«لا يأتِي ابنَ آدم النذرُ بشيء لم يكن قُدِّر له، ولكن يُلْقِيْهِ النذرُ إلى القَدَرِ قد قُدِّر له، فيَسْتَخْرِجُ الله به من البخيل، فيُؤْتِي عليه ما لم يكن يُؤتي عليه من قبل».
رواه البخاري برقم: (6694)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند البخاري برقم: (6608)، ومسلم برقم: (1639) واللفظ له، من حديث ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «أنه نهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يُسْتَخْرَجُ به مِن البخيل».
وفي لفظ عند مسلم: «النذر لا يقدِّم شيئًا، ولا يُؤخِّره...».
غريب الحديث
«النَّذْرُ»:
نَذَرْتُ لله كذا نذرًا من باب ضَرَبَ، وفي لغة من باب قَتَل. المصباح المنير، للفيومي (2/ 599).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
يقال: نَذَرْتُ أَنْذِرْ، وأَنْذُرُ نذرًا، إذا أوجبتَ على نفسك شيئًا تبرعًا من عبادة، أو صدقة، أو غير ذلك. النهاية (5/ 39).
«البخيل»:
البخيل: الشحيح الضَّنِيْن بمُلْكه. الغريبين في القرآن، للهروي (1/ 150).
وقال الراغب -رحمه الله-:
البخل: إمساك المقتنيات عمَّا لا يحق حَبْسُها عنه، ويقابله الجود. المفردات (ص: 38).
شرح الحديث
قوله: «لا يأتي ابنَ آدم النذرُ بشيء لم يكن قُدِّر له»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
النذر هو: أن يلتزم الإنسان بالشيء سواء بلفظ النذر، أو لفظ العهد، أو غير ذلك؛ ولهذا قيل في معناه: إلزام المكلَّف نفسه طاعة غير واجبة، هذا هو النذر الذي يجب الوفاء به.
والنذر بالمعنى العام: إلزام المكلف نفسه شيئًا يقوم به فعلًا أو تركًا. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 123).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «لا يأتي ابنَ آدم النذرُ» بنصب «ابنَ آدم» على أنه مفعول، ورفع «النذرُ» على أنه فاعل، ومعناه: أن النذر لا يأتي بشيء غير مُقدَّر، فإنه لا يقع إلا ما قُدِّر، فلا يَظن الناذر الذي يعلِّق طاعة على حصول غرض له، كقوله: إن شفى الله مريضتي فلله عليَّ كذا وكذا، أن النذر هو الذي حصَّل شفاء مريضه، بل إن قُدّر الشفاء فلا بد من حصوله، سواء نذر أم لم ينذر، وإن لم يُقدَّر فلا يحصل نذر أم لم ينذر، وهو إشارة إلى عدم جدوى النذر، والقصد منه: دفع توهم جاهل يظن خلاف ذلك. طرح التثريب (6/ 36).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
(وهذا) دليل على أن النذر إنما يصح إذا كان مُعلقًا بشيء، كما تقول: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ أن أتصدق بألف درهم، أو إن يَقْدُم غائبي أو يَسلم مالي أو نحو ذلك من الأمور، فأما إذا قال: لله عليَّ أن أتصدق بألف درهم فليس هذا بنذر، وإلى هذا ذهب الشافعي في أحد قوليه، وهو غالب مذهبه، وحكى أبو عمر، عن أبي العباس أحمد بن يحيى قال: النذر وعد بشرط، وقال أبو حنيفة: النذر لازم، وإن لم يعلَّق بشرط. معالم السنن (4/ 53).
وقال المناوي -رحمه الله-:
النذر لا يأتي بشيء غير مقدَّر. فيض القدير (2/ 401).
قوله: «ولكن يُلْقِيه النذرُ إلى القَدَرِ قد قُدِّرَ له»:
قال العراقي –رحمه الله-:
معناه: أن النذر لا يصنع شيئًا، وإنما يلقيه إلى القدر، فإن كان قد قُدِّر وقع وإلا فلا. طرح التثريب (6/ 37).
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ولكن يُلْقِيه» من الإلقاء. عمدة القاري (23/ 154).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولكن يلقيه النذرُ إلى القدر» مبالغة في أن النذر لا ينفع، بل هو يتنزل منزلة من يُلْقِي، أي: يوقِع الناذر في القَدَر الذي أراد بالنذر الفرار منه. التنوير (7/ 603).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«ولكن يُلْقِيه القَدرُ» (كما في لفظ) أي: على النذر. الكوثر الجاري (10/ 236).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: الترجمة مقلُوبة؛ إذ القَدر يلقي العبد إلى النذر؛ لقوله: «يلقيه القَدر» قلت: هما مترادفان؛ إذ بالحقيقة القدر هو الموصِل وبالظاهر هو النذر. الكواكب الدراري (23/ 81).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
إلقاء النذر إلى القَدر لا ينافي إلقاء القدر إياه إلى النذر؛ فإن الكل بقدر الله. الكوثر الجاري (10/ 285).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: الأمر بالعكس فإن القَدر يلقيه إلى النذر.
قلتُ: تقدير النذر غير تقدير الإنفاق، فالأول يلجئه إلى النذر، والنذر يوصله إلى الإيتاء والإخراج. الكواكب الدراري (23/ 131-132).
وقال العراقي -رحمه الله-:
القدَر هو الذي يلقي ذلك المطلوب، ويوجده لا النذر؛ فإنه لا مدخل له في ذلك. طرح التثريب (6/ 37).
وقال العراقي -رحمه الله-أيضًا:
هو تأكيد لما قدَّمه من أن النذر لا يأتي بغير المقدر، فأكده بأن النذر يجد ذلك الأمر مقدرًا، فيقع على وفق التقدير لا لأجل النذر.
والمراد: إنْ كان ذلك الأمر يقع فهو إخبار عن إحدى الحالتين، وهي حصول المطلوب. طرح التثريب (6/ 37).
قوله: «فيَسْتَخْرِجُ الله به من البخيل»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«يَسْتَخرج» معناه: يُخرج، الضمير في «به» يعود إلى النذر، يعني: يُخرج المال من البخيل بواسطة النذر، يعني: مَن لم يكن فيه بُخل فهو يعطي باختياره من غير واسطة النذر، ومن كان فيه بخل فلا يعطي إلا إذا وجب عليه الإعطاء بالنذر. المفاتيح (4/ 174).
وقال النووي -رحمه الله-:
معناه: أنه لا يأتي بهذه القُربة تطوعًا محضًا مبتدأ، وإنما يأتي بها في مقابلة شفاء المريض وغيره مما تعلَّق النذر عليه. شرح صحيح مسلم (11/ 99).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
الأظهر في معناه: أن البخيل لا يعطي طاعة إلا في عوض ومقابلٍ يحصل له، فيكون النذر هو السبب الذي استخرج منه تلك الطاعة. إحكام الأحكام (2/ 267).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وأما معنى «يَستخرج به من البخيل»: فإن الله تعالى يحب البذل والإنفاق، فمن سمحت أَرِيْحَتُه فذاك، وإلا فشرع النذور؛ ليستخرج بها مال البخيل اضطرارًا، فيتسمَّح ويفوز بما يحبه الله تعالى من البذل. الكاشف (8/ 2445).
قوله: «فيؤتي عليه ما لم يكن يؤتي عليه من قبل»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
يعنى: فيؤتي ما يجعله الناذر على نفسه لله تعالى مما لم يكن يفعله بغير نذر. شرح صحيح البخاري (6/ 155).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
أي: أنا قدَّرت عليه الشِّدة التي نذر من أجلها المعتل النذر ليحلها عنه، والنذر لا يحل عنه الشِّدة، فهو لا يغني شيئًا، والمقدور كائن، فيَجعل الناذر هذا الفعل سلامة من الشِّدة المقَدَّرة، ويكون ذلك النذر سهمًا استخرجه من البخيل للشدة التي عرضت له، فهذا تفسير «فيؤتي عليه ما لم يكن يؤتي» لو لم يقدر عليه الشدة «من قبل». التوضيح لشرح الجامع الصحيح (30/ 373، 374).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه إشارة إلى ذَم ذلك، وأنه كان ينبغي للعبد أن يأتي بتلك القُربة سواء حصل مطلوبه أم لا؛ فهذه هي العبادة الخالصة، والله أعلم. طرح التثريب (6/ 38).
قوله في لفظ: «نهى عن النذر»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«عن النذر» أي: عن عقد النذر، أو التزام النذر. إرشاد الساري (9/ 353).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«نهى عن النذر» لأن مَن لا ينقاد إلى الخير إلا بقائد من نحو نذر أو يمين فليس بصادق في التقرب إلى ربه، وعلَّله في خبر آخر بأنه: لا يغني من الله شيئًا، وإنما يستخرج به من مال البخيل، وهو يُفْهِم أن النذر المنهي عنه: ما قُصد به تحصيل غرض، ودفعُ مكروه على ظن أن النذر يردُّ عنه القدر، وليس مطلق النذر منهيًّا عنه؛ إذ لو كان كذا لما لزم الوفاء به. فيض القدير (6/ 324).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «نهى عن النذر» أي: بظنِّ أنه يفيد في حصول المطلوب، والخلاص عن المكروه. حاشية على سنن النسائي (7/ 16).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
معنى نهيه عن النذر: إنما هو تأكيد لأمره، وتحذير التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حُكمه، وإسقاط لزوم الوفاء به؛ إذ كان بالنهي عنه قد صار معصية فلا يلزم الوفاء به، وإنما وجه الحديث: أنه قد أعلمهم أنَّ ذلك أمر لا يجلب لهم في العاجل نفعًا، ولا يصرف عنهم ضرًّا، ولا يردُّ شيئًا قضاه الله، يقول: فلا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئًا لم يقدِّره الله لكم، أو تَصرفون عن أنفسكم شيئًا جرى القضاء به عليكم، فإذا فعلتم فاخرجوا عنه بالوفاء، فإنَّ الذي نذرتموه لازم لكم، هذا معنى الحديث ووجهه. معالم السنن (4/ 53).
وقال الباجي -رحمه الله-:
معنى ذلك: أن تنذر لمعنى من أمر الدنيا، مثل أن يقول: إن شفى الله مرضي أو قَدِمَ غائبي أو نجَّاني من أمر كذا أو رزقني كذا، فإني أصوم يومين، أو أصلي صلاة، أو أتصدق بكذا، فهذا المكروه المنهي عنه، وإنما كان يستحب أن يكون فعله ذلك لله -تبارك وتعالى-؛ رجاء ثوابه، وأن يكون نذره على ذلك الوجه دون تعلق نذره بشيء من أمر الدنيا وغرضها. المنتقى (3/ 228).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وجه هذا النهي هو: أنه لما وقف فعل هذه القربة على حصول غرض عاجل ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى بما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة، ألا ترى أنه لو لم يحصِّل غرضه لم يفعل؟! وهذه حال البخيل؛ فإنه لا يُخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يربي على ما أَخرج، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وإنما يستخرج به من البخيل».. ثم ينضاف إلى هذا: اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإن النذر لا يردُّ مِن قَدَر الله شيئًا» وهاتان جهالتان، فالأُولى تقارب الكفر، والثانية خطأ صراح. المفهم (4/ 606-607).
قوله: «وقال: إنه لا يأتي بخير»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«إنه» أي: النذر «لا يأتي بخير»، ولا يرد من القدر شيئًا. كشف اللثام (6/ 420).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
يحتمل: أن تكون (الباء) باء السببية، كأنه يقول: لا يأتي بسبب خير في نفس الناذر وطبعه في طلب القُرب والطاعة من غير عوض يحصل له، وإن كان يترتب عليه خير، وهو فعل الطاعة التي نذرها، ولكن سبب ذلك الخير: حصول غرضه. إحكام الأحكام (2/ 267).
وقال المغربي -رحمه الله-:
المعنى: لا يجلب خيرًا؛ لأن المقدور كائن لا محالة. البدر التمام (9/ 491).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وقال والدي -رحمه الله- في شرح الترمذي: يحتمل: أن يراد هنا النذور المالية؛ لأن البخل إنما يُستعمل غالبًا في البخل بالمال.
ويحتمل: أن يراد بذلك العبادات كلها، كما قال في الحديث الثابت: «البخيل من ذُكِرْتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ»، وكما قال في الحديث الآخر: «أبخل الناس من بخل بالسلام». طرح التثريب (6/ 37).
قال المناوي -رحمه الله-:
يفهم أن النذر المنهي عنه: ما قُصد به تحصيل غرض، ودفع مكروه، على ظن أن النذر يردُّ عنه القدر، وليس مطلق النذر منهيًّا عنه؛ إذ لو كان كذا لما لزم الوفاء به. فيض القدير (6/ 324).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
كأن المراد أن النذر في دفع أمر معين هو المراد هنا، أو لاستجلابه، والصدقة لا تكون كذلك، بل تكون بنية أنه تعالى يكافئ عبده عليها بدفع البلاء مثلًا، أو المراد اعتقاد الناذر أن السبب الدافع للبلاء أو الجالب للرخاء هو النذر، فهذا مع هذه النية لا أثر له، ويخرج عن كونه كالصدقة، والمحل يعدُّ محل بحث للناظر.التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 603-604).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
فربما ثقل على النفس أداؤه، وربما عجزت عنه، وربما كرهت فعل ذلك، فيكون فاعله للطاعة مع الكراهة لها. كشف المشكل (2/ 565).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
الظاهر: أن هذا النهي نهي كراهة وتنزيه، لا نهي تحريم. رياض الأفهام (5/ 325).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هل هذا النهي محمول على التحريم، أو على الكراهة؟
المعروف من مذاهب العلماء الكراهة.
قلتُ: والذي يظهر لي: حمله على التحريم في حق من يُخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد (وهو: اعتقاد أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل النذر)، فيكون إقدامه على ذلك محرمًا، والكراهة في حق من لم يعتقد ذلك، والله تعالى أعلم. المفهم (4/ 607).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- أيضًا:
روي عن مالك كراهة النذر مطلقًا، فيمكن حمله على الأنواع التي بيَّنا كراهتها (يعني: النذر على وجه التَّبَرُّم والتَّحَرُّج)، ويمكن حمله على جميع أنواعه؛ لكن من حيث إنه أوجب على نفسه ما يُخاف عليه التفريط فيه، فيتعرض للوم الشرع وعقوبته، كما قد كره الدخول في الاعتكاف، وعلى هذا فتكون هذه الكراهة من باب تسمية ترك الأَولى مكروهًا، ووجه هذا واضح، وهو أنَّ فعل القُرب من غير التزامها خير محض عَرِيٌّ عن خوف العقاب، بخلاف الملتزم لها، فإنه يخاف عليه ذلك فيها، وقد شهد لهذا ذم مَن قصَّر فيما التزم في قوله تعالى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} الحديد: 27، ولا إشكال في أن النذر من جملة العقود والعهود المأمور بالوفاء بها، وأن الوفاء بذلك من أعظم القرب المثنى عليها، وكفى بذلك مدحًا وتَعْزِيْزًا قوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} الإنسان: 7. المفهم (4/ 608).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
مذهب المالكية: العمل بظاهر الحديث، وهو أن نذر الطاعة مكروه، وإن كان لازمًا، إلا أن سياق بعض الأحاديث يقتضي أحد أقسام النذر التي ذكرناها وهو ما يقصد به تحصيل غرض، أو دفع مكروه؛ وذلك لقوله: «وإنما يستخرج به من البخيل». إحكام الأحكام (2/ 266).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا:
وهو تفصيل حسَن، ويؤيده قصة ابن عمر راوي الحديث في النهي عن النذر، فإنها في نذر المجازاة، وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} الإنسان: 7، قال: كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة، وما افترض عليهم فسماهم الله أبرارًا، وهذا صريح في أن الثناء وقع في غير نذر المجازاة. فتح الباري (11/ 579).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
واختلف عندنا (الشافعية) في ابتداء النذر فقيل: إنه مستحب، وقيل: مكروه، وبه جزم الثوري، ونص الشافعي على أنه خلاف الأَولى.
وحمل بعض المتأخرين النهي على نذر اللِّجَاج (وهو أن يخرج النذر مخرج اليمين)، واستحب نذر التبرر (أي: الطاعة)، وقام الإجماع على وجوب الوفاء به إذا كان طاعة. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (30/ 374).
وقال العراقي -رحمه الله-:
النهي محمول على مَن عَلِمَ مِن حاله عدم القيام بما التزمه؛ جمعًا بين الأدلة، فإن قوله تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} البقرة: 270، يقتضي استحباب النذر، والله أعلم. طرح التثريب (6/ 40).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
القول بتحريم النذر هو الذي دل عليه الحديث، ويزيده تأكيدًا: تعليله بأنه لا يأتي بخير، فإنه يصير إخراج المال فيه من باب إضاعة المال، وإضاعة المال محرمة، فيحرم النذر بالمال كما هو ظاهر قوله: «وإنما يستخرج به من البخيل»، وأما النذر بالصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة ونحوها من الطاعات فلا تدخل في النهي، ويدل له ما أخرجه الطبراني بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} الإنسان: 7 قال: كانوا ينذرون طاعات من الصلاة والصيام، وسائر ما افترض الله عليهم، وهو وإن كان أثرًا فهو يقويه ما ذُكر في سبب نزول الآية. سبل السلام (2/ 558).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فإن قال قائل: كيف تقولون: إنه للتحريم والله تعالى مدح الْمُوفِين بالنذر، فقال: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} الإنسان: 7، وإذا كانت النتيجة ممدوحة كان السبب ممدوحًا؟
نقول: هذا غلط، أولًا: الآية الكريمة هل المراد بقوله: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} الإنسان: 7، أي: بما نذروه على أنفسهم وكَلَّفوا به أنفسهم، أو المراد العبادات الواجبة؟
فيها قولان: والآية محتملة؛ لأن العبادة الواجبة تسمى نذرًا كما قال الله تعالى في الحُجَّاج: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} مع أنهم ما نذورا {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} الحج: 29.
وما دامت الآية محتملة فمع الاحتمال يسقط الاستدلال، وحينئذٍ نقول: الآية لا تُعارض الحديث، والمراد بقوله: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} الإنسان: 7، أي: بما نذروه على أنفسهم، وعاهدوا به الله -عزَّ وجلَّ-، وهو أن يسمعوا ويطيعوا لأمر الله، هذا هو المراد، وليس المراد النذر الخاص الذي هو إلزام المكلف نفسه شيئًا. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 127).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
أجمع المسلمون على وجوب (الوفاء بـ) النذر إذا لم يكن معصية، ويؤكده قوله: «إنه يستخرج به من البخيل» فيثبت بذلك وجوب استخراجه من ماله، ولو كان غير لازم لم يجز أن يُكره عليه، والله أعلم. معالم السنن (4/ 53).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقال ابن أبي الدم في شرح الوسيط: القياس استحبابه (أي: النذر)، والمختار: أنه خلاف الأولى، وليس بمكروه، كذا قال، ونُوْزِع بأن خلاف الأولى ما اندرج في عموم نهي، والمكروه ما نهي عنه بخصوصه، وقد ثبت النهي عن النذر بخصوصه، فيكون مكروهًا، وإني لأتعجب ممن انطلق لسانُه بأنه ليس بمكروه مع ثبوت الصريح عنه، فأقل درجاته أن يكون مكروهًا كراهة تنزيه، وممن بنى على استحبابه: النووي في شرح المهذب، فقال: إن الأصح أن التلفظ بالنذر في الصلاة لا يبطلها؛ لأنها مناجاة لله، فأشبه الدعاء. اهـ.
وإذا ثبت النهي عن الشيء مطلقًا فترك فعله داخل الصلاة أولى، فكيف يكون مستحبًا، وأحسن ما يُحمل عليه كلام هؤلاء نذر التَّبَرُّر المحض، بأن يقول: لله عليَّ أن أفعل كذا، أو لأفعلنَّه على المجازاة، وقد حمل بعضهم النهي على مَن علم من حاله عدم القيام بما التزمه، حكاه شيخنا (العراقي) في شرح الترمذي، ولما نقل ابن الرفعة عن أكثر الشافعية كراهة النذر، وعن القاضي حسين المتولي بعده، والغزالي أنه مستحب؛ لأن الله أثنى على من وفَّى به، ولأنه وسيلة إلى القُربة، فيكون قربة، قال: يمكن أن يُتوسَّط، فيقال: الذي دل الخبر على كراهته نذر المجازاة، وأما نذر التَّبَرُّر فهو قُربة محضة؛ لأن للناذر فيه غرضًا صحيحًا، وهو أن يثاب عليه ثواب الواجب وهو فوق ثواب التطوع. اهـ. فتح الباري (11/ 578).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
هذا باب غريب من العلم، وهو أن يُنهى عن الشيء أن يفعل، حتى إذا فُعل وقع واجبًا. أعلام الحديث (4/ 2277).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: هذا أبين شيء في القَدَر، وأنه شيء قد فَرغ الله منه وأحكمه، لا أنه شيء يختاره العبد. شرح صحيح البخاري (10/ 307-308).
وقال العراقي -رحمه الله-:
إن قلتَ: دلَّ هذا الحديث على أن النذر لا يَردُّ المقدَّر، وقد يكون النذر بالصدقة، وقد ورد في الحديث: «إن الصدقة تقي مصارع السوء»، وفي حديث آخر: «الصدقة تدفع مِيتة السوء» رواه الترمذي من حديث أنس.
قلتُ: ليس معنى هذا الحديث أن العبد يُقدَّر له ميتة السوء فتدفعها الصدقة، بل الأسباب مقدَّرة كما أن المسببات مقدرة، فمن قُدِّر له ميتة السوء لا تقدر له الصدقة، ومن لم تقدر له ميتة السوء قُدِّرت له الصدقة.
وقال والدي -رحمه الله- في شرح الترمذي في جوابه: النذر ليس تنجيزًا للصدقة، وإنما هو كالوعد بها، وربما لا يفي بالنذر لعجز أو اخترام الأجل، وعلى تقدير الوفاء به فالصدقة سبب والأسباب مقدَّرة أيضًا، كما ورد في الحديث أنهم قالوا: «يا رسول الله، أرأيت رُقًى نسترقي بها، ودواءً نتداوى به، هل تَرُدُّ مِن قَدَرِ الله شيئًا؟ قال: هي مِن قدر الله»، فبين أن الأسباب مقدرة كالمسببات، والله أعلم. طرح التثريب (6/ 40).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: الدعاء والطبُّ والرمي أيضًا لا تَرُد شيئًا من القدر مع جوازها؟
قلتُ: ليس فيها التزام، ومع هذا الدعاء مُخ العبادة، والطِّب والرمي مباشرة أسباب جرت عادة بترتيب الآثار عليها إن صادفت الشرائط. الكوثر الجاري (10/ 285).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
دل هذا الحديث: على أن ما يبذله من البِّر أفضل مما يلتزمه بالنذر. الحاوي (15/ 1031).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه: إشارة إلى ذم النذر، وأنه لا منفعة له، وأنه لا يصدر إلا من بخيل لا يعطي الشيء تبرعًا، وإنما يعطي شيئًا في مقابلة شيء، وفي صحيح مسلم وغيره من طريق العلاء بن عبد الرحمن التصريح بالنهي عنه، لكن سياقه يقتضي أن ذلك إنما هو في نذر المجازاة، وهو أن يلتزم قُربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع بليَّة، فإنه هو الذي فيه الأوصاف المقتضية للذِّم المذكورة في الحديث، أما النذر الملتزم ابتداء من غير تعليق على شيء كقوله: لله عليَّ أن أصلي، أو أعتق، فليس فيه هذا المعنى، ولا يقتضي الحديث ذمه ولا النهي عنه.طرح التثريب(6/٣٨).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث دليل: على كراهة النذور، وأنها للتنزيه.
وفيه: دليل على إخلاص العمل وأسبابه لله تعالى، سواء كان بدنيًا أو ماليًا.
وفيه: دليل على أن العمل الذي ليس بمخلَص لله تعالى لا يأتي بخير مطلقًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وفيه: دليل على ذم البخل والبخلاء.
وفيه: دليل على أن من توقف مع الشرع في أعماله ونياته لا يسمى بخيلًا، بل هو الكريم حقيقة وشريعة، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (3/ 1539-1540).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يستفاد من الحديث:
1- النهي عن النذر، وأصل النهي للتحريم، والذي صرفه عن التحريم، مدح الْمُوفِين به.
2- العلة في النهي: أنه لا يأتي بخير؛ لأنه لا يردُّ من قضاء الله شيئًا؛ ولئلا يظن الناذر أنه عوض حصول مطالبة، والله تعالى غني عن الأعواض، وعن الخلق أجمعين، فهم الفقراء، وطاعتهم لا تزيد في ملكه شيئًا.
3- والله -تبارك وتعالى- قدر الواجبات على العباد، بقدر طاقتهم، وجعل لزائد نوافل، لأنها خارجة عما يحتملونه من العبادات، والناذر خافت هذه الحكمة والتقدير، ولعله يعجز عن القيام بما نذر، فيكون آثمًا مسببًا في الإثم.
4- فائدة النذر: أنه يستخرج به من البخيل، الذي غايته القيام بالواجب، ويثقل عليه ما عداه، فالنذر وسيلة لقيامه بما لم يجب عليه بأصل الشرع. تيسير العلام شرح عمدة الأحكام، باختصار (ص: 693-694).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
وجوب الإيمان بقضاء الله وقَدرهِ. فقه الإسلام (10/ 35).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
ومنها: أن فيه الرد على القدرية؛ حيث إن القدر دَفع البخيل أن يُخرج ماله، فلو كان يخلق أفعال نفسه لما أخرج ذلك. البحر المحيط الثجاج (28/ 509).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- وجوب الوفاء بنذر الطاعة وتحريم نذر المعصية.
- فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في كراهة النذر والتحذير من إلزام النفس بما هي في عافية منه.