الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«إن اللهَ يوصيكُم بأُمّهاتِكم ثلاثًا، إن اللهَ يُوصيكُم بآبائِكُم، إن اللهَ يُوصِيكُم بالأقربِ فالأقربِ».


رواه أحمد برقم: (17187)، وابن ماجه برقم: (3661)، من حديث المقدام -رضي الله عنه-.
ورواه الطبراني في المعجم الكبير برقم (638)، وزاد: «إن اللهَ يوصيكم بآبائكم -مرتين-».
صحيح الجامع برقم: (1924)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1666).


غريب الحديث


أي: يعهدُ إليكم، ويفرضُ عليكم. الكشف والبيان عن تفسير القرآن، للثعلبي(10/ 114).
وقال ابن سيده -رحمه الله-:
معناه: يفرضُ عليكم؛ لأن الوصية من الله إنما هي فرضٌ، والدليل على ذلك: قوله -تعالى-: {‌وَلَا ‌تَقْتُلُوا ‌النَّفْسَ ‌الَّتِي ‌حَرَّمَ ‌اللَّهُ ‌إِلَّا ‌بِالْحَقِّ ‌ذَلِكُمْ ‌وَصَّاكُمْ ‌بِهِ} الأنعام: 151. المحكم والمحيط، لابن سيده (8/ 395).


شرح الحديث


قوله: «إن اللهَ يوصيكُم بأمّهاتِكم ثلاثًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: إن الله يوصيكم» ويأمركم «بـ» البر لـ «أمهاتكم» وبالإحسان إليهن بأموالكم وأنفسكم، قال هذه الكلمة، وكررها «ثلاثًا» أي: ثلاث مرات؛ اعتناءً بشأنهن، وحثًّا على خدمتهن. مرشد ذوي الحجا والحاجة (21/ 292).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إن الله يوصيكُم بأمهاتكم» أي: مِن النسب، قاله «ثلاثًا» أي: كرّر اللهُ الوصيةَ بهن ثلاث مرات؛ لمزيد التأكيد. فيض القدير (2/ 319).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن الله يوصيكم» يعهد إليكم، «بأمهاتكم» بالبر بهنّ «ثلاثًا» يؤكد الوصيةَ في شأنهن ثلاث مرات. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 427).
وقال محمد هلال -حفظه الله-:
يُوصِيكُم اللَّهُ: يعهد إليكم ـ يُلزمكُم ـ يأمركُم، وقيل: الوصيةُ من الله فيها معنى الفرض والإلزام، وفيها معنى الإشفاق للمُوصَى لهم واهتمامٌ بهم. تفسير القرآن الثري الجامع (4/ 120).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
محبةُ الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب؛ لذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- الأم ثلاثَ مرات، وذكر الأب في الرابعة فقط، وإذا توصّل هذا المعنى شهد له العيانُ؛ وذلك أن صُعوبة الحَمل، وصعوبة الوضع، وصعوبة الرضاع والتربية، تنفردُ بها الأم دُون الأب، فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأبُ. الجامع لأحكام القرآن (10/ 239).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: وسبب تقديم الأم، كثرة تعبِها عليه، وشفقتها وخِدمتها، ومعاناة المشاقّ في حمله ثم وَضعه، ثم إرضاعه، ثم تربيته وخِدمته وتمريضه، وغير ذلك. شرح صحيح مسلم (16/ 102).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الأم أحقُّ بالبر من الأب؛ لأن المشقّة التي حصلت للأم أعظم بكثير مما يحصلُ للأب؛ لأن مشقّة الأم اضطراريّة، ومشقّة الأب اختياريّة، أما بالنسبة لخروج الولد من هذا ومِن هذا، فالفرق كبير جدًا، الولد خرج من أبيه شهوةً، لكن خرج من أمه كُرهًا ووهنًا على وهنٍ، أما بالنسبة للمشقّات الأخرى كالإنفاق وغيره، فالإنفاق إنما يسعى الوالد باختياره. فتح ذي الجلال والإكرام (5/ 179).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
جاء ما يدلُّ على تقديم الأم في البر مطلقًا، وهو ما أخرجه أحمد، والنسائي، وصححه الحاكم، من حديث عائشة: سألتُ النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أيُّ الناس أعظم حقًّا على المرأة؟ قال: زوجها، قلتُ: فعلى الرجل؟ قال: أمُّه»، ويؤيد تقديم الأم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديِي له سقاء، وحِجري له حِواء، وإن أباه طلّقني وأراد أن ينزعه مني، فقال: «أنتِ أحق به ما لم تنكحي» كذا أخرجه الحاكم، وأبو داود، فتوصلت لاختصاصها به باختصاصه بها في الأمور الثلاثة. فتح الباري (10/ 402).

قوله: «إن اللهَ يُوصيكُم بآبائِكُم»، وفي لفظ: «يُوصيكم بآبائكم -مرّتينِ-»:
قال الساعاتي -رحمه الله-:
أوصى بالأب مرة، وفي رواية «مرتين»؛ لما له من حق الرعاية والإنفاق. الفتح الرباني (19/ 37).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
ثم قال: «إن الله» -عز وجل- «يوصيكم» ويأمركم «بـ» البر والإحسان إلى «آبائكم» وبالإنفاق عليهم بقدر استطاعتكم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (21/ 292).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ثم قال في الرابعة: «إن الله يوصيكم بآبائكم» من النسب وإن عَلو، قاله «مرتين» إشارة إلى تأكده؛ لما لهم من التربية والنُّصرة، وأن ذلك التأكد دون تأكد حق الأمّهات؛ لتعبِهن وخدمتهن ومقاساة المشاقّ في الحمل والوضع والرضاع والتربية. فيض القدير (2/ 319).
وقال الشيخ محمد الوائلي -رحمه الله-:
أحوجُ ما يكون الأب إذا تقدمت به السِّنُّ؛ لأنه يعود وكأنه صغير يحتاج إلى الخدمة والرعاية والعناية... ولا شك أن من الأولاد مَن لا يهتمّ بذلك، ويدركون ‌مكانة ‌الأب وقيمته، وأنه ينبغي أن يُبرَّ به، وإذا كانت صلته بأبيه المشرك لا تنقطع فكيف بأبيه المسلم؟! بغية المقتصد شرح بداية المجتهد (14/ 8608).
قال ابن حجر –رحمه الله-:
قال القُرطبي -رحمه الله-: المرادُ أنَّ الأُمَّ تستحقُّ على الولد الحَظَّ الأوفرَ من البِرِّ، وتُقدَّمُ في ذلك على حقِّ الأبِ عند المُزاحَمة. وقال عِياض: وذهبَ الجمهور إلى أنَّ الأُمَّ تُفضَّلُ في البِرِّ على الأب. وقيل: يكونُ بِرُّهما سواء، ونقله بعضُهم عن مالك. والصوابُ الأول.
قلتُ: إلى الثاني ذهب بعض الشافعية، لكن نقلَ الحارثُ المُحاسِبيُّ الإجماعَ على تفضيلِ الأُمِّ في البِرِّ، وفيهِ نظر. والمنقولُ عن مالكٍ ليس صريحًا في ذلك؛ فقد ذَكره ابنُ بطّال، قال: سُئِل مالك: طلَبَني أبي فمنعتني أُمّي؟ قال: أطِعْ أباكَ ولا تَعصِ أُمَّكَ. قال ابنُ بَطّال: هذا يدلُّ على أنه يرى بِرَّهُما سواء، كذا قال، وليستِ الدلالةُ على ذلك بواضحة. قال: وسُئل اللَّيثُ – يعني عن المسألة بعينها – فقال: أطِعْ أُمَّكَ؛ فإنَّ لها ثُلُثَيِ البِرِّ. وهذا يُشيرُ إلى الطريقِ التي لم يتكرَّرْ ذكرُ الأُمِّ فيها إلا مرّتين. فتح الباري(10/ 402).

قوله: «إن اللهَ يُوصيكُم بالأقربِ فالأقرب»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن الله يوصيكُم بالأقربِ فالأقرب» أطلقه عن القيدين الأوّلين، والمراد مرّة، والإطلاق لها، وهو مِن عطف العامّ على الخاص، وفي الحديث تفصيل الحقوق وبيان شأنها، وأنه يُبدأ بالأم في البر ثم الأب ثم الأقرب فالأقرب. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 428).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال أصحابنا: يستحب أن يقدمَ في البر الأم ثم الأب ثم الأولاد ثم الأجداد والجدات ثم الإخوة والأخوات، ثم سائر المحارم من ذوي الأرحام، كالأعمام والعمّات، والأخوال والخالات، ويقدّم الأقرب فالأقرب، ويقدّم مَن أدلى بأبوين على مَن أدلى بأحدهما، ثم بذي الرحم غير المحْرم كابن العم وبِنته، وأولاد الأخوال والخالات، وغيرهم، ثم بالمصاهرة، ثم بالمولى من أعلى وأسفل، ثم الجار، ويقدّم القريب البعيد الدار على الجار، وكذا لو كان القريب في بلد آخر قُدِّم على الجار الأجنبيّ، وألحقوا الزوج والزوجة بالمحارم، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (16/ 103).
قال المناوي -رحمه الله-:
«إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب» من النسب، قال ذلك مرةً واحدةً، إشارة إلى أن حقّهن وإن كان متأكدًا فهو دُون تأكُّد حق الأبوين، وكرّر الفعل مع المؤكّد حثًّا على الاهتمام بالوصية، ولم ينص في الأخيرة على عدد؛ لفهمه مما قبله، قال الشافعية: فيقدَّم في البر الأم فالأب فالأولاد فالأجداد فالجدات فالإخوة والأخوات، ويقدّم من أدلى بأبوين على مَن أدلى بواحد، ثم تُقدّم القرابة من ذوي الرحم، وتقدّم منهم المحارم على غير المحارم، ثم سائر العصبات، ثم المصاهرة، ثم الولاء، ثم الجوار، وهذا الترتيب حيث لا يمكن إيصال البر دفعةً واحدةً ... وإنما قدّم الولد الصغير في النفقة؛ لأن مَبْنَى التقديم فيها على الأحْوَجِيّة مع الأقربيّة، بدليل عدم دخولِ حجبِ النقصانِ فيه مع وجود الأبوين. فيض القدير (2/ 319).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:
حديث: «أُمُّكَ، ثم أُمُّكَ، ثم أُمُّكَ، ثم أَبُوكَ، ثم أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ»


إبلاغ عن خطأ