«ما أَكَلَ أحدٌ طعامًا قَطُّ خيرًا من أنْ يأكلَ من عَمَلِ يدِهِ، وإنَّ نبيَّ اللهِ داودَ -عليه السلامُ- كانَ يأكلُ من عملِ يَدِهِ».
رواه البخاري برقم: (2072)، من حديث المقدام بن معدي كَرِب -رضي الله عنه-.
شرح الحديث
قوله: «ما أَكَلَ أحدٌ طعامًا قَطُّ خيرًا من أنْ يأكلَ من عَمَلِ يدِهِ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ما أكل أحد» زاد الإسماعيلي: «من بني آدم» قوله: «طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده»، في رواية الإسماعيلي: «خير» بالرفع وهو جائز، وفي رواية له: «من كدِّ يديه»، والمراد بالخيرية ما يستلزم العمل باليد من الغنى عن الناس، ولابن ماجه من طريق بحير بن سعد عن خالد بن معدان عنه (أي: المقدام): «ما كَسَبَ الرجل أطيبَ من عمل يديه»، ولابن المنذر من هذا الوجه: «ما أكل رجل طعامًا قطُّ أحلّ من عمل يديه»، وفي فوائد هشام بن عمار عن بقية (ابن الوليد) حدثني بحير بن سعد بهذا الإسناد مثل حديث الباب، وزاد: «مَن بات كالًّا من عمله بات مغفورًا له»، وللنسائي من حديث عائشة: «إن أطيب ما أكل الرجل مِن كَسْبِهِ»، وفي الباب من حديث سعيد بن عمير عن عمه عند الحاكم، ومن حديث رافع بن خديج عند أحمد، ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أبي داود. فتح الباري (4/ 306).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ما أكل أحد طعامًا قطُّ» بفتح القاف، وتشديد الطاء، أي: أبدًا «خيرًا» أي: أفضل، أو أحلَّ، أو أطيب «مِن أن يأكل من عمل يديه» بالتثنية؛ لأن غالب المزاولة بهما. مرقاة المفاتيح (5/ 1888).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ما أكل أحد طعامًا قَطُّ» بفتح القاف وضم الطاء المهملة المشددة ظرف لاستغراق ما مضى، وباقي الأزمنة مقيسة عليه فيما يأتي، «خيرًا من أن يأكل» أي: أو يشرب أو يلبس، وذَكَرَ الأكل؛ لأنه أغلب أنواع الاستعمال، كما قيل به في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} النساء: 10، فإن المراد استعمالها بأي وجه، وذكر لذلك «مِن عمل يديه» كناية عن الكسب، وذكر اليدين: إما لأنه أفضل مما ليس فيه عملهما، ويؤيده أنه قيل له: أيُّ الكسب أفضل؟ فقال: «عملُ الرجل بيده، وكُل بيع مبرور»، أو لأن أغلب الأعمال بهما، وإلا فالمراد مطلقه، كالحاصل من كَسب النظر كأنْ يستأجر لحفظ متاع، والسَّمع كأن يستأجر لسماع طلب درس علم... أو لا من شيء من أعضائه، كأن يستأجر ليصوم عن ميت، ثم المراد -كما تدل عليه القواعد الشرعية- كسب حلال خالص من الغِش بسائر وجوهه. دليل الفالحين (4/ 525- 526).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «خيرًا» وذلك لأن فيه إيصال النفع إلى الكاسب وإلى غيره، والسلامة عن البطالة المؤدية إلى الفضول، ولكسر النفس به، وللتعفف عن ذل السؤال. الكواكب الدراري (9/ 198).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «ما أكل أحد طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل مِن عمل يديه» هذا الحديث تحريض على الكسب الحلال؛ فإن الكسب فيه فوائد كثيرة:
إحداها: إيصال النفع إلى المكتسب بأخذ الأجرة إن كان العمل لغيره، وبحصول الزيادة على رأس المال إن كان العمل تجارة، فكذلك الزراعة وغرس الأشجار.
والثانية: إيصال النفع إلى الناس، بتهيئة أسبابهم من حوك ثيابهم وخياطتها وغيرهما من الحِرَف، وبحصول أقواتهم بأن يشتروا من الأقوات والثمار، وكذلك جميع الأشياء مما يحصل بسعي الناس.
(ولعل الثالثة: ما ذكره الكرماني في النقل السابق وهي: السلامة عن البطالة المؤدية إلى الفضول).
والرابعة: أن النفس تنكسر بالكسب ويقلّ طغيانها ومرحها.
وكل واحد من هذه الأشياء خصال حميدة في الشرع، ينال الرجل بها الدرجة الرفيعة.
وشرط المكتسِب: أن يعتقد الرزق من الله الكريم، ونسبة الكسب إلى الرزق كنسبة الطعام إلى الشبع؛ فإن الشبع لا يحصل من الطعام، بل من الله، فرُبَّ أكلة تُشْبِع الآكل إذا قدر الله فيها الشبع، ورب أكلة لا تُشبع إذا لم يقدر الله فيها الشبع، فكذلك رُبَّ مكتسِب يحصل له مال إذا قدر الله له المال، ورُبَّ مكتسب لا يحصل له المال إذا لم يقدر الله له المال. المفاتيح (3/ 383- 384).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«ما أكل أحد طعامًا قطّ خيرًا من عمل يده» لأنه الحلال بلا شبهة، ولا شوب مِنَّة، وهو سُنة الأنبياء. الكوثر الجاري (4/ 374).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
وأفضل المكاسب عند الشافعية الزراعة، ثم عمل اليد، ثم التجارة بدليل آخر. السراج المنير (4/ 193).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وهو حث على الكسب الحلال، والأكل منه، والخيرية باعتبار الأجر في الآخرة، وإنارة القلب في الدنيا بالطاعات، ونشاط الأعضاء لأفعال الخير. التنوير (9/ 355).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «ما أكل أحدٌ طعامًا قط» يقتضي التعميم في الآكل والمأكول؛ للنفي والتنكير، وخصَّصه الغزالي -رحمة الله عليه- في الإحياء بأربعة أشخاص (وذكر كلام الغزالي الآتي). الأزهار مخطوط لوح (265).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
أصول المكاسب المألوفة ثلاثة: زراعة وتجارة وصناعة، فينبغي للمكتسِب بها أن يختار لنفسه أطيبها؛ لقول الله تعالى: {يَا أَيْهُا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُم} البقرة: 267...، واختلف الناس في أطيبها، فقال قوم: الزراعات، وهو عندي أشبه؛ لأن الإنسان فيها متوكل على الله في عطائه، مستسلم لقضائه.
وقال آخرون: التجارة أطيبها، وهو أشبه بمذهب الشافعي؛ لتصريح الله تعالى بإحلاله في كتابه، بقوله: {وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ} البقرة: 275، واقتداء بالصحابة -رضي الله عنهم- في اكتسابهم بها.
وقال آخرون: الصناعة؛ لاكتساب الإنسان فيها بكدِّ يديه. الحاوى الكبير (15/ 341-342).
قوله: «وإنَّ نبيَّ اللهِ داودَ -عليه السلامُ- كانَ يأكلُ من عملِ يَدِهِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وإن نبيَّ الله داود -عليه الصلاة والسلام-» وهو بالنصب على أنه بدل أو عطف بيان، وخُصَّ بالذِّكْرِ لتعليم الله تعالى إياه، قال الله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ} الأنبياء: 80، «كان يأكل من عمل يديه»...، ثم الكسب بقدر الكفاية واجب لنفسه وعياله عند عامة العلماء، وما زاد عليه فهو مباح إذا لم يُرِدْ به الفخر والتكاثر، وقيل: الاشتغال به مكروه، وإنما الواجب على كل أحد أن يشتغل بعبادة ربه؛ لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات: 56، قلنا: المراد بالعبادة المعرفة (وهذا تفسير غريب غير مشهور)، وهي لا تنافي الكسب، وإن كانت على حقيقتها فالمراد بها المفروضة، وهي أيضًا غير منافية له؛ لأنها لا تستغرق الأوقات. مرقاة المفاتيح (5/ 1888- 1889).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «إن نبي الله داود» إلى آخره، توكيد للتحريض، وتقرير له، يعني الاكتساب من سنن الأنبياء؛ فإن نبي الله داود كان يعمل السَّرْد (مسامير الدروع) ويبيعه لِقُوْتِه، فاستَنُّوا به. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2095).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «إن نبي الله داود -صلى الله عليه وسلم- كان يأكل مِن عملِ يديه» يعني: يعمل الدرع ويبيعها، ويأكل ثمنها. المفاتيح (3/ 384).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
كان أكله مِن كسب يده أنفى للكِبْرِ عنه، وأبعد للتهمة فيه. الإفصاح (7/ 316).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ولا يأكل إلا من عمل يده»...، وأن فيه دليلًا على أنه أفضل المكاسب، وقد استُدل به على مشروعية الإجارة من جهة أن عمل اليد أعمّ من أن يكون للغير أو للنفس، والذي يظهر أن الذي كان يعمله داود بيده هو نسج الدروع، وألان الله له الحديد فكان ينسج الدروع ويبيعها ولا يأكل إلا من ثمن ذلك مع كونه كان من كبار الملوك، قال الله تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} ص: 20، وفي حديث الباب (أبي هريرة) ما يدل على ذلك، وأنه مع سِعته بحيث إنه كان له دواب تُسرج إذا أراد أن يركب، ويتولى خدمتها غيره، ومع ذلك كان يتورع ولا يأكل إلا مما يعمل بيده. فتح الباري (6/ 455).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: ما الحكمة في تخصيص داود بالذِّكْر؟
قلتُ: لأن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة؛ لأنه كان خليفة في الأرض، كما ذكر الله تعالى في القرآن، وإنما قصد الأكل من طريق الأفضل؛ ولهذا أورد النبي -صلى الله عليه وسلم- قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدمه من أن خير الكسب عمل اليد، وقال أبو الزاهرية (حدير بن كريب): كان داود -عليه الصلاة والسلام- يعمل القِفَاف، ويأكل منها، قلتُ: كان يعمل الدروع من الحديد بنص القرآن، وكان نبينا -صلى الله عليه وسلم-، يأكل من سعيه الذي بعثه الله عليه في القتال، وكان يعمل طعامه بيده ليأكل من عمل يده، قيل لعائشة: كيف كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعمل في أهله؟ قالت: «كان في مهنة أهله، فإذا أقيمت الصلاة خرج إليها». عمدة القاري (11/ 187).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال ابن المنذر: وإنَّما فُضِّل عمل اليد على سائر المكاسب، إذا نصح العامل بيده، وروى أبو سعيد المقبري عن أبي هريرة أنَّ النبي -عليه السلام- قال: «خير الكسب يد العامل إذا نصح». شرح صحيح البخاري (6/ 210).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
وفيه: إشارة إلى أن كسب الحلال للأكل والقُوت لهم، ولو كسبه لجميع طرق معاشه من اللباس والركوب وغيرهما كان أتم وأكمل، ويمكن أن يُحمل قوله: «يأكل» على معنى يتصرف في وجوه معيشته، واللَّه أعلم. لمعات التنقيح (5/ 492).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» وفيه قدوة وأسوة لكل أحد؛ فإنه ألان الله له الحديد يعمل منها الدروع. التنوير (9/ 355).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
داود كان حدادًا يصنع الدروع، وصاحب الوظيفة: كاتب، مدير، كله من عمل يَدِه. الحلل الإبريزية (2/ 192).
وقال المظهري -رحمه الله-:
هذا الحديث لبيان فضيلة الكسب؛ يعني: الاكتساب من سنن الأنبياء، وسنن الأنبياء فيها سعادة الدنيا والآخرة.
فإن قال قائل: الكَسب ليس بسُنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه لم يكن منسوبًا إلى الكسب؟
قلنا: بل هو سنة؛ لأن تحريض الناس على الكسب صريح رضاه بالكسب، وكل فعل رضي به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو سُنة.
وأما قوله: لم يكن رسول الله منسوبًا إلى الكسب، فهذا عدم، والعدم ليس بسنة؛ يعني: عدم اكتسابه لا يدل على أن عدم الكسب سُنة.
ألا ترى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يغسِّل ميتًا، ومع ذلك غسل الميت فرض على الكفاية؟! ولم يؤذِّن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك الأذان سنة؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- أمر به. المفاتيح (3/ 384).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي الحديث: فضل العمل باليد، وتقديم ما يباشره الشخص بنفسه على ما يباشره بغيره.
وفي الحديث: أن التكسُّب لا يقدح في التوكل، وأن ذكر الشيء بدليله أوقع في نفس سامعه. فتح الباري (4/ 306).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- أطيب المكاسب: عملُ اليد وبيعٌ مبرور.