«كَشَفَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السِّتارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: أيُّها الناس، إنَّه لَم يبقَ مِن مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو تُرى له، ألا وإنِّي نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأمَّا الركوع فعظِّموا فيه الرَّب -عزَّ وجل-، وأمَّا السجود فاجتهدوا في الدعاء؛ فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم».
رواه مسلم، برقم: (479)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
غريب الحديث
«فَقَمِنٌ»:
يقال: قَمِن، وخليق، وجدير، وحرِيٌّ، أي: قريب. غريب الحديث، للحربي (2/ 459).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
قال ابن كيسان: قَمِيْنٌ، بمعنى: حريٌّ، مأخوذ من تَقَمَّنت الشيء، إذا أشرفتَ عليه أن تأخذه، وغيره: هو مأخوذ من القمين، بمعنى السريع والقريب. لسان العرب (13/ 347).
شرح الحديث
قوله: «كَشَفَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السِّتارة والناس صفوف خلف أبي بكر»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله: «كشف الستارة» هي بكسر السين، وهي السّتر الذي يكون على باب البيت والدار. شرح صحيح مسلم (4/ 197).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«والناس» الواو حالية «صفوف» أي: صافُّون في الصلاة يصلُّون «خلف أبي بكر فقال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولعل هذا القول صدر منه -صلى الله عليه وسلم- حين فرغوا من الصلاة. بذل المجهود (4/ 350).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كشف الستار والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: أيها الناس» يحتمل أن يكونوا قد دخلوا في الصلاة، أو أنهم لا زالوا يتهيَّؤون للصلاة. شرح سنن أبي داود (113/ 9).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «والناس صفوف خلف أبي بكر» وكان ذلك في مرضه الذي توفي فيه -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- كما صرح به في رواية مسلم والنسائي، وفيها: «كشف رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه...» الحديث. المنهل العذب المورود (5/ 324).
قوله: «فقال: أيُّها الناس، إنَّه لَم يبقَ مِن مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو تُرى له»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «لم يبقَ من مبشرات النبوة»...، المراد أنه لم يبق من علامات النُّبوة مطلقًا إلا الرؤيا الصالحة. المنهل العذب المورود (5/ 324).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«من مبشرات النبوة» بصيغة اسم الفاعل: هو ما اشتمل على الخبر السار، من وحيٍ، أو إلهام، أو رؤيا، أو نحوها، أي: مما يظهر للنبي من المبشرات بعد نبوته، وفيه إشارة إلى قُرب أجله -صلى الله عليه وسلم-، وانقطاع الوحي...
وقوله: «يراها المسلم»...أي: يراها الشخص المسلم، ومثله المسلمة، فليس هذا خاصًا بالرجال، وفي الرواية التالية: «يراها العبد الصالح» «أو تُرى له» ببناء الفعل للمفعول، أي: رآها غيره له. البحر المحيط الثجاج (11/134- 138).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«لم يبق من النبوة إلا المبشرات»، قال ابن التين: معناه: أن الوحي ينقطع بموتي، ولا يبقى ما يُعلم به ما سيكون إلا الرؤيا، وقال المهلب: والتعبير بالمبشرات خرج للأغلب، قال: مِن الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة، يريها الله للمؤمن؛ رفقًا به؛ ليستعد لما يقع قبل وقوعه، «الرؤيا الصالحة» أي: الصادقة. التوشيح (9/ 4092).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
مبشرات النبوة: أول ما يبدو منها، مأخوذ من تباشير الصبح وبشائره، وهو أول ما يبدو منه، وهذا كما تقدم من قول عائشة: أول ما بُدئ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم. المفهم (2/ 86).
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«يراها الرجل الصالح، أو تُرى له» (كما في رواية) فظاهره: ألا تكون الرؤيا من النبوة جزءًا من ستة وأربعين إلا على ذلك الشرط للرجل الصالح، أو منه، وفي حديث ابن عباس: «يراها المسلم» ولم يقل: صالحًا ولا طالحًا، وفي بعض ألفاظه: «يراها العبد» وهذا أوسع أيضًا، وقوله في حديث مالك: «أو تُرى له» عمومه من الصالح وغيره. التمهيد (5/ 57).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«يراها المسلم» لنفسه «أو تُرى» على صيغة المجهول، أي: يراها مسلم آخر «له» أي: لذلك الرجل. بذل المجهود (4/ 350).
وقال العيني -رحمه الله-:
والمراد بالصالحة: صحتها، أو حسن ظاهرها. شرح سنن أبي داود (4/ 85).
قوله: «ألا وإنِّي نُهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «نهيتُ» على صيغة المجهول، وقوله: «أنْ أقرأ» «أنْ» مصدرية، أي: نهيت عن قراءة القرآن، وقوله: «وأنا راكع» (كما في لفظ) جملة اسمية حالية، وقوله: «أو ساجد» أي: أو أنا ساجد وهي أيضًا حال. نخب الأفكار (4/ 249).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ألا» أداة استفتاح وتنبيه، يُلقى بها للمخاطب؛ تنبيهًا له، وإزالة لغفلته، «وإني» بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد «أَلَا» الاستفتاحية، وفي رواية النسائي: «ألا إني» بحذف الواو «نهيت» بالبناء للمفعول. البحر المحيط الثجاج(11/ 138).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
في نِسبة نهي القراءة في الركوع والسُّجود إلى نفسه -صلى الله عليه وسلم- إيهام أنه -صلى الله عليه وسلم- مخصوص به، وأن الأُمَّة ليسوا داخلين في النهي، فأُزيل الإبهام بأمره -صلى الله عليه وسلم- إياهم أن يعظموا الله في الركوع، وأن يدعوا في السجود، فدلَّ ذلك على أن المنهي والمنهي عنه عظيمان؛ ولذلك صُدِّرت الجملة بالكلمة التي هي من طلائع القسم، وهي «ألا» فإذا نُهي مثل الرسول -صلى الله عليه وسلم- فغيره أولى به، ودلَّ على أن الأمر بالذِّكر والتسبيح دون النهي عن القراءة في المرتبة، فنسبها إلى الأُمَّة. الكاشف (3/ 1016).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن» أي: انتبهوا، واعلموا معالم دينكم «إني نهيت» أي: نهاني ربي عن قراءة القرآن: فاتحة أو غيرها، حالة كوني «راكعًا أو ساجدًا» أي: ملتبسًا بهذين الركنين. الكوكب الوهاج (7/ 362).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «ونُهيت أن أقرأ القرآن» النهي يقتضي الفساد، فلو قرأ فسدت صلاته. التحبير (4/ 197).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«راكعًا أو ساجدًا» أي: في الركوع والسجود. بذل المجهود (4/ 351).
وقال ابن تيمية-رحمه الله-:
وذلك تشريفًا للقرآن، وتعظيمًا له ألَّا يُقرأ في حال الخضوع والذُّل، كما كَرِه أن يُقرأ مع الجنازة، وكما كَرِه أكثر العلماء قِراءته في الحمَّام. مجموع الفتاوى (23/ 58 ـــ 59).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
نهيه عن القراءة راكعًا أو ساجدًا يشدُّ قول إسحاق ومذهبه في إيجاب الذِّكر في الركوع والسجود، وذلك أنه إنما أُخلي موضعهما من القراءة؛ ليكون محلًا للذكر والدعاء. معالم السنن (1/ 214).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
النهي عن القراءة في الركوع والسجود مذهب فقهاء الأمصار، وأباح ذلك بعض السلف، وحجَّة الجمهور: هذه الأحاديث في قوله: «نهيت أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا». إكمال المعلم (2/ 394).
وقال النووي -رحمه الله-:
إنما وظيفة الركوع التسبيح، ووظيفة السجود التسبيح والدعاء، فلو قرأ في ركوع أو سجود غير الفاتحة كُره ولم تبطل صلاته، وإن قرأ الفاتحة ففيه وجهان لأصحابنا: أصحهما: أنه كغير الفاتحة، فيُكره ولا تبطل صلاته، والثاني: يحرم وتبطل صلاته، هذا إذا كان عمدًا، فإن قرأ سهوًا لم يُكره، وسواء قرأ عمدًا أو سهوًا يسجد للسهو عند الشافعي -رحمه الله تعالى-. شرح صحيح مسلم (4/ 197).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
أكثر العلماء على كراهة القراءة في الركوع والسجود، ومنهم من حكاه إجماعًا، وهل الكراهة للتحريم، أو للتنزيه؟ فيه اختلاف، وحكى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز، ومذهب الشافعي وأكثر أصحابنا (الحنابلة): أنه مكروه.
وهل تَبطل به الصلاة، أو لا؟ فيه وجهان لأصحابنا، والأكثرون على أنها لا تبطل بذلك، وللشافعية وجه: إن قرأ بالفاتحة خاصة بطلت؛ لأنه نَقَلَ ركنًا إلى غير موضعه، ورخَّصت طائفة في القراءة في الركوع والسجود، روي عن أبي الدرداء: أنه كان يقرأ البقرة في سجوده، وعن سليمان بن ربيعة، وعبيد بن عمير، والمغيرة، وعن النخعي فيمن نسي الآية أو تركها فذكرها وهو راكع، قال: يقرؤها وهو راكع، وعن المغيرة، قال: كانوا يفعلون ذلك، وسئل عطاء، عن القراءة في الركوع والسجود فقال: رأيت عبيد بن عمير يقرأ وهو راكع في المكتوبة، ورخَّص بعضهم في ذلك في النفل دون الفرض، روى سليمان بن موسى، عن نافع، عن علي، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نهى عن القراءة في الركوع والسجود في الصلاة المكتوبة، فأما الصلاة في التطوع، فلا جناح» خرَّجه الإسماعيلي، وإسناده منقطع. فتح الباري (7/188ـ 189).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإن قيل: إذا قرأ المصلي القرآن في ركوعه أو سجوده هل تبطل صلاته أم لا؟ قلت: لا تبطل عند أبي حنيفة مطلقَا، سواء قرأ عامدًا أو ناسيًا، ولكن في الناسي يجب سجدتا السهو. شرح سنن أبي داود (4/ 86).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
هو نهي تنزيه لا تحريم؛ إذ القراءة فيهما لا تُبطل الصلاة، وخُصَّت القراءة بالقيام أو القعود؛ لأنهما من الأفعال العادية، وبالقراءة يتميزان عن العادة ويتمحَّصان للعبادة، بخلاف الركوع والسجود؛ لأنهما بذواتهما يخالفان العادة، ويدلان على الخضوع والعبادة. شرح المصابيح (2/ 8).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
لا يحل لأحد أن يقرأ القرآن في ركوعه ولا في سجوده، فإن تعمد بطلت صلاته، وإن نسيَ، فإن كان ذلك بعد أن اطمأن وسبَّح كما أُمر أجزأه سجود السهو، وتمت صلاته؛ لأنه زاد في صلاته ساهيًا ما ليس منها، وإن كان ذلك في جميع ركوعه وسجوده ألغى تلك السجدة أو الركعة وكان كأن لم يأت بها، وأتم صلاته وسجد للسهو؛ لأنه لم يأت بذلك كما أُمر. المحلى بالآثار (2/ 361).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«نُهيت» فالناهي له هو الله -عز وجل-، وإذا قال: «أُمِرت»، فالآمر له هو الله -عز وجل-، بخلاف الصحابة إذا قالوا: أمِرنا أو نُهينا، فإن الآمر لهم والناهي لهم هو رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. شرح سنن أبي داود (113/ 7).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله- أيضًا:
أما مسألة الاقتران بين الجُمل بين قوله: «لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له» وبين قوله: «وإني نُهيت أن أقرأ» فهذا إخبار عن عدة أشياء قالها -صلى الله عليه وسلم- في هذه المناسبة، فيُحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الرؤيا، وإلى أنه يحصل منها كذا وكذا، لا سيما وكونه في آخر حياته -صلى الله عليه وسلم-، وأن هذا هو الذي سيبقى، وأن معرفة الأمور المغيبة أو الإرشاد إلى الأمور المغيبة لا يكون إلا عن طريق هذا الشيء (أي: الرؤيا الصالحة)، أما عن طريق الكهان أو ما إلى ذلك من الأشياء غير الصحيحة، والأمور المحرمة فهذا ليس من الأمور التي يُمكن أن يُعرف بها أمر مستقبل، وإنما عن طريق هذه الرؤيا التي هي من مبشرات النبوة، التي كانت أول ما بدأ بها الرسول -صلى الله عليه وسلم-. شرح سنن أبي داود (113/ 7).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
لا يجوز لأحد أن يقرأ القرآن وهو راكع، ولا يجوز أن يقرأ القرآن وهو ساجد، لكن له أن يدعو بالدعاء الذي يوافق القرآن، مثل أن يقول مثلًا: "ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. شرح رياض الصالحين (5/ 508).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «وإني نهيت أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا» يُستثنى من ذلك الدُّعاء في السجود بما ورد في القرآن مثل: قوله -عز وجل-: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} البقرة:201، وقوله: {رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا} الممتحنة:5، وقد ورد عن الإمام أحمد أنه كان يُعجبه الدعاء بما ورد في القرآن، مثل: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} البقرة:201. شرح سنن أبي داود (113/ 10).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
بعض الناس إذا شرع في سورةٍ خلف الإمام، ثم ركع الإمام وبقي من السورة آية أو آيتين أو ما أشبه ذلك، تجده يتمهما في حال الركوع، ثم ينوي الركوع، وهذا داخل في النهي، مجرد ما تهوي للركوع أو تهوي للسجود اقطع القراءة، لا يجوز أن تقرأ وأنت راكع أو ساجد. شرح المحرر (15/ 19).
قوله: «فأما الركوع فعظِّموا فيه الرَّب -عز وجل-»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «فعظموا فيه الرب» أي: اللائق به تعظيم الرب، فهو أولى من الدعاء، وإن كان الدعاء، جائزًا أيضًا، فلا ينافي أنه كان يقول في ركوعه: «اللهم اغفر لي». فتح الودود(1/ 524).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فأما الركوع فعظموا فيه الرب»، تعظيمه تعالى قول: سبحان ربي العظيم، الأمر للندب لا للوجوب. شرح المصابيح (2/ 8).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قال الشافعي والكوفيون: يقول في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى...، وكلهم على استحباب ذلك، وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك في الركوع والسجود، وذهب إسحاق وأهل الظاهر إلى وجوب الذكر فيهما دون تعيين، وأنه يعيد الصلاة من تركه. المفهم (2/85، 86).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فأما الركوع فعظموا فيه الرب» أي: سبِّحوه ونزِّهوه ومجِّدوه، وقد ذكر مسلم بعد هذا الأذكار التي تقال في الركوع والسجود، واستحب الشافعي -رحمه الله تعالى- وغيره من العلماء أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، ويكرر كل واحدة منهما ثلاث مرات، ويضم إليه ما جاء في حديث علي -رضي الله عنه- ذكره مسلم بعد هذا: «اللهم لك ركعتُ، اللهم لك سجدت...» إلى آخره، وإنما يستحب الجمع بينهما؛ لغير الإمام، وللإمام الذي يعلم أن المأمومين يُؤْثِرون التطويل، فإنْ شك لم يزد على التسبيح، ولو اقتصر الإمام والمنفرد على تسبيحة واحدة، فقال: سبحان الله، حصل أصل سنة التسبيح، لكنْ تَرَكَ كمالها وأفضلها، واعلم أن التسبيح في الركوع والسجود سُنة غير واجب، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي -رحمهم الله تعالى- والجمهور، وأوجبه أحمد -رحمه الله تعالى- وطائفة من أئمة الحديث؛ لظاهر الحديث في الأمر به، ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وهو في صحيح البخاري، وأجاب الجمهور بأنه محمول على الاستحباب، واحتجوا بحديث المسيء صلاته، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمره به، ولو وجب لأمره به. شرح صحيح مسلم (4/ 197).
وقال النووي -رحمه الله-أيضًا:
واعلم أن الذِّكرَ في الركوع سنّةٌ عندنا، وعند جماهير العلماء، فلو تركه عمدًا أو سهوًا لا تبطلُ صلاته، ولا يأثمُ، ولا يسجد للسهو.
وذهب الإِمام أحمد بن حنبل وجماعة إلى أنه واجب، فينبغي للمصلي المحافظة عليه؛ للأحاديث الصريحة الصحيحة في الأمر به كحديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أما الركوع فعظِّموا فيه الربّ»، وغيره مما سبق، وليخرج عن خلاف العلماء رحمهم الله، والله أعلم. الأذكار للنووي(ص53).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ثم لما نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هذا، كان من عادته أنه إذا نهى عن شيء ذكر ما يحل محلَّه، قال: «فأما الركوع فعظموا فيه الرب»؛ لأن الركوع أصلًا للتعظيم، فالانحناء للغير يعني: التعظيم له، فكان من المناسب أن يكون ذكره هو ذكر التعظيم «عظِّموا فيه الرب»، والأمر بالتعظيم هنا مُجمل، لكن بيَّنَته السنة، حيث كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول إذا ركع: «سبحان ربي العظيم». فتح ذي الجلال والإكرام (2/98، 99).
قوله: «وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء»:
قال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
فاجتهدوا: الجُهْدُ بالضم والفتح: الوُسْعُ والطاقة، وهو مصدر من: جهد في الأمر جهدًا، من باب نفع، إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب. توضيح الأحكام (2/ 218).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «فاجتهدوا» إلخ أي: أنه محل لاجتهاد الدعاء، وأن الاجتهاد فيه جائز بلا ترك أولوية، وكذلك التسبيح فإنه محل له أيضًا. فتح الودود (1/ 524).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فاجتهدوا في الدعاء» المراد به الدعاء بعد قوله: سبحان ربي الأعلى، وليس المراد: أن يدعو الرجل في السجود من غير أن يقول: سبحان ربي الأعلى. المفاتيح (2/ 145).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«وأما السجود فاجتهدوا» أي: بالغوا «في الدعاء». شرح المصابيح (2/ 8).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «فاجتهدوا في الدعاء» بخير الدنيا والآخرة كما تفيده أحاديث الأدعية، والمراد مع التسبيح المأمور به. التحبير (4/ 198).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
ورد في الدعاء في السجود قولًا وفعلًا أحاديث كثيرة، لكن ينبغي أن يُعلم أن الدعاء على نوعين: أحدهما: دعاء ثناء وتمجيد وتكبير وتقديس، بأن يدعو العبد ربَّه بحمد وثناء؛ فإن الحمد والثناء للكريم يتضمن السؤال والطلب على وجه التعريض، ومحصل للمطلوب على وجه أتم وأكمل بموجب «مَن شَغَلَه ذكري عن مسألتي أعطيتُه أفضل ما أعطي السائلين»، وثانيهما: دعاء سؤال وطلب؛ بأن يدعوه بطلب حوائجه ومقاصده، وهو المتعارف بين الناس في معنى الدعاء، والدعاء الذي أمر بتكثيره في السجود متناوِل للنوعين؛ لأن الأذكار والأدعية المأثورة في هذا الباب شاملة للنوعين. لمعات التنقيح (3/12، 13).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
يستحب الجمع بين الدعاء والتسبيح...؛ ليكون المصلي عاملًا بجميع ما ورد. نيل الأوطار (4/ 264).
قوله: «فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «قَمِنٌ» بمعنى: جدير وحريٌّ أن يستجاب لكم. معالم السنن (1/ 214).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«أن يُستجاب لكم فيه»؛ لما فيه من القُرب المعنوي، المشار إليه بحديث: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». دليل الفالحين (7/ 224).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
هذا الحديث من جُملة ما انتهى إلى الأُمَّة من كلام النُّبوة في آخر عهده -صلى الله عليه وسلم- دون اقتراب زمان انقطاع الوحي. الميسر (1/ 247).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
اعلم أن اللَّه سبحانه عيَّن كل هيئة من هيئات الصلاة بنوع من أنواع الذكر، وعيّن القيام الذي هو أول الهيئات وأعظمها وأدخلها في الخدمة بقراءة القرآن العظيم الذي هو أعلى وأقدم وأعظم الأذكار وأفضلها، ومن لوازمه: ألا يجوز في كل موضع غير ما عيّن الشارع تعالى مِن الذكر فيه حرمة أو كراهة، وذلك أمر تعبدي لا يهتدي العقل إلى إدراكه. لمعات التنقيح (3/ 11).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: الحث على الدعاء في السجود؛ فيستحب أن يجمع في سجوده بين الدعاء والتسبيح. شرح صحيح مسلم (4/ 198).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
في هذا الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر بانتهاء النبوة، وأنه لم يبق إلا المبشرات. توفيق الرب المنعم (2/ 139).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه: أن الرؤيا من المبشرات، سواء رآها المسلم أو رآها غيره. نيل الأوطار (4/ 262).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث دليل على فوائد:
منها: أن الشيء المهم ينبغي أن يستعمل الإنسان فيه ما يدل على الانتباه؛ لقوله: «أَلَا» كل شيء تريد أن تنبه عليه وتعتني به فأتِ بأداة التنبيه...
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عبدٌ يوجَّه إليه الأمر والنهي...
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات اسم «الرب» لله -عز وجل-...
ومن فوائد هذا الحديث: أن للإنسان أن يدعو بما شاء، وجه ذلك: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقيِّد، لم يقل: الدعاء للآخرة، أو لا لا تدعُ للدنيا فادع بما شئت...، أيّ شيء تدعو به جائز إلا أن تدعو بإثم أو قطيعة رحم، وأما قول بعض العلماء: لا يجوز الدعاء بشيء من أمور الدنيا، فهذا ضعيف...
ومن فوائد هذا الحديث: أن بعض الأحوال تكون أقرب إلى الإجابة من بعض، فهنا الدعاء في السجود أقرب إلى الإجابة من الدعاء في الركوع...، كذلك هناك أزمان تكون الإجابة أقرب: كثلث الليل الآخر، وبين الأذان والإقامة وما أشبه ذلك، كذلك تكون بعض الأمكنة أقرب إلى إجابة الدعاء، كالكعبة المشرفة وما أشبه ذلك. فتح ذي الجلال والإكرام (2/99- 102).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
فيه: حجَّة لمن أجاز الإنصات في الصلاة لسماع خبر يسير. الكوكب الوهاج (7/ 362).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك -حفظه الله-:
فيه فوائد، منها:... أنَّ الدُّعاء في السُّجود سببٌ للإجابة.
- جواز بناء الأفعال المضافة لله للمفعول، وإن كان مقتضاها خيرًا، كما في قوله: «نُهِيتُ» و«يُستجاب لكم». الجامع لفوائد بلوغ المرام (1/ 309).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «نهيت أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا...» حُجة لمن ذهب من أهل الأصول إلى أن خطاب النبي -صلى الله عليه وسلم- خصوصًا يتناول أمَّته، وإنْ اقتضى من طريق اللغة تخصيصه؛ وذلك للأمر بالاقتداء به، إِلا ما دلَّ دليل على تخصيصه به، والذي نصره المحققون أنه يختص به إذا ورد بصيغة الاختصاص له حتى يدل على دخول غيره فيه دليل، وهاهنا قد قال -صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي». إكمال المعلم (2/ 395).
وقال العيني -رحمه الله-:
فيه: دلالة على أن الركوع والسجود محل للأدعية وتعظيم الله تعالى، وأن السجود محل للمسألة...، وفيه: حجة لمن ذهب من أهل الأصول إلى أن خطاب النبي -عليه السلام- خصوصًا يتناول أمته وإن اقتضى من طريق اللغة تخصيصه، وذلك للأمر بالاقتداء به إلا ما دل دليل على تخصيصه به. نخب الأفكار (4/250، 251).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
دلّ الحديث على صِدق رؤيا المؤمن، وأنها من علامات النُّبوة...، وعلى الحث على كثرة الدعاء في السجود، وهذا لا ينافي الأحاديث الدَّالة على التسبيح في السجود؛ لأنه يجمع فيه بين التسبيح والدعاء، أو يسبح تارة ويدعو تارة أخرى. المنهل العذب المورود (5/ 325).
ويُنظر فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في علة النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.