«أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- ضَافَهُ ضيفٌ وهو كافرٌ، فأمر له رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بشاةٍ فحُلِبَت فشربَ حِلابَها، ثم أخرى فشَرِبهُ، ثم أخرى فشرِبه، حتى شرب حِلابَ سبع شِياهٍ، ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشاة فشرب حِلابَها، ثم أمر بأخرى فلم يستتِمَّها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: المؤمن يشربُ في مِعًى واحدٍ، والكافرُ يشرب في سبعة أمْعَاءٍ».
رواه البخاري برقم: (5397)، ومسلم برقم: (2063) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ولفظ البخاري: «أنَّ رجلًا كان يأكُل أكلًا كثيرًا فأسْلم، فكان يأكُل أكلًا قليلًا، فَذُكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: إن المؤمن يأكُل في مِعًى واحدٍ، والكافر يأكُل في سبعة أَمعاء».
غريب الحديث
«ضَافَهُ ضيفٌ»:
الضَّيْفُ: واحدٌ، وجَمْعٌ، وقد يُجمَع على الأضْيَاف، والضُّيُوف، والضَّيْفان، والمرأةُ: ضَيْف، وضَيْفَة. وأضافَ الرجلُ، وضَيَّفَه تَضْييفًا: أنزله به ضَيْفًا، وضافَه ضِيافَةً: إذا نزل عليه ضَيْفًا. مختار الصحاح، للرازي (ص: 186)
قال أبو عبيد -رحمه الله-:
ضِفت فلانًا: إذا مِلْتَ إليه، ونزلت به، وأَضفته فأنا أَضيفه: إذا أمَلْتَه إليك، وأَنزلته عليك. غريب الحديث (1/ 18).
«حِلابَ»:
الحِلاب: اللبن الذي تحلبه... والحِلابُ، وهو ما يحلب فيه الغنم، كالمِحْلَب سواء. لسان العرب، لابن منظور (1/ 329).
قال الخطابي -رحمه الله-:
الحِلابُ: إناءٌ يَسَعُ حَلْبَةَ ناقةٍ، وهو المِحْلب بكسر الميم، فأما المَحْلَب بفتح الميم فهو الحَبُّ الطيب الرِّيح. غريب الحديث (1/ 162).
«مِعًى»:
المِعَى: بكسر الميم مقصور جمعه أمعاء بالمد، قال الواحدي: مثل ضلع وأضلاع، قال: وتثنيته معَيان، يعني: بفتح العين، قال: وهو جميع ما في البطن من الحوايا، وقال غيره: الأمعاء: المصارين، وهو قريب منه. تهذيب الأسماء واللغات، للنووي (4/ 140).
شرح الحديث
قوله: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضافه ضيفٌ وهو كافرٌ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«قوله: ضافه ضيف» أي: نزل وصار ضيفه، وأضفته: أنزلته، وضفتُ الرجل: نزلت به، والضيف: اسم للواحد والجميع، والمذكر والمؤنث، يذهب به مذهب المصدر. المفهم (5/ 343).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
ذكر ابن إسحاق قال: بلغني عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة: أن الذي قال فيه النبي هذا الحديث ثمامة بن أثال الحنفي، وذكر غيره أنه جهجاه الغفاري، والله أعلم. شرح صحيح البخاري (9/ 472).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ضافه ضيف» أي: نزل به ضيف «وهو» أي: والحال أن الضيف «كافر». مرقاة المفاتيح (7/ 2699).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضافَهُ ضيفٌ كافر» ...وهذا يقتضي جواز تضييف الكافر، وهل يؤاكل أم لا؟ قال مالك في العتبية: تَرْكُ مؤاكلة النصراني في إناء واحد أحب إليَّ، ولا أراه حرامًا، ولا نصادق نصرانيًا، فنهى عن مؤاكلته؛ لما في ذلك من معنى المصادقة، وأما تضييفه فيحتمل أن يكون ذلك لمعنى الاستئلاف له، ورجاء إسلامه، ويحتمل أن يكون لما يخاف عليه من الضياع إذا كان ممن له حق، عهد أو غيره. المنتقى (7/ 234).
قوله: «فأمر له رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بشاةٍ فحُلِبَت فشرب حِلابَها، ثم أخرى فشربهُ، ثم أخرى فشربه، حتى شرب حِلابَ سبع شِياهٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشاة» أي: بإحلابها «فحُلبت» بصيغة المجهول «فشرب» أي: الضيف أو الكافر «حِلابها» بكسر أوله أي: لبنها «ثم أخرى» أي: ثم حُلبت شاة أخرى «فشربه» أي: حِلابها «ثم أخرى فشربه، حتى شرب حِلاب سبع شياه». مرقاة المفاتيح (7/ 2699).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فأمر له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشاة» أي: بحلب لبن شاة «فحُلبت» الشاة له «فشرب» ذلك الضيف «حِلابها» أي: اللبن المحلوب من الشاة، والحِلاب هنا بكسر الحاء مصدر بمعنى المحلوب وهو اللبن... «ثم» أمر له بشاة «أخرى» ثانية فحُلبت له «فشربه» أي: اللبن المحلوب «ثم» أمر له بشاة «أخرى» ثالثة فحُلبت له «فشربه حتى شرب حِلاب سبع شياه». الكوكب الوهاج (21/ 295).
قوله: «ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشاة فشرب حِلابَها، ثم أمر بأخرى فلم يستتِمَّها»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم إنه» أي: الضيف الكافر «أصبح فأسلم، فأمر له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشاة فحُلبت، فشرب حلابها، ثم أمر بأخرى فلم يستتمها» أي: فلم يقدر أن يشرب لبن الشاة الثانية على التمام. مرقاة المفاتيح (7/ 2699).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فلم يستتمها» أي: لم يتمكن من شرب حِلاب الثانية بتمامه، بل ترك فضلًا، وذلك ببركة إسلامه -رضي الله عنه-. الكوكب الوهاج (21/ 295).
قوله: «فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: المؤمن يشرب في مِعًى واحدٍ والكافرُ يشرب في سبعة أمْعَاءٍ»:
قال أبو عبيد -رحمه الله-:
إنما كان هذا خاصًا لرجل بعينه كان يُكثر الأكل قبل إسلامه، ثم أسلم؛ فنقص ذلك منه. غريب الحديث (2/ 306).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
اختلفَ الناسُ في تأويلِهما على ثلاثةِ أقوالٍ: أحدها: أنه حكاية حالٍ، وقضيّة عَيْنٍ اختصّت بكافر واحد، أو بكُفّار ثلاثة؛ أحدُهم: الجهجاه، والثاني: نَضْلَةُ بنُ عمرو، والثالث: جَميلُ بنُ بُصرة. وقيل: إنّ ذلك عبارةٌ عن رغبةِ الكافر وحِرصِه على الأكلِ والجمع؛ لأنه لا يعلَمُ المقصودَ من الدنيا ولا المطلوبَ من الغذاء، فإذا آمن أَمِنَ وعَلِمَ قدْرَ ما خُلق له قَصَرَ شهوته، وحذف مِساحةً كثيرةً من بَطْنه. القبس (ص: 112).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قيل: إنَّ المؤمن يَقتصر على البُلْغَةِ من القوت، ويَقنَعُ باليسير منه، ويؤثر ببعض قوتِه، والكافر على خلاف ذلك؛ لأنَّه يأكُلُ أكل النَّهِمِ الحريص على الاستكثار من الأكل. فعلى هذا يكونُ الرجلُ الواحدُ يُوصَفُ بذلك في الحالَيْن؛ فإن كان كثيرَ الأكل كان أكلُه حالَ الكُفرِ أكثرَ من أكلِه حينَ إيمانِه، وإن كان قليلَ الأكلِ فعلى ذلك. وقد ذمَّ الله -عز وجل- الكفّارَ بأكلِهم فقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} محمد: 12، يُريد -والله أعلم- أنَّهم لا يُمسِكون عن الأكل مع القُدرة عليه.
ويَحتمل أنَّ المُتَضَيِّفَ للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أكلَ حالَ كُفرِه على هذا الوجهِ من النَّهَمَةِ والحرص على الاستِكْثار، فبلغ سَبْعَ شياه، ثمَّ لمّا أسلم وتَأدَّبَ بأدب الإسلام، وما رأى من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- اقتصرَ على ما يُقيمُ أَوَدَه، فلم يَستَتِمَّ إلا حِلابَ شاةٍ واحدة، ولم يَستَتِمَّ لذلك الثانية.
وقد يَحتمل أيضًا أنَّ المؤمن يأكل في مِعًى واحد؛ لأنه يذكر اسم الله -عزّ وجلّ- على أوّل طعامه، ويحمده على آخره، فلا يصل الشيطان إلى أكل طعامه ولا إلى شرب شرابه، فإنما يصير طعامه إلى أمعائه خاصّة. والكافر لا يذكر اسم الله -عزّ وجلّ- على أوّل طعامه، فيأكل معه الشيطان، فلا يبارك الله في طعامه، ويصير طعامه إلى أمعاء جمّة، ولهذا تكون سبعة أمعاء بمعنى لم نعلمه.
ورُوي عن أبي عبيد بعض هذا، ولعلّ ذلك قد وصل طعامه إلى سبعة أمعاء في ذلك الوقت، وأعلم النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بذلك بما شاء الله تعالى. المنتقى شرح الموطأ (7/ 234- 235).
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وهذا الحديث خرج على غير مقصوده بالحديث، والإشارة فيه إلى كافر بعينه، لا إلى جنس الكفار، ولا سبيل إلى حمله على العموم؛ لأن المشاهدة تدفعه وتكذبه، وقد جل رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن ذلك، ألا ترى أنه قد يوجد كافر أقل أكلًا من مؤمن، ويُسْلِم الكافر، فلا ينتقص أكله ولا يزيد؟ ...
وهذا أيضًا لفظ عموم، والمراد به الخصوص، فكأنه قال: هذا إذ كان كافرًا، كان يأكل في سبعة أمعاء، فلما آمن عوفي وبورك له في نفسه، فكفاه جزء من سبعة أجزاء مما كان يكفيه إذ كان كافرًا، خصوصًا له، والله أعلم. التمهيد (11/ 326- 327).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وعلى هذا فقد يكون أكل المؤمن المذكور إذا نسب إلى أكل الكافر المذكور سبعًا، فيصير الكافر كأن له سبعة أمعاء يأكل فيها، والمؤمن له مِعًى واحد. وهذا أحد تأويلات الحديث، وهو أحسنها عندي. المفهم (5/ 342- 343)
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
وهذا باعتبار الأعم الأغلب، ولعلك إن وجدت مسلمًا أكولًا فلو فحصت وجدت من الكفار من يَفْضُل نهمته أضعافًا مضاعفة. تحفة الأبرار (3/ 107).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلت: ما وجه التخصيص بالسبعة؟ قلت: للمبالغة. الكواكب الدراري (20/ 32).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واختُلف في معنى الحديث: فقيل: ليس المراد به ظاهره، وإنما هو مَثَلٌ ضُرب للمؤمن وزهده في الدنيا، والكافر وحرصه عليها، فكان المؤمن لتقَلُّلِه من الدنيا يأكل في معىً واحد، والكافر لشدة رغبته فيها واستكثاره منها يأكل في سبعة أمعاء، فليس المراد حقيقة الأمعاء ولا خصوص الأكل، وإنما المراد التقلل من الدنيا والاستكثار منها، فكأنه عبَّر عن تناول الدنيا بالأكل، وعن أسباب ذلك بالأمعاء، ووجه العلاقة ظاهر.
وقيل: المعنى أن المؤمن يأكل الحلال، والكافر يأكل الحرام، والحلال أقل من الحرام في الوجود، نقله ابن التين، ونقل الطحاوي نحو الذي قبله عن أبي جعفر بن أبي عمران، فقال: حمل قوم هذا الحديث على الرغبة في الدنيا كما تقول: فلان يأكل الدنيا أكلًا، أي: يرغب فيها ويحرص عليها، فمعنى «المؤمن يأكل في معىً واحد» أي: يزهد فيها فلا يتناول منها إلا قليلًا، «والكافر في سبعة» أي: يرغب فيها فيستكثر منها.
وقيل: المراد حضُّ المؤمن على قلة الأكل إذا عَلِمَ أن كثرة الأكل صفة الكافر، فإن نفس المؤمن تنفر من الاتصاف بصفة الكافر، ويدل على أن كثرة الأكل من صفة الكفار قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ} محمد: 12.
وقيل: بل هو على ظاهره، ثم اختلفوا في ذلك على أقوال:
(منها): قال النووي: المختار أن المراد أن بعض المؤمنين يأكل في معىً واحد، وأن أكثر الكفار يأكلون في سبعة أمعاء، ولا يلزم أن يكون كل واحد من السبعة مثل معى المؤمن ا. هـ...
وقال أيضًا: يحتمل أن يريد بالسبعة في الكافر صفات هي الحرص والشَّرَه وطول الأمل والطمع وسوء الطبع والحسد وحب السِّمَن وبالواحد في المؤمن سد خلته.
وقال القرطبي: شهوات الطعام سبع: شهوة الطبع، وشهوة النفس، وشهوة العين، وشهوة الفم، وشهوة الأذن، وشهوة الأنف، وشهوة الجوع وهي الضرورية التي يأكل بها المؤمن، وأما الكافر فيأكل بالجميع ثم رأيت أصل ما ذكره في كلام القاضي أبي بكر ابن العربي ملخصًا وهو أن الأمعاء السبعة كناية عن الحواس الخمس والشهوة والحاجة. فتح الباري (9/ 538- 540).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وقال أبو حامد الطُّوسي: معنى هذا الحديث أنَّ الكافرَ يأكل سبعةَ أضعافِ ما يأكله المؤمنُ، أو تكون شهوته سبعةَ أضعافِ شهوةِ المؤمن، فيكون المِعى كنايةً عن الشهوة؛ لأنَّ الشهوة هي التي تُقبِل الطعامَ وتأخذه كما يأخذه المِعى، وليس المرادُ به زيادةَ عددِ مِعى الكافر على مِعى المؤمن. كشف المشكل (1/ 420- 421).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قلت: قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «المؤمن يأكل في معىً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء» المقصود به: التَّمثيل، وذَم !ُكثرة الأكلِ، ومدْح التقليل منه. المفهم (5/ 344).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقيل: المرادُ أنَّ المؤمنَ يُسَمِّي اللهَ تعالى عند طعامه، فلا يُشارِكُه فيه الشيطانُ، والكافرُ لا يُسَمِّي، فيُشارِكُه الشيطانُ فيه، وفي صحيح مسلم: «إنَّ الشيطانَ يستحلُّ الطعامَ أن لا يُذكَرَ اسمُ اللهِ تعالى عليه».
قال أهلُ الطبِّ: لكلِّ إنسانٍ سبعةُ أمعاء: المعدةُ، ثم ثلاثةٌ متصلةٌ بها رِقاقٌ، ثم ثلاثةٌ غِلاظٌ، فالكافرُ لِشَرَهِه وعدمِ تسميتِه لا يكفيه إلا ملؤُها، والمؤمنُ لاقتصادِه وتسميتِه يشبعُه ملءُ أحدِها، ويُحتمل أن يكون هذا في بعض المؤمنين وبعض الكفار.
وقيل: المرادُ بالمؤمنِ هنا تامُّ الإيمانِ، المُعرِضُ عن الشهوات، المُقتصرُ على سدِّ خلَّته، والمختارُ أن معناه: بعضُ المؤمنين يأكلُ في مِعىً واحد، وأن أكثرَ الكفار يأكلون في سبعةِ أمعاء، ولا يلزم أن يكون كلُّ واحدٍ من السبعة مثلَ مِعى المؤمن، واللهُ أعلم.
قال العلماءُ: ومقصودُ الحديث التقليلُ من الدنيا، والحثُّ على الزهدِ فيها، والقناعةُ؛ مع أن قِلَّةَ الأكلِ من محاسنِ أخلاقِ الرجل، وكثرةَ الأكلِ بضدِّ ذلك.. شرح صحيح مسلم (14/ 24- 25).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أقول: جماع القول: أن من شأن المؤمن الكامل إيمانه أن يَحرص في الزِّهادة وقِلَّة الغذاء ويقنع بالبُلغة، بخلاف الكافر فإذا وجد من المؤمن والكافر على خلاف هذا الوصف فلا يَقدح في الحديث، كقوله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} النور: 3. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2843).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
عندي أن أرجح الأقوال هو ما تقدم عن القرطبي -رحمه الله-، وخلاصته: أن المؤمن الذي يعلم أن مقصود الشرع من الأكل ما يسدُّ الجوع، ويُمسك الرمق، ويقوى به على عبادة الله تعالى، ويخاف من الحساب على الزائد على ذلك، يقل أكله ضرورة، فيكون أكل المؤمن إذا نُسب إلى أكل الكافر سبعًا، فيصير الكافر كأن له سبعة أمعاء، يأكل فيها، والمؤمن له معىً واحد، ويكون ذكر السبعة للتكثير، والمبالغة، لا للتحديد، وهذا واضح جدًا. البحر المحيط الثجاج (34/ 467- 468).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
والمراد من «معىً» تدويره، وفي الطب أنه ستة تدويرات سَمَّوا كلًا منها باسم، فأين تلك السابعة؟ وقد أجاب عنه الطحاوي في "مشكله": أن السابعة هي المعدة، أطلق عليها معىً تغليبًا. وحاصل الحديث أن الكافر يأكل الكثير، والمؤمن القليل. فيض الباري (5/ 628).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفائدة الحديث على الجملة -والله أعلم-: التقلل من الدنيا، والزهد فيها، وقصر الأمل، والقناعة، قال الله تعالى في الكفار: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} الحجر: 3. إكمال المعلم (6/ 558).
ويُنظر في موسوعة الفتاوى: في آداب الأكل والشرب المسنونة والتحذير من مخالفة الهدي النبوي.