الثلاثاء 26 صفر 1448 | 2026-08-11

A a

«أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ ميمونةَ».


رواه مسلم برقم: (323) من حديث ابن عباس -رضي الله عنه-.


غريب الحديث


«بِفَضْلِ»:
الفَضْلُ والفَضْلَةُ: البَقِيَّة من الشيء. المحكم، لابن سيده (8/ 206).
وقال الخليل -رحمه الله-:
والفُضالةُ: ما فَضَل من كل شيءٍ، والفَضْلةُ: البقيّة من كل شيءٍ. العين (7/ 43).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان يَغْتَسِلُ»:
قال النووي -رحمه الله-:
المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين أنَّ لفظة "كان" لا يلزم منها الدوام، ولا التكرار، وإنَّما هي فعل ماضٍ يدل على وقوعه مرة، فإنْ دل دليل على التكرار عُمِلَ به، وإلا فلا تقتضيه بوضعها. المنهاج شرح مسلم (6/ 21).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وحقيقة الاغتسال: إفاضة الماء على الأعضاء، واختُلف في وجوب الدلك، فقيل يجب، وقيل: لا يجب. سبل السلام (1/ 123).

قوله: «بِفَضْلِ ميمونةَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«بفضْلِ ميمونةَ» -رضي الله عنها-، أي: بما فَضَلَ من الماء الذي استعْمَلَتْهُ في غسل الجنابة، كما أوضَحَتْهُ الرواية الأخرى، ففي رواية ابن ماجه من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن ميمونة، زوج النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: «أنَّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- توضأ بفضل غسلها من الجنابة» وزاد أحمد في روايته: «قال عبد الرزاق: وذلك أني سألته عن إخلاء الْجُنُبين جميعًا» والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (8/ 43).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «بفضل ميمونة» هي ميمونة بنت الحارث الهلالية، تزوجها النبي -صلّى الله عليه وسلّم- سنة سبع؛ لما اعتمر عمرة القضية، وبنى بها في سَرِفَ، موضعٌ بينه وبين التنعيم ثلاثة أميال؛ وذلك بعد موت زوجها أبي رُهْم بن عبد العُزَّى، وهي آخر مَن تزوجها النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، وقد أثنت عليها عائشة -رضي الله عنها- بقولها: «إنها كانت من أتقانا لله، وأوصَلِنَا للرحم» تُوفيت بِسَرِفَ سنة إحدى وخمسين على أرجح الأقوال -رضي الله عنها-. منحة العلام (ص: 39).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«بفضل ميمونة» المراد به الماء الفاضل في الإناء بعد غسل ميمونة منه. فتح المنعم (2/ 327).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختلف العلماء بعدُ في الاغتسال والتوضؤ بفضل المرأة الجُنُب أو الحائض أو غيرهما، وفي وضوء المرأة بفضل الرجل، فجمهور السلف وأئمة الفتوى والعلم على جواز ذلك كله كانا مجتَمِعَين أو مُفتَرِقَين، وروي عن ابن المسيب كراهةُ وضوء الرجل بفضل وضوءِ المرأةِ، وذهب أحمد إلى منع الوضوء للرجل بفضل ما توضأت به المرأة، واغتسلتَ به مُنْفَرِدةً، ووافق في جواز وضوء الرجل من فضل الرجل، والمرأة من فضل المرأة والرجُل وأنْ يتوضَّيَا جميعًا، وروي عن ابن عمر كراهةُ أن يتوضأ الرجلُ بفضل الحائض والجُنب، وكان يبيحُ فضل غيرهما، وذهب الأوزاعي إلى تطُّهر كل واحد منهما بفضل صاحبه ما لم يكن أحدُهما جنبًا، أو المرأة حائضًا، واتفاق أكثر مَن خالف على جواز اغتسالِهما من إناءٍ واحدٍ معًا، ووضوئهما، كما جاء في الأحاديث الصحيحة، يَرُدُّ على مَن فرَّق بين الاجتماع والافتراق؛ إذ في نفس اغتسالهما ووضوئهما معًا، واختلاف أيديهما فيه استعمالُ كل واحدٍ فضل غسل الآخر، ولم يصحح أهل الحديث حديث النهي عن ذلك، وتأوله بعضُهم -إنْ صح- على فضل مائها المستعمل في الطهارة، إما على الحظر -على من يراهُ- أو على الندب، ويختص فضْلُ المرأةِ بالتأكيد؛ لأنه لا يَسْلم من إضافةٍ من طيبها وخلوقها ودهن شعرها وعارضيها، وقيل: هو منسوخٌ بما عارضه مما ذكرناه. إكمال المعلم (2/ 166-167).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ويجوز للرجل والمرأة أن يغتسلا، يتوضَّيَا من إناء واحد؛ لأن «النبي -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- كان يغتسل هو وزوجته من إناء واحد، يغرفان منه جميعًا» متفق عليه، وقال ابن عمر: «كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمن رسول الله -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- من إناء واحد» رواه أبو داود، ويجوز للمرأة التطهر بفضل طهور الرجل وفضل طهور المرأة، وللرجل التطهر بفضل طهور الرجل وفضل طهور المرأة ما لم تخل به.
فإن خلت به، ففيه وجهان (روايتان):
إحداهما: يجوز أيضًا (واختارها ابن عقيل وأبو الخطاب وابن مفلح وشيخ الإسلام ابن تيمية)؛ لما روت ميمونة -رضي اللَّه عنها- قالت: «أجنبتُ فاغتسلتُ من جَفْنَة، ففضلتُ فيها فضلة، فجاء النبي -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- ليغتسل منه، فقلتُ: إني اغتسلتُ منه، فقال: إن الماء ليس عليه جنابة» رواه أبو داود؛ ولأنه ماء لم ينجس، ولم يزل عن إطلاقه، فأشبه فضلة الرجل.
والثانية: لا يجوز للرجل التطهر به؛ لما روى الحَكَم بن عمرو قال: «نهى النبي -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» حديث حسن، قال أحمد -رحمه اللَّه-: جماعة من الصحابة كرهوه ذكر منهم ابن عمر وعبد الله بن سرجس، وخصَّ ما خلت به؛ لقول عبد الله بن سرجس: «توضأ أنت ها هنا، وهي ها هنا، فأما إذا خلت به فلا تَقْرَبنَّه».
ومعنى الخلوة: ألا يشاهدها إنسان تخرج بحضوره عن الخلوة في النكاح، وذكر القاضي (أبو يعلى) أنَّها لا تخرج عن الخلوة ما لم يشاهدها رجل، وإنَّما تؤثر خلوتها في الماء اليسير؛ لأنَّ النجاسة لا تؤثر في الكثير، فهذا أولى.
ولا يخرج الماء الذي خلت به المرأة عن إطلاقه، بل يجوز للنساء التطهر به من الحدث والنجاسة، وللرجل إزالة النجاسة به؛ لأنَّ منع الرجل من الوضوء به تعبُّد، فوجب قصره على مورده، وذكر القاضي (أبو يعلى) أنَّه لا يزيل النجاسة؛ لأن ما لا يرفع الحدث لا يزيل النجس، كالخَلِّ، وهذا لا يمكن القول بموجبه، فإنَّ هذا يرفع حدث المرأة بخلاف الخل. الكافي (1/ 117-119).
وقال الصفدي -رحمه الله-:
قال الشيخ مجد الدين أبو البركات عبد السلام ابن تيمية: وأكثر أهل العلم على الرخصة للرجل في فضل طهور المرأة، والأخبار بذلك أصح، وكرهه أحمد وإسحاق إذا خَلَت به، وهو قول عبد الله بن سرجس، وحملوا حديث ميمونة على أنها لم تَخْلُ به؛ جمعًا بينه وبين حديث الحَكَم بن عمرو الغفاري.
قلتُ: وحديث الحَكَم «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» رواه الخمسة إلا أن ابن ماجه والنسائي قالا: «وضوء المرأة» وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال ابن ماجه -وقد روى بعده حديثًا آخر-: الصحيح الأول، يعني: حديث الحَكَم.
ولعل الإمام أحمد -رضي الله عنه- كان يرى أنَّ حديث ميمونة من خواص النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلا يجوز ذلك لغيره من الأمَّة، فعلى مذهب الإمام أحمد هل يحصل خلو المرأة بالماء مع حضور الأعمى أو لا؟ في المذهب (الحنبلي) وجهان. نكث الهميان في نكت العميان (ص: 15).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أنَّ إدخال المرأة يدها في الماء لا يضره.
وأنه إذا أفضلت المرأة ماء جاز للرجل الوضوء به.
وفيه: أنَّ الجنب إذا غمس يده في الماء فالماء طاهر مطهِّر. الإفصاح (3/ 92).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
1. يجوز للرجل أنْ يغتسل بفضل المرأة.
2. ويجوز للمرأة أن تغتسل بفضل الرجل. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (1/ 14).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفوائد:
أنَّ هؤلاء الزوجات اللاتي لهن أقارب يخبرن أقاربهن عما كان الرسول يعمله في بيته من الأمور التي لا يطَّلع عليها إلا النساء، فابن عباس ما الذي أطلعه على أن الرسول كان يغتسل بفضل ميمونة؟ ميمونة التي هي خالته، ففي هذا بيان لفائدة تعدد زوجات النبي -صلى الله عليه وسلام- أنهن يحملن من العلم إلى الأمَّة أكثر فأكثر متى كثر تعددهن.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الإفضاء بما يُسْتَحْيَا منه عادة من أجل نشر العلم؛ لأن ميمونة أفضت إلى ابن عباس بهذا الشيء الذي قد يُستحيا منه.
ومن فوائد هذا الحديث: أنَّ مثل هذا لا يدخل في النهي عن إفشاء السر الذي يكون بين الزوجين؛ لأن هذا لا علاقة له بالمعاشرة، إنما هو بيان حكم شرعي تنتفع به الأمَّة؛ وهو أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يغتسل بفضل ميمونة.
ومن فوائد هذا الحديث: تواضع النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث كان يغتسل بفضل زوجته، ولو كان من الكبراء المستكبرين لقال للزوجة: لا تقربي الماء حتى أغتسل أنا، لكنه -عليه الصلاة والسلام- كما نعلم هو سيد المتواضعين، وخير الناس لأهله، كما قاله -عليه الصلاة والسلام-: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 82-83).
وقال صالح آل الشيخ -حفظه الله-:
ما يُستفاد من الحديث:
1. جواز اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة، والعكس.
2. طهورية الماء المستعمل؛ لأنه لا يخلو أن يسقط ماء الاغتسال في الإناء.
3. استحباب أن يغتسل الرجل مع زوجته من إناء واحد (على الرواية المتفق عليها).
(و) الجمع بين النهي عن الاغتسال بفضل طهور المرأة، واغتساله -صلى الله عليه وسلم- بفضل ميمونة -رضي الله عنها-، يفيد: أن النهي للكراهة وليس للتحريم. شرح كتاب الطهارة من بلوغ المرام (ص: 7).

وينظر فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم اغتسال أحد الزوجين بفضل الآخر والجمع بين أحاديث النهي والجواز.


إبلاغ عن خطأ