«مَن سَمِعَ رجُلًا يَنشُدُ ضَالَّةً في المسجِدِ، فَليَقُلْ: لا رَدَّها اللهُ عليك؛ فإنَّ المساجِدَ لَم تُبنَ لِهَذا».
رواه مسلم، برقم: (568)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي رواية لمسلم برقم: (569)، من حديث بريدة -رضي الله عنه- بلفظ: «أنَّ رجلًا نَشَدَ في المسجد، فقال: من دَعا إلى الجَمَل الأحمر؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا وَجَدْتَ! إنما بُنيَت المساجد لِمَا بُنيَت له».
غريب الحديث
«يَنشُدُ»:
نَشَدْتُ الضَّالَّةَ: إِذا سألتُ عنها، وأنشدتها إِذا عرَّفتها، والنَّاشد: الحابس الضَّالّةَ على رَبِّها. غريب الحديث، للحربي (2/ 512).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
نشدتُ الضالة فأنا ناشد: إذا طلبتها، وأنشدتها فأنا مُنشد... وهو من النشيد: رفع الصوت. النهاية (5/ 53).
«ضَالَّةً»:
قال الليث: الضالة من الإبل: التي بمضْيَعة لا يُعرف لها مالك، وهو اسم للذكر والأنثى، والجمع: الضَّوَال. تهذيب اللغة، للأزهري (11/ 321).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الضالة: هي الضائعة من كل ما يُقتنى من الحيوان وغيره، يقال: ضلَّ الشيء إذا ضاع. النهاية (3/ 98).
شرح الحديث
قوله: «مَن سَمِعَ رجُلًا»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
كلمة: «رجل» يعني: أيّ رجل، ولو فُرض أنه سمع امرأة فالحكم واحد. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 605).
قوله: «ينشُدُ ضالَّةً في المسجِدِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«من سمع رجلًا ينشد ضالة» أي: يطلبها برفع الصوت (في المسجد). شرح المصابيح (1/ 427).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «ينشد» معناه: يطلب، يقال: نشدت الضالة إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرَّفتها، وفي رواية أخرى: «أنه قال لرجل كان ينشد ضالة في المسجد: أيها الناشد، غيرك الواجد». معالم السنن (1/ 143).
وقال النووي -رحمه الله-:
رواية هذا الحديث: «يَنشُد ضالة» بفتح الياء وضم الشين مِن نشدت إذا طلبت، ومثله قوله في الرواية الأخرى: «إن رجلًا نشد في المسجد فقال: مَن دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لا وجدتَ، إنما بُنيت المساجد لما بُنيت له». شرح صحيح مسلم (5/ 55).
وقال مغلطاي -رحمه الله-:
قال الأصمعي: في كل شيء رفعتَ به صوتك فقد أنشدتَ به ضالة كانت أو غيرها. شرح سنن ابن ماجه (4/ 242).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ضالة» يقال: بالهاء للذكر والأنثى، والجمع الضوال، مثل: دابة ودواب، والضالة مخصوصة بالحيوان، ويقال لغير الحيوان: ضائع ولقطة. شرح سنن أبي داود (3/ 312).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وَسمِّي ناشدًا لها؛ لرفع صوته بالطلب، والضالة: لِما ذهب عنه ولم يجده، وإنما نُهي عن إنشاد الضالة في المسجد؛ لِما فيه من التشويش على المصلين، والإقبال على الدنيا في موضع الآخرة، وله مندوحة عن ذلك بأن يقف على بابه، والشوارع والأسواق والمحافل، وأما المساجد فلا؛ لما يتعلق لذكر الله، وما يتعلق بأمور الآخرة، وليست من أسواق الدنيا، ولا بأس بالشيء الخفيف من ذلك، كتفريق الصدقة، وقسمة مال الغنيمة، كما وضع -عليه السلام- في مسجده المال الذي جاء من الغزو وقسمه فيه، ولا يُنشد فيه الضالة إجماعًا، قاله في شرح الإلمام. فتح القريب المجيب (3/ 51).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
نَشَد: الثلاثي يُستعمل للطلب، وللتعريف، وأما "أنشد": الرباعي فيستعمل للتعريف فقط، وأن الرواية في هذا الحديث «ينشد» الثلاثي. البحر المحيط الثجاج (12/ 507).
وجاء في الموسوعة الكويتية:
ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في المشهور عندهم إلى كراهة نشدان الضالة في المسجد. الموسوعة الفقهية الكويتية (37/ 215)
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث دليل على تحريم السؤال عن ضالة الحيوان في المسجد، وهل يلحق به السؤال عن غيرها من المتاع، ولو ذَهَبَ في المسجد؟
قيل: يلحق للعلة؛ وهي قوله: «فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا»، وأنَّ مَن ذَهَبَ عليه متاع فيه، أو في غيره، قعد في باب المسجد يسأل الخارجين والداخلين إليه. سبل السلام (2/ 146).
قوله: «فَليَقُلْ: لا رَدَّها اللهُ عليك»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فليقل: لا ردها الله عليك» دعاء على الناشد في المسجد بعدم الوجدان؛ فهو معاقبة له في ماله على نقيض مقصوده. المفهم (2/ 174).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
ذهب بعض أهل العلم إلى إيجاب الدعاء عليه، وأوجب الأئمة الظاهرية بما ورد، وعندنا (الشافعية) لا يجب، بل يستحب؛ للأمر به، وكأنه يستحق ذلك بعد أن عَلِم، وهذا فيمن لم يقدر على أن يُسكته أو يخرجه من المسجد، وهو عالم بالنهي، وإلا فالنهي والإحرام (التحريم) متعين أو مستحب، ولمن يقول بالكراهة أنه لا يفعل ذلك؛ لعموم تحريمه، بل يزجره بأي شيء كان، والله أعلم. فتح القريب المجيب (3/ 52).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فليقل: «لا ردَّها الله عليك»...، وظاهره أنه يقوله جهرًا، وأنه واجب. سبل السلام (2/ 146).
وقال الحجاوي -رحمه الله-:
ويُسن لسامعه أن يقول: لا وجدتَها ولا ردَّها الله عليك. الإقناع (1/ 331)
قوله: «فإنَّ المساجِدَ لَم تُبنَ لِهَذا»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«فإن المساجد لم تبن لهذا» أي: لنُشْدَان الضالة، بل لذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن والوعظ. شرح المصابيح (1/ 427).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «لم تُبْنَ لهذا» أي: لإنشاد الضالة؛ وإنما بُنيت لأداء الفرائض. شرح سنن أبي داود (2/ 386).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فإن المساجد» الفاء للتعليل، أي: لأن المساجد «لم تُبنَ» بالبناء للمفعول. البحر المحيط الثجاج (12/ 509).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإن المساجد» تعليل للحكم، ويحتمل أن يكون من جملة المقول. مرقاة المفاتيح (2/ 597).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يُنظر ما تقتضيه الحال، إذا كان قولها لهذا الذي ينشد فيه طمأنينة، فالأَولى أن تقال، وإذا كانت ربما تفتح باب الجدل؛ لأن قوله: «هذه المساجد لم تُبْنَ لهذا» لكن ما المعنى؟ فالأولى حذفها، فيَنظر الإنسان في هذه المصلحة، فإنْ لم تَتَبَيَّن المصلحة فالأفضل أن يقولها؛ لأنها لا شك سوف تُقنع هذا المنشد إذا بين له «أن المساجد لم تبن لهذا». فتح ذي الجلال والإكرام (1/505، 606).
قوله في الرواية الأخرى: «أنَّ رجلًا نشد في المسجد، فقال: من دَعا إلى الجمل الأحمر؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أن رجلًا» من الأعراب كما في الرواية الآتية: (وهي: «جاء أعرابي بعدما صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاة الفجر، فأدخل رأسه من باب المسجد» فذكر بمثل حديثهما)، ولم أر من ذكر اسمه «نَشَد» أي: طلب «في المسجد» النبوي ضالة «فقال» في طلبها: «من دعا إلى الجمل الأحمر» أي: من وجد ضالتي، وهو الجمل الأحمر، فدعاني إليه. الكوكب الوهاج (8/ 215).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«في المسجد» «أل» فيه للجنس «فقال: مَن» استفهامية. البحر المحيط الثجاج (12/ 517).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وعن بريدة -رضي الله عنه- أن رجلًا» لم أقف على من سماه «نشد في المسجد» بفتح النون المعجمة، أي: طلب ضالة «فقال: من دعا إليَّ» بتشديد الياء، قال الحافظ معناه: مَن تعرَّف إلى «الجمل الأحمر» مفعول «دعا». دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (8/ 521)
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «من دعا إلى الجمل الأحمر» أي: مَن وجد الجمل الأحمر، فيدعو الناس إليه فليعطي؛ فإنه لي، وضبط «لي» بتشديد الياء على معنى من ساق لي الجمل الأحمر، وهو بعيد وخلاف المشهور. الحاشية على سنن ابن ماجه (1/257، 258).
قوله: «فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا وَجَدْتَ!»:
قال ابن حبان -رحمه الله-:
قال أبو حاتم: أَضْمَر فيه: لا وجدتَ، إنْ عُدْتَ لهذا الفعل بعد نهيي إياك عنه. صحيح ابن حبان (3/ 187).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
هذا التأويل فيه نظر لا يخفى؛ فإن سياق الروايات يدل على عدم التقييد، بل هو على إطلاقه، ولا سيما رواية الإمام أحمد الآتية (يقصد بها: «من دعا للجمل الأحمر بعد الفجر؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا وجدته، لا وجدتَه، لا وجدتَه...» الحديث)، فلا داعي إليه، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (12/ 517).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: للناشد: «لا وجدتَ» وأمره بقول: مثل ذلك؛ عقوبة له على مخالفته وعصيانه وفعله ما نهى عنه من ذلك. إكمال المعلم بفوائد (2/ 503).
وقال النووي -رحمه الله-:
ينبغي لسامعه أن يقول: «لا وجدتَ؛ فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا» أو يقول: «لا وجدتَ؛ إنما بُنيت المساجد لما بُنيت له» كما قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. شرح صحيح مسلم (5/55، 56).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«لا وجدتَ» مفعوله محذوف، والكلام على الدعاء عليه، أي: لا وجدت ضالتك، وهي في معنى: «لا ردَّها الله عليك». فتح المنعم (3/ 208).
قوله: «إنما بُنيَت المساجد لِمَا بُنيَت له»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إنما بنيت المساجد لما بُنيت له»...عبَّر عنها بالموصول تعظيمًا لشأنها. الكوكب الوهاج (8/ 215).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إنما بُنيت» بالبناء للمفعول «المساجد لما بُنيت له» أي: للغرض الذي بنيت من أجله. البحر المحيط الثجاج (12/ 517).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «إنما بنيت المساجد لما بنيت له» يدل على أن الأصل ألا يُعمل في المسجد غير الصلوات، والأذكار، وقراءة القرآن؛ ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: «إذا رأيتم من يبيع في المسجد أو يبتاع فقولوا: لا أربح الله تجارتك». المفهم (2/ 175).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وفي رواية: «سمع رجلًا ينشد بعيرًا فقال: لا وجدتَ؛ إن هذه البيوت» أي: بيوت الله، وهي المساجد «بُنيت لما بنيت له» أي: من الصلاة، وذكر الله، والتلاوة، ونحوها، وفي رواية: «أن رجلًا أَطْلَع رأسه» بفتح همزة وسكون طاء، أي: أدخله في المسجد «فقال: مَن دعا» أي: من دعاني مشيرًا «إلى الجمل الأحمر؟» فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما وجدتَ؛ إنما بنيت هذه المساجد لما بنيت له»، ورواه مسلم: «أن رجلًا نشد في المسجد، فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟» الخ، وفي الحصن الحصين للجزري، بلفظ: «وإن سمع من ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا». شرح مسند أبي حنيفة (1/ 360).
وقال المظهري -رحمه الله-:
رفع الصوت في المسجد غير جائز في غير ذِكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، والوعظ، ودرس العلم. المفاتيح (2/ 68).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
يدخل في هذا (الحديث) كلُّ أمرٍ لم يُبن له المسجد من البيع والشراء، ونحو ذلك من أمور معاملات الناس، واقتضاء حقوقهم، وقد كرِه بعض السلف المسألة في المسجد، وكان بعضهم لا يرى أن يُتصدق على السائل المتعرض في المسجد. معالم السنن (1/ 143).
وقال المازري -رحمه الله-:
«إنما بُنيت المساجد لما بنيت له» يدل على منع عمل الصنائع فيها كالخياطة وشبه ذلك، وقد منع بعض أهل العلم تعليم الصبيان في المساجد، فإن كان منعوا ذلك لأجل أخذ الإجارة على ذلك التعليم، فيكون ضربًا من البيع في المسجد، ويجري ذلك أيضًا في غير الصبيان إذا كان بإجارة، وإن كان لمضرة المسجد بالصبيان لم يشركهم في ذلك إلا من شاركهم في هذه العلة. المعلم (1/ 419).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قال بعض شيوخنا: إنما يُمنع في المساجد من عَمَلِ الصنايع ما يخص نفعه آحاد الناس مما يَكْتَسِبُ به، فلا يتخذ المسجدُ متجرًا، فأما إن كانت لِمَا يشمل منفعة المسلمين في دينهم، مثل المثاقفة (تسوية الرماح)، وإصلاح آلات الجهاد، مما لا مهنة في عمله للمسجد، فلا بأس به، وحكى بعضهم اختلافًا في تعليم الصبيان فيها. إكمال المعلم (2/ 503).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ذهب مالك في جماعة من أهل العلم إلى كراهة رفع الصوت في المسجد في العلم وغيره، وقال: ما للعلم ترفع فيه الأصوات، وأجاز أبو حنيفة وأصحابه، ومحمد بن مسلمة من أصحابنا (المالكية) رفع الصوت فيه في الخصومة، والعلم وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس؛ لأنه مجتمعهم ولا بد لهم منه. إكمال المعلم (2/ 502).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- متعقبًا:
وقولهم: لا بد لهم من ذلك ممنوع، بل لهم بُد من ذلك بوجهين:
أحدهما: ملازمة الوقار والحرمة، وبإخطار ذلك بالبال والتحرز من نقيضه، ومن خاف ما يقع فيه تحرز منه.
والثاني: أنه إذا لم يتمكن من ذلك، فليتخذ لذلك موضعًا يخصه، كما فعل عمر، وقال: من أراد أن يلغط أو ينشد شعرًا فليخرج من المسجد. المفهم (2/173، 175).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
حتى قال بعض علمائنا: رفع الصوت حرام في المسجد، ولو بالذكر، بل قال بعضهم: إنه يحرم إعطاء السائل المعترض برفع الصوت، أو إلحاح، ومبالغة أو بمجاوزة صف أو خطوة على رقبة، أو في حال الخطبة، وأمثال ذلك تعظيمًا هنالك. شرح مسند أبي حنيفة (1/ 361).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
إنَّ رفْع الصوت في المسجد إن كان فيما يتعلق به غرض ديني، أو نفع دنيوي فجائز، وإلا فلا، وعلى ذلك يدل عمل الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه، حيث ترجم: "باب رفع الصوت في المساجد"، ثم ساق بسنده عن السائب بن يزيد، قال: "كنت قائمًا في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، قال: من أنتما -أو من أين أنتما-؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟
ثم أورد بسنده حديث كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدرد دَينًا له عليه في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى كشف سجف حُجرته، ونادى: «يا كعب بن مالك، يا كعب»، قال: لبيك يا رسول الله، «فأشار بيده أنْ ضع الشطر من دَينك»، قال: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «قم فاقضه»، فأورد البخاري -رحمه الله- حديث عمر الدال على المنع، وحديث كعب الدال على الجواز، حيث قرر -صلى الله عليه وسلم- المتخاصِمَين في رفع أصواتهما في المسجد، إشارة منه إلى أن المنع فيما لا منفعة فيه، وعدمه فيما تلجئ الضرورة إليه. ذخيرة العقبى (9/ 56).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إنشاد الضالة له معنيان:
المعنى الأول: ما ذكرنا (وهو التعريف باللقطة) وهذا واجب على الإنسان.
والمعنى الثاني: منهيٌ عنه، وذلك مثل ما يقع في المساجد، وهو أن يطلب الإنسان الضالة فيه، مثل أن يقول: من رأى كذا وكذا؟ أو: يا أيها الناس قد ضاعت لي كذا وكذا فمن وجدها؟
فهذا لا يجوز في المسجد، وهو محرم، لأن المساجد لم تُبْنَ لهذا، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إذا سمعتم أحدًا ينشد ضالة في المسجد فقولوا له: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تُبن لهذا»، فنحن مأمورون أن ندعو الله عليه، فنقول: «لا ردها الله عليه»، فنقول: لا ردها الله عليك، كما أننا إذا سمعنا شخصًا يبيع ويشتري في المسجد فإننا نقول: لا أربح الله تجارتك؛ لأن المساجد لم تُبن للبيع أو الشراء. شرح رياض الصالحين (2/617، 618).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
إنَّ في أمر الضالة في تعلق قلب صاحبها واهتمامه بشأنها كما يجد كل أحد من نفسه تشديدًا، فوُضِعَ لذلك باب من الفقه، فأُوْرِدت فيها أحاديث كثيرة، فكان يجب على كل أحد أن ينشدها ويعاون صاحبها، فلما أمر بهذا الدعاء فُهم منه أن غيرها بالطريق الأَولى أن يُدفع ويُرد. الكاشف (3/ 936).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هل يحرم ما يفعله بعض الناس اليوم: إذا وجدوا شيئًا علقوه في قبلة المسجد؟
الجواب: هذا لا بأس به؛ ففيه مصلحة من جهة أن صاحبه يجده، وانتفاء مضرَّة. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 607).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
من ضاع له ولد فلا يصلح أن ينادي عليه في المسجد، لكن له أن يسأل عنه الجهات المختصة، فيذهب للشرطة ويسألهم...، وإما أن يسأل آحاد المصلين عن ولده فلا بأس؛ لأن الولد يختلف عن المال، فلا يقال: هذا حريص على الدنيا داخل المسجد، لكن البحث عن الولد يكون بدون إعلان أو تصويت. شرح سنن أبي داود (66/ 29).
وقال المازري -رحمه الله-:
إنكاره -صلى الله عليه وسلم- على ناشد الضَّالة في المسجد يؤخذ منه منع السّؤال من الطُّوَّاف في المسجد. المعلم (1/ 419).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قال الجامع عفا الله عنه: السائلُ في المسجد؛ قيل: يَحرُم إعطاؤه، وقيل: لا، وقيل: إن كان يتضرَّر به أهلُ المسجد، بأن يرفعَ صوته، ويشوِّشَ على المصلِّين، أو يمرَّ بين يدي مُصلٍّ، أو يسألَ بإلحافٍ، حَرُم إعطاؤه؛ لكونه إعانةً على ممنوع، وإلَّا جاز إعطاؤه، وهذا التفصيلُ هو الصواب؛ لثبوت أدلَّته في الأحاديث الصحيحة.
فقد أخرج أبو داود في سننه بسندٍ صحيح، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرٍ -رضي الله عنهما- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «هل منكم أحدٌ أطعم اليوم مسكينًا؟» فقال أبو بكرٍ رضي الله عنه: دخلتُ المسجد، فإذا أنا بسائلٍ يسأل، فوجدتُ كِسرةَ خبزٍ في يدِ عبدِ الرحمن، فأخذتُها منه، فدفعتُها إليه».
فهذا يدلُّ على جوازِ السؤالِ في المسجد؛ حيث أقرَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أبا بكرٍ في إعطائه السائلَ في المسجد. البحر المحيط الثجاج(12/ 512).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذين الحديثين فوائد:
منها: النهي عن نشد الضالة في المسجد، ويلحق به ما في معناه من البيع والشراء والإجارة ونحوها من العقود، وكراهة رفع الصوت في المسجد. شرح صحيح مسلم (5/ 55).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز إحداث شيء في المساجد ينافي ما بُنيت له...
ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث يقرن الأحكام بعللها، وقرن الحكم بعلته يفيد ثلاث فوائد:
الأولى: زيادة طمأنينة النفس...
الفائدة الثاني: بيان أن هذه الشريعة الإسلامية مبنية على الحكم ووضع الأشياء في مواضعها، وليست تشريعات خالية من الحكمة...
الفائدة الثالثة: أنه إذا كانت هذه العلة متعدية أمكن القياس على المعلول في حكمه...
ومن فوائد هذا الحديث: أن الله سبحانه وتعالى قد يقدر للإنسان ما يهتدي به إلى ضالته، أو تأتي الضالة نفسها، مأخوذة من قوله: «لا ردها الله عليك»، وحينئذ ينبني على هذه الفائدة أن تلجأ إلى الله -عز وجل-، كلما ضاع لك شيء فقل: «اللهم رده علي»؛ لأن الذي يرده هو الله سبحانه وتعالى، فقد يأتي الرد بدون فعل، أي: سبب من الإنسان، ودليل ذلك في القصة التي ذكرها الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من الرجل الذي ضاعت ناقته وعليها طعامه وشرابه، فلما أَيِسَ منها نام تحت شجرة ينتظر الموت، وإذا بخطامها قد تعلق بالشجرة فأخذها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح». فتح ذي الجلال والإكرام (1/607 608).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
لو أسر إلى شخص وسأله، فيُخشى أن يكون من ذلك، فالأَولى الترك، أما وضع صندوق في المسجد يجعل للضائع فلا حرج -إن شاء الله-؛ لأنه ليس فيه كلام. توفيق الرب المنعم (2/ 234).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- النهي عن البيع والشراء وإنشاد الضالة في المسجد.
- ويُنظر: فتوى اللجنة الدائمة في شمول النهي عن الإعلان في المساجد لفقد الأطفال والأشخاص.
- وفرَّق الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- بين إنشاد "المال والضالة" وبين البحث عن "النفس المعصومة" في المسجد.