الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«أنَّه قيل لرسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: أَنَتَوَضَّأُ مِن بئرِ بُضَاعَةَ، وهي بئرٌ يُطْرَحُ فيها الْحِيَضُ ولَحْمُ الكلابِ والنَّتْنُ؟ فقال رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «الماءُ طهورٌ، لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ».


رواه أحمد برقم: (11818) وأبو داود برقم: (66) واللفظ له، والترمذي برقم: (66) والنسائي برقم: (326) من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
وعنه عند أبي داود برقم: (67): «إنَّه يُسْتَقَى لك مِن بئرِ بُضَاعَةَ، وهي بئرٌ يُلْقَى فيها لُحُومُ الكِلَابِ والْمَحَايِضُ، وعَذِرُ النَّاسِ؟».
وعنه عند النسائي برقم: (327): «مررتُ بالنَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وهو يتوضَّأُ مِن بئرِ بُضَاعَةَ...».
وفي رواية عند القاسم بن سلام في الطهور برقم (145): «والجِيَفُ وما يُسْتَنْجَى به».
وفي مسند أحمد برقم: (11815): «بئر بضاعة بئر بني ساعدة».
وعند أبي يعلى برقم: (7519)، والطبراني برقم: (6026) قال سهل بن سعد –رضي الله عنه-: «لو أني سَقَيْتُكم من بئر بُضَاعة لكرهتم ذلك، وقد والله سَقَيْتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن مَائِها».
صحيح الجامع برقم: (6640)، صحيح أبي داود برقم: (59).


غريب الحديث


«بئرِ بُضَاعَةَ»:
هي بئرٌ معروفةٌ بالمدينةِ، والمحفوظُ ضَمُّ الباءِ، وأجازَ بعضُهم كسْرها، وحكى بعضُهم بالصَّادِ المهملةِ. النهاية، لابن الأثير (1/ 134).

«الْحِيَضُ»:
بكسر الحاء، وفتح الياء: جمع حِيْضة -بكسر الحاء، وسكون الياء-، وهي: خِرْقة الحيض، ويقال لها أيضًا: الْمَحِيضة، وتُجْمع على المحايض. شرح أبي داود، للعيني (1/ 198).

«والنَّتْنُ»:
الرائحة الكريهة. لسان العرب لابن منظور (13/ 426)

«وعَذِرُ»:
الغائط الذي يلقيه الإنسان. النهاية لابن الأثير (3/ 199).


شرح الحديث


قوله: «أنَّه قيل لرسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في الرواية التالية أنَّ السائل هو أبو سعيد الخدري. ذخيرة العقبى (5/ 325).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فسَألوا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن شأنها (أي: البئر)؛ ليَعْلَموا حُكمها في الطهَارة والنجَاسَة. شرح سنن أبي داود (1/ 519).

قوله: «أَنَتَوَضَّأُ؟» وفي رواية: «أَتَتَوَضَّأُ؟»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله: «أتتوضأ من بئر بُضاعة؟» هو بتاءين مُثَنَّاتين من فوق، وهو خطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم-، معناه: تتوضأ أنت يا رسول الله من هذه البئر، وصفتها كذا؟ وإنَّما ضَبَطْتُ اللفظة؛ لأني رأيتُ مراتٍ من يُصَحِّفها، فيقول: «نتوضأ؟» بالنون، وهذا غلط؛ فقد ذكر أبو داود في الرواية الأخرى أنه قال: «يا رسول الله، إنه يُستَقَى لك من بئر بضاعة» وفي رواية الشافعي: «قيل: يا رسول الله، إنك تتوضأ من بئر بضاعة» وذكر تمامه، وفي رواية النسائي عن أبي سعيد قال: «مررتُ بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلتُ: يا رسول الله، أتتوضأ منها وهي يُطرح فيها...؟» وذكر الحديث. الإيجاز (ص: 292).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
قال الشيخ وليُّ الدين (العراقي): ولا يمتنع أنْ يكون بنون، ثم تاء (نتوضأ)، وقد ضبطناه كذلك في أصلنا من سنن أبي داود، ويؤيّده رواية الدَّارقطني: «قيل: يا رسول الله، إنَّا نتوضّأ». مرقاة الصعود (1/ 79).
وقال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «أنتوضَّأُ؟»...أي: أيجوز لنا أنْ نتوضأ؟ ذخيرة العقبى (5/ 325).

قوله: «مِن بئرِ بُضَاعَةَ؟»:
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قيل: هو اسم لصاحب البئرِ، وقيل: اسم لموضعها، وهي بئر قديمة بالمدينة معرُوفةٌ. شرح سنن أبي داود (1/ 518).
وقال أبو داود -رحمه الله-:
سمعتُ قتيبة بن سعيد قال: سألتُ قَيِّم بئر بضاعة عن عُمْقِها؟ قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة، قلتُ: فإذا نقص؟ قال: دون العورة.
قال أبو داود: وقدَّرتُ أنا بئر بضاعة بردائي، مددته عليها، ثم ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع، وسألتُ الذي فتح لي باب البستان، فأدخلني إليه، هل غُيِّر بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا، ورأيتُ فيها ماءً مُتغيِّر اللون. سنن أبي داود (1/ 18).
وقال النووي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
إنَّما قدَّرها أبو داود بردائه، وسأل عنها قتيبة؛ ليعلم أنَّها كبيرة جدًّا، والمقصود: أنَّ أبا حنيفة -رحمه الله- يقول: إذا كان الماء غير جارٍ، ووقعت فيه نجاسة فإنْ كان بحيث لو حُرِّك أحد طَرَفَيه تحرَّك الآخر، فهو نجس كله، وإلا فطاهر، وهذه البئر كانت دون هذا، فمعلوم أنَّها إذا حُرِّك أحد طرفيها تحرك الآخر، وقد صح أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ منها، وكانت النَّجاسات تقع فيها، فهذا يردُّ مذهب أبي حنيفة، وهذا مقصود قتيبة وأبي داود بما ذكره في الكتاب (سنن أبي داود) ولهذا قال: "سألتُ الذي فتح لي الباب: هل غُيِّر بناؤها؟" يعني: عمَّا كان في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، "قال: لا"...، قوله: "ورأيتُ فيها ماءً متغيرًا" هذا التَغيُّر بطول المكْث أو نحوه، أو من أصلها لا بنجاسة، ثم إنَّ هذه صفة مائها في زمن أبي داود، ولا يلزم منه أنْ تكون صفتها كذلك في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولعلّه قلَّ استعمالها، فتغيَّر ماؤها، والله أعلم. الإيجاز في شرح سنن أبي داود (ص: 295-296).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال الإسماعيلي: في هذا الحديث (أي: حديث سهْلٍ قال: «كُنَّا نفرحُ يومَ الجُمُعَةِ، كانت لنا عجوزٌ تُرْسِلُ إلى بُضَاعَةَ...») بيان أنَّ بئر بضاعة بئر بستان، فيدل على أنَّ قول أبي سعيد في حديثه، يعني: الذي أخرجه أصحاب السنن: «أنَّها كانت تُطرَح فيها خِرَق الحِيَض وغيرها» أنَّها كانت تُطرَح في البستان، فيجريها المطر ونحوه إلى البئر. فتح الباري (11/ 34).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
بئر بضاعة واقعة معروفة في شرقي المدينة، باقية إلى اليوم، ومَن قال: إنَّها كانت جارية فقد أخطأ، فإنَّه لم يكن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة عين جارية، بل الزرقاء وعيون حمزة حدثتا بعد موته، والله أعلم. مجموع الفتاوى (21/ 37-38).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فإنَّ بئر بضاعة كانت واقفة، ولم يكن على عهده بالمدينة ماء جارٍ أصلًا. تهذيب سنن أبي داود (1/ 53).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أما قوله (أي: المرغيناني صاحب الهداية): إنَّ ماء بئر بضاعة كان جاريًا بين البساتين، فهو كلام مردود على مَن قاله، وقد سبق إلى دعوى ذلك وجزم به الطحاوي، فأخرج عن أبي جعفر ابن أبي عمران عن محمد بن شجاع الثلجي (والثلجي هذا كذاب) عن الواقدي قال: كانت بئر بضاعة طريقًا للماء إلى البساتين، وهذا إسناده واهٍ جدًّا، ولو صح لم يثبت به المراد؛ لاحتمال أنْ يكون المراد: أنَّ الماء كان يُنقل منها بالسانية (أي الناقة أو غيرها يسقى عليها) إلى البساتين، ولو كانت سيحًا جاريًا لم تُسمَّ بئرًا. الدراية (1/ 56).

قوله: «وهي بئرٌ يُطْرَحُ فيها»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«يُطرَحُ»... أي: يُلقى. بذل المجهود (1/ 390).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله (في لفظ): «يُلقى» مِن ألقيتُ الشيء: إذا طرحته. نخب الأفكار (1/ 54).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قد يتوهَّم كثيرٌ من الناس إذا سمع هذا الحديث: أنَّ هذا كان منهم عادة، وأنَّهم كانوا يأتون هذا الفعل قصدًا وتعمُّدًا، وهذا ما لا يجوز أنْ يُظن بِذِمِّي، بل بِوَثَنِي فضلًا عن مسلم، ولم يزل من عادة الناس قديمًا وحديثًا مسلمهم وكافرهم تنزيه المياه، وصونها عن النجاسات، فكيف يُظن بأهل ذلك الزمان، وهم أعلى طبقات أهل الدِّين، وأفضل جماعة المسلمين، والماء في بلادهم أعز، والحاجة إليه أَمَس أنْ يكون هذا صنيعهم بالماء، وامتهانهم له؟! وقد لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مَن تغوَّط في موارد الماء ومشارِعِه، فكيف مَن اتخذ عيون الماء ومنابعه رصدًا للأنجاس، ومطرحًا للأقذار؟! هذا ما لا يليق بحالهم، وإنَّما كان هذا مِن أجل أنَّ هذه البئر موضعها في حَدور من الأرض، وأنَّ السيول كانت تكسح هذه الأقذار من الطرق والأفنية، وتحملها فتلقيها فيها. معالم السنن (1/ 37).
وقال النووي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
وقيل: كانت الريحُ تُلْقي ذلك، وقيل: المنافقون، ويحتمل الريح والسيول، وأما المنافقون فبعيدٌ؛ لأنَّ الانتفاع بها مشتركٌ، مع تنزيه المنافقين وغيرهم المياه في العادة. الإيجاز (ص: 293).

قوله: «الْحِيَضُ ولَحْمُ الكلابِ والنَّتْنُ؟»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «الحِيَض» أي:...الخِرَق التي تَمسح بها المرأة دم الحيض، أو تجعلها على الفرج بين فخذيها. المنهل العذب المورود (1/ 233).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ولحوم الكلاب» أي: جيفها. ذخيرة العقبى (5/ 325).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«والنَّتْنُ» بفتح النون، وإسكان التاء، هكذا وجدتُه مضبوطًا، وفُسِّر بالرائحة الكريهة، ويقع أيضًا على كل مُستقبح، وينبغي أنْ يُضبط بفتح النون، وكسر التاء، وهو الشيء الذي له رائحة كريهة، من قولهم: نَتِنَ الشيء بكسر التاءِ ينتَنُ بفتحها فهو نَتِن. شرح سنن أبي داود (1/ 519).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«والنَّتن» الرائحة الكريهة، وقد نَتِنَ الشيء وأَنْتَنَ مُنْتِنٌ، وأراد به ها هنا الشيء المنتِن، كالعذرة والجيفة. الميسر (1/ 160).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وكان الماء لكثرته لا يُؤثِّر فيه وقوع هذه الأشياء، ولا يُغيِّره، فسألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن شأنها؛ ليعلموا حُكمها في الطهارة والنجاسة. معالم السنن (1/ 37).

قوله: «فقال رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «الماءُ طهورٌ»:
قال العيني -رحمه الله-:
الألف واللام في «الماءُ» للعهد، أي: ماء بئر بضاعة، ولا يصح أنْ يكون للاستغراق؛ لأنَّه يلزم أنْ يكون كل فرد من أفراد الماء طاهرًا، وليس كذلك، ولئن سُلِّم أنَّه للاستغراق، ولكنه مخصوص بوجهين:
الأول: مجمعٌ عليه، وهو المتغيِّر بالنجاسة.
والثاني: مختلَفٌ فيه، وهو إذا كان دون القُلَّتَين، كما قال به الشافعي وأحمد. نخب الأفكار (1/ 55).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ الماء طهور» تأويله: إنَّ الماء الذي تسألون عنه، وهو ماء بئر بضاعة طاهر؛ لأنَّه أكثر من قلَّتين. المفاتيح (1/ 429).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«طهور» أي: طاهر مُطهِّر؛ لكونه جاريًا في البساتين (والصواب أنَّه بلغ قلتين). بذل المجهود (1/ 391).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«طهور»...، والطَّهورُ قيل: من أبنية المبالغة، وأنَّه بمعنى طاهر، والأكثر أنَّه لوصف زائد، قال ثعلب: الطهورُ هو الطاهر في نفسه، المُطِهِّرُ لغيرِهِ. شرح سنن أبي داود (1/ 519-520).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
والماءُ الطَّهُور في الفقه: هو الذي يرفعُ الحدَث، ويُزيل النَّجَسَ؛ لأنَّ فَعُولًا مِن أبْنية المبالغة، فكأنَّه تنَاهى في الطَّهارة، والماءُ الطَّاهِر غيرُ الطَّهُور: هو الذي لا يرفع الحدَث، ولا يُزِيل النَّجَسَ، كالمُسْتَعْمل في الوُضوء والغُسْل. النهاية (3/ 147).
وقال ابن الأثير -رحمه الله- أيضًا:
في رواية الجماعة: «إنَّ الماء طهور لا ينجسه شيء» بزيادة لفظة «طهور»، وفيها فائدة حسنة؛ لأنَّ قوله: «إنَّ الماء لا ينجسه شيء» يجوز أنْ يكون غير نجس، وهو غير طهور، كالماء المستعمل في الحدث، ليس بنجس وهو مع ذلك غير طهور، فإذا قال: «طهور» زال هذا الوهم، وبقي قوله: «لا ينجسه شيء» زيادةً في البيان، وتعريضًا بذكر ما قالوا: إنَّه يُلقى فيها من الحِيَضِ وغيرها، أي: أنَّ هذه النجاسات لا تُؤثِّر في هذا الماء، فَذَكَرَ ذلك تأكيدًا وبيانًا. الشافي (1/ 70).

قوله: «لا يُنجِّسُهُ شيءٌ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«لا ينجسه شيءٌ» مما اتصل به من النجاسات. فيض القدير (2/ 383).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«لا ينجسه شيءٌ» لكثرته، ثم لِكونِه في حُكم المياه الجارية، فإنَّ السيل إذا ألقى في مثل تلك البئر قذرًا ونتنًا، ثم طفح عليها، احتمل بعيابه (عابَ الماءُ: إذا ثَقَبَ الشَّطَّ فَخَرَجَ منه) ما ألقى فيها، فلا يسلب إذًا من ذلك الماء حكم الطهورية. الميسر (1/ 161).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«لا ينجسه شيءٌ» أي: ما لم يتغيَّر، بدليل الإجماع على نجاسة المتغيِّر، فما جاء في بعض الطرق: «أنَّه كان كنُقاعة الحِنَّاء» محمول على لون جوهر مائها. بذل المجهود (1/ 391).
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وظاهر قوله -عليه السلام-: «الماء لا يُنجسه شيء» يعني: ‌إلا ‌ما ‌غلب ‌عليه ‌وظهر ‌فيه ‌من ‌النجاسة بدليل الإجماع على ذلك. الاستذكار(1/167).
وقال النووي -رحمه الله-:
واعلم أن حديث بئر ‌بُضاعة ‌عام ‌مَخصوصٌ خُصَّ منه المُتغير بنجاسة؛ فإنه نجس للإجماع. المجموع(1/85).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
قال ابن المنذِر: أجمعوا أنَّ الماءَ القليلَ أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسةٌ فغيَّرت طعمًا أو لونًا أو ريحًا فهو نجسٌ، ونُقِلَ الإجماعُ كذلك عن جماعاتٍ من أصحابِنا وغيرِهم.
وسواءٌ كان الماءُ جاريًا أو راكدًا، قليلًا أو كثيرًا، تغيَّر تغيُّرًا فاحشًا أو يسيرًا طعمُه أو لونُه أو ريحُه، فكُلُّه نجسٌ بالإجماع. المجموع(1/١١٠).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قلتُ: وكذلك مخصوصٌ بما إذا لم يبلغ القُلَّتين على المذهب الراجح؛ لحديث القلتين. ذخيرة العقبى (5/ 327).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
أما حديث بئر بضاعة: فإنَّ بئر بضاعة كثيرة الماء واسعة، كان يطرح فيها من الأنجاس ما لا يغير لها لونًا ولا طعمًا، ولا يظهر له فيها ريح، فقيل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: نتوضأ من بئر بضاعة يطرح فيها كذا؟ فقال النبي -والله أعلم مجيبًا-: «الماء لا ينجسه شيءٌ» وكان جوابه محتملًا كل ماء وإنْ قلَّ، وبيَّنا أنَّه في الماء مثلها إذا كان مجيبًا عليها، فلما روى أبو هريرة عن النبي: «أن يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا» دل على أنَّ جواب رسول الله في بئر بضاعة عليها، وكان العلم أنَّه على مثلها وأكثر منها، ولا يدل حديث بئر بضاعة وحده على أنَّ ما دونها من الماء لا ينجس، وكانت آنية الناس صغارًا، إنَّما هي صحون وصحاف ومخاضب الحجارة، وما أشبه ذلك، مما يُحلب فيه ويُشرب ويتوضأ، وكبير آنيتهم ما يُحلب ويُشرب فيه، فكان في حديث أبي هريرة عن النبي: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات» دليل على أنَّ قدر ماء الإناء ينجس بمخالطة النجاسة، وإنْ لم يتغير له طعمًا ولا ريحًا ولا لونًا، ولم يكن فيه بيان أنَّ ما يجاوزه وإن لم يبلغ قدر ماء بئر بضاعة لا ينجس، فكان البيان الذي قامت به الحُجة على مَن عَلِمَه في الفرق بين ما ينجس وبين ما لا ينجس من الماء الذي لم يتغير عن حاله، وانقطع به الشك في حديث الوليد بن كثير أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا كان الماء قُلَّتَين لم يحمل نجسًا». اختلاف الحديث (ص: 72).
وقال النووي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ حديث بئر بضاعة لا يخالف حديث القُلَّتين؛ لأنَّ ماءها كان فوق القُلتين كما ذكرنا، فحديث بئر بضاعة يُخَصّ منه شيئان:
أحدهما: إذا كان دون قُلَّتين.
والثاني: المتغير بالنجاسة.
فأما الشيء الثاني؛ فَمُجْمَعٌ على تخصيصه، وأما الأول فقال به الشافعي وأحمد وكثيرون، وقال مالك وآخرون بعمومه. الإيجاز (ص: 293- 294).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فكان من جوابه لهم: أنَّ الماء لا ينجسه شيءٌ، يريد الكثير منه الذي صفته صفة ماء هذه البئر في غزارته، وكثرة جِمَامِه (جمع جَمَّة وهي مُجْتَمع المَاء ومعظمه)؛ لأنَّ السؤال إنَّما وقع عنها بعينها، فخرج الجواب عليها، وهذا لا يخالف حديث القلتين؛ إذ كان معلومًا أنَّ الماء في بئر بضاعة يبلغ القلتين، فأحد الحديثين يُوافِق الآخر، ولا يناقضه، والخاص يقضي على العام ويُبيِّنه ولا ينسخه. معالم السنن (1/ 37-38).
وقال أبو بكر الزبيدي الحنفي -رحمه الله-:
التحريك عند أبي حنيفة يُعتبر بالاغتسال من غير عنف، لا بالتوضؤ؛ لأنَّ الحاجة إلى الاغتسال في الغدران أشد من الحاجة إلى التوضؤ؛ لأنَّ الوضوء يكون في البيت غالبًا، وعند أبي يوسف يُعتبر باليد؛ لأنَّ هذا أدنى ما يتوصل به إلى معرفة الحركة، وعند محمد (ابن الحسن) بالتوضؤ، وصحَّح في الوجيز قول محمد، ووجهه: أنَّ الاحتياج إلى التوضؤ أكثر من الاحتياج إلى الاغتسال، فكان الاعتبار به أولى، وهذا التقدير في الغدير قول العراقيين بأنْ يكون بحيث لا يتحرك أحد طرفَيه بتحرك الآخر، وبعضهم قدَّره بالمساحة بأنْ يكون عشرة أذرع طولًا في عشرة أذرع عرضًا بذراع الكرباس توسعة في الأمر على الناس، قال في الهداية (المرغيناني): وعليه الفتوى...، وذراع الكرباس: سبع قبضات، وهو أقصر من ذراع الحديد بقبضة. الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (1/ 14).
وقال الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله-:
ما يُستفاد من الحديث:
1. الأصل في المياه الطهارة.
2. أنَّ الماء لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه إلا إنْ تغيَّر وصفٌ مِن أوصافه الثلاثة: اللون أو الطعم أو الريح.
3. لا فرق في تنجيس الماء بين القليل والكثير، وإنَّما العبرة بالتغيُّر. شرح كتاب الطهارة من بلوغ المرام (ص: 4).

ويُنظر فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في بيان درجة حديث (الماء طهور لا ينجسه شيء) وصحة معناه.


إبلاغ عن خطأ