«سألتِ امرأةٌ رسولَ اللَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقالت: يا رسول اللَّه، أرأيتَ إِحدانا إذا أصاب ثوبَها الدَّمُ من الحيْضة كيف تصنع؟ فقال رسول اللَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم-: إذا أصاب ثَوب إحداكُنَّ الدَّم من الحيضة فلْتَقرُصْهُ، ثم لِتَنضَحْهُ بماءٍ، ثم لِتُصلِّي فيه».
رواه البخاري برقم: (307) واللفظ له، ومسلم برقم: (291)، من حديث أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (227)، ومسلم برقم: (291) «تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ..».
وفي لفظ لأبي داود برقم: (360) «فلتَقَرُصْهُ بشيءٍ من ماءٍ ولتَنضَحْ ما لم تَرَ، وتُصلِّي فيه»، وعند الترمذي برقم: (138): «اقْرُصِيهِ بالماء، ثم رُشِّيه وصلِّي فيه».
غريب الحديث
«فَلْتَقْرُصْهُ»:
القَرص: الدَّلك بأطراف الأصابع والأظفار مع صب الماء عليه حتى يذهب أثره، والتقريص مثله. قال: قرصته وقرصته وهو أبلغ في غسل الدم من غسله بجميع اليد. لسان العرب، لابن منظور (7/ 71)
«لِتَنْضَحْهُ»:
النضحُ: رشُّ الماء على الشيء. مجمل اللغة، لابن فارس (ص871).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وقد يرد النَّضح بمعنى الغسل والإزالة...، وحديث الحيض: «ثم لتنضحه» أي: تغسله. النهاية (5/ 70).
شرح الحديث
«سألتِ امرأة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟»:
قال النووي -رحمه الله-:
هذا لفظه في الصحيح، وليس في الصحيح: أنَّ أسماء هي السائلة، ولا في كتب الحديث المعتمدة، لكن رواه الشافعي في الأم كذلك في رواية ضعيفة. المجموع (1/ 137).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في مسند الإمام الشافعي: أنَّ أسماء هي السائلة، ولا بُعْد في أنْ تُبْهِم نفسها، كما وقع ذلك كثيرًا في عدة مواضع...
وقول النووي: "إنه ضعيف"، وَهْمٌ منه، بل إسناده على شرط الشيخين. فتح الباري (1/ 255).
وقال الباجي -رحمه الله-:
سؤال المرأة يحتمل أنْ يكون عمَّا يلزم من أصابها ذلك من الامتناع من لبس الثوب، أو قطع موضع الدم؛ لشناعة نجاسته في نفسها، وأنه ليس كسائر الدماء، ويحتمل أن تسأل كيف تصنع في غسله؟ فأمرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تقرصه. المنتقى شرح الموطأ (1/ 121).
قوله: «فقالت: يا رسول الله، أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدَّم من الحيضة كيف تصنع؟»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فقالت: يا رسول الله، أرأيت؟» استفهام، بمعنى الأمر؛ لاشتراكهما في الطلب، أي: أخبرني. إرشاد الساري (1/ 350).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
أي: أخبرنا كيف تصنع إحدانا بهذا الثوب، هل تترك لبسه، أو تقطع موضع الدَّم منه، أو تغسله فكيف تغسله؟ مرعاة المفاتيح (2/ 193-194).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
وهذا في الدم اليسير، الذي يكون معفوًّا عنه، فأما الكثير منه، فصح عنها: أنها كانت تغسله. السنن الكبرى (1/ 14).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
قوله: «الحيضة» بكسر الحاء، وهي: اسم دم الحيض، والجمع: حِيَض، والحيضة أيضًا: الخرقة التي تَسْتَثْفِرُ بها الحائض، والمراد بها ها هنا: الدم، و«الحيضة» بالفتح: المرَّة من الحيض. تحفة الأبرار (1/ 213).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
ذكر الثوب ليس للتقييد، بل لموافقة الواقع، فلا يتقيَّد الحكم به، بل يجري في كل متنجس. فتح الإله (2/372).
قوله: «فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إذا أصاب ثوب إحداكن الدَّم من الحيضة فلْتَقْرُصْهُ»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
المراد بـ«القرص»: الغسل بأطراف الأصابع والأظفار، مبالغة في إزالة لونها. تحفة الأبرار (1/ 213).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قوله: «فَلْتَقْرُصْهُ» يعني: تعركه وتَحُتُّهُ وتزيله بظفرها، ثم تجمع عليه أصابعها، فتغسل موضعه بالماء. الاستذكار (1/ 330).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله في الدم (كما في رواية): «تحتُّه ثم تقرصُه بالماء»، وتقرصه: مخفَّفٌ ومثقَّلٌ، رويناه بهما جميعًا، وهو تقطيعه بأطراف الأصابع مع الماء؛ ليتحلَّل، ويخرجُ من الثوب. إكمال المعلم (2/ 117).
وقال النووي -رحمه الله-:
روي «تَقْرُصه» بفتح التاء، وإسكان القاف، وضم الراء، وروي بضم التاء، وفتح القاف، وكسر الراء المشددة. شرح مسلم (3/ 199).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فلتقرضه» للندب على الأصح، ولو لم يُقرض وغُسل حتى زال الأثر طَهُر. الأزهار، مخطوط، لوح (109).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«فلتقرضه» بالمهملة، أي: تدلُكُهُ بأطراف أصابعها وأظفارها، مع صب الماء عليه، حتى يذهب أثره، وهو أبلغ في غسل الدم، وفيه خبر: «حُتِّيْه ثم اقرضيه» أوضح دليل، خلافًا...، للمعتمد عندنا: أنَّ كل نجس توقَّفت إزالة لونه أو طعمه أو ريحه على حَتٍّ بالمثناة، وهو الحكُّ بنحو عود أو قرض أو أشنان أو صابون، وجب ما توقف عليه، حتى لو توقف على ذلك كله وجب؛ إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب...، ما لو عسر إزالة اللون أو الريح بشيء مما مَرَّ، فإنَّ المحل يطهر مع بقاء أحدهما، وإن كان من مغلظ، لا هما في محل واحد، ولا الطعم. فتح الإله (2/372).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
والحاصل: أن المراد بقوله: «تَحُتُّه»: الفركُ يابسًا، وبقوله: «تَقْرِصُه بالماء» الدلكُ مع صبِّ الماء؛ ليتحلل، وبقوله: «تَنْضَحُه» الغسلُ غسلًا تامًّا؛ حتى يتحقق زوالُ أثره بالكلية، وقد اختلفت الروايات في هذا، ففي بعضها: الحتُّ، ثم القرصُ، ثم الرشُّ، وفي بعضها: القرصُ، ثم الغسلُ، وفي بعضها: الحكُّ، ثم الغسلُ بماءٍ وسدرٍ، ولا تنافي بين هذه الروايات؛ لأن المقصودَ بذلك: المبالغةُ في الإزالة، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (7/ 292).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
غَسْلُ دمِ الحَيضة يجبُ لأمرِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بغَسْلِه، وحُكمُ سائرِ الدِّماءِ كحُكمِ دمِ الحَيْضِ، لا فرقَ بين قليلِ ذلك وكثيرِه، وليس لقولِ من قال: إذا كان ما أدركه الطَّرْفُ منه لا تكون لَمْعَةٌ، لا يُفْسِدُ الصَّلاةَ، معنى؛ لأنَّ الأخبارَ على العُموم، ويدخلُ فيها قليلُ الدمِ وكثيرُه، فيما أمرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- من غَسْلِ دمِ الحَيْضَةِ، وليس لأحدٍ أن يَسْتَثْنِيَ من ذلك شيئًا بغيرِ حُجَّةٍ. الأوسط (2/147).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
لا يُعفى عن يسيرِ الدمِ وكثيرِه؛ لإطلاقِ النصِّ، حيث لم يُفرِّقِ النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما قال: «فاغسِلي عنكِ الدَّمَ» بين القليلِ والكثيرِ، ولم يسألِ المرأة عن مقدارِه، وهذا مذهبُ الشافعي، ويؤيِّده أيضًا قولُه تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} المدَّثِّر: 4، ولم يُرَخِّصوا إلَّا في دمِ البراغيثِ؛ لعدمِ الاحترازِ عنه.
وأما المالكيةُ والحنفيةُ، فقد حملوا الحديثَ على الدَّمِ الكثيرِ، والأوَّلُ هو الأرجحُ.. البحر المحيط الثجاج (7/ 294).
قوله: «ثم لِتَنْضَحْهُ بماء»:
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قوله «ولتنضحه» يريد ولتغسله، والنضح: الغسل، وهو المعروف في اللسان العربي أنه قد يراد بالنضح الغسل بالماء، وهذا الحديث أصل في غسل النجاسات من الثياب؛ لأن الدم نجس إذا كان مسفوحًا، ومعنى المسفوح: الجاري الكثير، ولا خلاف أن الدم المسفوح رجس نجس، وأن القليل من الدم الذي لا يكون جاريًا مسفوحًا، متجاوز عنه، وليس الدم كسائر النجاسات التي قليلها رجس مثل كثيرها. الاستذكار (1/331).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «تحته» يريد المستجسد من الدم؛ ليتحات وينقلع عن وجه الثوب، ثم تقرضه، (تقرصه) وهو: أن تفيض عليه بإصبعها، ثم تغمزه غمزًا جيدًا، وتدلكه بهما حتى ينحَلَّ ما تشرَّبه من الدم، ثم تنضحه بالماء، أي: تصب عليه، والنضح ها هنا بمعنى: الغسل. أعلام الحديث (1/ 281).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
قوله: «ثم لتنضحه» أصل النضح: الرش...، وقد يُستعمل في الغسل، وهو سَيَلَان الماء على المحل بعد صبِّه عليه، وهو المراد هنا. فتح الإله في شرح المشكاة (2/373).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في قوله: «ولتنضحه» أي: لتغسله، للوجوب، ولا أعلم فيه خلافًا، نعم إنْ كان المراد منه: الصب قليلًا قليلًا، فللندب. الأزهار، مخطوط، لوح (109).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
والنضح: الرش، وقد يستعمل في الصَّبِّ شيئًا فشيئًا، وهو المراد ها هنا، وفيه دليل على أن الماء مُتعين في إزالة النجاسة؛ لأنه أمر بغسل الحيضة بالماء، فيجب، وإذا وجب غسل دم الحيض بالماء، وجب غسل سائر النجاسات به؛ لعدم القائل بالفصل، والإجماع على عدم مفارقتها في ذلك. تحفة الأبرار (1/ 213).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
النجاسة لا يزيلها إلا الماء وهو قول زفر بن الهذيل، والشافعي وأصحابه، وأحمد وغيره أن النجاسة لا يطهرها إلا الماء؛ لأن الله تعالى سماه {طَهُورًا} الفرقان:48، ولم يقل ذلك في غيره...
وقال أبو حنيفة: يجوز غسل النجاسة بغير الماء وكل ما زال به عينها فقد طهرها، وهو قول داود، وبه قال جماعة من التابعين. التمهيد (13/ 106).
وقال الحداد -رحمه الله-:
قال محمد وزُفرُ والشافعي: لا يجوز إلَّا بالماءِ المُطْلَق؛ لأنَّ النجاسة معنىً تمنعُ جواز الصلاةِ إلَّا بالماءِ قياسًا على النجاسةِ الحُكْمِية، وهي الحدث.
قُلْنا: النجاسةُ الحُكْمِيَّةُ ليس فيها عَيْنٌ تُزال، فكان الاستعمالُ فيها عبادةً محضة، والحقيقيَّةُ لها عَيْنٌ، فكان المقصود بها إزالةَ العَيْنِ بأيِّ طاهرٍ كان، بدليلِ أنه لو قُطِعَ موضعُ النجاسةِ بالسكين جاز.
وعن أبي يوسف أنَّه فرَّق بين الثوبِ والبدن، فقال: لا تزولُ النَّجاسةُ من البدنِ إلَّا بالماءِ المُطْلَق اعتبارًا بالحدث، بخلافِ الثوبِ فإنَّها تزولُ عنه بكلِّ مائعٍ طاهر.. الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (1/ 36).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
والحديثُ دليلٌ على نجاسةِ دمِ الحيضِ، وعلى وجوبِ غسله، والمُبالغةِ في إزالته بما ذُكِر من الحتِّ في بعضِ الروايات، والقَرصِ والنَّضحِ لإذهابِ أثَرِه، وظاهِرُه: أنَّه لا يجب غيرُ ذلك، وإن بقي أثرُه ولونُه، فلا يَجِبُ استعمالُ الحادِّ لإذهابِ الأثر؛ لعدمِ ذِكرِه في الحديث، وهو محلُّ البيان؛ ولأنَّه قد وَرَدَ في غيرِ حديثِ أسماء: «ولا يَضُرُّكِ أثَرُه». واستدل الخطابي بحديثِ أسماء هذا على أنَّ الماء يتعيَّنُ لإزالةِ النجاساتِ دون غيرِه من المائعاتِ الطاهرة؛ لأنَّ جميع النجاساتِ بمثابة الدَّم، لا فَرقَ بينه وبينَها.
وتُعُقِّبَ هذا الاستدلالُ بأنَّ هذا خَرَجَ مَخرَجَ الغالِبِ، لا مَخرَجَ الشرطِ، والمَعنى في ذلك: أنَّ الماء أكثرُ وجودًا من غيره، أو يُقال: تخصيصُ الشيءِ بالذِّكر لا يدل على نَفيِ الحُكمِ عمّا عداه، أو يقال: ذِكرُ الماء؛ لأنَّه المُعتادُ في إزالةِ النجاسات، لا لاشتراطِ خُصوصيَّته. وأُجيبَ بأنَّ الخبر نصٌّ على الماء، فإلحاقُ غيرِه من المائعاتِ به بالقياس، ومن شرطِه أن لا يَنقُصَ الفرعُ عن الأصلِ في العلّة، وليس في غيرِ الماء ما في الماء من رِقّتِه وسرعةِ نُفوذِه، فلا يُلحَقُ به. مرعاة المفاتيح (2/ 194).
وقال الباجي -رحمه الله-:
ثم يكون النَّضح بعد ذلك (أي: بعد القَرص) لسائر الثوب لما لم يتيقَّن منه نجاسة، وقد روي عن عائشة تفسير ذلك: «كانت إحدانا تحيض، ثم تقترص الدم من ثوبها عند طهرها؛ فتغسله، وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه»؛ فأَخبَرت أن النضح كان على سائر الثوب، وأن القرض والغسل كان لموضع الدم.
ويحتمل أن يكون التقريص معه نضح الماء، فيكونان غسلًا للدم، وتكون (ثم) بمعنى الواو؛ كقوله تعالى: {وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} طه: 82، ومعناه: واهتدى، إلا أن الأول أظهر؛ لأن (ثم) تقتضي الترتيب والمهلة. المنتقى شرح الموطأ (1/ 121-122).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: وجوب غسل النجاسة بالماء، ويؤخذ منه: أن من غسل بالخل أو غيره من المائعات لم يجزئه؛ لأنه ترك المأمور به، وفيه: أن الدم نجس، وهو بإجماع المسلمين، وفيه: أن إزالة النجاسة لا يشترط فيها العدد، بل يكفي فيها الإنقاء، وفيه غير ذلك من الفوائد.
واعلم أن الواجب في إزالة النجاسة الإنقاء؛ فإن كانت النجاسة حُكْمِيَّة، وهي التي لا تُشَاهد بالعين، كالبول ونحوه، وجب غسلها مرة، ولا تجب الزيادة، ولكن يستحبُّ الغسل ثانية وثالثة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا»...، وأما إذا كانت النجاسة عينية كالدم وغيره، فلا بد من إزالة عينها، ويستحبُّ غسلها بعد زوال العين ثانية وثالثة، وهل يشترط عصر الثوب إذا غسله؟ فيه وجهان: الأصح: أنه لا يشترط، وإذا غسل النجاسة العينية فبقي لونها لم يضره، بل قد حصلت الطهارة، وإن بقي طعمها، فالثوب نجس، فلا بد من إزالة الطعم، وإن بقيت الرائحة، ففيه قولان للشافعي: أصحهما: يطهر، والثاني: لا يطهر -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (3/200).
وقال النووي -رحمه الله-:
إزالة النجاسة لا تجوز عندنا وعند الجمهور إلا بالماء، فلا تجوز بخَلٍّ ولا بمائع آخر، وممن نقل هذا عنه مالك، ومحمد بن الحسن، وزفر وإسحاق بن راهويه، وهو أصح الروايتين عن أحمد.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وداود: يجوز إزالة النجاسة من الثوب والبدن بكل مائع يسيل إذا غسل به، ثم عصر، كالخل وماء الورد، ولا يجوز بدهن ومرق، وعن أبي يوسف رواية أنه لا يجوز في البدن بغير الماء.
واحتج لهم بحديث عائشة -رضى الله عنها- قالت: «ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها فمصعته بظفرها» رواه البخاري، ومصعته بفتح الميم والصاد والعين المهملتين أي أذهبته.
وعن محمد بن إبراهيم، عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: قلت: «يا رسول الله، إني امرأة أطيل ذيلي، فأجره على المكان القذر، فقال -صلى الله عليه وسلم-: يطهره ما بعده» رواه أبو داود، والترمذي وابن ماجه.
وموضع الدلالة: أنها طهارة بغير الماء، فدل على عدم اشتراطه، وبحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا، أو أذى، فليمسحه، وليصل فيهما» حديث حسن، رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وبحديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا وطِئ أحدكم بنَعْله الأذى فإن التراب له طهور» رواه أبو داود.
والدلالة من هذين كهي مما قبلهما، وذكروا أحاديث لا دلالة فيها، كحديث: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه» وبأي شيء غسله سُمِّي غاسلًا، قالوا: ولأنه مائع طاهر فأشبه الماء، ولأنها عين تجب إزالتها للعبادة فجاز بغير الماء كالطيب عن ثوب المحرم، وهذا يعتمدونه، ولأن الحُكم يتعلق بعين النجاسة، فزال بزوالها، ولأن المراد إزالة العين، والخل أبلغ، ولأن الخمر إذا انقلبت خلًا طهرت، وطهر الدَّن (وهو الوعاء الذي يجعل فيه الخمر)، وما طهر إلا بالخل، ولأنها نجاسة فلا يتعين لها الماء كنجاسة النجو، ولأن الهرة لو أكلت فأرة ثم ولغت في إناء لم تنجسه، فدل على أن ريقها طهَّر فمَها...المجموع شرح المهذب (1/ 95-97).
وقال ابن حجر-رحمه الله-:
فائدة: تعقب استدلال من استدل على تعيين إزالة النجاسة بالماء من هذا الحديث بأنه مفهوم لقَب وليس بحجة عند الأكثر، ولأنه خرج مخرج الغالب في الاستعمال لا الشرط. وأجيب بأن الخبر نص على الماء، فإلحاق غيره به بالقياس، وشرطه أن لا ينقص الفرع عن الأصل في العلة، وليس في غير الماء ما في الماء من رقته وسرعة نفوذه فلا يلحق به. فتح الباري (1/٣٣١).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وأما إزالة النجاسة بغير الماء ففيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد:
أحدها: المنع كقول الشافعي، وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد.
والثاني: الجواز كقول أبي حنيفة، وهو القول الثاني في مذهب مالك وأحمد.
والقول الثالث: في مذهب أحمد أن ذلك يجوز للحاجة كما في طهارة فم الهرة بريقها، وطهارة أفواه الصبيان بأرياقهم ونحو ذلك (ثم ذكر أدلة كل فريق). مجموع الفتاوى(21/ 474).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
الراجح في هذه المسألة: أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان زال حكمها، فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة لغير حاجة لما في ذلك من فساد الأموال، كما لا يجوز الاستنجاء بها. مجموع الفتاوى (21/ 475).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الحق: أن الماء أصل في التطهير لوصفه بذلك كتابًا وسنة، وصفًا مطلقًا غير مقيد، لكن القول بتعينه وعدم إجزاء غيره يرده حديث مسح النعل، وفرك المني، وحته وإماطته بإذخرة، وأمثال ذلك كثير، ولم يأت دليل يقضي بحصر التطهير في الماء، ومجرد الأمر به في بعض النجاسات لا يستلزم الأمر به مطلقًا، وغايته تعينه في ذلك المنصوص بخصوصه إن سلم، فالإنصاف أن يقال: إنه يطهر كل فرد من أفراد النجاسة المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النص، إن كان فيه إحالة على فرد من أفراد المطهرات، لكنه إن كان ذلك الفرد المحال عليه هو الماء فلا يجوز العدول إلى غيره للمزية التي اختص بها، وعدم مساواة غيره له فيها، وإن كان ذلك الفرد غير الماء جاز العدول عنه إلى الماء لذلك، وإن وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من في الشارع الإحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهرات، بل مجرد الأمر بمطلق التطهير، فالاقتصار على الماء هو اللازم لحصول الامتثال به بالقطع وغيره مشكوك فيه، وهذه طريقة متوسطة بين القولين لا محيص عن سلوكها.
فإن قلتَ: مجرد وصف الماء بمطلق الطهورية لا يوجب له المزية، فإن التراب يشاركه في ذلك.
قلتُ: وصف التراب بالطهورية مقيد بعدم وجدان الماء بنص القرآن، فلا مشاركة بذلك الاعتبار. نيل الأوطار (1/ 57-58).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله- معلقًا على كلام الشوكاني:
قلتُ: وهذا هو التحقيق، فشد عليه بالنواجذ، ومما يدل على أن غير الماء لا يجزئ في دم الحيض قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الثاني: «يكفيك الماء»، فإن مفهومه أن غير الماء لا يكفي، فتأمل. سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 605).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا الشوكاني:
هذا الذي قاله الشوكاني تحقيق جيد، لكن تمثيله بفرك المني، وحته مبني على ما رجحه هو من أن المني نجس، وقد سبق ترجيح القول بطهارته، فلا تكن من الغافلين. البحر المحيط الثجاج (7/ 295)
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إزالة النجاسة ليست مما يُتعبد به قصدًا، أي: أنها ليست عبادة مقصودة، وإنما إزالة النجاسة هو التخلي من عين خبيثة نجسة، فبأي شيء أزال النجاسة وزال أثرها فإنه يكون ذلك الشيء مطهرًا لها، سواء كان بالماء أو بالبنزين أو بأي مزيل يكون متى زالت عين النجاسة بأي شيء يكون، فإن ذلك يعتبر تطهيرًا لها. فتاوى نور على الدرب (7/ 2).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
الصواب: أنه إذا زالت النجاسة بأي مزيل كان طهُر محلها؛ لأن النجاسة عين خبيثة، فإذا زالت زال حكمها، فليست وصفًا كالحدث لا يزال إلا بما جاء به الشرع...، وأما ذكر الماء في التطهير في الأدلة السابقة فلا يدل تعيينه على تعينه؛ لأن تعيينه لكونه أسرع في الإزالة، وأيسر على المُكلَّف. الشرح الممتع(1/ 30).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قد تحصل مما سبق أن الماء هو الأصل في إزالة النجاسة مطلقًا، لكن ورد في طهارة بعض النجاسة استعمال غير الماء فيه، فإيجاب استعمال الماء في ذلك تنطع، وسلوك مسلك غير الإنصاف.
والحاصل أن استعمال الماء في إزالة جميع أنواع النجاسات هو الأصل، وما ورد فيه تعيين تطهيره بغير الماء مثل الدباغ يتعين فيه ذلك، ولا يجوز تطهيره بالماء، وما ورد التخفيف في إزالته بغير الماء، كمسح النعلين من الأذى، فجائز استعمال الماء فيه، كما يجوز الاكتفاء بما ورد فيه من المسح أو غيره، فتبصر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (7/ 297)
قوله: «ثم لِتصلِّي فيه»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«ثم تصلِّي فيه» يعني: إذا غسلته وبقي أثره فلا بأس؛ لأن إزالة لون الدم متعسِّر. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 436).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «ثم لِتصلي فيه» يقتضي أن ذلك كمال طهارته؛ لأنها لا تصلي فيه إلا بعد أن تتم طهارته. المنتقى شرح الموطأ (1/ 122).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
(و) هذا الحديث يدل على أنَّه لا يجوز إزالة النجاسات إلا بالماء؛ لأنه -صلَّى الله عليه وسلَّم- أمر بذلك، وقال أبو حنيفة: يجوز بمائع بديل، كالخل والريق وماء الورد، وبكل ما إذا عصر ينعصر، دون الدُّهن، وشبهه. الأزهار شرح مصابيح السنة، مخطوط، لوح (109 و110).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: أن المرأة تصلي في الثوب الذي تحيض فيه، وإن أصابه دم الحيض، إذا غسلته، فلا يلزمها إعداد ثوب آخر للصلاة.
ومنها: مشافهة المرأة للرجال الأجانب فيما يتعلق بأمور الدين.
ومنها: استحباب فرك النجاسة اليابسة؛ ليهون غسلها -والله تعالى أعلم بالصواب-. البحر المحيط الثجاج (7/ 295).