الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«لا ‌يمنَعُ ‌جارٌ ‌جارَهُ ‌أن ‌يغرِزَ خَشَبَهُ في جدارِهِ»، ثم يقولُ أبو هريرةَ: ما لي أراكم عنها معرضينَ، والله لأرمِيَنَّ بها بينَ أكتافِكُم. ‌


رواه البخاري برقم: (2463) واللفظ له، ومسلم برقم: (1609)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.    


شرح الحديث


قوله: «لا ‌يمنَعُ ‌جارٌ ‌جارَهُ ‌أن ‌يغرِزَ خَشَبَهُ في جدارِهِ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ولا ‌يمنع» بالجزم على أنّ "لا" ناهية، ولأبي ذر بالرفع على أنه خبر بمعنى النهي، ولأحمد: «لا يمنعنّ» بزيادة نون التوكيد وهي تؤيد رواية الجزم. فتح الباري (5/ 110).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره» يعني: إذا احتاج رجل أن يضع طرف جِذْعِه على حائط جاره، لا يجوز للجار أن يمنعه، فإن منعه يجبره القاضي عليه، وبهذا قال أحمد والشافعي في قوله القديم، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي في قوله الجديد، وعليه الفتوى، أنه يجوز للجار أن يمنع وضع جذوع الجار على جداره، وهذا الحديث محمول على الندب والاستحباب. المفاتيح (3/ 492).
وقال ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يمنع جارٌ جاره» المراد بالجار هنا: الجار الملاصق؛ لأن خشبة الجار لا توضع على الجدار إلا إذا كان الجار ملاصقًا، أما الجار الذي ليس بملاصق وإن كان له حق لكن لا يدخل في هذا الحديث. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 139).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا ‌يمنع» ... والمعنى: لا ‌يمنع مُروءةً وندبًا. مرقاة المفاتيح (5/ 1982).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«‌جارٌ ‌جاره» أي: إذا احتاج. مرقاة المفاتيح (5/ 1982).
وقال ابن عثيمين -رحمه الله-:
وقد وردت بعض الآثار بما يدل على أن الجار أربعون دارًا كل جانب، ولا شك أن الملاصِق للبيت ‌جار، وأما ما وراء ذلك فإن صحت الأخبار بذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فالحق ما جاءت به، وإلا فإنه يرجع في ذلك إلى العرف، فما عدّه الناس جوارًا فهو جوار. شرح رياض الصالحين (3/ 176).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أن يغرز» أي: بأن يغرز، وكلمة: «أن»، مصدرية أي: بغرز خشبة في جدار جاره. عمدة القاري (13/ 10).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «خشبة»: رويناه في غير الأم وغيرها بوجهين؛ بلفظ الإفراد، و«خَشَبَهُ» بلفظ الجمع، قال عبد الغني: كان الناس يقوله بالجمع إلا الطحاوي، وقال روح بن الفرج: سألتُ أبا زيد الحارث بن بكير ويونس وكلهم يقوله: «خشبة» بالإفراد. إكمال المعلم (5/ 317).
وقال ابن عثيمين -رحمه الله-:
«أن يغرز خشبة» «يغرز» يعني: يغرس، يحفر لها حفرة ويضعها فيها، أو أن يضعها على ظهر الجدار، فالغرز هنا ليس بشرط... وإذا كان الرسول نهى أن يمنع جارٌ جاره من غرز الخشبة فنهيه عن منع جاره من وضع الخشبة على ظهر الجدار من باب أولى؛ لأن الغرز أشد. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 139).
وقال ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
«لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره» يعني: إذا كان جارك يريد أن يسقف بيته ووضع الخشب على الجدار، فإنه لا يحل منعه؛ لأن وضع الخشب على الجدار لا يضر، بل يزيده قوة، ويمنع السيل منه، ولا سيما فيما سبق حيث كان البناء من اللِّبْنِ، فإن الخشب يمنع هطول المطر على الجدار فيحميه، وهو أيضًا يشده ويقويه، ففيه مصلحة للجار، وفيه مصلحة للجدار، فلا يحل للجار أن يمنع جاره من وضع الخشب على جداره، وإن فعل ومنع؛ فإنه يجبر على أن يوضع الخشب رغمًا عن أنفه. شرح رياض الصالحين (3/ 179).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ومنهم ‌مَن ‌حمل ‌الضمير ‌في «‌جداره» ‌على ‌صاحب ‌الجذع ‌أي: ‌لا ‌يمنعه ‌أن ‌يضع ‌جذعه ‌على جدار نفسه ولو تضرر به من جهة منع الضوء مثلًا، ولا يخفى بُعده، وقد تعقبه ابن التين بأنه إحداث قول ثالث في معنى الخبر، وقد رده أكثر أهل الأصول، وفيما قال نظر؛ لأن لهذا القائل أن يقول: هذا مما يستفاد من عموم النهي لا أنه المراد فقط، والله أعلم. فتح الباري (5/ 111- 112).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
عندنا (الحنابلة) أنه يجوز للجار أن يضع خشبة في جدار ‌جاره عند الحاجة إلى ذلك بشرط: ألا يضير بالحائط، فإن امتنع الجار أجبره الحاكم على ذلك، وهذا قول الشافعي في القديم، إلا أنه قال: لا يحكم عليه الحاكم بذلك، وقال أكثر العلماء: لا يجوز إلا بإذن المالك، وفي الحديث حجَّة لنا. كشف المشكل (3/ 417).

قوله: «ثم يقولُ أبو هريرةَ: ما لي أراكم عنها معرضينَ؟»: ‌
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله: «ما لي أراكم عنها معرضين؟» الضمير في «عنها» يعود إلى المقالة التي صدرت منه لهم، وأنَّثَها على المعنى، وهذا القول منه إنكار عليهم؛ لما رأى ‌منهم ‌من ‌الإعراض واستثقال ما سمعوه منه، وذلك: أنهم لم يُقْبلوا عليه، بل طأطأوا رؤوسهم، كما رواه الترمذي في هذا الحديث. المفهم (4/ 532).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «ما لي أراكم عنها معرضين؟» أي: عن هذه السُّنة والخصلة والموعظة أو الكلمات. شرح مسلم (11/ 47).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واستدل المهلَّب من المالكية بقول أبي هريرة: «مالي أراكم عنها معرضين» بأن العمل كان في ذلك العصر على خلاف ما ذهب إليه أبو هريرة، قال: لأنه لو كان على الوجوب لَمَا جَهِلَ الصحابة تأويله ولا أعرضوا عن أبي هريرة حين حدثهم به، فلولا أن الحُكم قد تقرر عندهم بخلافه لما جاز عليهم جهل هذه الفريضة، فدل على أنهم حملوا الأمر في ذلك على الاستحباب، انتهى، وما أدري من أين له أن المعرضين كانوا صحابة وأنهم كانوا عددًا لا يَجهل مثلهم الحكم؟ ولمَ لا يجوز أن يكون الذين خاطبهم أبو هريرة بذلك كانوا غير فقهاء؟ بل ذلك هو المتعين، وإلا فلو كانوا صحابة أو فقهاء ما واجههم بذلك، وقد قوَّى الشافعي في القديم القول بالوجوب بأن عمر قضى به ولم يخالفه أحد من أهل عصره، فكان اتفاقًا منهم على ذلك، انتهى، ودعوى الاتفاق هنا أولى من دعوى المهلب؛ لأن أكثر أهل عصر عمر كانوا صحابة، وغالب أحكامه منتشرة لطول ولايته، وأبو هريرة إنما كان يلي إمرة المدينة نيابة عن مروان في بعض الأحيان، وأشار الشافعي إلى ما أخرجه مالك ورواه هو عنه بسند صحيح: أن الضحاك بن خليفة سأل محمد بن مسلمة أن يسوق خليجًا له فيمرّ به في أرض محمد بن مسلمة، فامتنع فكلمه عمر في ذلك فأبى، فقال: والله ليمرنّ به ولو على بطنك، فحمل عمر الأمر على ظاهره، وعدَّاه إلى كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه، وفي دعوى العمل على خلافه نظر، فقد روى ابن ماجه والبيهقي من طريق عكرمة بن سلمة: أن أخوين من بني المغيرة أعتق أحدهما إنْ غرز أحد في جداره خشبًا، فأقبل مجمع بن جارية ورجال كثير من الأنصار فقالوا: نشهد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: الحديث، فقال الآخر: يا أخي قد علمتُ أنك مقضي لك عليّ، وقد حلفتُ فاجعل أسطوانًا دون جداري فاجعل عليه خشبك، وروى ابن إسحاق في مسنده والبيهقي من طريقه عن يحيى بن جعدة أحد التابعين قال: أراد رجل أن يضع خشبة على جدار صاحبه بغير إذنه فمنعه، فإذا مَن شئت من الأنصار يحدِّثون عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه نهاه أن يمنعه، فجُبِر على ذلك، وقيد بعضهم الوجوب بما إذا تقدم استئذان الجار في ذلك مستندًا إلى ذكر الإذن في بعض طرقه، وهو في رواية ابن عيينة عند أبي داود وعقيل أيضًا وأحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك: «مَن سأله جارُه»، وكذا لابن حبان من طريق الليث عن مالك، وكذا لأبي عوانة من طريق زياد بن سعد عن الزهري، وأخرجه البزار من طريق عكرمة عن أبي هريرة...، ومحل الوجوب عند مَن قال به: أن يحتاج إليه الجار، ولا يضع عليه ما يتضرر به المالك، ولا يقدِّم على حاجة المالك، ولا فرق بين أن يحتاج في وضع الجذع إلى نقب الجدار أو لا؛ لأن رأس الجذع يسدُّ المنفتح ويقوي الجدار. فتح الباري (5/ 111- 112).

قوله: «والله لأرمِيَنَّ بها بينَ أكتافِكُم»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
ومعنى قوله: «لأرمينَّ بها بين أكتافكم» أقضي بها وأصرحها وأوجعكم بالتقريع بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه، وأجاب الأولون بأن إعراضهم إنما كان لأنهم فهموا منه الندب لا الإيجاب، ولو كان واجبًا لما أطبقوا على الإعراض عنه.
أقول: يجوز أن يرجع الضمير في قوله: «لأرمينَّ بها» إلى «الخشبة»، ويكون كناية عن إلزامهم بالحُجة القاطعة على ما ادعاه، أي: لا أقول: إن الخشبة تُرمى على الجدار بل بين أكتافكم؛ لِمَا وصى -صلى الله عليه وسلم- بالبر والإحسان في حق الجار وحمل أثقاله. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2200).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «لأرمينَّها» في رواية أبي داود: «لألقينها» أي: لَأُشِيْعَنَّ هذه المقالة فيكم، ولأَقْرَعَنَّكُم بها كما يُضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه ليستيقظ من غفلته. فتح الباري (5/ 111).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«أكتافَكُم» هو بالتاء المثنَّاة مِن فوق، والمعنى: أصرِّح بها لكم وأوجعكم بالتوبيخ على ترك ما رغَّب فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ورواه بعض رواة الموطأ: «أكنافكم» بالنون، ومعناه: بينكم، والكَنَفُ: الجانب. إكمال المعلم (5/ 317- 318).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «والله لأرمينّ بها بين أكتافكم» أي: الخشبة، وقد بالغ فيه أبو هريرة أشد المبالغة، ومثل هذه المبالغات قد تجري في المستحبات في بعض الأحوال.فيض الباري (3/ 613).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
هذا القول من أبي هريرة يدل على أنه عنده على الوجوب، كأنه يقول: إن لم تقبلوه فتتلقوه بأيديكم راضين، حملتُه على رقابكم كارهين، وهذا غاية الإيجاب والإلزام، فلو قال به قائل كان مذهبًا، وليس ذلك بأعجب من إيجاب الشُّفْعَة بنوع من الجوار، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورثه»، وروي عنه أنه قال له رجل: إن لي جارين فإلى أيهما أُهدي؟ قال: «إلى أقربهما بابًا»، فأما عامة أهل العلم فإن الأمر في ذلك عندهم على سبيل المعروف المرغَّب فيه، والمندوب إليه؛ وذلك لأن غرزه خشبة في جداره إنما هو دخول في ملكه، واستعمال لماله من غير إذنه. وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطِيْبَةِ نفسه»، فدل على أن أمره بذلك إنما هو على طريق المعونة والإرفاق، دون الإباحة له أن يقتطع ماله ويدخل عليه في ملكه، وإذا وجب حسن الجوار من أحد الشقين وجب مثل ذلك في الشق الآخر، فيدل ما ذكرناه على أن الأمر في ذلك ليس على سبيل الاستحقاق، إنما هو على معنى الاستحباب، والله أعلم. أعلام الحديث (2/ 1228- 1229).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
لم يجز لصاحب الحائط أن يمنعه؛ وهذا لأن المسلم أخو المسلم، فلا ينبغي أن يَتَلاحَيَا (يتخاصما) فيما هذا قَدْرُه، ولا سيما مثل (هذا) قد يفيد الجدار ولا يضره، ولأنه يقوِّيه، وقد يكون وصلة بين الجارين، فإذا أباه الجار أبان عن لؤم ودناءة. الإفصاح (6/ 284).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فقالت طائفة: هو على الوجوب إذا لم يكن في ذلك مضرّةٌ على صاحب الجدار، وهو قول الشافعي (الأصح الندب كما يأتي عن النووي) وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وذهب مالك والكوفيون إلى أنه لا يُغرَز خشبةٌ في حائط أحدٍ إلا بإذن صاحب الحائط، ومجمل الحديث عندهم على الندب.
والحُجّة لهم قول الرسول: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام»، وأنه لا يجوز لأحدٍ أن يُجبِر أحدًا على أن يفعل في ملكه ما يضرّ به، وقد قال -عليه السلام-: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه». قالوا: فعلمنا أن قوله: «لا يمنع جاره أن يغرز خشبةً في جداره» محمولٌ على الندب وحُسن المجاورة، لا على الوجوب، وهو كقوله: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورثه»، وكقوله: «ما آمن من بات شبعان وجاره طاوٍ (جائع)».
قالوا: ولو كان الحديث معناه الوجوب ما جهل الصحابة تأويله، ولا كانوا مُعرِضين عن أبي هريرة حين كان يُحدِّثهم بهذا الحديث، وإنما جاز لهم ذلك لتقرّر الأعمال والأحكام عندهم بخلافه، ولا يجوز عليهم جهل الفرائض، فدلّ ذلك أن معناه على الندب. شرح صحيح البخاري (6/ 586).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
وهذا عند المالكيّة أمرٌ مندوبٌ إليه، وتجوز المعاوضةُ فيه؛ فإن أخذ عِوَضًا على الإذن وقيَّده بمدّةٍ معيَّنة، فتلك إجارةٌ، فإن انهدم الحائطُ انفسخت فيما بقي، ورجع المستأجرُ من الأجرة بحسابها. وإن أطلق الإذن، تأبَّد بيعًا (صار الإذن دائمًا على حُكم البيع لا على حكم الإعارة أو الإجارة)، وكان الحائطُ مضمونًا على صاحبه، فإن انهدم أُلزم بعمارتِه؛ ليحملَ الآخرُ عليه خشبَه، كالعلوِّ والسُّفل.. مصابيح الجامع (5/ 364).
وقال النووي -رحمه الله-:
واختلف العلماء في معنى هذا الحديث: هل هو على الندب إلى تمكين الجار من وضع الخشب على جدار جاره، أم على الإيجاب؟
وفيه قولان للشافعي وأصحاب مالك، أصحهما في المذهبين الندب، وبه قال أبو حنيفة والكوفيون، والثاني الإيجاب، وبه قال أحمد وأبو ثور وأصحاب الحديث، وهو ظاهر الحديث، ومَن قال بالندب قال: ظاهر الحديث أنهم توقفوا عن العمل، فلهذا قال: «ما لي أراكم عنها مُعرضين؟» وهذا يدل على أنهم فهموا منه الندب لا الإيجاب، ولو كان واجبًا لما أطبقوا على الإعراض عنه، والله أعلم. شرح مسلم (11/ 47- 48).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
فأمّا وضعُ خشبه عليه، فإن كان يضرُّ بالحائط لضعفِه عن حمله لم يجز، بغير خلافٍ نعلمه؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضرر ولا ضِرار». وإن كان لا يضرّ به، إلا أن به غِنيةً عن وضع خشبه عليه؛ لإمكان وضعه على غيره، فقال أكثر أصحابنا: لا يجوز أيضًا، وهو قول الشافعي وأبي ثور؛ لأنّه انتفاعٌ بملك غيره بغير إذنه من غير حاجة، فلم يجز، كبناء حائطٍ عليه. وأشار ابنُ عقيل إلى جوازه؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبه على جداره» متفقٌ عليه.
ولأن ما أُبيح للحاجة العامّة لم يُعتبر فيه حقيقةُ الحاجة، كأخذ الشقص بالشفعة من المشتري، والفسخ بالخيار أو بالعيب، واتخاذ الكلب للصيد، وإباحة السَّلَم، ورُخَص السفر، وغير ذلك.
فأمّا إن دعت الحاجة إلى وضعه على حائط جاره أو الحائط المشترك، بحيث لا يمكنه التسقيف بدونه، فإنّه يجوز له وضعه بغير إذن الشريك، وبهذا قال الشافعي في القديم، وقال في الجديد: ليس له وضعه، وهو قول أبي حنيفة ومالك؛ لأنّه انتفاعٌ بملك غيره من غير ضرورة، فلم يجز كزراعته.
ولنا – أي: دليلنا عند الحنابلة – الخبر، ولأنّه انتفاعٌ بحائط جاره على وجهٍ لا يضرّ به، أشبه الاستناد إليه والاستظلال به، ويُفارِق الزرع؛ فإنّه يضرّ، ولم تَدْعُ إليه حاجة.
إذا ثبت هذا، فاشترط القاضي وأبو الخطّاب للجواز أن يكون له ثلاثةُ حيطان، ولجاره حائطٌ واحد، وليس هذا في كلام أحمد؛ إنما قال في رواية أبي داود: لا يمنعه إذا لم يكن ضرر، وكان الحائط يبقى. ولأنّه قد يمتنع التسقيف على حائطين إذا كانا غير متقابلين، أو كان البيت واسعًا يحتاج إلى أن يجعل عليه جِسرًا ثم يضع الخشب على ذلك الجسر، والأولى اعتبارُه بما ذكرنا من اعتبار التسقيف بدونه. ولا فرق فيما ذكرنا بين البالغ واليتيم والمجنون والعاقل؛ لما ذكرنا، والله أعلم.. المغني (7/ 35- 36).
وقال عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
والذي يظهر -والله أعلم -هو القول الأول، وهو أنه ينبغي للجار أن يبذل جداره لجاره، ولا يمتنع ما دام أن جاره يستفيد من شيء ليس فيه ضرر عليه، لكن ينبغي أن يضاف إليه قيد الاستئذان؛ لأن استئذان الجار قبل وضع الخشب على جداره مما يبعث روح المحبة والتعاون بين الجيران، ويستلُّ الأحقاد والضغائن؛ لأن حديث الباب دليل واضح على نهي الجار عن الامتناع، ثم إنَّ هذا من حسن الجوار ومراعاة الحقوق، ومما يديم الألفة والمودة بين الجيران، بخلاف ما إذا امتنع فتنشأ الأحقاد والضغائن وتحصل القطيعة، وهذه أمور لا يرضاها الإسلام.
أما استدلال أصحاب القول الثاني، فعنه جوابان:
الأول: أنها عمومات، والقاعدة تقديم الخاص على العام...
الثاني: أن النهي ينصرف إلى التمليك والاستملاك وليس الانتفاع كذلك، وكيف يكون الانتفاع منهيًّا عنه والنبي -صلى الله عليه وسلم- بينهما، فأوجب أحدهما ومنع الآخر؟!
وهذا الحديث يُعمل به عندما كان الناس يحتاج بعضهم إلى بعض؛ لتلاصق الجدران وتقارب البيوت، أما اليوم فقد تغيرت الحال في كثير من المدن والقرى، لكنه يبقى الاستدلال به في كل ما يحتاجه الجار من جاره من المنافع التي ينتفع بها الجار ولا ضرر في بذلها، وهي أمور تقع، ولا نهاية لها...
في الحديث دليل: على فضل أبي هريرة -رضي الله عنه-؛ حيث جهر بهذه السُّنة واستنكر على المخاطَبين عدم الأخذ بها، والله تعالى أعلم. منحة العلام (6/ 320- 321).
وقال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قد تبين مما سبق أن أرجح الأقوال في المسألة قول مَن قال بالوجوب؛ لقوة حُجته، والٍحاصل أنه يجب على الجار إذا طلب منه جاره أن يضع خشبة في جداره أن يأذن له؛ لظاهر حديث الباب، وهذا إذا لم يتضرر، وأما إذا تضرر بذلك فلا حرج عليه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضرر، ولا ضرار»، وهو حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في سننه، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (28/ 114- 115).
وقال عبد الله البسام -رحمه الله-:
أجمع العلماء على المنع من وضع الخشب على جدار الجار مع وجود الضرر إلا بإذنه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضرر ولا ضرار». توضيح الأحكام(4/٥٠٩).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ففيه من الفقه: ‌تبليغ ‌العلم ‌لمن ‌لم ‌يُرِدْهُ، ‌ولا ‌استدعاه؛ إذا كان من الأمور المهمة، ويظهر منه: أن أبا هريرة كان يعتقد وجوب بذل الحائط لغرز الخشب، وأن السامعين له لم يكونوا يعتقدون ذلك. المفهم (4/ 532).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: النهي عن المشاحنة بين الجيران وندبهم إلى التساهل والتسامح فيما ينفع الجار من وضع خشبٍ وإجراء ماءٍ ونحو ذلك مما ينفع الجار، ولا يضر بالمالك. تطريز رياض الصالحين (ص: 218).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان ما كان عليه أبو هريرة -رضي الله عنه- من الشدة في بيان السنة، والدعوة إليها.
ومنها: أنه ينبغي للمسلم أن يكون حريصًا على نشر السُّنة، وإن كره مَن كره، وأعرض عنها من ضعفاء الإيمان، أو الجهلة. البحر المحيط الثجاج (28/ 112).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

حديث: «... خيرُ الجيرانِ عندَ اللهِ خيرُهُم لجارِهِ»

وينظر فتوى الشيخ ابن باز -رحمه الله- في حكم إلزام الجار بإزالة عروق وأغصان شجره المضرة بجاره.


إبلاغ عن خطأ