«مَن سُئل عن عِلمٍ يعلمه فكتَمه أُلْجِمَ يوم القيامة بلِجَام من نار».
رواه أحمد برقم: (10420)، وأبو داود برقم: (3658)، والترمذي برقم: (2649)، وابن ماجه برقم: (266)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند ابن حبان برقم: (96) والحاكم برقم: (346)، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: «من كتَمَ علمًا أَلْجَمَهُ الله يوم القيامة بلِجَام من نار».
صحيح الجامع برقم: (5713)، (6284)، صحيح الترغيب والترهيب برقم:(120، 121).
غريب الحديث
«بلِجام»:
اللجام: لجام الدابَّة. واللِّجامُ: ضربٌ من سمات الإبل، في الخدَّين إلى صفقتي العُنق. العين، للفراهيدي (6/ 138).
شرح الحديث
قوله: «مَن سُئل عن علمٍ يعلمه»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«مَن سُئل عن علمٍ عَلِمَه» والسائل محتاجٌ إليه في أمور دِينه. شرح المصابيح (1/ 208).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«من سئل عن علم» أي: شرعي محتاج إليه حالاً. دليل الفالحين (7/ 183).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «ما من رجل يحفظ علمًا» (كما في رواية) قيّد بالحفظ؛ إذ لا كتمان بدونه. حاشية السندي على سنن ابن ماجه (1/ 114).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وهذا في العلم الذي يلزمه تعليمُه إياه ويتعين عليه فرضُه، كمن رأى كافرًا يريد الإسلام يقول: علِّموني ما الإسلام وما الدِّين، وكمن يرى رجلًا حديثَ عهدٍ بالإسلام لا يُحسِن الصلاة وقد حضر وقتُها يقول: علّموني كيف أصلي، وكمن جاء مستفتيًا في حلال أو حرام يقول: أفتوني وأرشدوني؛ فإنه يلزم في مثل هذه الأمور أن لا يُمنَعوا الجوابَ عما سألُوا عنه مِن العلم، فمَن فعل ذلك كان آثمًا مستحقًا للوعيد والعقوبة، وليس كذلك الأمر في نوافل العلم التي لا ضرورة بالناس إلى معرفتها. معالم السنن (4/ 185).
قوله: «فكتَمه»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فكتمه» عن أهله. فيض القدير (6/ 146).
وقال السندي -رحمه الله-:
«فكتَمه» أي: إذا سُئِل عنه، كما في روايات الحديث، وكأنه ترك ذِكره؛ إذ لا يظهر الكتمان قبل ذلك. حاشية السندي على سنن ابن ماجه (1/ 114).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «ثم كَتمَهُ» أي: ستره. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 321).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «ثم كتمه» «ثم» فيه استبعادية؛ لأن تعلُّم العلم إنما كان لنشره، ولدعوة الناس إلى طريق الحق، والكاتم يُزاول إبطال هذه الحكمة، وهو بعيد عن الحكيم المتقن. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 680).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم كتمه» بعدم الجواب أو بمنع الكتاب. مرقاة المفاتيح (1/ 303).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ثم كتمه» «ثم» للتراخي في الرتبة، فإن مرتبة كتمان العلم والسؤال عنه بعيدة في القبح والشناعة والإثم. لمعات التنقيح (1/ 560).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وكتَمه» أي: لم يبيِّنه للسائل. دليل الفالحين (7/ 183).
وقال المظهري -رحمه الله-:
واعلم أن المسألة التي يكون الإثمُ في ترك جوابها هي المسألةُ التي يحتاج إليها السائلُ في أمور دِينه، أما لو سُئل عن علم لا ضرورة له فيه، فلا يجب جوابه، بل يُخيَّرُ المسؤول في الجواب وتركه. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 321).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فمن أَمر بكتم ما وَصف اللهُ به نفسَه ووصفَه به رسولُه فقد كتم ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بيَّنه للناس في الكتاب، وهذا مما ذم اللهُ به علماءَ اليهود، وهو من صفات الزائغين من المنتسبين إلى العلم من هذه الأمَّة، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَن سُئل عن علمٍ يعلمه فكتَمَه ألجمه اللهُ يوم القيامة بلجام من نار»، وقد قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ} البقرة: 140. الفتاوى الكبرى (6/ 333).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وحَمَله سحنون المالكي على كتمان الشهادة التي يحملها، قال ابن العربي: والصحيح خلافه؛ لأن لفظ الحديث: «من سئل عن علم» ولم يقل: عن شهادة، والعمل على بقاء الحديث على ظاهره حتى يأتي مخصِّص له، فما كان من العلوم غير نافع في الدين جاز كتمُه، لا سيما إن كان مع ذلك خوف، فإن ذلك آكد في الكتمان، فقد كتم أبو هريرة راوي الحديث حين خاف فقال: "حفظتُ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعاءين، فأما أحدهما فبَثَثْتُه، وأما الآخر فلو بثثته لقُطِع هذا البلعوم" أخرجه البخاري، قال العلماء: وهذا الذي لم يبثثه وخاف على نفسه فيه الفتنةَ أو القتلَ إنما هو فيما يتعلق بأمر الفتن، والنص على أعيان المرتدين والمنافقين، ونحو ذلك. شرح سنن أبي داود (15/ 106).
وقال السفيري -رحمه الله-:
ولو كتم العلم عمن لا يستحقه ككثيرٍ من الجهال الذين لا ينتفعون بالعلم ولا يلتفتون إلى العمل به أو يخاف عليهم من الفتنة بما يتعلمونه؛ فلا إثم عليه حينئذ في كتمه. المجالس الوعظية (2/ 148).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وقد استدل بهذا الحديث والآية التي قال أبو هريرة عنها: "لولا آية في كتاب الله ما حدَّثتُكم"، وهي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} البقرة: 159 على وجوب تبليغ العلم وإظهاره للانتفاع به، ودل الحديث بتخصيصه على أن ما لا يُنتفع به في الدِّين لا يجب إظهارُه ولا تعليمُه، فلا يجوز تعليم الكافر القرآنَ والعلمَ حتى يُسلِم، وكذلك لا يجوز تعليم المبتدع الجدال والحِجَاج ليجادل به أهل الحق، ولا يعلِّم الخصم على خصمه حُجة يقتطع بها ماله، ولا يعلِّم المفتي المستفتي حِيَلًا يتوصل بها إلى أكل مال غرمائه بالباطل، ولا يعلّم السلطان تأويلًا يتطرق به على مكاره الرعية، ولا تُنشر الرخص عند السفهاء؛ فيجعلوا ذلك طريقًا إلى ارتكاب المحذورات وترك الواجبات؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُعَلِّقُوا الدُّرَّ في أعناق الخنازير»(ذكره ابن الجوزي في الموضوعات)، وروى ابن ماجه عن أنس: "واضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ" يريد تعليم الفقه لمن ليس من أهله. شرح سنن أبي داود (15/ 106-107).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وقوله: «من سُئل عن علم» المقصود: العِلم الشرعي، والشيء الذي يكون الناس بحاجة إليه، فمثلاً: شخص حصل له واقعة أو حصل له قصة فجاء وسأل فيجب بيان الحُكم له في هذه الواقعة، وأما بعض الأشياء التي إخفاؤها يكون فيه مصلحة فهذا المصلحة في إخفائها حتى لا يحصل من الناس التساهل في الأمور؛ مثال ذلك جاء في حديث معاذ -رضي الله عنه- لما قال: «أفلا أُبشر الناس؟ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا تبشرهم فيتكلوا»، فإن بعض الأشياء قد يكون فيها تهاون من الناس إذا علموا بحكمها؛ فكونهم يرغبون في جانب الوعد ويغفلون عن جانب الوعيد ليس من الحكمة وليس من المصلحة، فمِن العِلم ما ينبغي إخفاؤه، وهو ما يترتب على إظهاره مضرَّة. شرح سنن أبي داود (414/ 17).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«من سُئل عن علم فكتمه...» وهذا إذا علمتَ أن السائل يسأل لاسترشاده؛ فلا يجوز لك أن تمنعه، أما إذا علمتَ أنه يسأل امتحانًا وليس قصده أن يسترشد فيعلَم ويَعمَل؛ فأنت بالخيار إن شئت فعلِّمه وإن شئتَ فلا تعلِّمه؛ لقول الله تعالى: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} المائدة: 42؛ لأن الله علِم أن هؤلاء يأتون النبي -صلى الله عليه وسلم- يستحكمونه لا لأجل أن يعملوا بكلامه، ولكن لينظروا ما عنده! فإذا علمتَ أن هذا الرجل جاء يسألك عن علم امتحانًا فقط لا طلبًا للحق؛ فأنت بالخيار إن شئتَ فافعل وأفْتِه وعلِّمه وإن شئتَ فلا تُفتِه ولا تُعلِّمه، كذلك إذا علمتَ أنه يحصل مِن الفتوى مفسدةٌ كبيرة؛ فلا بأس أن تُرجئ الإفتاء، لا تكتم لكن لا بأس أن تُرجئ الإفتاء إلى وقت يكون فيه المصلحة؛ لأنه أحيانًا تكون الفتوى لو أفتيتَ بها سببًا للشر والفساد، فأنتَ إذا رأيتَ أنها سببٌ للشر والفساد وأجَّلتَ الإجابةَ فلا حرج عليك في ذلك، والله الموفق. شرح رياض الصالحين (5/ 448).
قوله: «أُلْجِمَ يوم القيامة بلِجَام من نار»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
«أُلْجِمَ بلجام من نار» المُمسِك عن الكلام مُمَثَّل بمن أَلجم نفسَه كما يقال: "التُّقى مُلجِم"، وكقول الناس: "كلَّم فلانٌ فلانًا فاحتجَّ عليه بحُجة أَلْجَمتْه" أي: أسكتتْه، والمعنى: أن الملجِم لسانَه عن قول الحق والإخبار عن العلم والإظهار له يعاقَب في الآخرة بلجامٍ من نار.
وخرج هذا على معنى مشاكلة العقوبة الذنبَ كقوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} البقرة: 275. معالم السنن (4/ 185).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«ألجم بلجام من نار» أي: جُعِل وأُدخِل في فمه لِجَامٌ من النار؛ يعني: مَنْ سألَهُ أحدٌ عن مسألةٍ عَلِمَها ثم أخفاها، ولم يُعلِّمها السَّائل جُعل له يوم القيامة لِجَام من النار، وإنما عذب فمه لأن الفم موضع خروج العلم منه، فلما لم يُجِبِ السَّائل وسكت، جازاه عن سكوته بلجام من النار. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 321).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ألجمه الله تعالى بلجام من نار يوم القيامة» في هذا بيان تعظيم تحريم كتمان العلم المحتاج إليه، فإن التحريم يزيد بزيادة الاحتياج، كمن يرى رجلًا حديث عهد بالإسلام ولا يحسن الصلاة وقد حضر وقتها فيقول: علمني أُصلّي.
ومقتضى هذا الحديث: أن الكاتم للعلم يُفعَل به ما فَعل بالناس في الدنيا، فكما أَلجم نفسَه في الدنيا بلجام السكوتِ يلجمه الله يوم القيامة بلجامٍ من نار؛ ليُظهر للناس في الآخرة كتمه للعلم الذي تفضل الله عليه به في الدنيا فكتَمَه عن خلقِه، فيجمع له يوم القيامة بين العقوبة بلجامٍ النار ومذمَّة الناس له في الموقف وشهرته بذلك، كما أنَّ مَن أظهر العلم ونشره للناس ورفع بعضهم به في الدنيا بتعليمه؛ يرفعه الله تعالى يوم القيامة على منابر من نور؛ ليَظهروا للناس ويقصدوهم بالشفاعة؛ فإنهم يشفعون بعد الأنبياء، جعلنا الله تعالى منهم. شرح سنن أبي داود (15/ 105-108).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» جعل في فيهِ لجامًا من نار جزاء له على فعله؛ حيث لجم نفسه بالسكوت في محل الكلام، وفي العقوبة بذلك غاية المناسبة؛ لأنه بَخِلَ بفتح فِيه بالجواب فعُوقب في فيه بالإلجام، وقد قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} آل عمران: 187. والآيات كثيرة، والوعيد على كاتم العلم شديد، فجواب السؤال بالصفة المذكورة واجب قطعًا، وتاركه تارك لواجب معاقب على تركه. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 250).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
شبَّه ما يوضع فيه من النار بلجام في الدابة، وهو إنما كان جزاء إمساكه عن قول الحق، وخصّ اللجام بالذكر تشبيهًا له بالحيوان الذي سُخِّر ومُنِع مِن قصد ما يريده، فإن العالِم شأنه أن يدعو الناسَ إلى الحق، ويرشدهم إلى الطريق المستقيم، قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} آل عمران: 187، لا سيما وقد سُئل عما يضطره إلى الجواب، فإذا امتنع منه جوزي بما امتنع عن الاعتذار، كما قال الله تعالى: {وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} المرسلات: 36، ويدخل في زمرة من {نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ} يس: 65. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 680).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
تنبيه: عَدُّ هذه كبيرةً هو ما صرح به غير واحد من المتأخرين، وكأنهم نظروا إلى ما ذكرتُه من هذا الوعيد الشديد فيه، وليس ذلك على إطلاقه؛ فإن الكتم قد يجب، والإظهار قد يجب وقد يندب، ففيما لا يحتمله عقلُ الطالب، ويُخشى عليه من إعلامه به فتنةً؛ يجب الكتم عنه، وفي غيره إن وقع -وهو فرض عين أو في حكمه- وجب الإعلام، وإلا نُدب ما لم يكن وسيلة لمحظور. الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 154).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
وقال الفيروز آبادي في سِفْرِ السعادة: "إنه لم يصح في هذا الباب شيء" انتهى، ومع ذلك الظاهر أنه يكون إذا كان العلم فرضًا، ولم يكن هناك مانع صحيح ديني أو دنيوي، بل يكون للبخل وعدم الاعتناء بالعلم والدين. لمعات التنقيح (1/ 560).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«ألجمه الله بلجامٍ من نار» يعني: يكون الِّلجام على فمِه مماثلة للعمل الذي حصل منه، وهو كونه لم يتكلم بالعلم ولم يبد العِلم، ولم يحدث به ولم يخبر به وإنما منعه، فصار الجزاء من جنس العمل، فكما أنه لم يحرك فمه بالنطق بالحق، وإنما أغلقه وأقفله فإنه يوم القيامة يلجم بلجام من نار، يعني: أن الجزاء من جنس العمل. شرح سنن أبي داود (414/ 17).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ألجم يوم القيامة بلجام من نار» فيه: عظم وعيد كتم العلم الشرعي بشرطه. دليل الفالحين (7/ 183).