبحه أعراب المسلمين؛ لأن الغالب أنهم عرفوا التسمية، وبهذا الأخير جزم ابن عبد البر. فتح الباري (9/ 635).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن ما ذبحه المسلم، ولم يعرف هل سمَّى الله عليه أم لا؟ أنه لا بأس بأكله، وهو محمول على أنه قد سمى، والمؤمن لا يظن به إلا الخير، وذبيحته وصيده أبدًا محمول على السلامة حتى يصح فيه غير ذلك من تعمد ترك التسمية، ونحوه. التمهيد (22/ 299).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وعكس هذا (يعني: استدلال ابن عبد البر) الخطابي. فتح الباري (9/ 636).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه: دليل على أنَّ التسمية غير واجبة عند الذبح؛ وذلك لأن البهيمة أصلها على التحريم حتى يتيقن وقوع الذكاة، فهي لا تستباح بالأمر المشكوك فيه، فلو كانت التسمية من شرط الذكاة لم يجز أن يُحمل الأمر فيها على حسن الظن بهم، فيستباح أكلها كما لو عرض الشك في نفس الذبح فلم يعلم هل وقعت الذكاة أم لا؟ لم يجز أن تؤكل. معالم السنن (4/ 283).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «اذكروا أنتم اسم الله، وكلوا» من الأسلوب الحكيم، كأنه قيل لهم: لا تهتموا بذلك، ولا تسألوا عنها، فالذي يهمكم الآن أن تذكروا اسم الله عليها، نظيره قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} البقرة: 189، ومنه قول محمد بن الحنيفة: كُلِ الجبنَ عرضًا، قال الأصمعي: يعني اعتراضه، واشتر ممن وجدته، ولا تسأل عن عمله، أمن عمل أهل الكتاب أم من عمل المجوس؟ الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2805).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
واختلف العلماء فيمن ترك التسمية على الذبيحة والصيد ناسيًا أو عامدًا، فقال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي: إنْ تركها عمدًا لم تؤكل الذبيحة ولا الصيد، فإن نسي التسمية عند الذبيحة وعند الإرسال على الصيد أُكِلَت، وهو قول إسحاق، ورواية عن أحمد بن حنبل، ومِن حُجة من ذهب إلى ذلك: أن تارك التسمية عمدًا مُتَلاعب بإخراج النفس على غير شريطتها، وقد أجمعوا أن مِن شرائط الذبيحة والصيد التسمية، فمن استباح ذلك على غير شريطته عامدًا دخل في الفسق الذي قال الله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} الأنعام: 121، هذا معنى ما احتجوا به.
وقال الشافعي وأصحابه: تؤكل الذبيحة والصيد في الوجهين جميعًا تعمَّد ذلك أو نسيه، وهو قول ابن عباس وأبي هريرة، وروي عن ابن عباس وأبي وائل قالا: «إنما ذبحتَ بدينك»، واحتج من ذهب هذا المذهب بأن قال: لما كان المجوسي لا ينتفع بتسميته إن سمى، وتعمد ذلك وقصد إليه، فكذلك لا يضر المسلم ترك التسمية؛ لأنه إنما ذبح بدينه.
وقال أبو ثور وداود بن علي: من ترك التسمية عامدًا أو ناسيًا لم تؤكل ذبيحته ولا صيده.
قال أبو عمر (يعني: نفسه): ما أعلم أحدًا من السلف روي عنه هذا المذهب إلا محمد بن سيرين والشعبي ونافعًا مولى ابن عمر، وأما جمهور العلماء فعلى قول مالك والثوري وأبي حنيفة، وعلى قول الشافعي على هذين القولين الناس. التمهيد (22/ 301-302).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه من العلم: أن ما يوجد في أيدي الناس من اللحوم في أسواق بلدان المسلمين، وما يحمل إليها على أيدي الأعراب والأكراد، وما كان من بلادهم من أهل الإسلام متاخمةً لبلاد أهل الكُفر، وكان عهدهم حديثًا بالإسلام، فإن الظاهر من أمره الإباحة، وكذلك الألبان والأجبان التي تُعقد بالأنافح وقد يحتمل أن تكون ميتة، أو مِن ذكاة المجوس؛ لأن غالب الظن بمن كان من أهل دين الإسلام أنه لا يُطعِم المسلمين الميتة، وكذلك هذا فيما يحمل من البراري من الطير والعصافير المذبوحة ونحوها، هذا مما لم يعلم سبب يعرض من أجله الشَّك في شيء منها، فإذا كان شيءٌ من ذلك، فالورع أن يُجتنب حتى يُستبرأ أمره، فيُعلم من أين مخرجه؟ وكذلك الأمر في طعام البلدان التي حاز ضياعها (جمع ضعية وهي القرية) بعض الولاة على سبيل الغصب تُستبرأ ويتفقد الأمر فيها.أعلام الحديث (3/ 2076-2077).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ومنها (أي: من فوائد الحديث): ورع الصحابة -رضي الله عنهم- حيث سألوا عن هذه المسألة المشكلة، وهذا يدل على ورعهم وتحرِّيهم.
ومن فوائد الحديث: أن الفعل إذا وقع من أهله فإنه لا يُسأل عنه؛ لأن الأصل السلامة، وإذا كان الأصل السلامة كان السؤال عنه تعنتًا، ويدل لذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عرَّض بهؤلاء السائلين حيث قال: «سموا أنتم وكلوا» كأنه يقول: لستم مسؤولين عن فعل غيركم، فعل غيركم المسؤول عنه الفاعل، أما أنتم فمسؤولون عن فعلكم؛ ولهذا قال: «سموا أنتم وكلوا».
ومن فوائد الحديث: وجوب التسمية على الأكل؛ لقوله: «سموا أنتم وكلوا» وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إن التسمية على الأكل والشرب سنة، ومنهم من قال: إنها واجبة؛ والصحيح أنها واجبة، وأنه يجب على الإنسان إذا أكل أو شرب أن يسمي؛ وذلك لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- به، حتى إنه أمر الغلام الصغير، وهو عمر بن أبي سلمة حين كان يأكل مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال له: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك»؛ ولأن الإنسان إذا ترك التسمية شاركه الشيطان في أكله، فيشاركك أعدى عدو لك في أكلك إذا لم تُسَمِّ، وإذا سميت صارت تسميتك حصنًا منيعًا تمنع الشيطان من مشاركتك، فالصواب: أن التسمية على الأكل والشرب واجبة.
فإن قال قائل: إذا نسيتُ أن أسمي في أول الأكل وذكرته في أثنائه فماذا أصنع؟ نقول: قل: باسم الله أوله وآخره، كما جاء في الحديث، واستَمِر، فإذا انتهى الإنسان من الأكل ولم يذكر إلا بعد أن انتهى ماذا يقول؟ يقول: الحمد لله؛ لأن التسمية فات محلها، وقد قال الله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} البقرة: 286...
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يضيق على نفسه في الأمور التي أطلقها الله ورسوله؛ لأن التضييق على النفس يوجب الحرج والمشقة، سواء كان ذلك في تبيان الحكم أو العمل. فتح ذي الجلال والإكرام (6/41-44).

ويُنظر فتوى اللجنة الدائمة في بيان معنى حديث (سموا عليه أنتم وكلوا) وحكم اللحم مجهول التسمية


إبلاغ عن خطأ